البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

أثر الإسلام في تطوّر علم الفلك الإسلامي

الباحث :  أ. السيد عبدالأمير المؤمن
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  51
السنة :  السنة الثالثة عشر خريف 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  383
أثر الإسلام في تطوّر علم الفلك الإسلامي

أ. السيد عبدالأمير المؤمن (*)

مقدمة
يلعب الدين، أيّ دين سماوي، دوراً أساسياً في حياة الإنسان ، فينظّم لـه حياته ويرشده إلى الطريق الصحيح، حيث يجهل الإنسان، أيّ انسان، (بذاته) ما يضرّه وما ينفعه من طرق الحياة ومرافقها المتنوعة.
وكلّ دين (والدين الإسلامي من جملة الأديان) لم يَأت من أجل الآخرة فقط، وإنّما هو للدنيا والآخرة معاً، فالدين نظام متكامل يصنع أُسس الدنيا والآخرة في آن واحد.
فالإنسان في هذه الحياة يعمل ويجد ويتعب ويزرع في سبيل الحصول على حصاد، على نتائج عمله وجدّة في الآخرة، ولذلك جاء ذلك في القول المأثور (الدنيا مزرعة الآخرة) فإن زرع الإنسان خيراً فله، وإن زرع شرّاً فله أيضاً. قال سبحانه وتعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه} (سورة الزلزلة: 7 و8).
وديننا الإسلامي الحنيف خاتم الأديان، وضع مخططاً أبدّياً لكلّ ما يحتاجه الإنسان، فلم يغادر صَغيرة ولا كبيرة، وعلى كلّ المستويات والصُعُد، على مستوى العقيدة، وعلى مستوى الأحكام، وضع هذا المخطط الإلهي لكي يضع الإنسان على الطريق الصحيح الموصل إلى الهدف الذي يريده الله سبحانه وتعالى، وهو إسعاد الإنسان في الدنيا والآخرة من خلال دينه.
وقد شملت تعاليم الإسلام وأحكامه الشرعية كلّ وجوه الحياة ومرافقها بشكل
________________________________________
(*)باحث ومتخصص في علم الفلك، من العراق.

[الصفحة - 111]


مباشر أو غير مباشر، هادفة بناء حياة حضارية متكاملة .. حياه متطوّرة تنسجم وتطلّعات الإنسان وفطرته. لقد أفرز ديننا الإسلامي الحنيف حضارة إنسانية تُعَدُّ من أهم وأعظم الحضارات في العالم أجمع. تلك هي (الحضارة الإسلامية). وميزة هذه الحضارة أنَّها جمعت بين الجانب المادي والجانب الروحي في حالة متكاملة .
ومن مقومات هذه الحضارة العظيمة إنجاز منظومة مهمة ومتكاملة من العلوم على اختلافها شرعية (دينية)، وغير دينية، لكن لها علاقة بالمسائل الشرعية بنحو من الأنحاء.
علوماً دينية شرعية كالفقه والأُصول والتفسير والحديث وملحقاتها، وعلوماً أُخرى غير دينية كالرياضيات والكيمياء والحيوان والنبات والفلك وما إليها من العلوم الأساسية.
وعلى الرغم من الفرق بين هذه العلوم الدينية وغير الدينية إلاّ أنّ هدفها واحد هو بناء الإنسان.. بناء إنسان سليم متكامل متزن في أخلاقه وأعماله. وأنّ هناك علاقات وتشابكاً بين أنواع العلوم، بين العلوم الدينية نفسها، وبين العلوم غير الدينية نفسها أيضاً، وبين العلوم الدينية والغير دينية أيضاً. فأحكام المواريث والتركات وهي جزء من الفقه الإسلامي لها علاقة بعلم حساب الفرائض (وهو علم يُعرف به كيفية قسمة التركة على مستحقيها) (1).
وعلم الفقه لـه علاقة بعلم الفلك من حيث ارتباط الشمس والقمر ببعض الأحكام الشرعية وهكذا.
وحول هذه العلاقة الأخيرة، وعلاقة الإسلام بالفلك بشكل عام، يدور بحثنا، وهو أثر بعض الأحكام الشرعية أو الواجبات الدينية على علم الفلك، وبتعبير أدق على تطور علم الفلك في الإسلام.
العلوم الفلكية بعيداً عن الإسلام
ولنقرأ الآن العلوم الفلكية كنموذج للعلوم الأُخرى. لنقرأ تلك العلوم حين لم يكن الإسلام ولم يكن القرآن الكريم، ولم تكن ظروف دينية صافية ملائمة تهتم
________________________________________
(1)التعريفات، الشريف الجرجاني :172، مكتبة لبنان ـ بيروت 1990.

[الصفحة - 112]


