البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

عليّ سلطة الحق قراءة في كتاب كلّف الكاتب حياته

الباحث :  أ. كمال السيد
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  50
السنة :  السنة الثالثة عشر صيف 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  740
عليّ سلطة الحق
قراءة في كتاب كلّف الكاتب حياته

أ. كمال السيد (*)

أولاً: الكاتب
خنقتني العبرة عندما سمعت نبأ استشهاد السيد عزيز السيد جاسم، وقفز المشهد الوحيد الذي ظل محفوراً في ذاكرتي؛ جالساً بمهابته ووقاره وراء مكتبه، ممسكاً بقلمه ويكتب في ذلك الصباح.. وقد تسللت أُولى خيوط الشمس التي تسمح بها عمارات شارع الرشيد في بغداد. كان الوحيد الذي يأتي مبكراً إلى مكتب مجلة الراصد في عمارة المربعة في شارع الرشيد.
حتى مشهده وهو يجمع لي أعداداً من مجلة الراصد، وكنت قد طلبت منه أن أن يسمح لي بعدد واحد من المجلة أُطالع فيه، فإذا به يغادر مكتبه ويجمع بنفسه الأعداد القديمة ويسلمني مجموعة ما صدر منها .. حتى هذا المشهد غاب عن الذاكرة .. بقيت صورته الوحيدة بكل مهابتها تحتل زاوية من ذاكرة فتى من مواليد بغداد 1957 في عام 70ـ1971.
واختفى عزيز السيد جاسم من المجلة بعد مدّة، وهو أمر لم يكن يعني ذلك الفتى الذي ينحصر نشاطه بتحضير (النسكافة)، وتوزيع بعض أعداد الراصد على بعض المؤسسات التي يُراد إيصال الراصد إليها مبكراً.
اختفى عزيز .. وظهرت وجوه أُخرى ربما أكثرها طيبةً (مالك المطّلبي) الذي تركز نشاطه في (مجلتي والمزمار)، أما جمعة اللامي فقد أصبح ضمن محرري وعي
________________________________________
(*)كاتب وأديب، من العراق.

[الصفحة - 250]


العمال في إحدى مكاتب وكالة الأنبياء العراقية (و. ا .ع) على شاطئ دجلة.
ورأيت بعض الوجوه.. كنت أنفر منها مستشعراً تفاهتها، حتى الفكيكي صاحب الامتياز لم تشفع له شيبته في احتلال ما أخذه السيد جاسم من مكان في الذاكرة. كان نقطة الثقل في عالم يموج بأُناس يتقافزون كالقردة.
كان ذلك الفتى الذي قُدّر لـه أن يمضي العطلة الصيفية عاملاً في مكتب الراصد، يرصد عن غير وعي بعض المشاهد القديمة التي تبدو صادقة كحضور وزير الإعلام شفيق الكمالي في سيارة جيب عسكرية!
وعندما كنت استعيد بعض المشاهد القديمة بدا لي أنني وجدت تفسيراً لاختفاء عزيز. كانت الراصد بقيادة الفكيكي وتأثير زوجته الشابة المدللة والطموحة (عالية ممدوح) تتجه نحو (التجارة) بالمبادئ، فالراصد كانت ماركسية التوجه، ثم بدا لها أن تركب موجة البعث (الصاعد) فاستقبلت بحرارة شفيق الكمالي.. واختفى قلم عزيز السيد جاسم، لقد غادر السيد جاسم المجلة بعد أن أدرك أنّ الراصد قد باعت شرفها بكل صمت، غادر عزيز وبكل هدوء، لم يسجل حتى كلمة احتجاج واحدة.
وفي كل أُسبوع وفي يوم منه كان يأتي شخصان من سفارة كوريا الشمالية، وعرفت أنّهما يسلّمان صاحب امتياز الراصد مبلغاً كبيراً من المال، وفي كل أُسبوع تحتل صورة (كيم إيل سونغ) مركز صفحة كبيرة منها في مكان ثابت في مشهد متكرر وبائس.
عزيز السيد الجاسم بمهابته ووقاره، وبالحزن العجيب الذي يموج في عينيه، قُدّر له أن يظلّ إنساناً، ودفع ثمن إنسانيته وكرامته، ودفع ثمن حرّيته، لقد دفع حياته وجاد بنفسه بسخاء في أول مواجهة مع نظام البعث المنحطّ.
شيء وحيد أودّ أن أُشير إليه، لأنّه ظلّ يلحّ من أجل الخروج إلى دائرة التعبير، وهو رؤية قطيع حقير من الذي يُحسبون على المثقفين، وضعوا أنفسهم في خدمة أقذر نظام على وجه الأرض، فكانوا يقرؤون لأجهزته القمعية كتابات الأحرار من أمثال عزيز، يقرؤون السطور وما رواء السطور، ويقرؤون قصائد شعراء حاولوا إطلاق آهة أو صرخة مكتوبة.
________________________________________

