البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تشريع العقل الكلامي وتأسيس الخطاب الديني

الباحث :  الأستاذ يحيى محمد
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  57
السنة :  السنة الخامسة عشر ربيع 1431هجـ 2010 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  350
تشريع العقل الكلامي وتأسيس الخطاب الديني

الأستاذ يحيى محمد (*)

تتحدَّد العلاقة بين العقل والخطاب الدّينيّ طبقاً لوجود ثلاثة أنماط من التأسيس العقليّ. فمن حيث التسلسل المنطقيّ تكون البداية مع تأسيس النَظر القبليّ، ثمَّ بعده تأسيس الخطاب من الخارج، وأخيراً تأسيس هذا الأخير من الداخل. والوظيفتان الأخيرتان مختلفتان في الغرض، حيث تعمل الأولى على إثبات المسألة الدّينيّة، في حين تعمل الأخرى على فهمها. لكن ما يجمع هاتين الوظيفتين هو التشريع العقليّ ومنافسته لتشريع الخطاب. وسنفصّل الحديث عن كلٍّ منهما كالآتي:
النقطة الأولى : التأسيس الخارجيّ للخطاب الدّينيّ
يتوقَّف إثبات المسألة الدّينيّة على عددٍ من قضايا العقل كما يصوِّرها أصحاب دائرة الكلام العقليَّة، بعضها يعود إلى القضايا المشتركة، والبعض الآخر يختصُّ بنوعين من التشريع العقليّ، أحدهما يعود إلى ما نُطلق عليه منطق (الحقِّ الذَّاتي) كما يتمثَّل بكلٍّ من المعتزلة والزيديّة والإماميّة الاثني عشريّة، ويعود الآخر إلى منطق (حقِّ الملكيّة) مثلما يتمثّل بالأشاعرة.
وأهمُّ قضيةٍ يَشترك فيها المنطقان الآنفا الذكر هي تلك التي لها علاقة بإثبات المسألة الإلهيّة، حيث جنّد لها المنطقان أدلَّة مشتركة قائمةٌ على الاعتبارات القبليَّة الخاصَّة بمفاهيم الجسم والعرض والجوهر والحدوث وما إليها.
ففيما يتعلّق بإثبات وجود الله قدَّم أصحاب الدائرة العقليَّة عدداً من الأدلَّة أهمّها
________________________________________
(*) باحث مختصّ في قضايا الفكر الدّيني المعاصر، من العراق.

[الصفحة - 9]


ما يُطلق عليه دليل الحدوث، وهو أنَّه لمَّا كانت الأشياء الخارجيّة مكوّنة من الأجسام أو الجواهر الفردة، وأنَّ هذه الجواهر تقوم فيها أعراض أو حالات متغيِّرة كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق، فإنَّه على ذلك تكون الأعراض حادثة باعتبارها تحدث بعد أن لم تكن ثمَّ تزول، حيث الحدوث عبارةٌ عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وبالتالي فلا بدَّ لها من محدِث. وحيث أنَّ الجواهر لا تنفكُّ عن الحوادث، وكلُّ ما لا يَخلُ عن الحوادث فإنَّه لا بدَّ أن يكون حادثاً مثله، فالأجسام لا تنفكُّ عن الأعراض، والأعراض حادثة، لذا فالأجسام حادثة مثلها، وبذا يَثبت أنَّ لها محدِثاً، وهو الله، حيث لا يمكن أن يكون الأمر متسلسلاً من غير نهاية (1).
وقد تعرَّض هذا الدليل لجملةِ انتقادات أبرزها ما قدَّمه الفيلسوف (ابن رشد) في هذا الصَدد، حيث أنّه لخَّصَ الدليل بثلاث مقدِّمات قبل نقدها، وذلك كما يلي:
1ـ لا تخلو الجواهر من أعراض ولا تنفكُّ عنها.
2ـ إنَّ الأعراض حادثة.
3ـ كلُّ ما لا ينفكُّ عن الحوادث لا بدَّ أن يكون حادثاً مثله.
وقد اعترض (ابن رشد) على المقدِّمة الأولى فالخلاف حول الجوهر الفرد بين العلماء والفلاسفة كثير، أو أنّ عليه من الأقاويل الكثيرة المتضادَّة، وأنَّه ليس معروفاً بنفسه، فهل له وجود أم لا، سيّما وأنَّ الفلاسفة ينفونه ويرون أنَّ كلَّ جزءٍ من الجسم قابلٌ للانقسام إلى ما لا نهاية له من الأجزاء. ولا شكَّ أنَّ أصحاب الدائرة العقليّة على علمٍ بمثل هذا الخلاف الحاصل بينهم وبين الفلاسفة، وأنَّ كلا الطرفين يضع من الأدلَّة لإثبات موقفه من ذلك الجوهر، إنْ كان يقبل الانقسام كما يقول الفلاسفة أو لا يقبل كما يقول أصحاب الدائرة العقليّة (2).
وحول المقدّمة الثانية اعتبر (ابن رشد) أنّه لا دليل للعقليين على حدوث جميع الأعراض، وذلك أنَّهم بنوا هذه المقدِّمة طبقاً لدليل الشاهد على الغائب، فإذا كنَّا نشهد حدوث الأعراض في الأجسام الأرضيَّة، فإنَّ الأمر في الجسم السماويِّ غير معلوم، سواء بالنسبة له أو بالنسبة إلى أعراضه الخاصّة، إذ
________________________________________
(1)الباقلاني: تصحيح الأب رتشرد يوسف اليسوعي، المكتبة الشرقية، بيروت، 1957م، ص22ـ23، والهمداني: شرح الاصول الخمسة، تعليق الامام احمد بن الحسين بن أبي هاشم، حققه وقدم له عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، مصر، الطبعة الثالثة، 1416هـ ـ1996م، ص94، والمفيد: النكت الاعتقادية، طبعة طهران، ص5ـ6 .
(2) يلاحظ بهذا الصدد ان العلم الحديث يخالف كلا النظريتين الفلسفية والكلامية حول انقسام الجزء، كالذي بيناه في بعض الدراسات (انظر: نقد العقل العربي في الميزان، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، الطبعة الاولى، 1996م، الفصل الخامس).

[الصفحة - 10]


ليس بالضرورة أن يكون حاله حال الجسم عندنا. وينطبق الأمر أيضاً على الزمان، حيث أنَّه من الأعراض، لكن ليس للحسِّ دلالة تُشير إلى أنَّه حادث. وكذا ينطبق على المكان الذي يكون فيه العالم، حيث كلّ متكوِّن فالمكان سابق له، الأمر الذي يعسر تصوّر حدوثه.
أمَّا المقدِّمة الثالثة فقد نقدها ابن رشد من حيث عدم امتناع أن يكون المحلّ مورداً لجنس الحوادث دون أن يكون حادثاً هو الآخر. فقد تتعاقب على المحلّ أو الجسم أعراضٌ غير متناهية متضادّة وغير متضادّة، مثل حدوث الحركات غير المتناهية الذي تعتقد به الفلاسفة (3).
وحول إثبات مسألة التوحيد اعتمد الكثير من أصحاب الدائرة العقليّة على دليل التمانع، وخلاصته هو أنَّه لو فرضنا وجود إلهين، اراد احدهما خلق إنسان، وأراد الآخر عدم خلقه، ففي هذه الحالة إمّا أن يتحقّق المرادان، أو لا يتحقّقا، أو يتحقَّق أحدهما، فالفرض الأوّل مستحيلٌ لأنَّه يعني التناقض، والآخر مستحيلٌ أيضاً لأنَّه يعني الوسط المرفوع، أمَّا الأخير فهو الصحيح وبه تثبت الألوهيّة، وهو معنى قوله تعالى : {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَ} (4).
وعادةً ما يَرِد على هذا الدليل عدد من الإشكالات، مثل: لِمَ لا يُفترض وجود إلهين قادرين ينتج عنهما مقدورٌ واحد؟ ولِمَ لا يُفترض أنَّ القادرين يتَّفقان فلا يتمانعان؟ كذلك لِمَ لا يكون لكلِّ إلهٍ خلقه الخاص دون العلم بالآخر أو القدرة على منعه؟ أو كما جاء في شبهة (ابن كمّونة) التي افترضت وجود هويَّتين بسيطتين كلٌّ منهما عبارة عن موجود بسيط مستغن عن العلّة مطلق (5).
والحقيقة أنَّه لا هذا الدليل ولا دليل الحدوث المقدَّم لإثبات وجود الله يُمكن أنْ يُقنع الباحث، إنَّما الدليل على ذلك قائم على لحاظ الواقع. فمن جانب أنَّ العرَض والجوهر كلاهما متغيِّران بلا فرق، وأنَّ ذات الشيء وتغيَّره كلاهما يُعبِّران عن حقيقة الموضوع الخارجيّ بما أطلقنا عليه في دراسة مستقلَّة (الوجود الصيروريّ) (6).
________________________________________
(3) ابن رشد: مناهج الأدلة في عقائد الملة، تحقيق وتقديم محمود قاسم، مكتبة الانجلو المصرية، الطبعة الثانية، ص140 .
(4) الاشعري: اللمع، مطبعة مصر، 1955م، ص20ـ21، والتمهيد، ص25 .
(5) لاحظ هذه الشبهة في: صدر المتألهين الشيرازي: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، مع تعليقات ملا هادي السبزواري ومحمد حسين الطباطبائي، دار احياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1981م، ج6، ص58ـ60، وج1، ص132 .
(6) انظر كتابنا: الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية، دار الهادي، ص51 .

[الصفحة - 11]


وحيث أنَّ التغيّر لم يكن على وتيرةٍ واحدةٍ، بل إنَّه تغيّر بلا حدود، فإنَّ ذلك يكشف عن أنَّ له أسباباً خارجيَّة طبقاً لمبدأ السببيَّة، إذ لو كان التغيّر حادثاً بحسب الطبيعة الذاتيّة للمادّة لكان تغيّراً على وتيرةٍ واحدةٍ، أي لكان التغيّر ثابتاً من غير تغايرٍ، أمَّا والتغاير حاصل فإنَّ ذلك يحتاج إلى تعليل مردّه من الخارج، وهو ما يُثبت العلل الميتافيزيقيَّة، ومن ثمَّ وجود الله.
ومن جانب آخر أنَّه بحسب الحسابات الاحتماليّة لا يُعقل إطلاقاً أن يكون النِّظام في الواقع المشهود قائماً على المصادفة العمياء، حيث إمَّا أنْ نفسِّر النِّظام في علاقات الطبيعة بأنَّه طبقاً للمصادفات العشوائيّة، أو نفسِّره بأنَّه تبعاً لوجود عقلٍ حكيمٍ. ولا شكَّ أنَّ العمل بإجراء الحساب الاحتماليّ لا يُبقي للفرض الأول أيّ قيمة يُعدّ لها اعتبار، بل تنسحب أغلب القِيَم الاحتماليَّة لصالح محور إثبات تلك القضيَّة، حيث إنَّ استنتاجها لا يختلف عن استنتاج النظريَّات العلميَّة من حيث النظر إلى وحدة الأساس، بل إنَّها تفوق غيرها بكسبها ما لا يُحصى من القرائن الدَّالة عليها دون منافسٍ، فليست هناك ظواهر مضادّة تعمل على تكذيبها. كما تتّصف الأطراف فيها بأنّها ذات تعدّديّة مغلقة خلافا للنظريَّات العلميّة المفتوحة فأيّ نظريّة علميّة تُتخذ للتفسير يُمكن استبدالها بأخرى تفوقها من غير حدود. الأمر الذي لا ينطبق على القضيَّة الإلهيَّة باعتبارها تتضمَّن طرفين فقط؛ أحدهما لصالح هذه القضيَّة، والأخرى لصالح المصادفات العشوائيَّة المحضة، وبالتالي إذا كانت القرائن متَّجهة نحو إثبات القضيَّة فإنَّ ذلك يعني دحضاً للطرف الآخر، اذ ليس هناك طرف ثالث منافس في هذه المعادلة. ويُمكن القول أنَّه لا توجد قضيَّة خارجيَّة يُمكن أن تحظى بتأييد معرفيَّ مثلَما هو الحال مع هذه المسألة، فحتَّى القضايا الحسيَّة رغم أنَّنا نتعامل معها بحسب القطع واليقين، لكنَّها من حيث التحليل لا تصل إلى الدرجة المعرفيَّة التي تختزنها تلك المسألة، وذلك لكثرة ما تحظى به من قرائن لا نهائيّة (7) .
وهذا الحال ينطبق على إثبات التوحيد، حيث إنَّ وحدة هذا النِّظام تدلُّ على
________________________________________
(7) انظر حول ذلك كتابنا: الاستقراء والمنطق الذاتي، مؤسسة الانتشار العربي، ص212ـ214.

[الصفحة - 12]


وحدة المصدر، إذ لو كان هناك أكثر من إلهٍ لكنَّا نجد آثار الاختلاف في الخلق، أو فساده واضطرابه، وحيث أنَّنا لم نجد ذلك فالأمر دالٌ على صدوره عن واحد أحد. وهو ما يُرشد إليه قوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ}(المؤمنون :91) وقوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَ} (الأنبياء: 22). حيث تدلُّ الآية الأولى على نفي الاختلاف، وتدلُّ الأخرى على نفي الاضطراب والفساد. وبالتالي فلو كان هناك اتِّفاق بين إلهين لبانَ التعدّد في آثارهما، ولدلّت عليه الحسابات الاحتماليَّة، مثلما دلَّت على عظمة الخالق ووحدته. كذلك فإنَّ افتراض وجود إلهين قادرين يَنتج منهما مقدورٌ واحد، هو افتراض معقَّد لا مبرِّر له، حيث يكفي أن يكون المقدور الواحد صادراً عن إلهٍ فرد. مثلما أنَّه لا مبرِّر لافتراض التسلسل في الآلهة أو العلل، حيث يكفي تفسير النِّظام القائم طبقاً لأصلٍ واحدٍ تبعاً لمبدأ البساطة المعتمد عليه في العلوم الطبيعيّة (8) .
يُضاف إلى ما سبق أنَّ هناك قضايا رئيسة أخرى يتوقَّف عليها إثبات المسألة الدينيّة. وهنا يأتي دور المنطقَين الخاصّين بالدائرة العقليَّة، حيث لكلٍّ منهما تشريعه الخاصّ تبعاً للاعتبارات التي يفرضها أصله المولِّد، وهو ما سنتعرف عليه كالتالي:
الحق الذَّاتيّ والتأسيس الخارجيّ
يرى منطق الحقِّ الذَّاتيّ أنَّ أوّل الواجبات هو الواجب العقليّ المتمثِّل بوجوب النظر، والذي يؤدِّي إلى معرفة الله وصفاته الرئيسة. فعلى ذلك يتأسَّس التشريع العقليّ الخاصّ بسائر الألطاف ومتفرَّعات الحُسن والقُبح، كما يتأسَّس الخطاب الدّينيّ من الخارج. فبحسب هذا المنطق أنَّه لا يُمكن الاستدلال بالسمع ما لم تتقرَّر جملة من الأمور العقليَّة، كمعرفة الله وعدالته وحكمته وأنَّه لا يفعل القبيح مطلقاً. فلهذه المعارف أهميَّة خاصَّة لتصحيح صدق الباري في كلامه وإخباره، وأنَّه لا يُجري المعجز على يد الكذّابين. وعندئذٍ يُمكن الاستدلال بالسمع والاحتجاج به، لأنَّ صحَّته تتوقَّف على هذه الأمور العقليّة (9) . ومن الواضح أنَّ جميع هذه القضايا، باستثناء معرفة الله، هي
________________________________________
(8) لاحظ كتابنا: القطيعة بين المثقف والفقيه، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، الطبعة الاولى، 2005م، ص20ـ21.
(9) شرح الاصول الخمسة، ص226 و355.