بالعلم والأُمور الطبيعية، بالشمس والقمر والظواهر الكونية الأُخرى. وحين لم تكن هناك علاقة صحيحة بين الخالق والمخلوق من الموجودات الكونية المتنوعة.
لقد عُرف علم الفلك أو الملاحظات والمعارف الفلكية البدائية، (أي معرفة السماء والنجوم والشمس والقمر والسيارات وعدد من الظواهر الفلكية)، عُرفت منذ الأقوام البدائية الأُولى، عُرفت معرفة بدائية بسيطة لم تتجاوز كثيراً التمييز بين هذا الكوكب وذاك، بين هذه الظاهرة الفلكية وتلك، ولا شك أنّ تلك المعرفة الفطرية كانت ممتزجة بشكل متشابك بالخرافات والأوهام والقوى الخفية، وما شاكل ذلك من الأساطير.
وَعُرف الفلك بشكل مفصل إلى حدًّ ما في الحضارات اللاحقة، فعُرف عند الهنود والفرس وأهل الصين وأمريكا الوسطى، ومع هذه المعرفة امتزج أيضاً بالخرافات والأوهام والأساطير والخزعبلات الغريبة عن العلم تماماً.
أمّا في الحضارة البابلية والمصرية القديمة فقد كان الفلك أكثر تطوراً، فقد عَرفت تلك الحضارتان عدداً من الأُسس والقواعد الرياضية والفلكية. فعرف سكان مصر القدماء حركات الكواكب والنجوم ومواقعها، وعرفوا التقويم وبعض الأدوات الرصدية. لكن البابليين كانوا أقوى من المصريين في هذا العلم، فقد أنجزوا قياسات محكمة للنجوم والسيارات وقدموا معلومات فلكية كثيرة. تقول الباحثة مرجريت روثن: «يُمكننا القول اليوم أنّه من بين سائر العلوم التي أنشأها البابليون واستخدمها الكلدانيون يحتل علم الهيئة مكانة مرموقة لا تعلو فوقها سوى الرياضيات» (2).
ومع كل ذلك كان الفلك البابلي ممزوجاً بشكل كبير بأفكار غير علمية طقوسية تنجيمية (3).
ولم تكن بلاد الإغريق واليونان بيئة علمية خصبة ملائمة لتطور علم الفلك، على الرغم من التطور النوعي الذي حدث في المنهج، قياساً بالمعارف الفلكية السابقة (الحضارات القديمة المذكورة).
لقد قدّم اليونانيون مادة فلكية جيدة بنوها فوق تراكم المادة الفلكية الموروثة من الحضارات السابقة، وخاصة الحضارة البابلية والمصرية القديمة، وكان لديهم
________________________________________
(2)علوم البابليين، مارغريت روثن :99، تعريب د. يوسف حبّي، وزراة الثقافة والإعلام ـ بغداد 1980م.
(3)المصدر السابق :99.

[الصفحة - 113]


مفكرون وفلكيون ممتازون من أمثال أفلاطون، أرسطوطاليس، أريسطارخوس، هيبارخوس، بطليموس القلوذي وغيرهم، إلاّ أنَّ بيئتهم اليونانية، هي الأُخرى لم تكن صالحة لنمو وتطوّر فلك علمي قائم على الأرصاد والملاحظات الميدانية، كان علمهم فكرياً رياضياً نظرياً مجرداً، يهتم أكثر ما يهتم بالجمال والكمال والملاحظات والأرصاد، وكان فلكهم مزيجاً من العلم وغير العلم، كان في الحقيقة فلكاً تنجيمياً، على الرغم من العناصر العلمية الممتازة الموجودة فيه.
يقول سارطون في وصفه البيئة اليونانية: «فعرفوا قوى الطبيعة المخيفة في جميع مظاهرها حق المعرفة (الشمس والقمر والرياح والمطر والرعد والزلازل) وشغفوا باجتلاب رضاها بالطقوس والتعاويذ المناسبة، وابتكروا احتفالات خاصة لنجاح النسل والصحة وطول العمر والاتصال بالآلهة» (4).
في ظل هذا التصوّر والتخلف عاش الفلك، فمثلاً كان أفلاطون يعتقد أنّ كلّ روح تنتمي إلى نجم معين (5)، واعترف أرسطوطاليس بالتأثيرات النجمية على الحياة اليومية (6).
وكان هيبارخوس النيقي الملهم الحقيقي لبطليموس يعتقد بوجود صلة بين الأرواح والنجوم (7). أمّا بطليموس القلوذي الذي انتهت إليه النظرية الفلكية القديمة وعُرفت باسمه (نظرية بطليموس) فقد درس الفلك دراسة نظرية مجردة (متأثراً بأسلافه) بعيدة عن الميدان والمرصد، والمنهج العلمي الحقيقي المناسب لدراسة علم الفلك، وهذا ما جمّد علم الفلك قروناً طويلة من الزمان (8).
إنّ بيئة يغلب عليها الطابع النظري المشوب بالخرافة والآلهة المزيّفة لا تناسب علم الفلك، إنّ حياة الفلك هي الأرصاد والملاحظات والمتابعات الميدانية، ولا تعيش هذه الأُمور في غير الميدان والمَرصد، وهذا لا يعني أنّ اليونانيين لم يمارسوا الأرصاد والمتابعات بشكل تام، لقد مارسوها، ولكن بشكل جزئي، فضاعت في ظل الرياضة والفكر المجرد والاهتمام بالجمال والكمال مما جعلهم يدورون في حلقة مفرغة لم توفر لهم أرضية التطور.
________________________________________
(4)تاريخ العلم، جورج سارطون 1: 400، ترجمة مجموعة من الباحثين، دار المعارف ـ مصر.
(5)تاريخ العلم والتكنولوجيا، ر . ج فوربس وآخرون: 103، ترجمة أُسامة الخولي ـ القاهرة.
(6)المصدر السابق: 117.
(7)تاريخ العلم. سارطون 5: 181.
(8) عن بطليموس راجع كتابنا: الفلك والفضاء من الخرافات والتنجيم إلى تلسكوب هابل (بطليموس القلوذي رب الفلك القديم): 65 ـ 66، الدار الثقافية للنشر ـ القاهرة ـ 2002م.