[الصفحة - 251]


إنني أستغرب لذلك، وأكاد أجزم أنّه ما من نظام في الأرض توفر على مسوخ من هؤلاء التافهين مثلما توفر لنظام صدام، وأُسجل هنا دهشة السيّاب عندما صرخ متسائلاً:
إنّي لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون؟!
أيخون إنسان بلاده؟!
إن خان معنى أن يكون، فكيف يمكن أن يكون (1)؟!!
لقد أحسن صنعاً محقق الكتاب في طبعته الأخيرة بأن أثبت النص الكامل لما سجله صلاح الفرطوسي الذي قُدّر له أن يتعرف على عزيز السيد جاسم، وأن يقترب منه إلى المدى الممكن، ما أتاح له مجالاً لاكتشافه.
إنّ أيّة دراسة عن أيّ أثر ستكون أكثر جدوى إذا ما كشفت عن ظروف الكاتب وظروف الكتاب، وتضع (الصورة) داخل إطارها الحقيقي، وهذا ما فعله الأُستاذ صادق الروازق، إذ لم يتردد في الإشارة إلى أهمية ما كتبه الفرطوسي فنقلها كما هي من موقع (كتابات) (2)الشهير.
يقول صلاح الفرطوسي: سمعت عن الرجل وعن سيرته أشياء من هنا وهناك، إذ لم أكن على أتصال بالصحافة العراقية أو كتب السياسة التي تصدر في العراق على كثرتها خلال السنوات الست السابقة التي قضيتها في مصر (1971ـ 1977) للدراسة، وبعد عودتي لم أكن أحفل كثيراً بالسياسة التي كان عزيز قطباً من أقطابها، ولم أقرأ له سطراً واحداً من قبل، إلاّ أنّ ذلك لم يمنعني من التحديق في ملامحه التي لم تفارقني صورتها الأُولى، فقد رأيته طويل القامة ممتلئاً، ثاقب النظر حادّة، حنطي البشرة، شاخصاً، قليل الحديث، صارم الوجه على الرغم من الابتسامة المغتصبة التي رسمها على محيّاه أثناء حديث المجاملة الذي دار بيننا.
هذه الصورة التي ارتسمت في ذهن الفرطوسي كانت في خريف سنة 1977 ثم قُدّر له أن يلتقيه مرّة أُخرى بعد شهور ليستكشف عنه المزيد.
«قرأت لـه بعض ما كتب، وبدا لي أنّه رجل فكر وفلسفة وأدب قبل أن يكون رجل سياسة، وأنّه زُجّ فيها زجّاً.
________________________________________
(1)ديوان بدر شاكر السياب 320:2، ط. دار العودة ـ بيروت 1971م.
(2) أُنظر مقال: (عليّ بن أبي طالب وسلطة الحق) كتاب فاز مؤلفه بجائزة الشهادة. (موقع كتابات على شبكة الإنترنيت) وصلاح الفرطوسي كاتب المقال هو ابن أخ الشاعر عبد المنعم الفرطوسي صاحب ملحمة الطف.