[الصفحة - 13]


قضايا معياريَّة تحدِّدها قاعدة الحسن والقبح العقليِّين. بل حتَّى معرفة الله إنَّما تتحقَّق بشكلها الطبيعيّ عبر تلك القضيَّة المعياريَّة الخاصّة بوجوب النظر العقليّ كما أسلفنا. وبالتالي فإنَّ إثبات المسألة الدينيَّة متوقِّف على تلك القاعدة. لذلك قال بعض أتباع هذا المنطق: إنَّ عزل العقل عن إدراك الحسن والقبح يوجب هدم أساس إثبات الصانع، ويلزم عنه إفحام الأنبياء، وبالتالي يوجب هدم أصل الشريعة (10) .
ويُمكن القول أنَّ التشريع العقليَّ لدى هذا المنطق يُفضي إلى تأسيس العديد من المسائل الوجوديَّة، وعلى رأسها المسألة الإلهيَّة. ولأجل ذلك ظهر البحث في القضايا الكونيَّة، كالبحث في الجسم والأعراض والجوهر والجزء والخلأ والمكان والزمان وغيرها. فالغرض من هذه البحوث هو إثبات المسألة الإلهيَّة، وأنَّ الغرض من هذه الأخيرة هو إثبات التكاليف العقليَّة والدينيَّة وفقاً للحقِّ الذَّاتيّ، رغم ما يُفضي إليه الأمر من الدور كما لاحظنا في السابق. وعرفنا أيضاً أنَّ التكاليف الدّينيَّة تتوقَّف على صحّة التكاليف العقليّة من غير عكس. فبحسب هذا المنطق تحتوي العقول على إدراك الأمور التكليفيّة بصورة إجماليّة لا تُعرف تفاصيلها إلا عبر السمع أو الخطاب الدّينيّ (11). وهو بذلك يجعل من هذه التكاليف مبرّراً لإثبات منظومة الحقائق الدينيّة. لذلك كان وجوب النظر هو أوَّل هذه التكاليف وأساس إثبات سائر التكاليف الأخرى، سواء العقليَّة منها أو الدينيّة.
ويُضيف هذا المنطق إلى أنّ الخطاب الدّينيّ قد حثّ على النظر نفسه؛ كمنبّهٍ لما ينبغي على العقل فعله، لذلك أشار جماعة من أتباعه إلى أنَّ الله تعالى قد وبّخ الكفَّار بسبب تركهم الاستدلال بعقولهم على وحـدانيّته وربوبيّته بمـا يشاهدونه في أنفسهم وغيرهم، فقال تعالى: {لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ} (آل عمران: 190)، وقال: {لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى} (طه: 54)، وقال: { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } (البقرة: 44)، وقال:{لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (البقرة: 164)، وقال: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ } (الملك: 10) (12) . ويتوقَّف إثبات المسألة الدينيَّة على العديد من الواجبات والشروط العقليَّة التي تجمعها نظريَّة اللطف،
________________________________________
(10) الكاظمي: فوائد الاصول، من افادات الميرزا محمد حسين النائيني، تعليقات ضياء الدين العراقي، مؤسسة النشر الاسلامي، قم، ج3، ص59 .
(11) الهمداني: المجموع المحيط بالتكليف في العقائد، تحقيق عمر السيد عزمي، مراجعة احمد فؤاد الاهواني، المؤسسة المصرية للتأليف والانباء والنشر، ج1، ص22 .
(12) الزركشي: البحر المحيط، شبكة المشكاة الالكترونية، فقرة 81.

[الصفحة - 14]


ومن ذلك إثبات البعثة وعصمة الأنبياء، وكذا الأئمَّة لدى بعض المذاهب، حيث إنَّ هذه القضايا هي المفصل المباشر لتأسيس الخطاب من الخارج، كالذي سنتعرَّف عليه أدناه:
لمنطق الحقِّ الذَّاتيّ عدد من المبررات التي تؤكِّد وجوب بعثة الأنبياء على الله تبعاً لنظريَّة اللطف، كالتي ذكرها الشيخ الطوسيّ بقوله: «الذي يدلُّ على حسن بعثة الرسل فهو ما يؤدّونه إلينا من المصالح والألطاف؛ لأنَّه لا يمتنع أن يعلم الله تعالى أنَّ في أفعال المكلَّف ما إذا دعاه إلى فعل الواجب العقليّ أو صرفه عن فعل القبيح العقليّ، أو ما إذا فعله دعاه إلى فعل القبيح والإخلال بالواجب، فيجب إعلامه ذلك، لأنَّ الأوَّل لطف له والثاني مفسدة، ويجب عليه تعالى إزاحة علَّته في التكليف في فعل اللطف على ما بيَّناه فيما مضى، ولا يُمكن إعلام المكلَّف ذلك إلا بأن يَبعث إليه نبيّاً يعلِّمه ذلك، وإنَّما قلنا ذلك لأنَّه لا يُمكن الوصول إلى ذلك باستدلالٍ عقليّ، ولا يَحسن خلق العلم ضرورةً بذلك لأنَّ التكليف يمنع منه، فلم يبق بعد ذلك إلا بعثة الرسول ليعرِّفه ذلك، وهذا الوجه الذي نقول أنَّه متى حسنت بعثة الأنبياء وجبت، فلا ينفصل الحسن من الوجوب، وإنَّما قلنا لا يمكن العلم بهذه الألطاف ضرورة؛ لأنَّا قد بينَّا أنَّ العلم بالله تعالى إنَّما يكون لطفاً إذا كان كسباً، وإن كان ضرورة لا يكون لطفاً» (13) .
بهذا المعنى تكون التكاليف السمعيّة ألطافاً للتكاليف العقليَّة، فاللطف يدعو إلى كلّ من فعلِ الواجبات وترك المناهي، ومنها الواجبات والمناهي العقليَّة، فمثلاً : «إنَّا نعلم ضرورة أنَّ الإنسان إذا واظب على فعل الصلاة والصوم مثلاً دعاه ذلك إلى العلم بالله تعالى وصفاته، ليعلم أنَّ العبادة هل هي لائقة به أم لا. وكلُّ لطفٍ واجبٍ كما تقدَّم» (14) .
وشبيهٌ بذلك ما أكَّده (القاضي الهمدانيّ) في تحديد وجوب لطف النبوَّة بما تقرَّر لدى العقل من أنَّ الأفعال يدعو بعضها إلى بعض ويصرف بعضها عن بعض «فإذا علم الله أنَّ فعل المكلف ما إذا تمسَّك به كان أقرب إلى فعل الواجبات، أو أنَّه
________________________________________
(13) الطوسي: مهيد الاصول في علم الكلام، انتشارات دانشگاه طهران، 1362هـ.ش، ص313، كما لاحظ على هذه الشاكلة: النكت الاعتقادية، ص26 .
(14) الحلي: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، مؤسسة الاعلمي، بيروت، الطبعة الاولى، 1979م، ص375 .

[الصفحة - 15]


يكون فاعلاً لها لا محالة، ولم يكن في قوَّة العقول ما يُمكن معه الوقوف على تفاصيله، فلا بدَّ من حكمة أن يبعث إليهم من يُعرِّفهم به. وبعبارةٍ أخرى إنَّ ما يحصل للمكلَّفين من الصلاح في بعض أفعالهم التي لا يُمكنهم أن يقفوا عليها بعقولهم فلا بدَّ من أن يزيح الله علَّتهم بالبيان ونصب الأدلَّة، كما لا بدَّ فيما هو لطفٌ من فعله تعالى أن يفعله، فإذا لم يكن لضرورةِ العقل مدخلٌ في معرفة ذلك، ولا لأدلَّة العقول والنظر مجال، فلا بدَّ من طريقةٍ أخرى يعلِّمهم الله بواسطتها، وهذه هي طريقة السمع والنبوَّة». وأكَّد (القاضي) أيضاً بأنَّ سبب وجوب البعثة هو أنَّ فيها وجوهاً تَحسنُ عليه(15) .
كما قدّم هذا الشيخ تفصيلاً حول وجوب البعثة وعدمه، فذكر ثلاثة أحوال:
«1ـ فإمَّا أن يكون من المعلوم من حالهم ـ أي حال المكلَّفين ـ التمسّك بسائر ما كُلَّفوه عقلاً، سواء تمسَّكوا بما نزل عن طريق النبوّة أو لم يتمسَّكوا به، ومثل هذا المكلَّف لا تجب بعثة الرسول له لتأكيد ما يستملك به الأمور العقليَّة، ولكنها واجبة لما يتَّصل بالتكليف السمعيّ.
2ـ أن يكون المعلوم من حالهم أنَّهم لا يتمسَّكون بما في عقولهم أو بعضها، وهؤلاء لا تؤثِّر البعثة في حالهم من حيث أداؤهم الواجبات العقليَّة، ولذلك لا تجب بعثة الرسول إليهم عقلاً، ولكنَّها تجب سمعاً لإقامة الحجَّة، ومعرفة التكليف السمعيّ.
3ـ وأخيراً فإنَّ هناك من المعلوم من حاله أنَّه إذا تمسَّك ببعض الشرائع صلح في بعض ما كُلِّف به شرعاً وعقلاً واختار الواجب، ولولاه كان لا يختاره، وهذا النوع هو الذي تحسن البعثة له وتجب عقلاً وشرعاً. وإذاً فإنَّ النبوَّة تجب للمكلَّفين جميعاً، وإن اختلفت سبل وجوبها لهم» (16) .
نستخلص ممَّا سبق النقطتين التاليتين:
1ـ إنَّ سبب وجوب بعثة الأنبياء يعود إلى كونها لطفاً؛ من جهة حثّها على الواجبات ومنها الواجبات العقليَّة وتفصيلها لما يُجمله العقل من واجباتٍ ومنهيَّات.
________________________________________
(15) عبد الكريم عثمان: نظرية التكليف، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1391هـ ـ1971م، ص94ـ95، وشرح الاصول الخمسة، ص564.
(16) نظرية التكليف ص95ـ96.

[الصفحة - 16]


2ـ إنَّ تعيين هذا الوجوب مستندٌ إلى ملاحظة جهات الحسن فيها.
فحول هاتين النقطتين سنُجمل نقاشنا عبر الفقرتين التاليتين:
1ـ أوّل ما يُلاحظ أنَّه لا يمكن البتّ في وجوب اللطف، فليس كلُّ ما يدعو إلى فعل الحسن يكون واجباً، ولا كلُّ ما يدعو إلى فعل القبيح يكون محظوراً. ويظلُّ العلم بهذا الوجوب متوقِّفاً على العلم بالحكمة. والعلم العقليّ بطبيعة هذه الأخيرة منفيٌّ في مجمل الأفعال الإلهيَّة. ولو أخذنا بنظريَّة اللُّطف لاعتبرنا بأنَّ من الواجب ملء فراغ الفترات الشاغرة للأنبياء والأئمَّة، فاستمرار وجودهم من غير انقطاعٍ يعمل على حفظ الدَّعوة إلى فعل الحسن وتجنّب القبيح، بل لكان من الواجب أيضاً أن تكون بعثات الأنبياء ورسالاتهم شاملةٌ لكلِّ الناس على السواء، وذلك لنفس العلَّة من اللُّطف الخاصّ في الدعوة إلى فعل الحسن وتجنّب القبيح، ولأصبحنا اليوم نحفل بوجود عدد من الأنبياء أو الأئمّة، طالما ظلَّت الحاجة إليهم قائمةً في رفع اللبس والانقسام بين الناس حول معرفة الحقيقة الدينيّة وتقويم السلوك، وذلك لنفس المبرِّرات والدواعي التي وجبت بها بعثة الأنبياء في السابق.
2ـ كذلك يُمكن القول أنَّه لا دليل على وجوب النبوَّة تبعاً لملاحظة وجوه الحسن فيها، إذ ما الذي يؤكِّد أنَّه لا بديل لهذه الوجوه؟ فلعلَّ هناك مصالح أُخرى سوى البعثة لا نعلمها قد تستوجب التعيين؛ مثل افتراض أن تكون حكمة الله ناظرةً إلى ما يتحقَّق للإنسان من مكاسب وتطوَّرات بفعل الخبرة التاريخيّة، كالذي يُشاهد في القضايا الدنيويَّة التي تتقبّل البحث العلميّ. وبالتالي يتعذّر علينا معرفة الواجبات الإلهيَّة الفعليَّة؛ طالما ليس باستطاعتنا العلم بكافَّة وجوه الحسن والحكمة في الخلق.
على أنَّ هناك صورةً أخرى لإثبات النبوَّة منسوبة إلى الحكماء (الفلاسفة)، وهي طريقة كلاميّة غير فلسفيّة، وتقريرها كالتالي: «كلَّما كان صلاح النوع مطلوباً لله تعالى كانت الشريعةُ واجبةً، وكلَّما كانت الشريعةُ واجبةً كانت البعثةُ واجبةً، فكلَّما كان صلاح النوع مطلوباً فالبعثةُ واجبةٌ»(17) . وواضح أنَّه لا يمكن البتّ في المقدِّمة الأولى،
________________________________________
(17) السيوري الحلي: ارشاد الطالبين الى نهج المسترشدين، منشورات مكتبة المرعشي النجفي، قم، 1405هـ، ص297ـ298 .

[الصفحة - 17]


إذ قد يكون صلاح النوع مطلوباً بأمرٍ آخر غير المسألة الدينيَّة. كما أنَّ استخدام مصطلح (الوجوب) إن كان يُقصد به ما تعارف لدى أهل الكلام من أنَّ تركه قبيح؛ فهو غير لازمٍ عن تلك المقدِّمة، وإن كان يقصد بالوجوب ما تعارف لدى أهل الفلسفة من معنىً مرادف للضرورة والحتميّة؛ فهو غير معقول بالمرّة.
ومن الناحية العقليَّة الصِرفة تظلُّ مسألة البعثة مرجَّحة تبعاً لقضايا الاحتمال، حيث من مصلحة الناس أن يأتيهم الأنبياء لحثِّهم على الفعل الحسن وتجنَّب القبيح، ولأن يطمئنّوا إلى أنَّ ما يفعلونه من خيرٍ وما يُصيبهم من شرٍ لا يذهب سدىً، فمثل ذلك لا يتحـقَّق بقوّةٍ أخـرى أفضل من النبوّة. أمَّـا إثباتها فيعتمدُ على دراسة الواقع الخاصّ بمدَّعي النبوَّة وفقاً للقرائن الاستقرائيّة وحسابات الاحتمال، كالذي فصّل الحديث عنه المفكِّر (الصدر) في (المرسل، الرسول، الرسالة)، فلو ثبت صدق جزئيَّة واحدةٍ موَجَبةٍ لدل ذلك على صدق القضيّة على النحو الكليّ.
حقّ الملكيَّة والتأسيس الخارجيّ
كنا قد عرفنا ـ تبعاً لمنطقِ الحقِّ الذّاتيّ ـ أنَّ تأسيس المسألة الدينية يستند إلى الواجبات المعياريَّة قبل أيّ اعتبارٍ آخر، فتبدأ العمليّة بإثبات الواجبات المتعيّنة على المكلَّف، وعلى رأسها وجوب النظر، ليتمّ من خلالها إثبات حالة الثبوت التي تتعيَّن بها الواجبات المُفتَرضة على المكلِّف، ومنها واجبات بناء المسألة الدينيّة وفق بعثة الأنبياء والعصمة. لكن الأمر مع منطق حقِّ الملكيَّة يختلف تماماً، فهو لا يَسمح بوجود واجباتٍ عقليَّة مُفترَضةٍ سلفاً، طالما أنَّ كلَّ واجبٍ تكليفيّ مبعثه من المالك الحقيقيّ لا غير، ممّا يعني أنّه لا بدَّ من إذن شرعي لتبرير الواجبات دون أن يكون للعقل حظُّ من التشريع. وأيضاً فإنَّه بحسب اعتبارات البداهة الأوليَّة لهذا المنطق لا مجال للقول بواجبات المكلِّف، حيث إنَّ هذا الأخير يمتلك سلطة الواجبات بإطلاق دون أن تعلو عليه سلطةٌ أُخرى كما هو واضح. وهذا يعني أنّ المسألة الدينيَّة لا يمكنها أن تتأسَّس على القضايا المعياريّة، إذ أي تأسيسٍ لها على هذه القضايا يُفضي بها إلى التناقض
________________________________________