[الصفحة - 114]


أثر الإسلام في التوجّه العلمي
الدين الإسلامي هو مرحلة حضارية جديدة تماماً، مرحلة تختلف في جوانبها المختلفة عن كلّ المراحل السابقة واللاحقة، مرحلة أحدثت ثورة في تاريخ العالم وتاريخ العلم والمعرفة، وفي كلّ مكان وصل إليه هذا الدين الحنيف.
لقد كان ظهور الدين الإسلامي نقطة حقيقة حاسمة وجديدة على مستوى التاريخ كلّه، فهو حدّ فاصل بين زمنين أو عصرين مختلفين، عصر ما قبل الإسلام (بما يحتوي من حضارات وأُمم مختلفة)، وعصر الإسلام وما بعده.
فعلى مستوى الحياة العلمية والمعرفة الفكرية كان عالم ما قبل الإسلام مليئاً بالممارسات السلبية، بالتقليد الأعمى، بالخرافات والأوهام والشعوذات والقوى والأرواح والأشباح الوهمية، وكانت تلك الممارسات الوهمية السلبية حجر عثرة في وجه العلم، اعاقته عن التطوّر ووقفت في طريق مسيرته المنهجية.
وحين دخل الدين الإسلامي المنطقه تغيّر الحال، فبدأت أفكار هذا الدين تحارب الخرافات وتقليد الآباء والقول بالظن، قال تعالى في ذم التقليد الأعمى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَل اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} (سورة البقرة:170).
وفي هذا المعنى قال سبحانه وتعالى أيضاً: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} (سورة المائدة: 104).
وقال سبحانه وتعالى في أهمية مسؤولية الحواس والقلب: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} (سورة الإسراء: 36).
وقال سبحانه وتعالى في إنكار الظن: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} (سورة الأنعام: 148).
وقال أيضاً: {وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً} (سورة النجم: 28).
لقد وردت هذه الآيات الكريمة وأخرى مماثلة كثيرة في القرآن الكريم بمثابة
________________________________________

[الصفحة - 115]


مُنبّه إلهي أيقظ العقول من نومها العميق على أوهام وخرافات العالم القديم.. نبهتها إلى عالم آخر.. عالم نظيف خال من الشوائب والمكدّرات والخزعبلات.
ووردت آيات كريمة أُخرى فأكدت الجانب الإيجابي من المعرفة والعلم. جاءت لتكامل اليقظة العلمية والفكرية التي حملها القرآن المجيد، فأكّدت أكثر ما أكّدت على العلم والعلماء وأهميتهما الكبيرة، وحثت على طلب العلم، وأشادت بدور العلماء الكبير، فقال سبحانه وتعالى في العلم: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} (سورة طه: 114).
وقال سبحانه في العلماء: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} (سورة الزمر: 9).
وقال سبحانه وتعالى أيضاً: {يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (سورة المجادلة:11).
ومثل ما أكَّد القرآن المجيد على العلم والعلماء أكّد النبي الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم) على ذلك أيضاً، حيث قال: «لا بورك لي في صبيحة لا أزداد فيها علماً» (9).
وقال أيضاً: «يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدماء الشهداء» (10).
وهناك المزيد من الآيات الأُخرى التي تؤكد على العلم والعلماء، ومثلها الأحاديث النبوية الشريفة، ويمكن مراجعة مصادر الحديث الشريف لتقرأ المزيد منها.
الحثّ على العلم وتمجيد العلماء هي ميّزة أساسية وسمة واضحة في ديننا الإسلامي الحنيف، وهي ميّزة فريدة لم نعثر عليها في الديانات السماوية الأُخرى. وإذا عثرت عليها فهي ضعيفة لا تشكل ظاهرة صميمية كما في الدين الإسلامي.
ففي الإسلام امتزج الدين بالعلم امتزاجاً محكماً، امتزج الدين النقي الصافي المستمد من القرآن المجيد والصحيح من الأحاديث النبوية (وكلّها نصوص ومعان مقدّسة) بالعلم الصافي أيضاً، البعيد عن تقليد الآباء وظنون الجهلة وأوهام المتوهمين.
ولقد وفّرت هذه الحالة الجديدة «وأساسها الإيمان المطلق بكتاب الله وأقوال رسوله، أساساً صالحاً لنشوء منظومة من العلوم والمعارف، على درجة عالية من الدقة والإتقان. كانت بدايتها تلك العلوم الإسلامية الأصلية (العلوم النقلية) ثم كانت (العلوم العقلية)» (11).
________________________________________
(9)مفتاح السعادة ومصباح السيادة، طاش كبرى زاده 1: 4، دار الكتب العلمية ـ بيروت.
(10)المصدر السابق: 10.
(11) في تصنيفه للعلوم، يقسّم ابن خلدون العلوم إلى قسمين يقول: «هي على صنفين. صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره، وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه». راجع الفصل الرابع: (في أصناف العلوم الواقعة في العمران لهذا العهد ) مقدمة ابن خلدون: 482 وما بعدها.

[الصفحة - 116]


إنّ حضور هذه المجموعة من العلوم وبشكلها المتقن والسريع، دليل على حضور الجو العلمي والمعرفي الصالح لنمو العلم وتطوره، وهذا الوضع العلمي الجديد لم يكن من قبل، قبل الدين الإسلامي الحنيف.
أثر الإسلام في تطور علم الفلك
وفي الحديث عن أثر الدين الإسلامي الحنيف في تطور علم الفلك الإسلامي، يمكن الحديث في جانبين أساسيين:
الأوّل: دور الآيات الكونية في هذا التطور.
الثاني: دور الأحكام الشرعية في هذا التطور.
وكلا الدورين يرجعان إلى القرآن المجيد، الأساس الأوّل في كلّ تغيير وتطور حصل للأُمة في المنطقة وخارج المنطقة.
لقد نزل القرآن الكريم كتاباً تغييرياً من نوع لم يعهده أهل العصر الجاهلي السابق للعصر الإسلامي. نزل القرآن على صدر محمد بن عبد الله (صلي الله عليه و آله و سلم) حاملاً معه منهجاً تغييرياً جديداً متميزاً بأُسلوب بلاغي مثير، ومعان قيمة تختلف عما ألِِفه أبناء العصر السابق من أفكار وآداب وأشعار وأسجاع، لقد بهرهم بأُسلوبه ومضمونه، وراح يعمل في نفوسهم وعقولهم ليقلب موازين المنطقة تماماً ويضعها في طريق جديد، هو الطريق إلى حضارة من نوع جديد هي (الحضارة الإسلامية)، أعظم حضارة عرفتها البشرية في تاريخها الطويل، وذلك لاحتوائها على الجانب المعنوي الروحي الإلهي والجانب المادي في آن واحد، كما ذكرنا من قبل، وهذه الميزة لم يوجد في الحضارات السابقة والحضارات اللاحقة.
لقد كان القرآن المجيد المحور الأساسي للدعوة الإسلامية الجديدة. فمن خلال أُسلوبه ومضمونه وروحه تحوّل المجتمع من الحالة القبلية الضيّقة إلى مجتمع عالمي واسع انفتح على كلّ العالم.
والدعوة الإسلامية الجديدة ليست مجرد عقيدة دينية وشريعة وعبادات وأحكام، وإنما هي ـ إلى جانب ذلك ـ منظومة متكاملة تجمع الأخلاق والآداب
________________________________________