[الصفحة - 252]


وكان لزاماً أن يختلف ويفشل في كلّ حكم لا يقبل النقد، لا يعرف الحكمة، ولا يقيم وزناً لوجهة النظر التي تختلف معه، حتى وإن كانت تحاول تبصيره بمزالق الطريق، بل يسحق أصحابها بكلّ حقد وعنف، نظام يسيّره المزاج الشخصي الذي كان يخطط إلى قابل عاصف أشدّ حلكة من جميع العصور المظلمة التي مرّت على العراق في تاريخه الطويل، لذا فقد رأيته رحيماً حينما أحال عزيز على المعاش سنة 1977م ولما يبلغ الأربعين» (3).
كانت هناك قضية في حياة عزيز السيد جاسم نذر نفسه لها، وهي قضية إنسانية تستحق التضحية بكلّ شيء حتى الحياة، ويمكن القول إنّه من القلائل الذين استشعروا تسمم أجواء الحياة الثقافية والسياسية في العراق، ولذا كان من الطبيعي أن يكون مصيره مصير (الأرانب البيضاء) بعد أن رن جرس الساعة الخامسة والعشرين. لم تكن هناك فرصة للنجاة، وهذا هو سرّ الحزن في حياة عزيز السيد جاسم وتحدّيه الأوضاع المدمّرة بسلطة الحق.
«كان عزيز في بعض كتاباته التي اطلعت عليها يوصي المنخرطين في النضال الوطني بالابتعاد عن مزالق السلطة وعدم التأثر ببريقها؛ لأنّ المناضل الحق هو الذي يكون رقيباً عليها ومحاسباً بالدرجة الأُولى، وليس مستفيداً منها».
عيناه لا تشبعان عن القراءة، وكأنّه محكوم بقراءة كلّ كتاب في ميادين الثقافة والاجتماع والسياسة والفلسفة، وكان القلم إصبعه السادسة.
كان مسكوناً باقتناء الكتب، يبحث عن ضالّته حتى لو كانت من الكتب الممنوعة، وما أكثرها في عراق البعث.
فقد اشترى ديوان عبد المنعم الفرطوسي (الممنوع جداً) بمبلغ يزيد على راتبه التقاعدي.
يرصد صلاح الفرطوسي كتابات السيد جاسم خلال الثمانينيات فيراها قد اتّخذت منحىً جديداً، فقد تراجعت سياسياً وتقدمت تأريخياً، وتحديداً الكتابة عن رموز تحمل دلالات ترتفع إلى مستويات التحرش بالسلطة، فقد كتب (الحسين شهيداً)، و(معركة الطف)، و(الشريف الرضي).
________________________________________
(3)عليّ سلطة الحق: 20 مقدمة المحقق.

[الصفحة - 253]


لقد بدأ مساره الجديد برفض الواقع والاحتجاج عليه بصورة غير مباشرة. حتى انزوائه في بيته كان بمثابة احتجاج صامت؛ لأنّه ظل بعيداً عن الذين بهرتهم أضواء الحكم من معارفه، فلم يقم بأيّة زيارة لأيّ منهم، وكان في غاية الحساسية في تصرّفه هذا حتى لا يُتّهم بما يشين سيرته. لقد فرض على نفسه ما يشبه الإقامة الإجبارية، وهو قرار له صدى الاحتجاج الصامت.
إنّ روحه يسكنها أباء قادم من ملاحم على شطآن الفرات في صفّين وكربلاء، ومن ذلك الدم الذي يسري في عروق محمد(صلي الله عليه و آله و سلم) وعليّ والحسين (عليهما السلام). لقد كان الرجل يحمل رسالة، ولكنه أيضاً كان يحمل صليبه فوق ظهره.
كان يعي جيداً ما يدور حولـه، وهو يرى قطعان من الشعراء والأُدباء يتمسحون بالسلطة ورمزها البشع صدام.
ذات مرّة طلب أحد أعضاء القيادة القومية من اللبنانيين من أخيه الذي كان وزيراً للثقافة آنذاك أن يجمعه بالسيد جاسم، «فطلب من وليد عمر العلي اصطحاب عزيز إلى الفندق الذي ينزل فيه العضو القيادي، يقول وليد: ولما وصلنا إلى باب الفندق امتنع عزيز عن دخوله، ومن مقابلة الرجل أو التعرف عليه، ولما سألته عن السبب قال: كيف يكون هذا الرجل مناضلاً ويرضى بالسكن على حساب الشعب في مثل هذا الفندق الضخم الذي يكلف الدولة مبالغ كبيرة وهو يعلم بحال البلد» (4).
ويتجلى الجانب الإنساني في شخصية الراحل من خلال علاقته بوالدته، وهي علاقة تفوق التصوّر، يقول الفرطوسي: «ما أظنّه أنّه ناقشها أو ردّ لها طلباً، أما هي فقد أقسمت ألاّ تنام على فراش منذ اختطافه في منتصف نيسان سنة 1991، ولم أرها طيلة زياراتي لها إلاّ على بساط من الصوف على الرغم من تدهور صحتها».
ويبدو أن ولدها قد ورث عنها تلك الصرامة، «إذ لم تخرج من بيتها بعد موت زوجها إلاّ لماماً، أمّا بسبب الانتقال من بيت إلى آخر أو لمراجعة المستشفى... ولقد ربطتني بهذه العلوية الجليلة وشائج مودة وإعجاب بدورها في تربية أولادها بعد فقد أبيهم، وعزّة نفسها وكبريائها على الرغم من فقرها».
وفي عام 1988 وعندما تم اعتقال شقيقه محمد في سجن مدينة كركوك بأوامر
________________________________________
(4)المصدر السابق: 23.

