البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الدولة الصفوية النشوء والارتقاء والسقوط

الباحث :  أ. صادق جعفر الرّوازق
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  48
السنة :  السنة الثانية عشر شتاء 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  246
الدولة الصفوية
النشوء والارتقاء والسقوط

أ. صادق جعفر الرّوازق (*)

قطعت الدولة الصفوية أكثر من قرنين من عمر الزمن (905 ـ 1135 هـ)، وكثر الحديث عنها سلباً وإيجاباً ضمن قراءات مبتسرة لا تتسم بكامل الموضوعية، مع ما صاحب ذلك من غفلة في تقييم هذه الدولة، كون أن ملوكها وسلاطينها تعددوا على حكمها ولكل منهم منهجه الخاص به، حيث إن الصفوية ـ كدولة ـ لم يكن لها منهجاً موحداً خاصاً بها، ولذا فهي انطوت بتاريخها على مواقف سلبية وأُخرى إيجابية وفق ملابسات الظروف ومتطلبات ذلك الزمن.
فقراءة هذه الحقبة الزمنية، تاريخياً، وإيديولوجياً، وعقائدياً، هي كباقي الأحداث التاريخية الأُخرى التي غالباً ما تقرأ في إطار رؤيتين مختلفتين وكأن الحدث الواحد أمرين مختلفين متعاكسين تماماً، وفي بعض القراءات يكون الحدث ذا وجهين تتفق عليه القراءات المختلفة انطلاقاً مما يطمح إليه الكاتب وفق رؤيته الفكرية والعقائدية، فهو أشبه من امتلك الحكم المسبق وأسقطه على الحدث دون ما تكون الموضوعية أساساً لمبتغى دراسته. وربما قد تكون في بعض القراءات تحميلاً كبيراً كون أن ا لقارئ ينظر إلى الحدث بمنظار عصره الحاضر متناسياً الفرق الزمني وما فيه من تغيّرات وتطورات عديدة.
ولذا، فليس من السهولة أن يحصل الاتفاق الجمعي على الحدث التأريخي الواحد، وإن حصل الإجماع ـ أحياناً ـ تختلف حوله الرؤى والتفسيرات بين مؤيد ومعارض وفق التطلعات واستصحابية التأثيرات العقائدية أو الفكرية، وربما ـ أحياناً ـ
________________________________________
(*) باحث، من العراق.

[الصفحة - 221]


تكون المصلحة أكثر حاكمية من الفكر والمعتقد، كون أن هذه المصلحة غالباً ما تتمثل في التعاطي السياسي في تحميل الحدث وإلغاء الموضوعية وابتسار الحقائق مع ما يتوافق والهدف السياسي. فالانحرافية في فهم القراءة التأريخية تثير ـ بلا شك ـ المشاعر الدينية والتأزم السياسي أحياناً.
وهكذا ما حصل ويحصل اليوم حول قراءة الدولة الصفوية تاريخاً وفكراً، وعلى مقدار اطلاعنا واهتمامنا لم نجد ما في المصادر التأريخية المعنية ما يُشبع اهتمامنا فضلاً من قلّة وندرة من كتب حولها، ولا نغالي إن قلنا في هذا الشيء أن سمة الموضوعية وبلورة الحقائق وفق تسلسلها الزمني وتقييمها بما لها وما عليها غائبة في أغلب من كتب مؤخراً باللغة العربية. كون أن أغلب مصادرها باللغتين الفارسية والتركية لاشتراكهما بمجمل الأحداث من نـزاعات عدائية وتوافقية من عمرها الذي طال أكثر من قرنين مليئة بالمواقف المختلفة.
ومن هنا، تأتي أهمية هذا الكتاب «نشوء وسقوط الدولة الصفوية» الذي أعدّه السيد (كمال السيد) كأُطروحة لنيل شهادة الماجستير، إلاّ أن ظروفاً قد حالت بينه وبين أن يقدم أُطروحته هذه! فترك لنا بحق دراسة علمية موضوعية جديرة بالاهتمام إن لم نقل جعل منها لدى الباحثين العرب مرجعاً مهماً في سبر أغوار حقيقة أسباب نشوء هذه الدولة وأسباب سقوطها، وما انطوت عليه من أحداث مهمة وخطيرة، استطاع أن يعرضها المؤلف باُسلوب الباحث المحايد وهو يسلك طرقاً مشوبة بالأشواك مع هكذا موضوع يجمع بين التعصب للقومية وبين التعصب للدين، ولذا كثيراً ما يجد القارئ أن الباحث دمج القومية والدين بالصورة التي تعكس انجازات هذه الدولة، وما تركته من حضارة يشهد لها التاريخ ومن عطاءات ظلت معالمها شامخة ليومنا هذا.
ومن هنا، فقد اتسمت دراسته ـ بما نعتقده ـ بالكثير من الموضوعية ومثلما اتسمت قراءتنا لكتابه هذا دون انحياز أو محاباة وهو الصديق الودود، الذي طالما عُرف عنه بالإنصاف والإيثار، ومثلما عُرف عن سيرته باحثاً عن الحقيقة، فكانت دراسته هذه معبرةً هي الأخرى في توقه وشوقه لعرض ما تواصلت إليه جهوده
________________________________________