[الصفحة - 117]


والمعرفة الفكرية والعلمية والقيم والمبادئ الحياتية للفرد والمجتمع، وكلّ ما يتصل بحياة الإنسان على الأرض.
إنّ هذا المضمون الثري للدعوة الإسلامية خلق نقطة تحوّل أحدثت تغييراً حاسماً ويقظة فكرية حقيقية، ووعياً شاملاً بكلّ ما يدور حول الإنسان.
فالقرآن الكريم ـ محور الدعوة الإسلامية ـ خاض عالم الحس ودخل من أوسع أبوابه، فسجَّل المشاهدات والملاحظات الجارية، ونبّه إليها، وخاض عالم الغيب ودخل في صميمه، موفراً معرفة إضافية خارجة عن قدرة الإنسان المحدودة. وبذلك أيقظ العقول، وفتح القلوب، وحَرَّك الوعي النائم، ودفع الإنسان الذي خدّرته عادات وتقاليد وأفكار العصر الجاهلي إلى طرح تساؤلات جديدة فيها وعي كبير وإثارات وتساؤلات عن الطبيعة والكون والنفس والروح وكلّ ما يسمعه ويراه ويخطر بباله.
إزاء ذلك وَجَدَ الإنسان الذي آمن بالدعوة الإسلامية نفسه أمام عالم رحب واسع مفتوح يمكن الدخول إليه والمساهمة في صنعه. يمكن تغيير العادات والتقاليد الضارة، ويمكن قراءة ما يجري على الأرض من أشياء وما يحدث في السماء من أحداث، يمكن قراءتها قراءة أُخرى بعيدة عن الخرافات والأوهام، وفيها الخيْر له ولمجتمعه.
لقد وجد ذلك الإنسان نفسه أمام دعوة مفتوحة لبناء حياة جديدة وطموحات جديدة، فهو أمام صرح شامخ من المعرفة والعلم والفكر الصحيح، والتعاليم النافعة والقيم الطيبة والإرشادات المفيدة للوصول إلى حياة أفضل وأرقى. فأحسَّس ـ ولأول مرّة ـ أنَّ ما يسمعه أو يقرأه هو كتاب معجز ببلاغته وأفكاره، فيه حلول الكثير من مشاكله ومعاناته، وفيه الكثير مما يلبي حاجاته وتساؤلاته وطموحاته.
أولاً ـ دور الآيات الكونية في تطور علم الفلك
دعا القرآن الكريم عباد الله تعالى إلى النظر في كلّ ما يمكن النظر إليه. النظر الحسّي المباشر بالحواس الخمسة، أو النظر بالعقل والإدراك، إنْ كان مما يمكن إدراكه.
________________________________________

[الصفحة - 118]


دعاهم إلى ذلك بعيداً عن النظرة الخرافية والتأملية الفارغة من المعنى (كما أشرنا إلى ذلك)، رامياً وراء ذلك معرفة أو إدراك قدرة الخالق المبدع لهذا الكون، وما فيه من مخلوقات وأشياء. من خلال المخلوقات الكثيرة والمتنوعة والمثيرة، وهي طريقة عقلانية أو علمية أو قُل منهجية دقيقة للإيمان بالله تعالى خالق كلّ شيء.
وفي الوقت نفسه هي نظرة تثير التساؤلات تلو التساؤلات عن طبيعة المنظور إليه أو المدرك، وحالاته المختلفة وأوضاعه المتعددة، وهي في الحقيقة نظرة دعت إلى تحفيز الروح العلمية الكامنة في الإنسان إضافة إلى زرع الإيمان اللازم بالخالق الواحد الأحد.
دعا القرآن المجيد للنظر إلى الأرض وما فيها، والطبيعة وما تضمّ من عناصر وأسرار، قال سبحانه وتعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (سورة العنكبوت: 20).
ودعا للنظر إلى السماء وما فيها من مكونات وأجرام سماوية كالنجوم والكواكب السّيارة والشمس والقمر والظواهر الفلكية المختلفة، آخذاً بعين الاعتبار كبر السماء وعظمتها قياساً بالإنسان أو الناس. فقد ورد أنَّ السماء والكون أشدّ وأقوى وأكبر من الإنسان، وفي أكثر من آية قرآنية، وقال سبحانه وتعالى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} (سورة النازعات: 27 و 28). وورد هذا التأكيد في آيه أُخرى بقوله سبحانه وتعالى: {لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون} (سورة غافر: 57).
ومن يمعن في الآيات الكونية التي تدعو إلى التأمّل أو النظر في السماء وما فيها من مكونات، يجدها دعوة صريحة وواضحة وقوية للفت النظر إلى هذا المخلوق الكبير (السماء)، وهذه المخلوقات الكثيرة الهائلة (أجرام السماء) وظواهرها. وبالتالي الدعوة إلى قراءتها علمياً وفكرياً حسب الإمكانات المتوافرة، وقد استخدم القرآن الكريم عدة صيغ وأساليب لقراءة السماء.
منها: (النظر ومشتقاته) وما قاربه من معانٍ وكلمات تؤكّد هذه الدعوة، قال تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ}
________________________________________