[الصفحة - 254]


من علي حسن المجيد المعروف بـ (علي كيمياوي) كتب رسالة تتسم بالصرامة إلى قيادة فرع الشمال يطلب محاكمة أخيه إن كان قد ارتكب جرماً أو إطلاق سراحه، كما وجّه رسالة إلى صدام بهذا المعنى أيضاً. كان يتحدث إلى صديقه عن سلطة الحق وعن قوة الحق في ظل نظام كان يعتمد على حق القوة.
وظهر كتابه (محمد(صلي الله عليه و آله و سلم)... الحقيقة العظمى) الذي مثّل تحوّلاً حقيقياً في مسار كتاباته، وقد لقي الكتاب رواجاً واسعاً بسبب مقدمته الحساسة جداً التي ضمّنها أفكاره الجديدة، وعودته إلى هويته الأصيلة وإلى أحضان جدّه المصطفى، فإذا به يهتف بالحقيقة العظمى في ظروف بالغة الخطورة؛ ليكون صوته أصداءً مدوّية لصرخة أبي ذر في مكة أمام الأوثان الحجرية والبشرية.
كان الكتاب في تلك الظروف يمثل هجوماً استشهادياً واضحاً؛ لأنّه ما إن هدأت العاصفة حتى ظهر كتابه الشهير (عليّ.. سلطة الحق).
ولم تكن عودة عزيز السيد جاسم إلى محمد وعليّ والحسين مفاجئة، ولم تأت عن فراغ، فلقد كانت أعماقه مسكونة بهذا الانتماء العميق والراسخ.. هذا الانتماء الذي تكشف عنه كلمات الإهداء في كتابه (عليّ سلطة الحق)، فهو يقول: رحم الله أبي، كان يشطر رغيف الخبز بيننا وبين السائل، فكان نصيبنا منه السهم الأقل.
قصة الكتاب
هل يحق لي أن أتصور عزيز السيد جاسم في كتابه الذي كلفه حياته، وهو يشن هجومه الأخير على (الوثن) البشري يائساً من هذه الحياة؟! لقد كان يعي جيداً بطش عدوّه النمرود الذي كاد أن يُعبد من دون الله (5).
كان الكتاب يمثل تحدياً خطيراً من رجل أعزل لا يملك سوى قلمه وكلمته، لنترك صلاح الفرطوسي يروي جزءاً من ذكرياته القيمة: «ما زالت ابتسامة عزيز الصافية مرسومة في مخيلتي يوم زرته أول مرّة في دائرة الأمن العامة ببغداد على الرغم من مرور ثلاثة عشر عاماً عليها، كنا قبل اعتقاله قد تقاربنا واحتلّ كلّ منّا موقعاً طيباً في نفس أخيه بعد مسيرة تعارف تجاوزت العقد من الزمان، قال لي:
________________________________________
(5) عرضت إحدى الفضائيات تقريراً مصوراً عن أحد قصور صدام، وظهر شريط مزيّن بالكتابات في داخل قبة القصر يشتمل على 99 اسماً للرئيس تشبّهاً بالله جلّ جلاله!!