[الصفحة - 18]


والصدام مع الأصل المولِّد، وهو ما كان يعيه أصحاب هذا المنطق.
والسؤال المطروح: على ماذا تتأسَّس المسألة الدينيَّة إذاً؟
من الواضح أنَّه لم يبق من الأمر شيء سوى أن يكون تأسيسها قائماً على القضايا الوجوديّة أو التكوينيّة. وإذا كنَّا نعلم أنَّ الغالب على المسألة الدينيَّة هو المضمون المعياريّ، فهذا يعني أنّ الأمر المعياريّ أصبح يتأسَّس وفقاً للأمر الوجوديّ، ممَّا يقرِّب هذا الاتِّجاه من الاعتبارات التي عوّل عليها النظام الوجوديّ للفلاسفة والعرفاء، وذلك على خلاف ما كان عليه منطق الحقِّ الذَّاتيّ الذي قلَبَ الحالة وجعل من الأمر الأخير يستند إلى الأوّل، كالذي يتعلَّق بالأساس الأوَّل للواجبات المُلقاة على عاتق المكلَّف، وهو وجوب النظر، والذي عليه تتأسَّس المسألة الإلهيَّة والدينيَّة.
نعود لنسأل: ما هي القضايا الوجوديَّة المعوّل عليها في إثبات المسألة الدّينيّة كبعثة الأنبياء وما إليها؟ إذ كنّا مع منطق الحقِّ الذَّاتيّ نعتمد على قاعدة العدل ومشتقَّاتها فيما يخصّ المكلِّف، وعلى وجوب النظر العقليّ فيما يخص المكلَّف. لكن ماذا مع منطق حقِّ الملكيَّة؟
من المقرَّر لدى هذا المنطق أن إثبات المسألة الدّينيّة يستندُ أساساً إلى نظريَّة (الكلام الإلهيَّ). إذ تشكِّل هذه النظريَّة المناط الذي يربط القضايا العقليَّة بالدينيَّة، كالذي يُوضحه نصُّ (الإمام الغزاليّ) التالي: «إنَّ المعلوم بدليل العقل دون الشرع فهو حدوث العالم ووجود المحدِث وقدرته وعلمه وإرادته، فإنَّ كلَّ ذلك ما لم يَثبت؛ لم يَثبت الشرع، إذ الشرع يُبنى على الكلام فإنْ لم يثبت كلام النفس لم يَثبت الشرع، فكلُّ ما يتقدَّم في الرتبة على كلام النفس يستحيل إثباته بكلام النفس وما يستند إليه، ونفس الكلام أيضاً فيما اخترناه لا يُمكن إثباته بالشرع» (18) .
وما يعنيه هذا النصّ هو تأسيس المسألة الدينيّة عبر العقل النظريّ، إذ لا مجال للعقل العمليّ كالذي يُفيده منطق الحقِّ الذَّاتيّ. وبعبارةٍ أُخرى لا مجال للقول بنظريَّة اللُّطف والوجوب العقليّ على المكلِّف. لكن قد تُثار مشكلة بهذا الصدد وهي أنَّ
________________________________________
(18) الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ضبطه وقدم له موفق فوزي الجبر، دار الحكمة، دمشق، الطبعة الاولى، 1415هـ ـ1994م، ص184 .

[الصفحة - 19]


عدم أخذ اعتبارات الوجوب السابقة يُمكن أن يُفضي إلى جواز اتِّصاف الإخبار الإلهيَّ بالكذب والخداع، وهو ما ينفيه أصحاب هذا المنطق اعتماداً على العقل النظريّ، إذ اعتبروا كلام الله كلاماً نفسيّاً ثابتاً وصادقاً يستحيل عليه الكذب. فالصدق أو الكلام كلاهما من الصِّفات الذاتيَّة للمكلِّف(19) . وتبرير هذه المقولة يستند إلى قولهم بأنَّه لمَّا كان الصدق من صفات الله تعالى، وأنّ الكذب نقصٌ، فإنَّ النقص محال عليه. وهم وإن جوَّزوا الكذب في مواضع مختلفة إلا أنَّهم جوزوه لأغراض صحيحة من وجود ضرورةٍ وحاجةٍ، والله منزَّهٌ عن الضرورة والأغراض والمصالح(20) .
وتواجه هذه المسألة مشاكل أربع كما يلي:
الأولى: إنَّ استخدام العقل النظريّ لتبرير نفي الكذب الإلهيّ يمكن أن يُثير مشكلةً حول صلاحيَّات هذا العقل وفقاً لذات البداهة الأوليَّة لحقِّ الملكيَّة، فماذا نقول لو أنَّ المالك يَمنعنا من استخدام هذا العقل؟ صحيح ما قد يُجاب على ذلك بأنَّه لا دليل على هذا المدَّعى، لكن صحيح أيضاً أنَّه لا دليل على العكس، إذ ما الدليل على جواز استخدام العقل قبل ورود الشرع وقيام المسألة الدِّينية؟ فلو اعتمدنا على المرجعيَّة الدينيَّة في جواز استخدام العقل لأوقعنا ذلك في الدور، إذ كيف نعلم حجيَّة هذا الاستخدام من غير إثبات المسألة الدينيّة، وأنّ إثبات هذه المسألة موكولٌ على عدم ممانعة المالك في استخدام العقل، والعلم بعدم الممانعة لا يُعرف إلا من حيث ثبوت المسألة الدّينيَّة، وهكذا نقع في الدور والتسلسل.
الثانية: لا يوجد لدى العقل ما يدلُّ على استحالة الكذب في الإخبار الإلهيّ، فطالما أنَّ القدرة حاصلة والاختيار ممكن، فذلك يجعل من الصدق والكذب أمرين ممكنين، وإنَّ حتميَّة أحدهما لا تكون إلا على ضوء الفهم الوجوديّ كالذي يبشِّرنا به النِّظام الوجودي.
الثالثة: لا يتوقّف الأمر عند الحدّ السابق، فحتَّى مع سلامة حتميّة صدق الإخبار الإلهيّ، تظلُّ هناك مشكلة أخرى تتعلَّق بالصدق البشريّ، إذ كيف يُمكن التأكّد من
________________________________________
(19) اللمع للاشعري، ص90 و118، والتمهيد، ص343، والفخر الرازي: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، والطوسي: تلخيص المحصل، ص267 .
(20) اليافعي: مرهم العلل المعضلة، ص291ـ292.

[الصفحة - 20]


صدق الناس الذين ينقلون كلام الله تحت عنوان النبوّة؟ فقد تكون دعوى النبوّة كاذبة، خاصَّة وأنّ أصحاب هذا المنطق يرون أنَّ الأفعال البشريّة هي أفعال إلهيَّة، وأن كلَّ شيءٍ يعود إليه بحكم العادة، وأنَّ من الجائز أن ينقلب كلُّ شيءٍ إلى ضدِّه، وعليه ما المانع من أن يُظهِر الله المعجزات على يد الكذَّابين؟ وإذا كانت قد جرت عادة الله أن لا يُظهِر المعجز على يد الكذَّابين فكيف نعلم بذلك ونُثبته ونحن لم نطَّلع على الغيب ولم نعرف إن كان قد أجراها سابقاً على يد كذّابين أم لا؟
فكلُّ ما يقوله أصحاب هذا المنطق هو إحالة ظهور المعجزة عند دعوى الكاذب باعتبارها تتضمّن تصديقاً، فالخارق للعادة «يمتنع من الدّعوى لأنَّه يكون تصديقاً لكاذب، وتصديق الكاذب محال، ولا يمتنع مع عدمها». أو أنَّ المعجزة لا تَظهر على يد الكاذب لأنَّها لو ظهرت لدلَّت على صدقه، وتصديق الكاذب مستحيل في قضايا العقل (21) .
وحقيقة الأمر انَّه لا توجد استحالة عقليّة فيما ذُكر، لكنّ القائلين بذلك اضطرّوا لهذا القول؛ لأنَّهم لا يملكون دليلاً آخر يُمكنهم به إثبات المسألة الدينيّة، مثلما ألجأتهم الضرورة إلى اعتبار الكلام الإلهيّ صادقاً صدقاً محتماً. وكلُّ ذلك يتنافى مع الاعتبارات المعياريّة لهذه القضايا. وقد ظهر من أصحاب هذا الاتِّجاه من ناقض نفسه، فجمع بين الأخذ بنظريّة التقبيح والتحسين الشرعيين، وبين الاعتقاد بوجوب عصمة الأنبياء عقلاً في الحالة التي لا تُناقض فيها مدلول المعجزة، وهي عبارة عن صدقهم فيما يبلغون (22) .
الرابعة: أضف إلى ما سبق أنَّ في هذا المنطق ما يُفقد مدلول المعجزة عن معناها. ذلك أنَّه إذا كانت السببيَّة عبارة عن عادة إلهيَّة تتضمَّن الخلق المستمرّ للأعراض، وأنَّه لا يوجد تأثير لبعض الأشياء على البعض الآخر، بل الله هو المؤثِّر المباشر، فإنَّ ذلك يجعل من المعجزة فعلاً لا يختلف نوعاً عن سائر الأفعال الإلهيَّة الأخرى، فليس هناك خرق لقوانين الطبيعة، ولا إيقاف لتأثير بعض القوى على البعض الآخر. إنّما الموجود هو أفعال نتوهّم أنّها جاءت خارقة للقوانين، وإلا فالكلُّ عبارة
________________________________________
(21) مرهم العلل المعضلة، ص154 .
(22) الجويني: الارشاد، نشر مكتبة الخانجي، مصر، ص356 ، وكأنه بهذا عبّر عن وجدانه في حقيقة كون هذه القضايا معيارية غير محتمة.

[الصفحة - 21]


عن فعل الله المباشر، وكلُّ شيءٍ جائز الحصول، وبالتالي فإنَّ مقولة (لا فاعل في الوجود إلا الله) كما يقرّها هذا المنطق لا تبرّر لنا المعجزات بمعناها الخارق، ومن ثمَّ فإنَّها لا تبرِّر صدق دعوى النبوّة.
أخيراً نقول إنّ أتْبَاعَ هذا المنطق يُدركون أنَّ ما يترتَّب على نفي عقليَّة الحسن والقبح يُفضي إلى استحالة إثبات الصدْقَين الخاصّين بالإله والنبوّة، أي إنَّه يُفضي بالنتيجة إلى عدم إمكان تأسيس المسألة الدينيّة برمَّتها، ومن ثمَّ عدم إثبات صحَّة ما يُخبرنا التشريع الدينيّ بقبح الكذب والخداع، حيث قد يكون ذلك من الكذب المتعلِّق بالكلام الإلهيّ، أو الكذب المتعلِّق بالنبوّة. فلأجل الفرار من مثل هذه اللوازم الفاسدة اعتبروا الصدق من الأمور الحتميّة في الكلام الإلهيّ، مع أنّ التسليم بالصفة الذاتيّة الثابتة للكلام الإلهيّ لا يستلزم ضرورة الاتِّصاف بالصدق دون الكذب، فالكلام شيءٌ، وصدقه أو كذبه شيءٌ آخر، ومثلما يحتاج الأوَّل إلى دليلٍ، فالآخر يحتاج إلى دليلٍ غيره. أمَّا أقوالهم عن علاقة النبوّة بمقولة الصدق التي يترتّب عليها تأسيس المسألة الدّينيّة فهي مضطربة وضعيفة. حيث لا مبرِّر للقول بإحالة إجراء المعجزات على يد الكذَّابين، كما لا مبرّر للقول بأنَّ ذلك جاري ضمن العادة الإلهيَّة من دون خرق.
وبذلك نصل إلى أنَّ كلا المنطقين السابقين لم يتمكَّن من إثبات المسألة الدينيّة بالأدلَّة العقليَّة التي تمَّ طرحها وفق ما تعارف عليه من الأصول المولِّدة.
النقطة الثانية: التأسيس الداخليّ للخطاب الدينيّ
يتأسَّس فهم الخطاب حسب الدائرة العقليّة وفقاً لتشريعات العقل القبليّة، سواء تلك المترتِّبة على منطق الحقِّ الذَّاتيّ، أو على منطق حقِّ الملكيّة. ففي كلا الحالين يتَّخذ فهم الخطاب صوَراً ومراتب مختلفة أبرزها تلك التي تُعرف بالتأويل والتي يُحكّم فيها العقل على نصِّ الخطاب، كما سيأتي بيانه.
ولهذا التأسيس مبرِّران: فمن جانبٍ إنّ للعقل أصوله وتشريعاته القبليّة، ومن ذلك الأصل المولِّد ومشتقَّاته المعرفيَّة، فكلُّ هذه القضايا معدَّة من المسلَّمات القطعيَّة
________________________________________

[الصفحة - 22]


التي يُمكن أن تتحكَّم بتوجيه فهم الخطاب الدّينيّ، وبالتالي لا يُمكن فصل تأسيس «الفهم» عن التأسيس القبليّ للنظر العقليّ.
أمَّا من جانب آخر فهو أنَّ التأسيس الخارجيَّ للخطاب قائمٌ على التشريع العقليّ، إذ لولا الأخير لتعذّر إثبات حجّية الخطاب وجعل قضاياه صحيحة ومعتمدة. وهو ما يبرّر للتأسيس الداخليّ أن يرتكز عليه، وذلك على شاكلة ما اُعتمد عليه في التأسيس الخارجيّ، وأنَّ الفصل بينهما ـ من وجهة نظر هذه الدائرة ـ يُفضي إلى التناقض وعدم الاتِّساق، إذ لا يمكن أن يُقبل التشريع المذكور في الحال الأوَّل بإطلاقٍ، ويُرفض في الحال الآخر بإطلاق، فإمَّا أن يُقبل فيهما معاً، أو يُرفض كليَّة. لذلك كثيراً ما يردّد نقَّاد هذه الطريقة من التفكير بأنَّها عادةً ما تستغني بالعقل عن النقل، وأنَّها تحكّم الأوَّل في الثاني عند التعارض، بل وتبالغ بقدرته في التشريع. ومع أنَّ هذه التُّهمة توجّه عادةً ضدَّ المعتزلة، إلا أنَّ متأخِّري الأشاعرة لم يختلفوا كثيراً عن نظرائهم من المعتزلة كما سنرى.
فعادةً ما يُقال وسط الدائرة العقليّة أنَّ إثبات المسألة الدينيّة قائمٌ على الدليل العقليّ بإطلاق، وأنَّ إنكار دور الأخير في الفهم يُفضي إلى العجز عن إثبات تلك المسألة. وهذا الادعاء يفترض ضمناً أنَّ القضيتين متمائلتان؛ فبطلان إحداهما يقتضي بطلان الأخرى. مع أنَّ الدليل العقليَّ فيه من العموم والإطلاق ما يتعسَّر تحديده والاتِّفاق على قبوله، فما يٌعدُّ دليلاً وبرهاناً لدى اتِّجاه يُعدُّ عكسه لدى اتِّجاهٍ آخر. كما أنَّ هذه الدائرة لم تميّز بين ما يدخل ضمن قائمة العقل القبليّ، وما يدخل ضمن قائمة العقل البعديّ، ولم تميِّز أيضاً بين قِيَم الأدلَّة الناشئة عن الاعتبارات الخاصّة عن غيرها ممَّا يُعدُّ ضمن الاعتبارات المشتركة.
وتتحدَّد وظيفة العقل في تأسيسه لفهم الخطاب بعدَدٍ من الجوانب، إذا يتّصف العقل بالمشرِّع المحكَّم فيستقبل ما يُعرض عليه من قضايا هذا الخطاب لتصحيحها؛ سواء بالتأييد والتأكيد، أو بعدم الممانعة، أو بالتوجيه والتأويل، أو بالرفض والإنكار،
________________________________________

[الصفحة - 23]