[الصفحة - 119]


(سورة ق: 6).
وقال أيضاً: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} (سورة الأعراف: 185).
وقال أيضاً: {أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} (سورة الغاشية: 17 ـ 20).
وقال أيضاً: {قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ} (سورة يونس: 101).
ومن أساليب الدعوة إلى قراءة السماء، الرؤية الدقيقة وتكرار الرؤية لمعرفة المزيد من دقة السماء وإحكامها، قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور *ٍ ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ} (سورة الملك: 3 و4).
وهناك أساليب وصيغ أُخرى للدعوة إلى قراءة السماء.
وإضافة إلى هذه الدعوة للنظر المباشر إلى السماء وما فيها أورد القرآن الكريم حقائق وموضوعات فلكية سماوية عديدة في أماكن مختلفة من القرآن الكريم. مستعرضاً فيها السماء والأرض، والشمس والقمر، والنجوم والكواكب، والفلك والشهب، وظواهر كونية مختلفة. أورد هذه المواد بشكل صريح وواضح، وإن لم يُفصّل فيها. فقد ذكر كلمة الأرض مثلاً: 461 مرة، وكلمة السماء والسماوات: 310 مرة، وكلمة الشمس: 33 مرة، وكلمة القمر: 27 مرة، وكلمة النجم والنجوم: 13مرة، (وإنْ وردت بمعانٍٍ مختلفة) وكلمات لمواد سماوية أُخرى.
فمن الآيات التي ذكرت السماء قوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} (سورة الصافات: 6).
وقوله تعالى : {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (سورة الذاريات:47).
ومن الآيات التي ذكرت النجوم قولـه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (سورة الأنعام: 97).
________________________________________

[الصفحة - 120]


وقولـه تعالى في أحد النجوم: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ} (سورة الطارق: 1 ـ 3).
ومن الآيات التي ذكرت الشمس والقمر قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً} (سورة نوح: 15 ـ 16).
وقولـه تعالى أيضاً: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (سورة يونس: 5).
وفي آية أُخرى تحدث عن دقة مسير الشمس والقمر والفلك الذي يجريان فيه بقولـه تعالى: {لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (سورة يس:40).
وحول الأهلة والمواقيت قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (سورة البقرة: 189).
وسوف ينتهي كل شيء وتطوى السماء كطيّ السجل قال تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} (سورة الأنبياء:104).
هذا عدد من الآيات الكونية الواردة في القرآن الكريم، وقد اخترتها واضحة صريحة، تضمَّنت معلومات ومواد فلكية عامة لم يختلف عليها أحد. ولست هنا في صدد الحديث عن الإعجاز العلمي للآيات الكونية والفلكية كما تحدثت مؤلفات الإعجاز العلمي والفلكي الكثيرة، والتي ربط فيها مؤلفوها بين بعض الآيات القرآنية والمكتشفات والحقائق الفلكية، فذلك له فطانة خاصة به.
وإِنّما أردنا من هذه الأمثلة أو الشواهد القرآنية الفلكية أن نقول: إنَّ المضامين الكونية والفلكية الصريحة في بعض الآيات القرآنية لا بُدَّ وأن نبَّهت العقول والنفوس إلى مواد سماوية وكونية مثيرة، كان الناس في غفلة عنها، أو كانوا ينظرون إليها نظرة عابرة أو نظرة تجمع بين العلم والخرافة والأُسطورة، أو كانت مستخدمة لأغراض
________________________________________

[الصفحة - 121]


عملية محدودة كتحديد السنة والشهر والمواسم، كما ذكرنا من قبل.
لقد أثارت الآيات القرآنية التي دعت للنظر إلى السماء والتي أوردت مادة فلكية وكونية صريحة، أثارت العقول والنفوس للمزيد من معرفة أسرار السماء والكون، وخاصة أُولئك الذين أمعنوا ودققوا في قراءة القرآن وتأثروا بأُسلوبه ومحتواه غير العادي، وتجد ذلك التأثر واضحاً عند عدد من الفلكيين، كما في مقدمة الزيج الصابي للبتّاني، والزيج الحاكمي (12)لابن يونس، وكتاب الهيئة(13)للعُرضي الدمشقي وغيرهم.
وهذا أبو عبد الله البتّاني من أشهر الفلكيين المسلمين، اعتبر علم الفلك من أشرف العلوم، ففي مقدمة كتابه الشهير الزيج الصابي يقول: «إنّ من أشرف العلوم منزلة، وأسناها مرتبة، وأحسنها حلْية، وأعلقها بالقلوب، وألمعها في النفوس، وأشدها تحديداً للفكر والنظر، وتذكية للفهم، ورياضة للعقل بعد العلم بما لا يسع الإنسان جهله من شرايع الدين وسننه علم صناعة النجوم لما في ذلك من جسيم الحظ، وعظيم الانتفاع بمعرفة مدة السنين والشهور والمواقيت وفصول الأزمان، وزيادة النهار والليل نقصانهما، ومواضع النيّرين وكسوفهما، ومسير الكواكب في استقامتها ورجوعها وتبدل أشكالها ومراتب أفلاكها، وسائر مناسباتها إلى ما يدرك بذلك من أنعم النظر وأدام الفكر فيه من إثبات التوحيد ومعرفة كنه عظمة الخالق وسعة حكمته، وجليل قدرته، ولطيف صنعه، قال عزّ من قائل: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ} (سورة آل عمران: 190).
وقال تبارك وتعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً} (سورة الفرقان: 61).
وقال عزّ وجل: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} (سورة الفرقان:62).
وقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} (سورة يونس: 5).
وقال جلّ ذكره: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} (سورة الرحمان: 5).
مع اقتصاص كثير من كتاب الله عزّ وجلّ يطول وصفه، ويتسع القول بذكره واستشهاده» (14).
________________________________________
(12) الزيج الحاكمي ألّفه الفلكي ابن يونس الصدفي المصري المتوفى سنهّ 399 هجرية للحاكم بأمر الله الفاطمي، جمع فيه ابن يونس كل الآيات المتعلقة بالأُمور السماوية، ورتبها ترتيباً جميلاً بحسب مواضيعها (نشرت بعض فصول الكتاب مع ترجمة فرنسية).
(13) كتاب الهيئة منشور تحت عنوان: تاريخ علم الفلك العربي (كتاب الهيئة) إصدار مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 1990. يقول العُرضي المؤلف في مقدمة كتابه: «وفائدة هذا العلم عظيمة لمن نظر في الآيات السماوية والحركات الفلكية . . . ». المقدمة: 27.
(14)الزيج الصابي، أبو عبد الله البتّاني: 6 ـ 7، اعتناء وتصحيح د. كارلو نالينو، طبع رومية 1899م.