[الصفحة - 222]


المضنية للخروج بهذه الدراسة، في وقت أحوج ما يكون إليه الواقع العربي، والعراقي بالأخص؛ لما يجهله الآخر من تمام المعرفة عن الدولة الصفوية، حتى إنها أضحت عند بعض السياسيين أشبه بالسُبّة التي تطال الشيعة اليوم.
ومن هنا، فكان حريّ بنا أن نعرّف بهذا الكتاب وفق ما يسمى اليوم بتاريخ أزمة. ضمن واقعنا العربي السياسي.
فجاءت دراسة المؤلف بـ «مقدمة» حملت هموماً كثيرة تستعرض سياسة نظام صدام ومحاولاته في تحريف الحقيقة التأريخية، وتحميلها أكثر مما لا تحتمل وفق منهج الرسائل الجامعية؛ لتشويه التأريخ الإيراني بالتركيز على العهد الصفوي بغضاً لما حصل في إيران من ثورة إسلامية تنامت صحوتها إلى العالم بأجمعه، ولذا ركّز الباحث على ما سوف يفرد من فصول تؤكّد إسهامات الدولة الصفوية في بناء الحضارة الإسلامية وتطورها، خلافاً لمحاولات ما يسمى بالعروبيين الذين قدموا أطروحتهم القومية، فما حصل منها العرب سوى الدمار والتشتت وضياع الأوطان، وسلخ الإنسان العربي من عروبيته وإسلامه!
ثم يستعرض الباحث خلاصة مقتضبة لفصول دراسته التسعة ومدخلاً عاماً، استطاع أن يضع فيه صورة الصراع الدموي التأريخي بين الصفويين والدولة العثمانية، فضلاً عن إشاراته إلى بدايات تأسيس الدولة الصفوية وأُفول نجمها، وغروبها عن ساحة الحدث لعدة أسباب فكرية وعقائدية تنامت في أواخر عهدها، عبّرت عن أزمة فكرية تجلّت بانقسامات داخل المؤسسة الدينية التي كانت لها سلطة حاكمية نافذة، ثم توالت التصدّعات داخل المؤسسة العسكرية، وبدأت حينها حرب فعليّة بين الفقهاء من أهل الشريعة مع المتصوّفة من أهل الطريقة، ثم ظهور رجال دين نفعيون أثْرَوا على حساب الشرائح الاجتماعية الأُخرى، مما أدّى بالبلاد الإيرانية إلى مرحلة من الانحطاط الأخلاقي، والترف المقزز والخطير الذي شكّل بحق مرضاً في جسم الدولة، خاصة في عهد الشاه سلطان حسين والذي كان هو بذاته ضعيفاً وغير مؤهل لقيادة الدولة، فمع أول زوبعة من هجوم الأفغان على أصفهان انهار الحكم الصفوي. ويؤكد الباحث على أن لهذا الانهيار السريع تجربة تاريخية جديرة بالدراسة واستلهام الدروس والعبر، وهذا ما أفرد له الباحث في الصفحات (245 ـ إلى آخر الكتاب).
________________________________________

[الصفحة - 223]