كأن يكون بصدد تكذيب الأخبار والأحاديث المنافية للنظر القبليّ. فالحكم الفصل عائد إلى التشريع العقليّ وليس إلى الخطاب الدينيّ، وتبرير ذلك عائدٌ إلى اعتبار النصِّ الدينيّ مصدرَ التشابه والاحتمال والمجاز، خلافاً للعقل الموصوف بأنَّه مصدر الأحكام والقطع والحقيقة. وكما قال (الشيخ الطوسيّ): «الظواهر تُبنى على أدلَّة العقول، ولا تُبنى أدلَّة العقول على الظواهر» (23) . وقال (القاضي الهمداني): «إنَّ أدلَّة العقول بعيدة عن الاحتمال، والألفاظ معرَّضة لذلك من حيث تدخُلها الحقيقة والمجاز» (24) . وكذا ذهب (الفخر الرازي) إلى أنَّ الدليل اللفظيّ لا يُفيد القطع واليقين بإطلاق، وذلك باعتباره يتوقّف على عشرة أمور ينبغي التيقَّن منها، ومن هذه الأمور عدم المعارض العقليّ، وعنده إن انتفاء المعارض العقليّ أمرٌ مظنون لا معلوم، لاستحالة القطع، باعتبار أنَّه يجوز أن يكون في نفس الأمر دليلٌ عقليّ يُناقض ما دلّ عليه القرآن ولم يخطر ببال المستمع (25) .
وفي جميع الأحوال كان لا بدَّ من عرض الأدلَّة السمعيَّة على دليل العقل للتأكِّد من عدم المنافاة بينهما، وبذلك يتَّخذ التشريع العقليّ عدّة مواقف إزاء مضامين الخطاب الدِّينيَّ مواقف عدَّة نُجملها بما يلي:
1ـ التفصيل العقليّ لما ينبّه عليه التشريع الدّيني. فوظيفة الخطاب الدّيني في هذه الحالة هي التنبيه لما في العقول من قضايا، دون أن يكون له صلة ما بتفصيل القضايا، ومن ذلك التنبيه على طرق الاستدلال على المسألة الإلهيَّة. فالغافل قد لا يلتفت إلى الطريقة الصحيحة للاستدلال العقليّ، وبالتالي فهو يحتاج إلى مثل ذلك التنبيه ليقوم العقل بدوره من التفصيل العلميّ المستقلّ.
2ـ التأييد العقليّ للتشريع الدّيني. فأحياناً العقل يؤيِّد ما يَرد في الخطاب، ويُصبح التشريعان متطابقين. ومن ذلك ما يتعلَّق بمسائل الحسن والقبح، كالذي يُشير إليه منطق الحقِّ الذاتيّ، فهي واردة في الخطاب الدِّينيّ على نحو الإمضاء لا التأسيس، بمعنى أنَّ الخطاب يؤكِّد ما يحكم به العقل، وأنَّ الأخير يؤيَّد ما ينطق به الأوّل، ومن
________________________________________
(23) الاقتصاد في الاعتقاد للطوسي، ص162.
(24) المجموع المحيط بالتكليف، ج1، ص419.
(25) الفخر الرازي: اصول الدين، ص25، والمحصل، ص71، كذلك كتابنا: مدخل الى فهم الاسلام، ص340 .

[الصفحة - 24]


حيث الدقّة يرى أتبَاعَ المنطق السابق أن مسائل الحسن والقبح قد تُدرَك بالعقل المستقلّ؛ سواء على نحو الضرورة أو على نحو الاستدلال، كما قد لا تُدرك به، لكن في جميع الأحوال يأتي الخطاب الدِّيني إمَّا كاشفاً عنها على نحو التأسيس، أو منبِّهاً عليها على نحو الإمضاء والتأكيد.
3ـ عدم الممانعة العقليَّة للتشريع الدِّيني. فالعقل لا يُدرك تفاصيل الأمور، لكنَّه يُدرك المجمل منها، لذا فالتشريعان غير متنافيين. فمثلاً إنَّ العقل لا يُدرك تفاصيل العبادة المفروضة على العباد كما يأتي بها الخطاب الدِّيني، إنَّما يُدرك مجمل ما يلزمه من وجوب اتِّبَاع التكليف الذي تأتي به النبوَّة عبر الوحي. وعليه ميّز (القاضي الهمدانيّ) بين الأدلَّة السمعيَّة والعقليَّة، فاعتبر أنَّ ما لا دليل عليه بالعقل لا بدَّ من بحث القرائن الدَّالة عليه من نصِّ الخطاب، كما هو الحال مع الصلوات الواجبة وشروطه (26) . كما أقرّ بأنَّ هناك أفعالاً يكون المرء عندها أقرب إلى فعل الواجبات وتجنّب القبائح ولا تُعلم بالدليل العقليّ، وذلك لاختلاف شروط الأفعال والأحوال والظروف المُحيطة بالمكلَّفين، حيث قد يجب على مكلّفٍ في ظرفٍ وحالٍ ما قد يَقبح من الآخر، وكلُّ ذلك يُعلم تفصيله بالشرع لا العقل (27) .
4ـ الممانعة العقليَّة لما يُنسب إلى التشريع الدّينيّ، كما هو الحال مع نصوصِ الحديث. فكثيراً ما يَلجأ أصحاب الدائرة العقليَّة إلى الاعتراض على الروايات بدعوى المعارضة مع العقل، مثلما هو مسلك أتْبَاع منطق الحقِّ الذّاتيّ. فمثلاً إنَّهم جعلوا الروح والعقل من الأعراض، وإنَّ الأعراض لا تقوم بنفسها بل بغيرها، لذلك ردَّوا الروايات التي تُشير إلى أنَّ خلق الروح كان سابقاً على الجسد، وكذا الروايات التي تُشير إلى أنَّ العقل كان مخلوقاً قبل سائر الأجسام (28) . لذا قال (الزمخشريّ): «إمشِ في دينك تحت راية السلطان، ولا تقنع بالرواية عن فلان وفلان. فما الأسد المحتجِبُ في عرينه، أعزُّ من الرجل المحتجّ على قرينه. وما العنز الجرباء تحت الشمأَل البليل، أذلُّ من المقلِّد عند صاحب الدليل» (29) .
________________________________________
(26) الهمداني: متشابه القرآن، تحقيق عدنان محمد زرزور، ص35 و38 .
(27) الهمداني: المغني في أبواب التوحيد والعدل، تحقيق أبي العلا عفيفي، مراجعة ابراهيم مدكور، اشراف طه حسين، الدار المصرية للتأليف والترجمة، ج15، ص27 .
(28) السيوطي: صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام، تعليق علي سامي النشار، دار الكتب العلمية، بيروت، ص174ـ175 .
(29) الزمخشري: أطواق الذهب في المواعظ والخطب، المقالة السابعة والثلاثون، مكتبة الوراق الالكترونية، عن موقع: http://islamport.com .

[الصفحة - 25]


5ـ الممانعة العقليَّة للتشريع الدّينيّ وممارسة التأويل، كالذي يحصل عادةً مع النصِّ القرآني، وأحياناً مع الحديث. فإذا أخذنا بنظر الاعتبار أنَّ خاصيّة التأويل كما في بعض التعاريف الحديثة تأتي للإحساس بوجود ثغرة في النصّ يُراد تسديدها بفعل القراءة التي يُباشرها القارئ أو المفسِّر.. فسيتمثّل المسدِّد للثغرة المفترَضة داخل النِّظام المعياريّ بالتشريع العقليّ، حيث يَعمل على توجيه الدلالة السمعيّة إلى ما يوافق دلالة العقل عند المعارضة.
ولأهميَّة الموقف الأخير فسنسلِّط عليه الضوء، تبعاً لمنطقيَّ الدائرة العقليَّة، وسنبدأ بالحديث عن التأويل الذي يخصُّ اعتبارات منطق الحقِّ الذاتي، ثمَّ نتحدَّث بعده عن التأويل الخاصّ بالملكيّة، وذلك وفق الفقرتين التاليتين:
الحق الذّاتيّ والتأويل
ليس غرضنا ـ هنا ـ استعراض وإحصاء كلِّ ما يصدر عن منطق الحقِّ الذَّاتي من تأويلات، بل هدفنا هو فهم الممارسة التطبيقيَّة لعمليَّة التأويل، وعلاقتها بالعقل القبليّ، وعلى رأسها تلك التي لها علاقة بالأصل المولِّد. ولهذه الممارسة تطبيقات كثيرة كتلك الجارية حول مسائل العقيدة التي نَطَقَ بها الخطاب الديني، سواء في المجال المعياريّ والوجوديّ، كالذي سنتعرّف عليه في الفقرتين التاليتين:
1ـ التأويل في المجال المعياريَّ
من الممارسات التأويليَّة في المجال المعياريّ ما جاء حول مسألة القضاء والقدر، حيث غرضها دفع حالات الجبر والإلجاء كما تبدو من النصوص القرآنيَّة. والحاكم في هذا التأويل هو التشريع العقليّ الذي ينصُّ على أنَّ الفعل الإلهيَّ مقيّدٌ بالعدل تبعاً للأصل المولِّد، وأنَّ الجبر والإلجاء هو ممَّا يَتنافى مع هذا العدل.
وأبرز النصوص التي طالتها يدُ التأويل بهذا الصدد تلك التي تتعلَّق بالهداية والضلال، ومن ذلك ما ذكره الشريف المرتضى حول معنى الآية القرآنيَّة: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}(القصص : 56)، فاعتبر معناها هو أنَّك لا
________________________________________

[الصفحة - 26]


تُنجي من العذاب من أحبَبت. ثمَّ قال: «فإن قيل: فلم زعمتم أنَّ هذا هو تأويل الآية؟ قيل له: لمَّا كان الله قد هداهم؛ بأنْ دلَّهم على الإيمان، علمنا أنَّه لم يهدهم بهدى الثواب، وقد بيّن الله تعالى أنَّ الهدى بمعنى الدليل قد هداهم به، فقال: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى}(النجم: 23) يعني الدلالة والبيان. فإن قيل له: إنَّما أراد به ليس عليك نجاتهم، ما عليك إلا البلاغ ولكنَّ الله ينجي من شاء. فإن قيل: فلِمَ قلتم هذا؟ قيل له: لما أخبر الله تعالى أن النبيَّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) قد هدى الكافر فقال: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الشورى: 52)، وإنَّما يريد أنَّك تدلُّ، فلمَّا كان قد دلّ المؤمن والكافر كان قد هدى الكافر والمؤمن، فعلمنا أنَّه أراد بهذه الآية هدى الثواب والنجاة. فقِس على ما ذكرناه جميع ما يسأل عنه من أمثال هذه الآية» (30) .
بهذا التحديد قام (المرتضى) بتقسيم الهدى إلى نوعين؛ أحدهما بمعنى الدليل والبيان، والآخر بمعنى الثواب والنجـاة، وقـد ذكـر على كلٍّ منهمـا بعض الشواهد القرآنيّة، فعلى النوع الأول قوله تعالى:{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الهُدَى} (فصلت : 17)، وقوله: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الهُدَى} (الإسراء : 94)، وقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُور} (الإنسان : 3)، وعلى النوع الثاني قوله تعالى: {بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالهَمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهمْ}(محمد : 4 - 5)، وقوله: { يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَم} (المائدة : 16)، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} (يونس : 9)(31) .
بيد أنَّ هناك نوعاً آخر للهداية تفسّر به الآيات التي أوّلها الشريف المرتضى إلى معنى النجاة والثواب (32)، حيث ظواهرها يُشير إلى معنى (الإلجاء) الخاص بدفع السلوك البشريّ باتِّجاه معيّن من غير شعورٍ، كأنْ يخلق الله الدَّواعي للفعل باتِّجاه معيَّن دون غيره. ويحظى هذا المعنى، الذي تدلُّ عليه الكثير من الآيات، بتأييدٍ من
________________________________________
(30) رسائل الشريف المرتضى، اعداد مهدي رجائي، تقديم واشراف احمد الحسيني، نشر دار القرآن الكريم، قم، 1405هـ، ج2، ص228ـ229.
(31) رسائل الشريف المرتضى، ج2، ص224ـ225 .
(32) يضاف الى وجود نوع اخر للهداية لا يتعلق بالتكليف، انما يراد به الغريزة والفطرة التي تسهل للحيوان تحقيق اغراضه ومعاشه، كالذي يشير اليه قوله تعالى: ((الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى)) (الأعلى/2ـ3).

[الصفحة - 27]


الواقع. وينطبق الأمر على مسألة (الضلال) والتي حصرها (المرتضى) بالمعنى المحدّد للعقاب والهلاك كجزاء على الكفر، ومن ذلك ما استدلَّ به في قوله تعالى: {إِنَّ المُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ}(القمر : 47)، أي إنَّ المجرمين في هلاك وسعير، مع أنَّ هناك الكثير من الآيات التي تتحدَّث عن إضلاله تعالى الكافرين بما تدلُّ عليه من (الإلجاء)، وذلك على شاكلة ما يجري مع الهداية، فالإلجاء لا مفرَّ منه سواء بالهداية أو الضلال، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: {مَنْ يَهْدِ الله فَهُوَ المُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِد} (الكهف : 17)، وقوله: { يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِير} (البقرة : 26)، ويؤيِّده الواقع بما يحمل من سنَنٍ إنسانيَّة، كالذي سنُشير إليه فيما بعد.
وعلى هذه الشاكلة ما جاء عن القاضي (عبد الجبَّار الهمداني) تأويله الكثير من الآيات بهذا الصدد، ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدْ الله أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّم} (الأنعام : 125)، حيث اعتبر أنَّ المراد بالهدى في تلك الآية هو زيادة الهدى لكي يَنشرح صدره للإسلام والإيمان. كما اعتبر أنَّ المراد من الإضلال في الآية هو الإضلال عن تلك الزيادات من حيث علمه تعالى بأنَّه لا ينتفع بها فيجعل صدره ضيقاً حرَجاً فتضطَّرب عليه اعتقاداته الفاسدة إذا فكر فيها. وقد عدّ تفسيره هذا دليلاً على أنَّه تعالى «يفعل بالمؤمن ما يكون أقرب إلى ثباته على الإيمان من شرح الصدر بزيادات الأدلة، ويفعل بالكافر ما يكون أقرب إلى أنَّ يقلع عن الكفر من ضيق الصدر» (33) . مع أنَّ هذا التفسير جاء على عكس الظاهر الذي يبدو من الآية، إذ تدلُّ صراحةً على كون انشراح الصدر سببا للهداية لا العكس، وكذا إنَّ انقباض الصدر وضيقه سبب في الضلال.
كما قام (الهمدانيّ) بتأويل قوله تعالى: {فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلاَلَةُ} (الأعراف: 30)، فعلى رأيه أنَّه إذا كان الله تعالى قد هدى الجميع، فما معنى إضلاله للبعض كما نطقت به الآية السابقة؟ لهذا ذكر أنَّ المُراد بها هو الجزاء في الآخرة، حيث يكون الهدى بمعنى الثواب ويقابله الضلالة بمعنى العقاب (34) . وعلى هذه الشاكلة فَسّر
________________________________________
(33) الهمداني: تنزيه القرآن عن المطاعن، دار النهضة الحديثة، بيروت، ص137 .
(34) المصدر السابق، ص146 .