[الصفحة - 122]


ثانياً ـ دور الحديث الشريف في تطور علم الفلك
ومثل تلك الآيات الكونية الكريمة ورد عدد من الأحاديث النبوية الشريفة، فقد جاء التأكيد على النظر إلى السماء وما في السماء من نجوم وشمس وقمر وظواهر فلكية مختلفة. وذلك لمعرفة ما وراء هذه السماء والظواهر الكونية المختلفة.
ويمكن أن نذكر من تلك الأحاديث ما ورد من أن رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) نظر إلى السماء وقال: «تبارك خالقها ورافعها وممهدها وطاويها طيّ السجل، ثم رمى ببصره إلى الأرض فقال: تبارك خالقها وواضعها وممهدها وطاحيها» (15).
وورد أيضاً أنّ الرسول كان يخرج في الليل فينظر في أُفق السماء فيقول: «سبحانك هجعت العيون وغارت النجوم وأنت الحيّ القيوم» (16).
وهناك أحاديث نبوية أُخرى لا مجال لذكرها هنا..
إنّ تلك الآيات الكونية الكريمة وما ورد عن الرسول الأكرم محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) لعبت دوراً أساسياً في تفتّح الذهن وتوجهه نحو السماء وما فيها، وبالتالي التوجه نحو بناء علم الفلك الإسلامي وتطويره.
ثالثاً ـ دور الأحكام الشرعية في تطور علم الفلك
يتميز الدين الإسلامي عن غيره من الأديان السماوية الأُخرى بكونه منظومة متكاملة من العناصر والمكونات. فيضم الأُمور الاعتقادية، والأحكام الشرعية، والقيم الأخلاقية، وأُموراً دينية كثيرة تتعلق بالحياة الدنيوية والأُخروية. فعلى مستوى الأحكام الشرعية، لا بدّ أن يكون تطبيقها صحيحاً دقيقاً موافقاً لما وضعه الشارع المقدس، وأيّ خلل في أدائها يتعرض المسلم للحساب والعقاب. ومن بين الأحكام الشرعية الكثيرة أحكام ارتبط أداؤها الصحيح والدقيق ببعض الظواهر الكونية والفلكية، وبدون ضبط هذه الظواهر الفلكية وحسابها حساباً دقيقاً لا يستطيع المسلم أداء واجباته الدينية والشرعية أداءً صحيحاً يُرضي الله سبحانه وتعالى. وهذا ما يعرّضه للحرام والعقاب الإلهي في الآخرة.
وعلى هذا الأساس، سعى المسلمون الملتزمون سعياً حثيثاً لمتابعة هذه الظواهر ورصدها ودراستها دراسة علمية متقنة، خوفاً من الوقوع في الحرام. وهذا ما وفّر عاملاً
________________________________________
(15)ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، جار الله الزمخشري1: 99، تحقيق سليم النعيمي، بغداد 1976م.
(16)المصدر السابق 1: 110.

[الصفحة - 123]