[الصفحة - 255]


كان من الممكن أن تكون معنا يا صلاح، ولكن الله نجاك بأُعجوبة، لقد وصلتني ثلاث نسخ من الكتاب (سلطة الحق) وقررت أن أخط على إحداها إهداءً لك، وفي لحظة الشروع زارني الشباب (رجال الأمن) لاصطحابي إلى المعتقل. «تضاعفت في قرائته وخاصّة بعد أن أخذت زمرة الشيطان إلى جنّة الخلد على غير إرادتها في ربيع سنة 1991، ويستطرد الفرطوسي قائلاً:
«في خريف سنة 1993 زرت صديقي الدكتور طاهر البكاء مودّعاً فتحدّثنا عن الهم الذي يجثم على صدر العراق، وجرّنا الحديث إلى عزيز وكتابه، فأخبرته أنّ دوائر قد اشترت الكتاب ومسودته من الناشر قبل توزيعه، ونفّذت فيه (عزيز السيد جاسم) حكم الإعدام، فهمس في أُذني بأنّه يملك نسخة منه، وحاولت دون جدوى أن أطّلع عليها ولكنه رفض».
لقد اعتبر الكتاب تهديداً للأُس القومي حسب التقرير الذي أدى إلى تصفية المؤلّف الشهيد.
ويرى الفرطوسي أنّ الكتابة عن الإمام عليّ هو قدر الكاتب عندما يكون عظيماً، وأنّها تبقى هاجساً ومشروعاً مؤجلاً إلى أن تحين اللحظة المناسبة وتشتعل البروق، وفي رأيي أنّ الكتابة عن عليّ لا تدخل ضمن الدراسات الأكاديمية بقدر ما تمثل اشتعالاً في أعماق الكاتب، وإذا كانت ثمة شكوك في هذا الأمر في بعض من كتبوا عنه، فإنّني أجزم بأنّ الموضوع مع عزيز السيد جاسم لم يكن سوى اشتعالاً واحتراقاً في الوقت، فلم تهدأ فراشات عشقه لعليّ الذي هو عشق لكلّ الأشياء الجميلة في هذا الوجود، حتى احترقت في نار المحبوب، وتلك هي ذروة الحب.
وأجزم أيضاً أنّ عزيز السيد جاسم كان يتقدم نحو الشهادة عن وعي تام في كلّ كلمة سجّلها وسطّرها في كتابه الخالد. وأنّ السلطة التي قامت بإعدامه إنّما منحته الخلود بعد سلطة الحق، وأنّ عزيز السيد جاسم في طليعة الأسماء المتألّقة في تاريخ العراق الحديث، وفي طليعة الأبطال الذين قارعوا حق السلطة بسلطة الحق.
وكان كتابه الأخير حقاً من أصدق تجاربه وأصعبها، فاستحق عليها الشهادة والخلود.
________________________________________

[الصفحة - 256]