[الصفحة - 28]


قوله تعالى: {مَنْ يَهْدِ الله فَهُوَ المُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الخَاسِرُونَ} (الأعراف: 178)، حيث اعتبَرَ بأنَّ المراد هو من يهد الله إلى الجنّة والثواب فهو المهتدي في الدّنيا، ومن يُضلل عن الثواب إلى العقاب فهم الخاسرون في الدّنيا. وكذا الأمر في تفسير قوله تعالى: {مَنْ يُضْلِلْ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ}(الأعراف: 186)، أي من يُضلله عن الثواب في الآخرة فلا هاديَ له إليه. كما جاء في تأويله لقوله تعالى: {وَأَنَّ الله يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ } (الحج: 16) بأنّ المراد هو أنَّ الله يُكلّف من يريد، وذلك باعتبار أنَّ بعض الناس لا يَبلغون حدَّ التكليف، واحتمل في الآية مراداً آخر هو الهداية إلى الثواب الذي يخصُّ المطيعين دون غيرهم (35) . ومنها ما ذكره في تفسير قوله تعالى: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ الله} (النساء : 88)، حيث قال إنَّ المراد بذلك هو لمن أضلَّه الله تعالى عن الجنَّة، إذ لا يصح أن يهديه إليها وقد حكم عليه بالعقاب (36) . وكذا بالنسبة لتفسيره للآية: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِير} (البقرة: 26)، حيث أوّلها إلى معنى الثواب والعقاب (37) . كما ذكر في تفسير قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (البقرة: 7)، بأنَّ للعلماء جوابين مُمكنين: الأوّل استُبعد فيه أن يكون الله تعالى هو من منعهم عن الإيمان والهداية، وإلا لما ذمَّهم، وعليه فإنَّ معنى الغشاوة على السمع والبصر هو من باب التشبيه، إذ رغم إزاحة كلِّ العلل المانعة عن الإيمان فإنَّهم مع ذلك لم يؤمنوا وكأنّ عليهم غشاوة. ثمَّ ذكر استدراكاً لهذا الجواب، وهو أنَّه حتَّى لو ثبتت الغشاوة حقيقة لما جاز أن تكون مؤثِّرة على واقع كونهم عقلاء مكلَّفين. أمَّا الجواب الثاني للآية فيتضمَّن بأنَّ الختم علامة يفعلها الله تعالى في قلوبهم كي تعرف الملائكة كفرهم فيكونوا محلَّ ذمٍ له (38) . وهو جوابٌ بعيدٌ عن ظاهر معنى الآية. وعلى هذه الشاكلة اعتبر أنَّ المراد في قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ الله مَرَض} (البقرة: 10)، هو أنَّ في قلوبهم غمّاً أو حسداً على ما يخصُّ الله تعالى به رسوله وأصحابه، فقد كانوا يغتاظون ويعظُمُ غمَّهم، لذا فمعنى قوله: { فَزَادَهُمْ الله مَرَض} : أي زادهم غمّاً بما
________________________________________
(35) المصدر السابق،ص 271.
(36) المصدر السابق، ص103.
(37) المصدر السابق، ص19ـ20 .
(38) المصدر السابق، ص14 .

[الصفحة - 29]


يفعله الله بالرسول ويجدِّده له من المنزلة حالاً بعد حال. وقد أنكر أن يكون معنى المرض الكفر والنفاق، باعتباره يُفضي إلى نفي العدل عن الله (39) . كذلك اعتبر المراد في قوله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (البقرة: 15)، هو أن يمدّهم الله في جزاء طغيانهم، لا أن يمدَّهم في نفس طغيانهم، كما احتمل أن يكون ذلك عاقبة أمرهم، فمعنى يمدّهم أي يُبقيهم على حالهم (40) . وهناك تأويلٌ آخر ذكره في (متشابه القرآن) وهو أنّ معنى يمدَّهم هو إمداده لهم في العمر نعمةً منه عليهم كي يستدركوا ما فاتهم فيتوبوا، وهم مع ذلك يعمهون في طغيانهم ولا يزدادون إلا شراً، فالذي يُنسب إلى الله تعالى هو المدُّ في العمر، أمَّا الطغيان والعمه فيُضاف إليهم (41) . وأيضاً أنَّه اعتبر المراد في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهمْ أَعْمَالَهمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ} (النمل: 4)، هو تزيين ما ينبغي أن يعملوه وما يجب عليهم السعي فيه (42).
ومن ذلك أيضاً أنَّه اعتبر قوله تعالى على لسان إبليس: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي} (الأعراف: 16) إنّ المراد منه هو بما حرمتني من الثواب وخيَّبتني منه، لا أنَّ المراد به الضلال، بل الحرمان (43) . وكذا بالنسبة إلى تفسيره لقوله تعالى على لسان نوح: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ الله يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ } (هود: 34)، فاعتبر أنَّ ما أراده نوح (عليه ‏السلام) هو أنَّ نُصحه لا ينفع مادام الله أراد حرمان قومه عن الفوز بالثواب وإنزال العقاب (44) . وكذا تفسيره لقوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } (آل عمران: 178)، بأنَّ اللام في {لِيَزْدَادُو}للعاقبة لا للتعليل (45)، مع أنَّ الظاهر هو العكس. وأيضاً تفسيره لقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} (الزخرف: 36)، حيث اعتَبر المراد به هو أنَّ من يعشُ عن ذكر الرحمن في الدّنيا فإنَّ الله يقيَّض له شيطاناً في الآخرة فيُصبح قرينه، ثمَّ استدرك في هذا التأويل وذكر أنَّ بدونه يُمكن تفسير النصّ طبقاً للتخلية بين الكافرين والشياطين، مثلما جاء في تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّ} (مريم: 83)، إذ بسبب كفرهم خلّى بينهم وبين الشياطين (46) .
________________________________________
(39) المصدر السابق، ص15 .
(40) المصدر السابق، ص16 .
(41) متشابه القرآن، ج1، ص57 .
(42) تنزيه القرآن، ص301 .
(43) تنزيه القرآن، ص144.
(44) المصدر السابق، ص183 .
(45) المصدر السابق، ص83 .
(46) المصدر السابق، ص379، وص112.

[الصفحة - 30]


ومثل ذلك ما ذكره (الشريف الرضيَّ) في (حقائق التأويل)، حيث فعل الشيء الذي فعله شقيقه (الشريف المرتضى) من تأويل الآيات الخاصَّة بالهداية والإضلال، ومن قبْلِهِ (الهمدانيّ)، فقام بتأويل بعض آيات الإزاغة، مثل قوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} (الصف : 5)، حيث اعتبر أنّ الإزاغة الثانية هي على سبيل العقوبة في الآخرة، وهو أنَّ الله أزاغ قلوبهم عن طريق الجنة والثواب، وذلك تبعاً للإزاغة الأولى منهم في الدّنيا، وبالتالي كانت الإزاغة في الدّنيا قبيحة، وفي الآخرة حسنة (47) .
مع هذا فقد نقل (الشريف الرضي) رأياً يعود إلى بعض التَّابعين لذات المنطق لا يُنكر فيه الإزاغة في الدّنيا، ولكنَّه يفسِّرها تبعاً لتخليَة الله تعالى بين العبد وبين لُطفه، كعقوبةٍ تأتي بعد المعصية والانحراف. وبحسب ما جاء في هذا الرأي هو أنَّ إضلال الله وإزاغته ليسا كإضلال إبليس وإزاغته، لأنَّ الله تعالى قد ذمَّ ذلك وبرئ منه، فعلمنا أنَّه تعالى لا يُضلُّ عن الحق وهو يدعو إليه، ولا يمنع منه وهو يأمر به. لذا لم يأتِ أنَّ الله ابتدأ قوماً بالإزاغة، بل قال: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} فأخبر الله بأنَّه فعل ذلك بهم عقوبةً على زيغهم وجزاءً على فعلهم، فمنعهم الألطاف والفوائد التي يؤتيها سبحانه كلَّ من آمن به، ووقف عند حدِّه، وخلاهم واختيارهم، وأخلاهم من زيادة الهدى التي ذكرها في كتابه، فقال: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ } (محمّد : 17)فأضاف سبحانه الفعل في الإزاغة إلى نفسه، على اتِّساع مناهج اللغة في إضافةً الفعل إلى الآمر، وإن وقع مخالفاً لأمره، فسمُيَّ من كان سبب الضلال مضلاً، وإن لم يكن منه دعاء إلى الضلال ولا إلى ضدّه، مثلما قال سبحانه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ }(البقرة : 126)، فأضاف تعالى ضلال القوم إلى الأصنـام، إذ جعلوها سبباً لضلالتهم، وهي جمادٌ لا يكون منها صرف عن طاعةٍ ولا دعاء إلى معصية. ومثل ذلك ما يُقـال: إنّ الرجل يشغف بالمرأة، فإذا عظم وجْدَه بها وقلقه من أجلها، قال لها: قد أسهرتِ ليلي، وأمرضتِ قلبي، وكدرتِ صفـاء عيشي، ولعلَّهـا لم تعلم بشيءٍ مـن أمره، ولم تشعـر بأوقـات قلقه
________________________________________
(47) الشريف الرضي: حقائق التأويل في متشابه التنزيل، شرحه محمد الرضا آل كاشف الغطاء، دار المهاجر، عن مكتبة يعسوب الدين الإلكترونية، ج5، ص23ـ25 .

[الصفحة - 31]


وسهره، ولكنَّه لمَّا اعتقد أنَّها سبب لذلك ـ وإن لم تفعله ـ جاز أن يَنسب إليها فعله. وآكد من ذلك أنَّها لو شعرت بما يُقاسيه فيهـا ويُعانيه من حبها، فزجرته عن نفسها وخوَّفته عواقب الاشتغال بها، فكان ذلك سبباً في تضاعف شغفه، فانحلَّت قوى أمره واسترخى وتر صبره وطال بها سهر ليله وتشاغل عن مصالح نفسه، كان جائزاً أن يُنسب ذلك إليها، فيقول: إنَّها أسهرت ليلي وأطالت فكري، واقتطعتني عن مصالحي، وذهبت بي عن مراشدي، وهي لم تَعِظه إلا ليتَّعظ، ولم تزجـره إلا ليزدجر. وكذا مـا يتعلَّق في الآيـة حول الإزاغة، وهو أنَّ الله ليس هو المبـاشر في الإزاغة، بل قد يكون ذلك بفعل الإحـالة بينهم وبينه دون أن يُقدّم لهم الألطاف الهـادية بسبب انحرافهم (48) . وهو تفسيـر على شاكلة ما سبـق إليه (القاضي الهمـدانيّ) لبعض الآيـات التي مرّت معنـا. وإن كان ذلك لا يفسِّر لنا معنى الإلجاء الذي تؤكِّده النصوص الدينيّة بما يُخالف ما ذهب إليه هذا الاتِّجاه.
ومن التأويلات الأُخرى ما جاء عن المفسِّر (الزمخشريّ)، حيث فسّر قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ الله فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ الله أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (المائدة : 41)، بمعنى أنَّ الله تركه مفتوناً ومخذولاً، بأن لا يمنحه وأمثاله من ألطافه ما يطهّر به قلوبهم (49) . وكذا تأويله لقوله تعالى: {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (البقرة : 7) حيث صرَّح بأنَّه لا ختم ولا تغشية على الحقيقة، وإنَّما هو من باب المجاز تبعاً للاستعارة أو التمثيل. وهو بذلك ينفي أن يكون الختم والتغشية من قِبَل الله تعالى، باعتبار أنَّ ذلك يُخالف منطق الحقّ في عدالة الله وحُسن صنيعه، واعتبر أنَّه يجوز أن يستعار الإسناد في نفسه من غير الله لله؛ فيكون الختم مسنَداً إلى اسم الله على سبيل المجاز، كأن يكون الشيطان أو الكافر هو الخاتم في الحقيقة، إلا أنَّ الله لمَّا كان هو الذي أقدره ومكّنه فقد أسند إليه الختم. كما احتمل أنَّ ذلك جاء لأنَّ هؤلاء الكفَّار أصبحوا بلا طريق للإيمان طوعاً واختياراً إلا بالقسر
________________________________________
(48) حقائق التأويل في متشابه التنزيل، ص26ـ29.
(49) جار الله محمود بن عمر الزمخشري: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، مكتب الإعلام الاسلامي في الحوزة العلمية، قم، الطبعة الاولى، 1414هـ، ج1، ص634.

[الصفحة - 32]


والإلجاء، لكنّ لو حصل هذا لانتقضَ غرض التكليف، لذا عبّر عنه بالختم. وهناك وجوه محتملة أخرى طرحها (الزمخشريّ) كلَّها تصب في نفي أن يكون الختم والتغشية راجعين إلى الله بالذَّات(50) .
ويُلاحظ في التأويلات السابقة أنَّها تتفادى الوقوع في مستنقع الجبر الذي يُحيله أصحاب منطق الحقِّ الذَّاتيّ سمعاً وعقلاً، بتبرير أنَّه يتنافى مع العدل والأصل المولِّد. أمَّا من حيث التحقيق فالواقع يشهد على صور الإلجاء ضمن ما يُعرف بالسنن الاجتماعيَّة والكونيَّة، ومن أبرزها سُنن التطبّع والعادة وما يترتَّب عليها من نتائج تتعلَّق بالتأثير على قوّة الميل في الإرادة عند الممارسة المتكرِّرة. فمن حيث هذه القوّة إنَّ من فعل شيئاً لمرَّات معدودة ليس كمن اعتاد عليه، وأبلغ ما تظهر به صورة الإلجاء هي عند الحدّ الذي يُطلق عليه العادة والتطبُّع. فالذي يعتاد على ممارسة شيءٍ يكون كالمجبَر عليه، وكلَّما زاد الفعل كلَّما زاد الاعتياد والألفة، الأمر الذي يؤثِّر على فعل الإرادة وقوّته (51) . ولا يتوقَّف الحال عند هذا الحد، بل يحدث نوعٌ آخر من الإلجاء يتَّصف بكونه من سنخ الشيء المعتاد عليه. وبعبارة أخرى يحصل فيما نحن بصدده تطوَّران من الإلجاء؛ حيث تبدأ الممارسة بالتطوّر الكمّي للفعل الذي يترتَّب عليه الاعتياد والتطبُّع، ومن ثمَّ تُفضي العمليّة إلى تطوّر كيفيّ، حيث يبدأ بممارساتٍ فعليَّة أخرى تتسِّق مع تلك التي تمَّ الاعتياد عليها، وهي بدورها قابلة لأن تتحوَّل إلى العادة والتطبُّع بفعل التكرار. وكلُّ ذلك يتضمن الإلجاء.
وعليه فالإنسان محكوم بقدَرين: إرادته من جهةٍ، والسنن الكونيَّة والاجتماعيَّة من جهةٍ أخرى. الأمر الذي غفل عنه أصحاب المنطق السابق، حيث بهذين القدَرين يُمكن تفسير ما تُشير إليه النصوص القرآنيَّة التي مرَّت معنا دون حاجةٍ للتأويل. وهي حقيقةٌ لا تتنافى مع العدل الإلهيّ، حيث إنَّ الإلجاء المُشار إليه في النصوص؛ كالمدِّ في الطغيان، وزيادة الكفر ومرض النفاق في القلوب، وجعل الغشاوة، وتسليط الشياطين على الكافرين.. الخ، كلُّ ذلك جاء عقوبةً لسوء الفعل والاختيار دون أن
________________________________________
(50) الكشاف، ج1، ص48 وما بعدها.
(51) يلاحظ بهذا الصدد مقالنا: القضاء والتطبع، مجلة الغدير، لبنان، عدد (5)، 1981م، ص28ـ33 .