مهماً ومحركاً قوياً خرج من صلب الدين الإسلامي، دفع إلى قراءة بعض الظواهر الفلكية التي تعلّقت بتلك الأحكام الشرعية، كرصد الشمس والقمر، ومتابعة الخسوف والكسوف، وظواهر فلكي أُخرى، قراءة علمية دقيقة ومحكمة دفعت إلى نمو علم الفلك وتطوّره لاحقاً.
ولم يغفل الفلكيون المسلمون في حضارتنا الإسلامية هذه العلاقة الوثيقة بين بعض الأحكام الشرعية والظواهر الكونية، فهذا الفلكي المصري الشهير ابن يونس الصدفي المتوفى 399 هجرية يقول في زيجه الحاكمي الشهير: «للكواكب ارتباط بالشرع في معرفة أوقات الصلاة، وطلوع الفجر الذي يحرَّم به على الصائم الطعام والشراب، وهو آخر أوقات الفجر، وكذلك مغيب الشفق الذي هو أول أوقات العشاء الآخرة، وانقضاء الأيمان والنذور، والمعرفة بأوقات الكسوف للتأهب لصلاته، والتوجه إلى الكعبة لكلّ مصلّ، وأوائل الشهور، ومعرفة بعض الأيام إذا وقع فيه شك، وأوان الزرع ولقاح الشجر وجني الثمار، ومعرفة سمت مكان من مكان، والاهتداء من الضلال»(17).
ويعلّق الباحث الفرنسي ريجيس مورلون على هذا النص بقوله: «كل هذه المواضيع كانت مصدراً للتطورات النظرية الهامة التي تجاوزت كثيراً الإطار الضيق للمسائل التطبيقية المطروحة» (18).
إنّ ارتباط الأحكام الشرعية بالظواهر الفلكية والكونية هو في الحقيقة عامل جديد لم يكن في الحضارات والأُمم السابقة، لم يكن ليدفعها لدراسة الفلك والسماء والظواهر الكونية والمزيد من النمو والتطور. وهو نقطة جديدة حقاً ومهمة جداً تميّز بها الفلك في الحضارة الإسلامية، ووفرت له فرص النمو السريع والتطور، ما لم تتوافر للفلك السابق.
فلضبط أوقات الصلاة التي يصليها المسلمون في كل مكان خمسَ مرّات في اليوم الواحد احتاجوا إلى معرفة أوقاتها من بلد إلى آخر، ومن يوم إلى آخر. واحتاجوا معها إلى حسابات تقتضي معرفة عرض البلد الجغرافي. وحركة الشمس في دائرة البروج ( ecliptic ) ومعرفة أحوال الشفق الأساسية.
________________________________________
(17)موسوعة تاريخ العلوم العربية، إشراف د . رشدي راشد 1: 44، مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 1997م.
(18)المصدر السابق نفسه.

[الصفحة - 124]


ثم إنّ من شروط الصلاة اليومية الأساسية، والتي لا يمكن أداؤها صحيحة، هو الاتجاه إلى الكعبة المشرفة في مكّة المكرمة، ومعرفة سَمْت (اتجاه) القبلة.
فابتكروا طرقاً لمعرفتها، يقول دافيد كنغ: «ابتكر الفلكيون المسلمون طرقاً لتحديد موقع القبلة حسابياً في أيّ مكان انطلاقاً من معطيات جغرافية متوفرة. معالجين موضوع هذا التحديد كمسألة من مسائل علم الجغرافية الرياضية» (19).
وهناك ظاهرة الخُسوف القمَري والكسوف الشمسي التي أوجبت الشريعة الإسلامية صلاة معينة عند وقوعها، فوجوب هذه الصلاة دعا إلى معرفة بأوقات وقوعها للتأهب إلى الصلاة، ولا يمكن ذلك إلاّ بمعرفة حركات الشمس والقمر واستخدام الجداول الفلكية المتقنة التي كانت تُعرف قديماً (بالأزياج ومفردها زيج) (20). وهذا ما أدّى إلى دراسة المزيد عن حركات هذين الجرمين والقيام بأرصاد عديدة، وعمل جداول فلكية متقنة ساهمت في تطور علم الفلك.
وهناك صيام شهر رمضان، فارتبط صيام اليوم بدءاً وانتهاءً، إمساكاً وإفطاراً بضبط ساعات الليل والنهار، وطلوع الفجر الذي يحرم على الصائم الطعام والشراب، وضبط غروب الشمس للاستعداد إلى الإفطار.
وهناك بداية شهر رمضان ونهايته وعيد الفطر، فيوجب أغلب الفقهاء على المسلم الصائم رؤية الهلال بالعين المجردة بناءً على قول الرسول الأكرم محمد (صلي الله عليه و آله و سلم): «فصوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته» (21). دون الحسابات الفلكية والتقويم، خوفاً من أخطاء الفلكيين والمنجمين، حيث كان الفلك أيام الرسول الأكرم فلكاً تنجيمياً، وكانت أرقامه وجداوله مما لا يُعتمد عليها في ضبط واجب شرعي مهم كالصوم (22).
ولتحقيق الرؤية الصحيحة والشرعية لهلال شهر رمضان أو أهلة الشهور القمرية الأُخرى شروط لا بدّ من دراستها، منها: حدوث الاقتران، (أي وجود القمر بين الشمس والأرض)، ومكث الهلال فوق الأُفق الغربي بعد مغيب الشمس فترة تسمح برؤية الهلال، وحجم القمر المرئي أي نسبة إضاءة الهلال المرئي (قوس الرؤية) (23)، وابتعاد قرص القمر عن الشمس مسافة معينة لإمكان تمييز الهلال النحيل عن أشعة الشمس، وأُمور فلكية أُخرى لا بدّ من توافرها في الراصد أو الفلكي
________________________________________
(19)المصدر السابق1 :174.
(20) الزيج كتاب فلكي سجل فيه الفلكيون القدماء نتائج أرصادهم وملاحظاتهم الفلكية، كمواقع النجوم والكواكب وأبعادها وأوقاتها وحركاتها وما إلى ذلك. ويمكن تقريب معنى الزيج بمصطلح جداول فلكية ( astronomical tables ) . أُنظر كتابنا : قاموس دار العلم الفلكي : 232، دار العلم للملايين ـ بيروت 2006م. وانظر أيضاً كتابنا: مكانة الفلك والتنجيم في تراثنا العلمي 181_ 183، مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث ـ دبي 1997م.
(21)صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج 3: 122، دار المعرفة ـ بيروت.
(22)أُنظر مقالنا في مجلة الفيصل تحت عنوان: إثبات الهلال بالرؤية نموذج لوحدة الأُمة زمن الرسول الكريم، مجلة الفيصل، العدد303، رمضان 1422هجرية.
(23) قوس الرؤية أو قوس انحطاط الشمس عند الأُفق أو قوس قابلية رؤية الهلال، هو مقدار هبوط الشمس تحت الأُفق وقت مغيب الهلال، قاموس دار العلم الفلكي، عبد الأمير المؤمن: 377، مصدر سابق.