استكمال الصورة
ولكي تُستكمل الصورة نسجل بعض ما ذكره المؤلّف في مقدمة كتابه الرائعة، إذ نجد من خلالها يفتح عينيه على الدنيا في تلك القرية الصغيرة من القرى المتناثرة في حوض الفرات، فيرى صورة معلقة للإمام عليّ على الحائط وهي صورة شائعة تكاد لا تخلو بيوت الفقراء منها، يقول عزيز: «لم يكن ممكنا أن يكون البيت بدون الصورة»، وكان حضورها مثل حضور البيت نفسه، والأب والأُم، والأخ والأُخت.
وقد ظلت الصورة راسخة في أعماقه، وشكّلت مفردة بارزة من ذكرياته، ومساحة من اللاوعي في أعمق أعماقه، حاملة معها زخماً من الدلالات التي ستوجه مسيرته وتقرر مصيره.
«بعد أكثر من ثلاثين عاماً، هي رحلة طويلة في الكدح والمعاناة الذهنية أُهديت لي صورة لعليّ بن أبي طالب مصورة عن متحف اللوفر بباريس، وهي صورة أقرب إلى حقيقة عليّ من سواها، وبخاصة من تلك الصور الأُولى التي انتشرت في قرانا الآمنة الكريمة».
«في الصورة شموخ عجيب، وقوّة هائلة، واستقرار تاريخي»، وهكذا اشتدّ هاجسه للكتابة عن عليّ فكان مشروعه (محمد الحقيقة العظمى) باكورة كتاباته، والمؤشر الوحيد على انعطافه الفكري الهائل.
ثمة شيئان منفصلان وإن كانا على اتصال..
الكتابة عن عليّ، والاقتداء بعليّ.
الكتابة عن عليّ بن أبي طالب صعبة غير أنها مركب مستطاع.
أمّا الاقتداء بعليّ فإنّه أمر لا يمكن التحدث عنه إلاّ بالصعوبات التي تذكّرك بالمحال».
«لأنّ شخصية عليّ بالغة الثراء في جميع جوانبها... ولكن الجهود الإنسانية تتضافر من أجل الوصول إلى كشف جوانب معينة من عظمة عليّ الإنسانية الخالدة».
«يستطيع المرء أن يتعلم منه أشياء كثيرة، ولكن لا يستطيع أن يكون مثله».
«وحين خذلته المحنة في زمنه أنصفه التاريخ، فإذا بأفواج المحبين من رجال
________________________________________

[الصفحة - 257]


الفكر والكفاح الإنساني، والعدل والمعرفة يتصلون به بحسب الفكر والإيمان». «وأصبح عليّ بن أبي طالب حقيقة موضوعية تاريخية».
«فعليّ بن أبي طالب جدير بالحب والإكرام من قبل كلّ إنسان حرّ ذي ضمير».
هذه السطور التي وردت في مقدمته لكتابه هامّه جداً؛ لأنّها ترسم صورة عليّ في عيني الكاتب، ولكي تكتمل الصورة تماماً يجب أن نتصور المشهد العراقي في تلك الظروف، حيث تبرز صورة النمرود بكلّ القسوة الصدامية التي أرعبت الأقلام وشلّت قوى التفكير.
وهنا يتجلى مجد عزيز السيد جاسم الذي ظل يكتب بنفس مطمئنة فكر ثاقب، وكانت الأفكار تترى عليه من سماء الإلهام ومن أعماقٍ ثرّة تفجرت عيوناً فالتقت الأفكار على أمر قد قُدر.
«وحالما أردت غلق أفكاري المكتوبة بين دفتيّ هذا الكتاب تواردت أفكار وآراء أُخرى، فالكتاب يتطلب اختتامه والكتابة عن عليّ لا تُختَتَم!».
ثانياً: الكتاب
هل تمكنت السطور الآنفة أن ترسم صورة للكاتب، نعم أو لا فإنّ هذا يعود للقارئ.غير أنّي أكاد أجزم أنّ أبعاد هذه الشخصية ما يزال يكتنفها غموض، ولعلّي لا أُبالغ إذا قلت إنّ ذلك الرجل الذي استشعر الغربة في عصره، وقرر الاستشهاد في معركة خطط لها وحيداً، وأجبر عدوّه على إعدامه، كان يعي شيئاً واحداً فقط هو أنّ عليه أن يُقتل كما قُتل جدّه الحسين، وكما قرر ذلك الإمام الشهيد محمد باقر الصدر، الذي أطلق نداءه صريحاً: «وأنا أُعلن لكم يا أبنائي بأنّي قد صمّمت على الشهادة، ولعلّ هذا آخر ما تسمعونه مني».
وإنّي لواثق بأنّ كلّ من سيقرأ كتاب (عليّ سلطة الحق) سيصل إلى هذه القناعة بدرجة وأُخرى.
يتألّف الكتاب من أحد عشر فصلاً في حدود خمسمئة صفحة.
________________________________________

[الصفحة - 258]