[الصفحة - 33]


تُلغى الإرادة كاملةً. فهو عبارة عن جزاء مرتَّب وفق ذات السنُن الكونيَّة في ضغطها على الإرادة وميولها. ولا يَتنافى ذلك مع حكم الآخرة الذي لسنا معنيِّين به على نحو التفصيل لجهلنا بخصوصيَّات الحساب والتقدير وفق العدل والإحسان.
والشيء نفسه يُقال حول الإلجاء المتعلِّق بالهداية، حيث كلا الحالين (الهداية والضلال) يخضعان للأسباب والمسبِّبات، والآيات القرآنيَّة تُشير إلى هذا المعنى وتضع المسؤوليَّة على عاتق الإنسان وخياراته، حيث عليها تترتَّب النتائج الخاصّة بالهداية والضلال، ومن ذلك النصوص التالية: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } (يونس : 9)، {اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} (الشورى : 13)، { يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمْ الخَاسِرُونَ} (البقرة : 26 ـ 27)، { إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهمْ مِنْ نَاصِرِينَ} (النحل : 37)، { أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} (الجاثية : 23)، { يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ } (إبراهيم : 27)، { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }(الصف : 5)، { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } (المطففين: 14)، { نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ }(التوبة : 67).
فبحسب هذه النصوص إنَّ سبب الهداية والضلال مُناطٌ بخيار الإنسان، وهو أمر لا ينقطع من حيث الزيادة والمدَّ { وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى } (مريم : 76)، فالهداية تجرُّ الهداية، والضلال يجرُّ الضلال، وهكذا بلا حدود. ومنه يتبيَّن فشل الممارسة التأويليّة التي أبداها أصحاب منطق الحقِّ الذّاتيّ، سواء عوَّلنا في ذلك على كثرةِ النصوص القرآنيَّة التي تُبدي المعاني الخاصَّة بالإلجاء، أو عوَّلنا على ما يُظهره الواقع الخارجيّ من الحقائق والسنن الكونيّة.
________________________________________

[الصفحة - 34]


مع هذا نُشير إلى ما حكي عن بعض أتباع هذا المنطق من أنَّه اعترف بصور الإلجاء التي جاء ذكرها في القرآن؛ مثل الختم والطبع والغشاوة والإزاغة والإضلال وغيرها، حيث ذهب الشيخ (عبد الواحد بن زيد البصريّ) (المتوفى سنة 150هـ أو 177هـ) وابن أخته (بكر) إلى اعتبارها توابع وعقوبات من الله لأصحاب الجرائم، كالذي تدلُّ عليه ظواهر النصوص (52) .
2ـ التأويل في المجال الوجوديّ
أمّا الممارسات التأويليَّة في المجال الوجوديّ فأبرزها تلك المتعلِّقة بقضايا الصفات الإلهيَّة. ومن ذلك تأويل (الشيخ المفيد) لسمْعِ الله وبصَره، وهو أنَّه عالمٌ بالمسموعات وعالم بالمُبصرات (53) . وكذا تأويل (الشيخ الطوسيّ) لمسألة حبّ الله وهو أنَّه يأتي بمعنى الإرادة فحسب، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ} (البقرة : 190)، أي إنَّه لا يريد ثوابهم ولا مدحهم (54) . وجاء عن أصحاب هذا المنطق تأويلهم لآيات الرؤية، كما في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة : 22 ـ 23)، حيث تعني عندهم بأنَّ وجوه المؤمنين منتظرةٌ ثواب ربِّها ونعيمه، أو بمعنى إنَّ المؤمنين يَنظرون إلى هذا الثواب، ولدى البعض لا مانع من المعنيين معاً، حيث لا تنافي بينهم (55) .
ومن ذلك أيضاً ما قام به (الزمخشريّ) من تأويل آية الكرسي: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ }(البقرة : 255)، معتبراً أنَّ مفاد الآية هو غير هذا الظاهر، بل هناك وجوهٌ للمعنى، منها: أنَّها جاءت لتصوير عظمة الله وتخيّلها «ولا كرسيّ ثمَّة ولا قعود ولا قاعد». إذ أنَّها جاءت بمثل ما جاء به قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}(الزمر : 67)، حيث لا توجد قبضة وطيّ ويمين «وإنَّما هو تخييل لعظمةِ شأنه وتمثيل حسيّ» بدلالة مقدِّمة الآية {وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ } . وهناك وجهٌ آخر لمعنى الكرسيّ، وهو العلم، فسمَّى العلم كرسيَّاً تسميةً بمكانه الذي هو كرسيّ العالم. كما هناك وجهٌ ثالث، وهو أنَّ الكرسيّ بمعنى الملك، باعتبار أنَّ الله مالك كلِّ شيءٍ (56) .
________________________________________
(52) ابن القيم: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ص88 .
(53) النكت الاعتقادية، ص15.
(54) الطوسي: التبيان في تفسير القرآن، مقدمة وتحقيق آغا بزرك الطهراني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج2، ص144.
(55) الطبرسي: مجمع البيان في تفسير القرآن، مؤسسة الاعلمي، بيروت، الطبعة الاولى، 1415هـ ـ1995م، ص198 و200.

[الصفحة - 35]


كما قام (الزمخشريّ) بتأويل آية الأمانة: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } (الأحزاب : 72)، معتبراً أنَّ عرضها على الجماد من السماوات والأرض والجبال وعدم حملها وإشفاقها منها إنَّما جاء كمجازٍ لا حقيقةً (57) . ومثل ذلك تأويله لخشوع الجبل وتصدّعه في قوله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ }(الحشر : 21)، حيث اعتبر ذلك من التمثيل والتخييل كالذي جاء في عرض الأمانة، بدلالة مؤخَّر الآية {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (الحشر : 21) حيث الغرض منها توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلَّة خشوعه عند تلاوة القرآن وتدبّر قوارعه وزواجره (58) . وعلى هذه الشاكلة تأويله قوله تعالى: { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}(فصّلت : 11)، حيث عدَّ ذلك من المجاز والتمثيل، وإنَّما الغرض هو تصوير أثر قدرته في الأشياء بلا قول ولا جواب (59) . وجاء في تأويله لآية الميثاق الذي أخذه الله على عباده في سابق الزمان: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (الأعراف : 172)، فإنّه اعتبر ذلك من التمثيل والتخييل والتصوير، والمعنى عنده هو أنَّ الله نصَب لهم الأدلَّة على ربوبيَّته ووحدانيَّته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركَّبها فيهم لتميّز بين الهدى والضلالة، فكأنه أشهدهم على أنفسهم بما جاء في الآية، ومثل ذلك إقرارهم، وكلُّ هذا من التمثيل (60)
نستخلص ممَّا سبق النقاط الثلاث التالية:
1ـ يتَّضح من الممارسات التأويليّة السابقة أنَّ للعقل استقلاليّة في التشريع والأحكام، وهو بذلك لا يُنافس تشريع الخطاب فحسب، بل يكون حاكماً عليه.
________________________________________
(56) الكشاف، ج1، ص301.
(57) الكشاف، ج3، ص564.
(58) الكشاف، ج4، ص509.
(59) الكشاف، ج4، ص189.
(60) الكشاف، ج2، ص176.

[الصفحة - 36]


إذ غرضُ ممارسات التأويل هو تسديد الثغرة الخاصَّة بعدم انسجام ما يبدو من نصِّ الخطاب مع قبليَّات العقل وتشريعه، لذلك كان تسديد هذه الثغرة مستمداً من مفردات هذا العقل وتصوَّراته الأوليَّة ضمن إطار منطق الحقِّ الذّاتيّ. حيث استند هذا المنطق في تبريره للثغرة الآنفة الذكر إلى المفاهيم المترتِّبة على أصلِه المولِّد، ومن ذلك مفهوم الحكمة، حيث أنَّ أفعال الله لا تخلو من الحكمة، ومن بين ذلك ما يتعلَّق بجعل الخطاب الدّينيّ بعضه متشابهاً. وكان من الأصول التي اعتمدها هذا المنطق هو ردّ المتشابه من النصوص الدينيّة إلى المحكَم منها. فمن الوجوه التي ذُكرَت في علَّة وجود المتشابه في القرآن، هو أنَّ الله أراد تكليفنا بإزالة التشابه عبر النظر في النصِّ والاجتهاد في معرفة معناه كي لا يكون هناك جهل وتقليد، وبالتالي كان لا بدَّ من التشريع العقليّ واعتباره حاكماً على الخطاب (61) .
2ـ كما يُلاحظ أنَّ الممارسات التأويليَّة في المجال المعياريّ تعتمد على ما للعقل من تشريع مستمدٍّ من الأصل المولِّد لمنطق الحقّ الذّاتيّ. فكما عرفنا أنَّ الغرض من تأويل نصوص مسألة القضاء والقدر هو إبعاد الشبهة المتعلَّقة بالجبر والإلجاء والتي لا تتَّسق مع مبدأ العدل الإلهيّ المنتَزع عن بداهة الحقّ الذّاتيّ.
أمَّا الممارسات التأويليَّة في المجال الوجوديّ، كما هو الحال مع نصوص الصِّفات الإلهيَّة، فيلاحظ أنَّها لا تتعلَّق بالأصل المولِّد للحقّ الذّاتيّ مباشرة، لكنَّها تعزز من اعتبارات هذا الأصل، طالما أنَّ لها علاقة بالعدل الإلهيَّ. حيث حرص هذا المنطق على أن تتَّصف الذَّات الإلهيَّة بكامل التجريد عن المشابهة مع المخلوقات وصفاتها الجسميَّة، وذلك كي لا تكون محكومةً باعتبارات النقص الذي عليه هذه المخلوقات وطبائعها، سواء بخصوص ما يتعلَّق بـ «النقص الوجودي» كحالات التركيب والتغيّر في الذَّات، أو ما يتعلَّق بـ «النقص المعياريّ» كحالات الظُّلم وغياب الحكمة؛ وذلك لاعتبارات الشهوة والغضب وما إليها من النقائص الأخرى التي هي من طبائع المخلوقات. فهذا هو التوحيد في أقصى درجاته من التجريد كما يتصوَّره منطق الحقّ الذّاتيّ، وبالتالي كان لا بدَّ من تأويل الآيات التي تتنافى معه، كتلك التي تتعلَّق بالقضايا
________________________________________
(61) شرح الأصول الخمسة، ص599ـ600.

[الصفحة - 37]


الوجوديّة للصِّفات الإلهيَّة، لا فقط لاعتبارات التعالي عن الجسميَّة والمادّة، بل كذلك للتعالي عن طبائع المخلوقات الباعثة على الظلم أو الفعل القبيح. الأمر الذي تتوثَّق به الصِلَة بين الاعتبارين الوجوديّ والمعياريّ.
3ـ تتَّصف الممارسة العقليّة للتأويل، سواء لدى منطق الحقِّ الذّاتيّ أو حقّ الملكيّة، بأنَّها لا تفيد إثبات شيءٍ من التفسير بقدرِ ما تُفيد نفي ظاهر النصّ. ذلك أنَّها لا تهدف من الممارسة التأويلية أكثر من عدم معارضةِ النصّ لقبليَّاتها المعرفيَّة، وبالتالي فإنَّها لا تمانع من طرح وجوهٍ ممكنةٍ للتفسير دون الاقتصار على وجهٍ معيَّنٍ بالخصوص، وذلك خلافاً لمسلك النظام الوجوديّ الذي يستهدف باستظهاره وتأويله واستبطانه إثبات المعنى التفسيريّ؛ كما هو منعكسٌ عن قبليَّاته المعرفيَّة الوجوديَّة، سيّما الأصل المولِّد المتمثِّل بالسنخيَّة.
حق الملكيَّة والتأويل
لا يختلف منطق حقِّ الملكيَّة عن نظيره السابق في أنَّ له اعتباراتٌ عقليَّة تنافس ما عليه سلطة التشريع لدى الخطاب الدينيِّ. لكن هذه الاعتبارات قد حدَّدت مجال العقل خارج دائرة التكليف والواجبات المُلقاة على عاتق المكلَّف. وقد يُستشفّ من هذه الازدواجيَّة وجود نوعٍ من التناقض وعدم الاتِّساق. فمن جهة أنَّ هذا المنطق وضع ثِقَته بالخطاب في كلِّ ما يتعلَّق بالتكليف، وهو اعتراف ضمنيّ ببيانيّة الخطاب وقطعيّته، وهذا ما رام إليه الأشعريّ في تأسيس مذهبه الجديد، معتبراً طريقته على شاكلة السلف، إلى الحدِّ الذي تعبَّد فيه بجميع ما نطق به الخطاب الدّينيّ من أسماء توقيفيّة ومن صفاتٍ لا يستسيغ ظاهرها العقل. أمَّا من جهةٍ ثانيةٍ فهي أنَّ هذا المنطق قد تعامل مع سائر القضايا الأخرى للخطاب الدِّينيّ معاملةً قائمةً على الظنِّ والتشابه. وبذلك أصبح التعامل مزدوجاً. فتارةً يضع المنطق المذكور ثقته في العقل دون الخطاب، وأُخرى يجعلها في الأخير دون الأوّل. ممَّا يعني الوقوع في شركِ التذبذب والتناقض.
________________________________________

[الصفحة - 38]


وبتعبيرٍ آخر، إذا كان هذا المنطق يعترف بأنَّ الخطاب الدّيني هو مصدر التشريع، وأنَّ العقل العمليّ لا يملك هذه الصلاحية، فكيف أجاز للعقل النظريّ أن يُمارس دوره في التشريع دون إذن من ذلك الخطاب؟ بل كيف جعل منه حاكماً على هذا الأخير؟ فهذا التناقض هو على خلاف الاتِّساق الذي حظيَ به منطق الحقّ الذّاتيّ في علاقته مع الخطاب.
ويُمكن القول إنَّ التطوَّرات التي حصلت داخل المذهب الأشعريّ جعلته يضيق ببيان الخطاب الدّينيّ مع تقدَّم الزمن باضطِّراد، حيث أخذ الدليل العقليّ يحلُّ محلّ الدليل اللفظي. ولم يكن هذا الحال جارياً داخل المذهب الاعتزاليّ، إذ ظلَّ موقفه ثابتاً في التعبير عن كون الدلالة العقليّة مرجّحة على اللفظيّة عند التعارض. وأمَّا ما جرى على المذهب الأشعريّ فهو أنَّه نشأ لغرض الدِّفاع عن منطق الخطاب الدّيني قِبَال التشريع العقليّ، لكن تطوَّرات المذهب أفضَت إلى قلب المعادلة رأساً على عقب، إذ أصبح الهدف هو الدِّفاع عن منطق العقل قِبال الخطاب الدّيني.
وبذلك وقف المذهب الأشعريَّ على ذات الخشبة التي وقف عليها عدوّه التقليديّ المعتزليّ، وأصبح كلا الاتِّجاهين يُدافعان عن العقل قبَال النصِّ، مع فارق التناقض الذي أصاب الأوَّل بخلاف ما عليه غريمه الآخر. كذلك مع لحاظ جانب الاختلاف في المعاملة التي كان يُبديها المذهب الأشعريَّ للنصوص المتعلِّقة بالمجال المعياريَّ مقارنةً مع تلك التي تتعلَّق بالمجال الوجوديّ. فهناك ثبات في الرؤية التي عبَّر عنها المذهب اتِّجاه المجال الأوَّل (المعياريّ)، حيث ظلَّ الموقف العام معبِّراً عن ممارسة نمط من التأويل لكلِّ ما لا يتَّسق مع البداهة الأوّلية لحقِّ الملكيَّة. وذلك على خلاف ما حصل من تباين في الرؤية إزاء التعامل مع المجال الثاني (الوجوديّ)، إذ نجد اختلافاً واضحاً في الرؤية والتطوَّر. وكلُّ ذلك كان له مضاعفاته على الأزمة التي لاحت المذهب وأصله المولِّد.
أمَّا بخصوص ممارسات هذا الاتِّجاه التأويليّة فسنستعرض جملةً منها ضمن المجالين المعياريّ والوجوديّ، وذلك كما يلي:
________________________________________

[الصفحة - 39]


أولاً: لنبدأ بذكر شواهد من الممارسات التأويليَّة ضمن المجال المعياريّ، كتلك التي قام بها (الباقلاني)، كما في تأويله لقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } (البقرة : 286)، ومثله قوله:{لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا } (الطلاق : 7)، إذ ذكَرَ بأنَّ المراد من ذلك هو أنَّ الله تعالى لم يكلِّف أحداً بنفقة الزوجة إلا بما تمكَّن من المال الذي في حوزته دون ما لا يتملَّك، واعتبر أنَّ الآيتين لا تريدان إثبات الاستطاعة قبل الفعل (62) . وهو تأويل جاء ليتسق مع البداهة الاولية لحق الملكية في نفي تلك الاستطاعة. كذلك قام بتأويل قوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} (القصص : 15)، حيث نفى ان يكون ذلك العمل من فعل الشيطان كما هو نص الاية، واعتبره من فعل الله وعمله، لكنه مع هذا استدرك فاعتبر ان الواجب الذي يلزم على العبد الذي يقع في الذنب؛ هو ان ينسب ذلك الى نفسه ووسوسة الشيطان، ولا يجوز ان ينسبه الى فعل الله، حتى لا يكون احتجاجاً عليه تعالى. ويعود مصدر هذا التأويل إلى ما تمسَّك به أصحاب هذا المنطق من ردِّ جميع الأفعال والأعمال إلى الله دون سواه، حيث إنَّه الفاعل الوحيد في الوجود.
لكن هذه الطريقة تجعل ما ينسبه الله إلينا من أفعال وأعمال يوحي بالوهم والخداع. الأمر الذي يُفضي إلى التناقض. فهي من جانب تتَّسق مع البداهة الأوليَّة لحقِّ الملكية، لكنَّها من جانبٍ آخر تصطدم مع مقولة هذا المنطق في ضرورة صدق الكلام الإلهيّ الذي يتوقَّف عليه إثبات المسألة الدينيّة كما عرفنا.
كذلك اعتبر (الباقلانيّ) أنَّ معنى قوله تعالى: {وَالله لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ} (البقرة، 205)، هو أنَّ الله تعالى لا يحب كون الفساد ديناً وصلاحاً، أو لا يحبّه من أهل الصلاح؛ وإنَّ أحبّ أن يكون قبيحاً من أهل الفساد (63) . وكذا الحال مع تأويله لآية: {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ } (الزمر، 7)، حيث اعتبر معنى الآية هو أنَّ الله لا يرضى بالكفر ديناً وشريعةً لعباده، أو هو لا يرضاه للمؤمنين من عباده دون الكافرين (64)، وقد كرَّر (الجوينيّ) المعنى الأخير في (لمع الأدلّة) (65) .
________________________________________
(62) التمهيد، ص251ـ252.
(63) التمهيد، ص284.
(64) التمهيد، ص284.
(65) لمع الأدلة، ص99ـ100.