[الصفحة - 125]


ليتمكن من رصد الهلال الجديد أو إرشاد المسلم إلى شروط الرؤية الصحيحة.
إنّ هذه الشروط الفلكية وغيرها مما يتعلق بالقمر والهلال هي ضرورية لإثباتٍ صحيح ودقيق لبدايات وأوائل الشهور القمرية، سواء على مستوى بداية شهر رمضان للصيام الواجب، أو بداية شهْر شوال للإفطار الواجب (عيد الفطر)، أو بداية ذي الحجة لأداء واجبات (عيد الأضحى)، وقد استدعت المزيد من المتابعات والأرصاد والدراسات الفلكية.
يقول المستشرق كارلونالينو: «إنّ أحكام الشريعة في الصوم حملت الفلكيين على البحث عن المسائل العويصة المتصلة بشروط رؤية الهلال وأحوال الشفق، فبرزوا في ذلك واخترعوا حسابات وطرقاً بديعة لم يسبقهم إليها أحد من اليونان والهند والفرس» (24).
ويقول أيضاً: «إنّ ارتباط بعض أحكام الشريعة بالمسائل الفلكية زاد المسلمين اهتماماً بمعرفة أُمور السماء والكواكب، وحمل أصحاب العلوم الدينية على مدح منفعة ما سمّاه الإمام الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين (القسم الحسابي من علم النجوم) (25).
إنّ هذا العامل (عامل الواجبات الدينية أو الأحكام الشرعية) دفع إلى أرصاد فلكية علمية مكثفة، خرجت من بين الآلات الفلكية المتنوعة، والمراصد الفلكية المنتشرة في العالم الإسلامي، كرصد الشمس والقمر والكواكب السيّارة وعدد من الظواهر الفلكية رصداً دقيقاً، ووفّر فلكاً ميدانياً علمياً رصدياً يختلف عن الفلك اليوناني السابق القائم ـ في الغالب ـ على النظر والتأمل والفكر الرياضي، دون أن يعتني عناية كافية بالأرصاد والملاحظات المباشرة، والمستند في غالبه إلى مقاييس الجمال والكمال المعروفة عند فلاسفة اليونان.
إنّ اهتمام المسلم بواجباته الدينية المذكورة، دعاه إلى ضبط الظواهر الفلكية والكونية المرتبطة بها ضبطاً علمياً محكماً قائماً على قياسات علمية وحسابات دقيقة ما أمكن ذلك.
لقد تطلّبت هذه الدقة ـ ودونها الوقوع في الحرام والحساب الأُخروي ـ
________________________________________
(24)علم الفلك تاريخه عند العرب في القرون الوسطى، كارلو نالينو: 231، طبعة روما 1911م.
(25)المصدر السابق نفسه، وانظر أيضاً كتابنا: التراث الفلكي عند العرب والمسلمين: 9ـ10، معهد التراث العلمي العربي ـ جامعة حلب 1992م.

[الصفحة - 126]


تطلّبت الاهتمام بالمراصد الفلكية أو الأماكن الخاصة بالرصد، وفي الوقت نفسه تطلبت المزيد من الآلات الفلكية المحكمة. وهكذا كثرت الآلات الفلكية كالإسطرلابات وذوات الحلق وأرباع الدائرة وغيرها في العالم الإسلامي، وأبدعوا (الفلكيون المسلمون) آلات جديدة خاصة بضبط الوقت للصلاة والصيام وآلات لتحديد سمت القبلة. ومن الآلات الإبداعية الشهيرة آلة لضبط الوقت ابتكرها الفلكي السوري ابن الشاطر المتوفى عام 777 هجرية، وعرفت (بالبسيط)، وضعت في المسجد الأُموي بدمشق، وقد اشتهرت في وقتها (26).
وفي سبيل ذلك برز عدد من الفلكيين المؤقّتين، كابن الشاطر (المذكور آنفاً) ومحمد الخليلي، وابن علي المراكشي. وعرفوا بالمؤقتين، وظهر علم جديد اسمه (علم الميقات) أو (علم المواقيت)، وقد ذكر طاش كبرى زاده علم الميقات بقولـه: «وهو علم يتعرف منه أزمنة الأيام والليالي وأحوالها، وكيفية التوصل إليها. ومنفعته: معرفة أوقات العبادات، ونواحي جهتها.. » (27). وذكر من المؤلفات: (نفائس اليواقيت في أحوال المواقيت)، و(جامع المبادئ والغايات) لأبي المراكشي.
ويذكر أيضاً: (علم مواقيت الصلاة) بقولـه: «وهو علم يتعرف منه أوقات الصلوات الخمس على الوجه الوارد في الشرع. وهذا العلم فرض علمه تقريباً، لأن ما يتم الواجب المطلق إلاّ به، وهو مقدور للمكلف، فهو واجب... » (28).
ومع هؤلاء الفلكيين المؤقتين. ظهر عدد من الجداول الميقاتية لتنظيم وقت الصلاة. فمثلاً وضع محمد الخليلي المؤقّت بالجامع الأُموي المتوفى في حدود 800 هجرية جداول تعيين الزمن بالشمس لخط عرض دمشق. وجداول لتنظيم أوقات الصلاة لخط عرض دمشق أيضاً، وجدولاً آخر يحدّد اتجاه القبلة وجداول أُخرى مشابهة.
* * *
________________________________________
(26)قاموس دار العلم الفلكي، مصدر سابق، مادة البسيط: 100.
(27)مفتاح السعادة ومصباح السيادة، طاش كبرى زاده 1: 359، مصدر سابق.
(28)المصدر السابق1 : 366.

[الصفحة - 127]