مشيئة الرب
ويمثل فاتحة الكتاب وفصله الأول، ويرسم عزيز في هذا الفصل لوحة موحية خلاّبة للوجود بما يكتنفها من الإبهام وما تتضمنه من أسرار، حيث تقف مشيئة الرب التي لا يدركها القاصر «وراء تموجات العالم المتجدد المنطوي على ملايين الملايين من ظواهر الولادة والنمو»، ويقف عزيز الإنسان موقفاً حائراً «فكأنّ الدنيا مصممة على أن تظل أمام نظر الإنسان لغزاً لا يفصح عن شيفرته».
وهو يعترف صراحة بأن «مشيئة الخلق الإلهي التي لا تعتذر عن ولادة دون سواها تضع العقل الإنساني أمام أعاجيب ومعجزات وغرائب ومفارقات ومدهشات فيستطيع تعليل ما يستطيع تعليله من ظواهر».
ويرى عزيز السيد جاسم (6): «أنّ الإيمان يختلف باختلاف المؤمن، فثمة مؤمن لا يتعدى الإيمان حدود طاقته الذاتية، فيظل دوره ذاتياً محدوداً، وثمة مؤمن يلعب دوراً تاريخياً مؤثراً».
ثمة إشارة في هذه السطور يحاول الكاتب الراحل تفسير انتقاله من الفكر الماركسي وعودته إن الفكر الأصيل الذي يكمن في زاوية من زوايا نفسه الكبيرة، إنّه يحاول التركيز على حالة الإيمان ونداء الإيمان الذي يصغي إليه المرء وهو ممعن في غيّه: «فبينا يكون الإنسان سادراً في معاداة كلمة الله، وإذا به يهمس في روحه صوت إلهي يقلب اتجاهه فينتقل من ضلالة العداء إلى حظيرة الإيمان انتقالاً حاسماً يغيّر مقاييس الذات بالنسبة إلى ذاته، ويغيّر ميزان القوى بالنسبة إلى سواه»(7).
ونظرة إلى مؤلفات الكاتب الشهيد التي تناهز الأربعين عنواناً تكشف عن عمق التحولات التي هزّت أعماقه في واحد من أكثر المنعطفات خطورة في حياته، ولنا أن نتصور هذه النقلة من خلال عنوان أحد مؤلفاته: (التصور البرجوازي الصغير في مواجهة البرجوازية الصغيرة)، وعنوان آخر هو (محمد... الحقيقة العظمى).
ومن غير شك أنّ هذه الانتقالة الكبرى لم تحدث فجأة كما صورها في حالات الإيمان التي حدثت لبعضهم، كما في مثال بولس الذي آمن بالمسيح وغيره، ففي حالة عزيز يمكن أن نتحدث عن حالة عودة إلى الذات الكامنة في اللاشعور؛
________________________________________
(6)عليّ سلطة الحق: 62.
(7)المصدر السابق: 63.

[الصفحة - 259]


لأنّه يمكن أن نرصد فترة من الاغتراب في مقطع من تجاربه الإنسانية، وهناك كتابان قد يلقيان الضوء على هذه الفترة، وهما: (تأملات في الحضارة والاغتراب)، و(الاغتراب في حياة وشعر الشريف الرضي)، من الضروري جداً الاطلاع على الروايات الثلاث التي صدرت، إحداها (المفتون) بعد رحيله بـ «12» عاماً، وروايتيه (المناضل)، و(الزهر الشقي).
ففي روايته المناضل شنّ هجومه على ما يسمى بنضال حزب البعث، ففي تلك الفترة، ربما وهو يطوي العقد الرابع من عمره، اكتشف عزيز عالم الجمال المطلق وهو يعزو فضل ذلك إلى محمد الحقيقة العظمى: «حسب محمد رسول الله وهو يقود قافلة الحقيقة والإيمان أنّه كان يوطّد الحس الجمالي، ويوحّد بين الاسم والمسمى كيما يكتشف الإنسان جوهره الإنساني ويتطابق معه في الفكرة والفعل».
وقد حدث التحول في أعماق عزيز السيد جاسم بفعل قوي جداً «مثل صاعقة اكتسحت وثنية نفسه من جذورها»، وكان نداء الإيمان عندما أصغى إليه أشبه بدويّ الرعد الذي يقطّع أوصال الأرض فتهتز، ومن أجل هذا تمرّد على واقعه المرير بعد أن اكتشف زيفه، وكان تمرّداً عنيفاً مدمّراً يوازي عمق الغربة التي يشعر بها المرء في عصر مثقل بالدجل والخداع والازدواجية؛ لهذا كان لا يتردد في مهاجمة كلّ من يتملق للسلطة التي تفتقر إلى سلطة الحق، ولهذا أيضاً وقف موقف المتفرج إزاء أبي طالب واكتفى بالإشارة إلى ما ذكره عبد الفتاح عبد المقصود حول مسألة إيمانه. كان عزيز يطالب أبا طالب بموقف متمرد عنيف وليس الدور العقلاني الذي أداه ذلك الشيخ الوقور، لقد خذل عزيز أبا طالب وكان قاسياً معه، ولم يدافع عنه إلا في هامش الخبر الزائف في قوله: «وهناك من لا يؤيد صحة هذا الخبر»، وكأنّه يطالب بصرخة أكثر قوة كصرخة أبي ذر، ولعل هذا يعود إلى نظرته إلى الثورة والحالة الثورية، وربما يمكن لكتابه (الثوري اللا ثوري) أن يلقي ضوءاً على رؤيته في هذا المضمار، خاصّة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار تركيزه على حالة الغربة التي عاشها عليّ واكتوى بنارها، وهي غربة مضاعفة لأنّها حدثت في داخل الوطن بسبب تسلط نظام قمعي دموي يحيل كلّ شيء إلى دمار.
________________________________________