[الصفحة - 40]


وتستمدُّ هذه التأويلات تبريرها من سلطة الأصل المولِّد لحقّ الملكيَّة، حيث يفعل الله ما يريد ويشاء، ولا حُسن ولا قُبح إلا ما حسّنه الله وقبّحه. فالكفر والفساد مذمومان لا لأنَّ حقيقتهما الذَّاتيّة هي كذلك كما يقول أصحاب منطق الحقّ الذَّاتيّ، بل لأنَّ الله ذمَّهما ولم يجعلهما ديناً وشريعة، ولو أنَّ الله جعلهما كذلك لكانا ممدوحين مقبولين كدينٍ يُدان الله بهما.
وعلى هذه الشاكلة تمَّ تأويل الآيات الخاصّة بالغرض والحكمة الإلهيّين، كما اعتبرت اللامات المتعلِّقة بذلك لامات عاقبة لا لامات تعليل، مثلما جاء في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِي } (الذاريات : 56).
ثاني : أمَّا الممارسات التأويليّة في المجال الوجوديّ فالمُلاحظ أنَّها شهدت نوعاً من الاختلاف والتطوّر لدى أصحاب هذا المنطق. صحيح أنَّهم اتَّفقوا في المجال الطبيعيّ على ممارسة التأويل فيما يخصُّ القضايا التي لا تتَّسق مع الأصل المولِّد الذي اعتمدوه، ومن ذلك إنَّهم قاموا بتأويل الآيات التي وردت فيها الباءات التي تربط بين الأسباب ومسبباتها، معتبرين ذلك دالاً على المصاحبة لا السببيّة، وذلك تعويلاً على مقولتهم لا فاعل في الوجود إلا الله، وهي المقولة التي عرفنا أنَّها تتَّسق مع بداهة حقّ الملكية. لكن الحال في المجال الوجوديّ الذي لا علاقة له بالبداهة الأوليَّة فأمره مختلف.
فرغم اتِّفاق أتباع هذا المنطق على ضرورة ممارسة التأويل لكلِّ ما يُخالف أحكام العقل القبليّة، إلا أنَّنا يُمكن أن نجد خطَّين متمايزين لهم، يتمثَّل أحدهما بالمتقدِّمين الذين تأثَّروا بالاتِّجاه السلفيّ، كما هو الحال مع الشيخين (الأشعريّ) و(الباقلانيّ). ويعود الآخر إلى المتأخِّرين الذين تأثَّروا بالتيَّارات العقليّة، كما يظهر عند (الجويني) و(ابن فورك) و(الرازي) وغيرهم. وقد اختلف الفريقان حول الكثير من القضايا التي لها علاقة بفهم الخطاب، وأبرزها تلك المتعلَّقة بالأوصاف والأسماء الإلهيَّة، كما هي مذكورة في القرآن والحديث، من قبيل أنَّ لله عينين ووجهاً ويدين وأصابع واستواءاً على العرش وما إلى ذلك.
________________________________________

[الصفحة - 41]


فبينما أجرى الفريق الأوَّل تلك الأوصاف على حالها مانعاً بذلك التأويل، اضطرَّ الفريق الثاني إلى تأويلها تماشياً مع نزعته العقليّة. وهذا الاختلاف بينهما ليس اختلافاً حول إثبات التجسيم ونفيه، فالفريق الأوَّل صريح في منعه (66)، بل إنَّ إطلاق هذا اللفظ على الله قد لا يجد له مساغاً لدى عموم أصحاب هذا المنطق، فهم يمنعون إطلاق الأسماء عليه وعلى صفاته ما لم يرد في ذلك نص من الكتاب أو السنّة (67)، فالأسماء عندهم توقيفيّة لا تُطلق إلا بإذنٍ شرعيّ، وكما يقول إمام الحرمين (الجوينيّ) : «إنَّ إطلاق الألفاظ في الذَّات والصفات موقوف على إطلاق النصّ الشرعيّ (68) . لذا أدرك المتقدِّمون أنَّ فهم تلك الأوصاف يكون بإجراء الوصف على حاله من غير جسميّة. فقد اعتقد (الأشعريّ) بأنَّ اليد هي صفة لله تعالى غير القدرة، كما أنَّ الوجه صفة له غير الوجود، واعتبر الاستواء صفةً أخرى غير الاستيلاء، وهكذا مع البقيّة (69) . كما صرَّح (الباقلانيّ) بأنَّ الوجه والعينين واليدين هي من صفات الله الذَّاتية، لكنَّها ليست من الجوارح ولا تُعطي مدلولاً جسميّ (70) . فمثلاً بالنسبة للآية: { مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } (ص : 75) منعَ (الباقلانيّ) ومن قبله (الأشعريّ) تأويل اليدين بمعنى القدرة أو النعمة، واستدلّ على ذلك بأنَّه لو كان المعنى هو القدرة لكان لله تعالى قدرتان، ولو كان بمعنى النعمة لكانت له نعمتان في خلقه لآدم، مع أنَّ نِعَمَ الله على آدم وغيره لا تُحصى. كما أنَّه لا يجوز أن يقول القائل مثلاً: «رفعت الشيء بيديّ» أو «وضعته بيديّ» أو «تولَّيته بيديّ» وهو يعني بذلك نعمته (71) .
ولا شكَّ أنَّ هذا الفهم لا يتَّسق والمرونة التي عرفت بها لغة العرب في استخدام المجاز والتشبيه لتقريب المعنى. وليست اليد وإن ثُنِّيَت بعيدةً في استخدامها عن معنى القدرة أو النعمة. ويؤيِّد ذلك ما جاء في بعض الآيات التي استشهد بها (الباقلانيّ) للدلالة على رأيه، وهي قوله تعالى: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ... بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } (المائدة : 64)، فواضح أنَّ معنى الغلّ والبسط في اليد أو اليدين هو
________________________________________
(66) لاحظ: اللمع للاشعري، ص23، والتمهيد، ص264.
(67) اللمع، ص24.
(68) الجويني: الشامل في اصول الدين، تحقيق علي سامي النشار وفيصل بدير عون وسهير محمد مختار، ص350، وشرح المواقف، ج3، ص168 .
(69) تلخيص المحصل، ص313 .
(70) التمهيد، ص259ـ260 و262 .
(71) التمهيد، ص258ـ259، والابانة عن اصول الديانة، ص79ـ82 .

[الصفحة - 42]


ما يتعلَّق برزق الله وإنعامه، وأنَّه لا يوجد معنىً آخر يدلُّ على اليدين غير تلك الدلالة المستنبطة من سياق النصّ. وكذا يُقال عن معنى الوجه في قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ }(الرحمن : 27)، حيث ليس له من معنى راجح سوى الذَّات الإلهيَّة.
مع هذا فهناك مشكلةٌ تخصُ مسألة الاستواء كما في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} (يونس : 3)، إذ منع (الباقلانيّ) أن يكون معنى الاستواء هو الاستيلاء الذي يعني القـدرة والقهر، ورأى أنَّ الله تعـالى لم يزل قـادراً قاهراً عزيزاً مقتدراً، وفي قـوله { ثُمَّ اسْتَوَى } دلالة على استفتـاح هـذا الوصف بعد أن لم يكن. ومع ذلك فإنَّ (الباقلانيّ) يرى أنَّ الله على عرشه لا بالمعنى الجسميّ من الملاصقة والمجاورة (72)، حيث الكيف مجهول، كالذي اشتهر عن (الإمام مالك) حين سُئل عنه فقال: «الاستواء معقول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» (73) . والحاصل في جواب (الباقلانيّ) هو أن يكون الاستواء معقولاً والكيف غير معقول، وهو موقف احترازيّ يُبعد الجانب الإلهيّ عن أشكال المكان والجسمية، وإن كان لا يُعطي أي فكرة أخرى يُستعاض بها عن ذلك المحذور.
وقد سبق (للأشعريّ) أن أكَّد على تلك الصفة من الاستواء وأنَّه ذو جهة فوق السماوات السبع، حيث ذكـر: «إنَّ قال قـائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له نقول: إنَّ الله عزّ وجل مستوٍ على عرشه كما قال: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } (طه : 5) و { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } (فاطر : 10)وقال: { بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ} (النساء : 158) وقال: { يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ }(السجدة : 5) وقال حكايةً عن فرعون: { يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً } (غافر : 63)، حيث كذّب موسى في قوله إنَّ الله عزَّ وجل فوق السماوات، وقال عزَّ وجل: { أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ } (الملك : 16)، فالسماوات فوقها العرش، فلمَّا كان العرش فوق
________________________________________
(72) التمهيد، ص262 و264.
(73) الشامل، ص551، والغزالي: قواعد العقائد في التوحيد، ضمن رسائل الامام الغزالي (2)(، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الاولى، 1414هـ ـ1994م، ص59، والذهبي: سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، الطبعة التاسعة، 1413هـ، شبكة المشكاة الالكترونية، ج8، فقرة 100ـ101.

[الصفحة - 43]


السماوات قال: { أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } لأنَّه مستوٍ على العرش الذي فوق السماوات، وكلُّ علوٍ فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات وليس إذا قال { أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } يعني جميع السماوات، وإنَّما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات» (74) . كما ذكر بعض الأحاديث الدالَّة على كون الله على العرش وأنَّه ينزل إلى السماء الدنيا، وروى عن (أبي هريرة) من أنَّ النبيّ قال: «إذا بقي ثلث الليل ينزل الله تبارك وتعالى فيقول: من ذا الذي يدعوني فاستجيب له، من ذا الذي يستكشف الضرّ فاكشفه عنه، من ذا الذي يسترزقني فارزقه؟ حتَّى ينفجر الفجر» (75) . وهناك آيات أخرى وظَّفها (الأشعريّ) حول المكان الإلهيَّ وجهته فوق العرش، ومن ذلك قوله تعالى: { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } (النحل : 50)، { تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ } (المعارج : 4)، { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ } (فصّلت : 11)، { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } (الفرقان : 59)، { إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } (آل عمران : 55)... الخ (76) .
مع أنَّ هناك آيات أخرى ينصُّ بعضها على أنَّ الله محيط بكلِّ شيءٍ، وأنَّه أقرب الأشياء إلينا، وأنَّه في الأرض مثلما في السماء، وأنَّه ظاهر الأشياء وباطنها. وبالتالي فإنَّ التعويل على ظواهر تلك النصوص يعني تأويلاً للأوصاف الأخيرة، والعكس صحيح أيضاً.
على أنَّ الأشاعرة المتقدِّمين مارسوا التأويل بحقّ الآيات التي تتحدَّث عن بعض الصّفات الإلهيّة، ومن ذلك صفة الكلام وصفة الحبّ والرضا والبغض والغضب والولاية والعداوة وما إليها. فقد حدَّد (الباقلانيّ) صفة غضب الله ورضاه بمعنى إرادته الذّاتيّة في العقاب والثواب. والتبرير الذي لجأ إليه هو أنَّ من المحال وصف الله تعالى بالغضب الذي يعني نفور الطبع وتغيّره، وكذا بالرضا الذي يعني سكون الطَبع بعد تغيِّره. لهذا اعتبر أنَّ الغضب والرضا وكذا الحبُّ والبغض والولاية والعداوة؛ كلُّها بمعنىً واحدٍ هو إرادة النفع والإضرار لا غير (77) .
ومع أنَّ عقولنا تستبعد حقاً أن يكون معنى الغضب والرضا هو بمثل ما عندنا من
________________________________________
(74) الاشعري: الابانة عن اصول الديانة، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الاولى، 1405هـ ـ 1985م، ص69ـ70.
(75) الابانة، ص72.
(76) الابانة، ص73ـ74.
(77) التمهيد، ص27ـ28 و262.

[الصفحة - 44]


صفةٍ وغريزةٍ، إلا أنَّ هذا لا يبرِّر تفسير معناهما على نحو الإرادة فحسب، بل هما من أمور الغيب التي يستحيل معرفة معناها على نحو التشخيص والتفصيل (7878) .
أمَّا صفة الكلام فقد علمنا أنَّ هذا المنطق يوليها وظيفةً جوهريّةً لتأسيس الخطاب الدّينيّ من الخارج، لذلك تمَّ تأويل النصوص التي تخصّها اتِّساقاً مع الأصل المولِّد. ومن ذلك ما قام به (الأشعريّ) وأتباعه في تأويل الآية: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ }(الأنبياء : 2)، حيث فسَّرها بأنَّ «الذكر الذي عناه الله عزَّ وجل ليس القرآن، بل هو كلام الرسول(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) ووعظه إيَّاهم، وقد قال الله تعالى لنبيَّه: { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } (الذاريـات : 59)، وقـال: { قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ } (الطلاق : 10 ـ 11)، فسمَّى الرسـول ذِكراً والرسـول محدَث، وأيضاً فإنَّ الله عزَّ وجـل قـال : { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } يُخبر أنَّهم لا يأتيهم ذِكرٌ محدَث إلا استمعوه وهم يلعبون، ولم يقل: لا يأتيهم ذِكر إلا كان محدثاً، وإذا لم يقل هذا لم يوجب أن يكون القرآن محدثاً»(79) .
مع أنَّ الذِكر في الآية منسوبٌ إلى الله صراحةً وليس إلى الرسول، وقد وصفه بأنّه محدّث صراحة.
كذلك قام (الأشعريّ) بتأويل الآية: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (النحل : 40)، فظاهرها يؤيِّد فكرة حدوث القول الإلهيّ، وهو ما لم يتقبَّله (الأشعريّ)، ورأى فيه استحالة عقليّة لاعتقاده بقِدَم كلام الله وكونه أحد صفاته الذَّاتيّة. بل إنَّه استدلَّ عقلاً من الآية ذاتها على استحالة حدوث كلام الله، وذَكَر بأنه لو كان القرآن ـ وهو كلام الله ـ مخلوقاً لكان الله تعالى قائلاً له (كن)، وهذا الأخير لمَّا كان مخلوقاً أيضاً باعتباره قولاً فهو يحتاج إلى قول (كن) آخر، وهكذا إلى ما لا نهاية له من الأقوال وهو مستحيل (80) .
ومع أنَّ سيَاق الآية السابقة ليس بصدد المعنى اللفظيّ واللسانيّ للقول والكلام
________________________________________
(78) جاء عن الامام علي قوله بهذا الصدد: «يحب ويرضى من غير رقة، ويبغض ويغضب من غير مشقة» نهج البلاغة، ضبط نصّه وإبتكر فهارسه صبحي الصالح، منشورات دار الهجرة، قم، الطبعة الخامسة، 1412هـ، ص274.
(79) الابانة، ص65ـ66.
(80) اللمع، ص33ـ34، والابانة، ص42 و52.