ومثلما سبق القول، بأن الدراسة اتسمت بالموضوعية، نحاول في هذه القراءة الوقوف على بعض ما أثاره الباحث من مواقف تأريخية نرى أنها بحاجة إلى مزيد من التعليق، وإشباعها بالكثير من الحقائق، والتي ربما قد غفل عنها صاحبنا في هذه الدراسة، أو لم نر فيها ما هو المستوفى بالشكل الذي يؤطر كامل الصورة، ومنها:
أولاً: «الإعلان المثير! المذهب الشيعي المذهب الرسمي للدولة»
أعلن الشاه إسماعيل أن المذهب الشيعي مذهب رسمياً للدولة، وذهب أبعد من ذلك ـ كما يقول الباحث ـ إلى طرح فكرة التولي والتبري التي شكّلت بعدئذٍ ملامح التشيع الصفوي، كما اقترن مع هذا الإعلان ـ وهو أمر مؤسف كما يقول الباحث ـ تنامي ثقافة سلبية هي ثقافة السب واللعن للخلفاء الثلاثة، وكما ذكر أيضاً أن جذور التشيّع الصفوي هي أناضولية وهو تشيّع متطرف (ص37)، ثم قال الباحث: كان يجدر بزعيم الدولة الصفوية أن يتجنب إقحام الاتجاه المذهبي في الصراع السياسي، ذلك أن الإيمان بفكرة ما والتعصب لها مهما بلغ من صوابيتها يجب إلاّ يشوش على الرؤية والاعتراف بالآخر واحترامه خاصّة في مسائل عقيدته (ص39 ـ 40).
وهذا مما يعني أن الصفويين في بادئ حركتهم (905 ـ 930 هـ) كانوا يتشبثون بالتصوف مذهباً يسند حركتهم الصوفية ومن ثم حركتهم السياسية، كون أن أصل الخلاف بينهم وبين العثمانيين لم يكن في بدئه خلافاً مذهبياً، وإنما كان دفاعاً عن الذات أمام السياسات التعصبية للأتراك، ولكون الصفويين أصلهم أتراك من مناطق أردبيل الإيرانية، فلا يمكن لهم تحشيد قبائلهم وما يمتد لها من قبائل أُخرى ذات القومية التركية لمحاربة أتراك تركيا الذين يجتمعون معهم في القومية والمذهب، فرأى المتصوفة من نسل صفي الدين الأردبيلي ـ الرجل الزاهد المقدس العابد الذي أصبح يطاع له كُلّ أمر ـ بأن يتبنوا المذهب الشيعي كوسيلة لمحاربة أتراك تركيا على أساس صراع فكري مذهبي، وبذلك يدفعون عنهم الخطر الحادق. وشبيه هذا القول ما أكّده الباحث نفسه في «المدخل» (ص16) ضمن قوله: إن الحركة الصوفية انفتحت على
________________________________________

[الصفحة - 224]