[الصفحة - 260]


الاصطفاء
عنوان الفصل الثاني الذي افتتحه بقوله: «لا يمكن استكمال فهم بداية عليّ ما لم يدخل في الاستيعاب اصطفاء الرسول العظيم لابن عمه».
وقد ركّز الكتاب على مشهد السخرية الذي قاده أبو لهب عمّ النبي من الدعوة، وشعور النبي العميق بالأسى والألم ما دفع بالإمام عليّ، وهو يومئذٍ فتى، إلى إعلان إيمانه وتضامنه التام مع الرسول «في ذلك المنفى الغريب، المنفى الفكري والاجتماعي بين العشيرة والأهل. كان محمد شديد المرارة والحزن، كان وحيداً، وكانت وحدته أكبر كثيراً من العزلة عن الناس».
وإذن، فقد أثمر الاصطفاء باختيار عليّ في لحظة مصيرية أُخرى عندما عزم النبيّ على الهجرة والرحيل عن تلك القرية الظالم أهلها إلى يثرب، فكان عليّ الفدائي الذي رقد في فراشه ليلة الهجرة لتمزقه السيوف والخناجر وينجو الرسول ويؤدي رسالته.
إنّه اصطفاء «أكبر وأبعد كثيراً من القرابة وما تعنيه من دلالات معروفة في الأوساط العشائرية والاجتماعية».
ومرّة ثالثة يتكرر الاصطفاء في المؤاخاة بين المسلمين مهاجرين وأنصاراً، فآخى بينهم جميعاً واصطفى عليّاً لنفسه أخاً حبيباً، ثم اصطفاه من بين كلّ الذين تقدّموا لفاطمة فكان عليّ هو الكفء لفاطمة والصهر للرسول.
ويطفح حزن الكاتب فجأة من وراء إشارته التي سجّلها مبكراً، ففي سياق الحديث عن زواج عليّ استطرد خلال كلمات موجزة ليشير إلى ظروف وفاة فاطمة، وهي لمّا تبلغ نهاية عقدها الثاني من عمرها «بعد أن أحاقت الآلام بروح فاطمة» وكفى بذلك بياناً عن شدّة الأحزان ودورها في قصف الأعمار».
ومن خلال السياق في هذا الفصل يبدو أن الكاتب كان ميالاً جداً بل، يصل إلى حدّ الإيمان، بأنّ الرسول سوف يصطفي عليّاً للخلافة بعده، فقد كان الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم): «يحرص كلّ الحرص على أن تكون وصيته لعليّ تأخذ موقعها في التطبيق بعد أن وصلت الدعوة الإسلامية إلى مرحلة القوة والانتشار، وأوشكت رسالة
________________________________________

[الصفحة - 261]