[الصفحة - 45]


بقدر ما له من المعنى الكونيّ (81)، إلا أنَّه حتَّى مع التسليم بكون الآية تنصُّ على المعنى اللسانيّ للقول، وهو أنَّه ما من شيءٍ يخلقه الله إلا ويقول له باللسان الحرفيّ (كن)، فإنَّ ذلك لا يدلُّ على قِدَم الكلام، وإلا كانت الآية متناقضة والأشياء قديمة غير حادثة. فالآية صريحةٌ على حدوث القول؛ فكيف يستدلُّ من خلالها على نقيض ذلك؟ ذلك أنَّ خلق الأشياء مُناطٌ بالقول، فلو كان القول قديماً لا حادثاً لكان خلق الشيء قديماً مثله، وكذا فإنَّ إرادة الشيء في الآية لو كانت إرادة قديمة لكان الشيء المراد قديماً مثلها، وهو ما لا يقرّه اغلب أتباع النظام المعياريّ ومنهم أصحاب هذا المنطق.
بل إنَّ التسلسل الذي تحدَّث عنه (الأشعريّ) في إثبات قِدَم الكلام الإلهيّ لا يستقيم إلا عندما نعمِّم لفظة (شيء) في الآية على القول والكلام ذاته، لكن إذا عرفنا أنَّ الآية قد ذكرت هذه اللفظة بتمايزٍ عن لفظة القول؛ علمنا أنَّه لا يصحُّ تعميم الأولى على الثانية.
وبعبارة أخرى، يدل النصُّ على أنَّ الشيء لا يُخلق ما لم يكن ذلك مسبوقاً بقول (كن) - فضلاً عن الإرادة - ممَّا يعني أنَّ من غير الممكن أن يكون القول خاضعاً تحت مسمى الشيء، وإلا حصل التناقض، حيث يكون المعنى هو إنَّ الشيء لا يُخلق إلا عندما يكون مسبوقاً بالشيء، وهو تناقض. لذا فبحسب تمييز الآية هو أنّ القول غير الشيء، وأنَّه إذا اعتبرنا القول حادثاً، واعتبرنا الشيء حادثاً مثله، فالملاحظ أنَّ بينهما تمايزاً، وهو إنَّ خلق الشيء يتوقَّف على عاملين بحسب الآية، هما قول الله وإرادته، في حين إنَّ القول لا يعتمد إلا على عاملٍ واحدٍ هو إرادة الله. ويُمكن تصوير هذه العمليّة بأنَّ خلق الشيء يتوقَّف مباشرةً على حدوث قول الله، وإنَّ هذا القول يتوقَّف بدوره على الإرادة.
كذلك هناك اختلاف بين الشيء والقول في الآية، ذلك أنَّ القول منسوبٌ إلى الله، حاله في هذا حال الإرادة، في حين إنَّ الشيء أجنبيّ غير منسوبٍ إليه، وربَّما لهذا
________________________________________
(81) بهذا الصدد ورد عن الامام علي ما هو قريب عن التفكير الاعتزالي، حيث قال في معنى الاية: «يقول لمن اراد كونه: ((كن فيكون))، لا بصوت يقرع ولا ابتداء يسمع، وانما كلامه سبحانه فعل منه انشأه ومثّله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان الهاً ثانياً» (نهج البلاغة ص274). وكان الزمخشري يقول في هذه الاية: «هذا مجاز من الكلام وتمثيل ولا قول ثم» (الكشاف، ج1، ص181).

[الصفحة - 46]


الاختلاف جاءت بعض الروايات عن الإمام الصادق (عليه ‏السلام) تُشير إلى أنَّ كلام الله محدَث لا مخلوق، مثل الرواية القائلة: «إنَّ القرآن كلام الله محدَثٌ غير مخلوق وغير أزليّ مع الله تعالى... كان الله عزّ وجل ولا شيء غير الله معروفٌ ولا مجهول، كان عزّ وجل ولا متكلِّم ولا مريد ولا متحرِّك ولا فاعل.. فجميع هذه الصفات محدَثة عند حدوث الفعل منه..» (82) .
أمَّا المتأخِّرون من أصحاب هذا المنطق فقد ذهبوا إلى ممارسة عمليَّة التأويل بطريقةٍ موسَّعة، ومن ذلك تأويلهم النصوص المتعلِّقة بالصِّفات الإلهيَّة والتي منع تأويلها المتقدِّمون. وسبق لـ (الغزاليّ) أنَّ وصف الأشاعرة بقوله: «ذهبت طائفة إلى الاقتصاد، وفَتحوا باب التأويل في كلِّ ما يتعلَّق بصفات الله سبحانه، وتركوا ما بالآخرة على ظاهرها، ومنعوا التأويل فيه، وهم الأشعريَّة» (83) . ويبدو أنَّه قصد بالأشعريَّة ـ هنا ـ المتأخِّرين منهم دون المتقدِّمين الذين أبقَوا النصوص الخاصَّة بالصِّفات على حالها دون تأويلٍ كما عرفنا. أمَّا المتأخِّرون من أمثال (الجوينيّ) و(ابن فورك) (المتوفَّى سنة 460هـ) فقد ذهبوا إلى تأويل تلك النصوص.
فمثلاً جوّز (الجوينيّ) في (الإرشاد) تأويل آية الاستواء على العرش بمعنى القهر والغلبة، واعتبر ذلك سائغاً في اللغة. كما لم يستبعد معنى كون الإله قصد إلى أمر العرش، مثلما هو تأويل (سفيان الثوري) (84) . وقال بهذا الصدد: «فإنَّا نعلم أنَّ الاستواء إذا لم يكن تمكّناً بالذَّات وتخصّصاً ببعض الجهات فلا بدَّ أن يرجع إمَّا إلى معنى القهر، وإمَّا إلى معنى علوّ العظمة، وإمَّا إلى فعلٍ من أفعال الله عزَّ وجل، ولا مزيد على هذه الأقسام» (85) . كما أنَّه نفى الجهات عن الله وقال: «ومن ينتمي إلى الحقِّ من الأئمّة ومخلصي الأمة يعترف بتقدّس الربّ عن الجهات والمقابلات» (86)، بل وعقد فصلاً في كتابه (الشامل في أصول الدِّين) هاجم فيه الذين عوَّلوا على ظواهر الآيات والأحاديث الخاصَّة بصفات الله، وسمَّى هذا الفصل: (في ذكر تأويل جُملٍ من ظواهر الكتاب والسنة).
________________________________________
(82) الصدوق: التوحيد، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم، ص227، وإن كان في حديث اخر بيّنت الرواية ان علة عدم وصف كلام الله او القرآن بالمخلوق؛ هو لأنه يعني المكذوب (المصدر، ص225). لكن القاضي الهمداني أكد على صحة لفظ المخلوق، وردّ على الفرض الذي اعتبر هذا اللفظ بمعنى الكذب والمكذوب، حيث صوّر الخلق بمعنى التقدير، والمخلوق هو الفعل المقدر بالغرض والداعي المطابق له على وجه لا يزيد عليه ولا ينقص عنه (شرح الاصول الخمسة، ص546).
(83) الغزالي: قواعد العقائد، ص59، واحياء علوم الدين.
(84) مرهم العلل المعضلة، ص245.
(85) الشامل في اصول الدين، ص551.
(86) الشامل، ص551.

[الصفحة - 47]


وعموماً ذهب الأشاعرة المتأخِّرون إلى الاعتراف بضرورة تأويل كلِّ ما يُشعِر بالجهة والتجسيم لاستحالتها على الله (87)، ومن ذلك ما صرَّح به (الغزاليّ) من أنَّ الأشاعرة تنفي الجهة والجسميَّة(88)، وهو موقفٌ يختلف عمَّا كان عليه (الأشعريّ) و(الباقلانيّ) القائلان بالجهة وسائر الصِّفات الأُخرى. كما ذهب صاحب (مرهم العلل المعضلة) إلى عدم القطع بتعيين التأويل في أحاديث الصِّفات، حيث نفى كلَّ ما يدلُّ على الجسميَّة والتغير والنقص، لكنّه لم يقطع بالمراد (89) .
وعلى ما ذكره (ابن فورك) من أنَّ تأويل قوله تعالى: { وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ } (الأنعام : 3) بأنَّ معناه لدى أصحابه من الأشاعرة هو «إنَّ الله جلَّ ذكره يعلم سرَّكم وجهرَكم الواقعَين في محلِّ السماوات والأرض.. ولا يصحَّ الوقوف على معنى قوله تعالى: { وَهُوَ الله فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ } دون أن يُوصل بقوله تعالى: { يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } » (90) . كما ذكَر في تفسير قوله تعالى: { وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً } (الفجر : 22) بأنَّ من الأشاعرة من قال إنَّ معناه هو جاء ربُّك بالملك صفاً، وزعم أنَّ الواو ههنا بمعنى الباء، ومنهم من قال إنَّه بمعنى جاء أمر ربِّك (91) . كما ذكر في تفسير قوله تعالى: { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ الله فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالمَلاَئِكَةُ } (البقرة : 210)، هو إنَّ معناه بحسب ما قاله بعض أهل التفسير: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالعذاب في ظُللٍ من الغمام، وهو أمر سائغ في اللغة حيث يعبَّر عن الشيء بفعله إذا وقع عن أمره وتدبيره. وقال بعضهم إنَّ قوله: { فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ } يُراد به بظُللٍ من الغمام وإنَّ (في) جاءت بمعنى الباء. وقد روي ذلك في التفسير عن (ابن عباس). وروى (ابن أبي نجيح) عن (مجاهد) في تفسير تلك الآية إنَّه قال بأنَّها السحاب التي يأتي بها الله يوم القيامة. وروى (أبو صالح) عن (ابن عباس) أيضاً أنَّه قال يأتيهم بوعده ووعيده وإنَّ الله يكشف لهم عن أمورٍ كانت مستورةً عنهم، ومثل ذلك روي عن الحسن (92) .
كما قال (ابن فورك) بصدد تأويل الآيات الخاصَّة بتحديد المكان: «فأمَّا قُرب
________________________________________
(87) مرهم العلل المعضلة، ص234.
(88) الغزالي: روضة الطالبين، ضمن رسائل فرائد اللآلي، نشر فرج الله ذكي الكردي، مصر، 1343هـ ـ1924م، ص175.
(89) مرهم العلل المعضلة، ص252.
(90) ابن فورك: مشكل الحديث وبيانه، دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، الطبعة الاولى، 1367هـ، ج1، ص50.
(91) مشكل الحديث وبيانه، ج1، ص63.
(92) مشكل الحديث، ج1، ص63ـ64.

[الصفحة - 48]


المكان فلا يليق بوصف الله تعالى، وعلى ذلك يتأوَّل جميع ما في القرآن، مثل قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } (ق : 16) وقوله: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ } (الواقعة : 85) وقوله: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } (النجم : 8 ـ 9) وقوله: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } (العلق : 19). فجميع ذلك لا يخلو من أن يكون قرباً بالطاعة من العبد أو قرباً بالكرامة وإظهار الرحمة من الله» (93)).
كذلك قام (ابن فورك) بتأويل الكثير من الأحاديث التي يبدو أنَّها تدلُّ في الظاهر على التشبيه والتجسيم، إذ وضع العديد من التأويلات المُمكنة المحتملة على طريقة المتأخِّرين؛ مخالفاً في ذلك ما اشتهر لدى السلف، ومن هذه الأحاديث نذكر ما يلي:
«خلق الله آدم على صورته»، و«خلق آدم في قبضة قبضها الله»، و«الحجر الأسود يمين الله»، و«إنَّ الله استلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى»، و«قال الله لداود مر بين يديَّ»، و«ضحك الربُّ لقنوط عباده»، و«إنَّ الله خلق الملائكة من شعر ذراعيه»، و«إنَّ هناك من سُئلت أين الله؟ فأشارت إلى السماء فاعتبرها النبيّ مؤمنة»، وإنَّ لله صفة العجب «قد عجب ربكم..»، وكذا صفة الغيرة «إنّ الله أغير من سعد»، وهناك حديث النزول، وحديث الرؤية حيث «ترون ربَّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضارّون في رؤيته»، و«إنَّ الله يطوي المظالم فيجعلها تحت قدمه»، و«إنَّ الله يجعل ذلك في كفِّه»، و«إنَّ قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن»، وإنَّ لله ساعداً أشدّ من ساعدك»، و«إنَّ الله يستحي..»، و«إنَّه دخلت على ربي فإذا هو شابٌ جعد..»، وإنَّه يُكشف عن ساقٍ، و«إنّي رأيت ربي جعداً قطط»، و«إنَّه في صورة شابٍ أمرد»، و«إنَّ الله في السماء»، و«إنَّ له وجه»، و«له عينان»، و«له يدٌ وكفٌ وقبضةٌ ويمينٌ وساقٌ وقدَمٌ ورجلٌ يُمنى ورجل أخرى..» .
نستخلص ممَّا سبق عدداً من الملاحظات النقديّة كالآتي:
1ـ عرفنا أنَّ هذا المنطق قد اضطرّ عند تأسيسه للخطاب الدّينيّ من الخارج إلى
________________________________________
(93) مشكل الحديث، ج1، ص70.

[الصفحة - 49]


تحويل بعض القضايا المعياريَّة إلى قضايا وجوديَّة حتميَّة، وبالتحديد إنَّه اعتبر قضيَّة صدق الكلام الإلهيّ من الصِّفات الذاتيَّة الثابتة، كالذي يدعو إليه النظام الوجوديّ.
2ـ إنَّ جعل الكلام الإلهيّ صفة ذاتيّة وقديمة للمكلِّف؛ يعني أنَّ الأمر والنهي، الذين يٌعدَّان جوهر العمليَّة التشريعيَّة، قديمان بالضرورة قِدَم الكلام النفسانيّ ذاته. فالتكليف محدّد أوصافه وأركانه أزلاً، وهو أمر محتم لا مفرَّ منه أبداً. وهنا نعود إلى الإشكاليَّة التي تقرِّب هذا الاتِّجاه من منطق النِّظام الوجوديّ.
3ـ لقد أسفَر هذا الاتِّجاه عن تناقضٍ صريحٍ، فهو من جهة يُفضي إلى اعتبار الخطاب بيّناً ليُعلم منه التشريع حسب ما يقرّه المالك الحقيقيّ. لكنَّه من جهةٍ أخرى يصطدم مع ما في هذا الخطاب من قضايا لا تتَّسق والأصل المولِّد. الأمر الذي اضطرَّه إلى التأويل. وقد ذهب متأخِّرو هذا الاتِّجاه إلى تبرير هذه الممارسة والتنظير لها، وإنَّ بعضهم ـ مثل الفخر الرازيّ ـ رأى في نصِّ الخطاب حالة التشابه وغياب البيان، وهو أمرٌ يُفضي إلى الإخلال بمعرفة قرارات المالك الحقيقيّ من التشريع والتكليف.
4ـ هناك مشكلةٌ أُخرى تواجه هذا الاتِّجاه في تعامله المجزَّء مع الخطاب، فهو يعتبر بعضه بيِّناً والبعض الآخر متشابهاً. ممَّا يعني أنَّ الكلام الإلهيَّ القديم يتَّصف ذاتاً بهذا التجزّء من البيان والتشابه دون أن يتَّخذ صفةً موحَّدةً من الاتِّساق. وتظلُّ المشكلة قائمةً حول معرفة مضامين القسم المتشابه، إذ ما الذي يؤكِّد لنا صحَّة ما تستكشفه عقولنا لمعاني هذا القسم، خاصَّة ونحن غير مطَّلعين على هذا السبق التوقيفيّ للكلام القديم؟ كذلك ما الذي يُجيز لنا فحص الخطاب المتشابه والكشف عن مضامينه بطرق التأويل العقليَّة، إذا كان ذلك يتوقَّف فقط على إذن المالك المطلق، وأنَّه لا سبيل لمعرفة هذا الإذن عن طريق العقل؟
________________________________________

[الصفحة - 50]