المذهب الشيعي.. وشيئاً فشيئاً بدأ الالتحام.. وأدّى إلى تشكيل دولة ثرية، وجيش قوي.
مُبررات الإعلان المثير
يؤكّد الباحث أن هناك مؤثرات عديدة دعت إلى هذا التحوّل المذهبي، حيث كان هناك نوع من التسنن الاثني عشري الذي تغلغل في إيران، بحب عميق لأهل البيت (عليهم السلام)(عليهم السلام)، وفقه شافعي، ومعروف عن الشافعي في آرائه حول أهل البيت (عليهم السلام) وما يكنّه من حبّ لهم، حتى قال:
إن كان رفضاً حُب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي
ثم يقول الباحث: ومن الضروري الإشارة إلى مسألتين هما التعايش الصميمي بين التصوّف والتشيع، ونفوذ أحدهما في الآخر وإلى ظهور وتبلور مذهب سنّي يتسم بطابع شيعي، ولعلّ هذا الاتجاه جاء نتيجة للتعايش السلمي بين المذاهب الإسلامية في إيران منذ القرن الثامن الهجري.
ويضيف: ومن الواضح أن التوجه الصفوي الذي تنامى في إيران بعد الغزو المغولي كان له الأثر الكبير في تلطيف الأجواء بين مختلف المذاهب، ذلك أن المتصوف يرى لقاء الله هو الهدف المنشود، وبالتالي فليس في اختلاف الطرق والمذاهب ثمة أثر. وقد شهد التشيع والتسنن تقارباً كبيراً في تلك الفترة، ويعود السبب في ذلك إلى حبّ أهل البيت (عليهم السلام) الذي يشترك فيه الجميع.
إذن، وعلى الرغم مما وصف الباحث إعلان المذهب الشيعي مذهب الدولة الرسمي، لم يكن هذا التحوّل تحولاً اعتباطياً، بل كانت له أرضية خصبة في المجتمع الإيراني، فلم يكن بجوهره إقحاماً وإكراهاً. نعم، قد يتمثل ذلك في ظاهره، وهذا مما لا يستسيغه العقل البشري في مسألة فرض العقيدة والفكر.
بالطبع.. نحن لسنا هنا بصدد الدفاع عن هذا الإعلان، ولا بصدد الدفاع عن المساوئ التي ارتكبها الساسة الصفويون، بقدر ما هو حدث تاريخي، وعلى حدّ قول الباحث: إن التصوف أصبح تابعاً للتشيع ومنقاداً له، ولكن هذا التشيع الذي تـزعّم
________________________________________

[الصفحة - 225]


المسيرة السياسية ساده اتجاه متطرف حاول دفع الولاء والحب لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) في مستويات متطرفة جداً أخرجتهم من مصاف البشر وجعلتهم أنصاف آلهة (ص36).
وهذا مما يدلّل على أن مسألة الفرض تؤدي بنتائج عكسية دائماً، كما حصل ذلك في تشكيل الدولة المشعشعية في إقليم خوزستان، التي انتهت سريعاً مع قيام الدولة الصفوية.
ثم إن مسألة فرض الفكر والعقائد (المرفوضة أصلاً) لم تكن من مبتدعات الدولة الصفوية، ولم يكن قراراً فريداً في التأريخ، فقد حصل مثله لديار بكر وربيعة التي كانت شيعية أيام الحمدانيين ثُمَّ حوّلها إلى سنيّة، وكما حدث لمصر بعد حكم الفاطميين إذ حوّلت إلى سنيّة أيام الأيوبيين.
وبهذا الخصوص نرى ما هو المضحك المبكي في قول الأُستاذ الدكتور كامل مصطفى الشيبي الذي قرأ الحدث بأُسلوب مربك حدّ السخرية، فهو يقول:
«وقد استطاع إسماعيل أن يجمع إيران كلّها تحت لوائه، وكاد أن يضمّ إليه بلاد الروم نفسها، لقد كانت هذه الحركة في حقيقتها أدخل في السياسة منها في الدين والتصوّف، غير أنّها كانت مثالاً بديعاً للطريقة المثلى للاستيلاء على السلطة بالأُسلوب الفارسي، وهي مثال واضح يشرح الحركات الفارسية كلها ضد العرب وغيرهم... (1)»، وبعد صفحات يناقض الشيبي نفسه ويقول: (كان صفي الدين صوفياً رضا قلي هدايت...)، ثم يقول «وكان الترك خاصّة يعتبرون صفي الدين زعيماً روحيّاً لهم، وكان هو من ناحيته يحاول أن يفض المنازعات التي تثور بين سكان القرى التركية... وكان يحاول كسب حب الناس وإنقاذهم من عسف السلطان، وإنقاذهم من الظروف التي يؤدي إليها اضطراب حبل الأمن» (2).
ولا ندري أيٍّ من القولين يعتمدهما الدكتور الشيبي، هل كان صفي الدين رجلاً فارسياً، أم رجلاً تركياً؟ وإن كانت هذه هي سيراته مع الناس، فلم يلوم الشيبي هكذا رجل ثائر ضدّ ظلم الطغاة من السلاطين، أم أن الشيبي هو المدافع عن الجبابرة والسلاطين العثمانيين؟
________________________________________
(1) كامل مصطفى الشيبي، الصلة بين التصوّف والتشيّع 2 : 347.
(2) المصدر نفسه : 354.

[الصفحة - 226]