البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مذاهب أهل السنّة والجماعة دور أحمد بن حنبل في الإصلاح والتغيير

الباحث :  الشيخ رسول جعفريان
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  45
السنة :  السنة الثانية عشر ربيع 1428هجـ 2007 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  216
مذاهب أهل السنّة والجماعة
دور أحمد بن حنبل في الإصلاح والتغيير

الشيخ رسول جعفريان (*)

المدخل(1):
يبدو أن اختلاف الآراء في المجالات العقائدية والفقهية والتاريخية قد ظهر في القرن الهجري الأول، حيث نشأت الفرق المذهبية بصورة تدريجية، وكنتيجة للنـزاعات السياسية، وما رافقها من خلافات عقائدية وفقهية وتأريخية، أدّت بمرور الزمن إلى الانقسام المذهبي للمسلمين طبقاً لمدنهم في أول الأمر، ثم سرى ذلك إلى داخل المدن على نحو يتناسب والصراعات المحلية الطائفية.
لقد تبلورت هذه الخلافات في القرن الثاني إلى حدٍّ بعيدٍ، لكنها وقبل بلوغها درجة الفرق المذهبية، ظلّت تدور في فلك عقائد أفراد معينين أمثال: أبو حنيفة، غيلان الدمشقي، جهم بن صفوان، وغيرهم، من الذين يمكن اعتبارهم أُصولاً للنـزاع العقائدي.
بيد أن التمايز البيّن والواضح بين الفرق لم يظهر إلاّ في زمن المأمون، الذي عُرف بحرصه وشدته في فرض معتقداته الخاصة على الناس، وبميله إلى جانب المعتزلة، وعدم اهتمامه بأهل الحديث مع ما كانت لهم من منـزلة بين عموم الناس.
وهكذا نشأت المذاهب المتعددة على نحو تدريجي في ظل تأثير الظروف التاريخية والثقافية والاجتماعية المختلفة، مما أتاح للمذهب الواحد وفي غضون برهة من الزمن أن يصبح عرضة للتغيير والتبديل، متأثراً بموقعه التأريخي وأعدائه وحتى
________________________________________
(*) مؤرّخ وباحث، من إيران.
(1)قبل أعوام، وعندما كنت في خدمة الأُستاذ آية الله الحاج السيد مهدي روحاني ـ دام ظله ـ اُلهمت منه أصل فكرة هذه المقالة. وقد شملنا بلطفه وراجع المقالة قبل طبعها، وكأنّ لسان حاله وقتها يقول: «هذه بضاعتنا ردّت إلينا».

[الصفحة - 301]


رؤسائه، بحيث يمكن أن يتبدّل ويظهر بأطوار مختلفة فيما بينها، وإلى حدٍّ قد يؤدي أحياناً إلى انقسام المذهب الواحد إلى عدد من الفرق المختلفة.
إن الأمر الأهم الذي يجب معرفته، هو الحصول على مسار تطوّر تيّار مذهبي ما وقع أسيراً للإفراط والتفريط عبر تاريخه الطويل، مما قد يجعله في بعض الأحيان مغايراً لصورته الأُولى التي على هيئتها نشأ.
فمثلاً مذهب أهل السنة الذي كان أساسه الأحداث في عهد الشيخين، أو ما حدث من التغييرات في زمن عثمان، وموقف الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) منها، وأهم من ذلك كله هو الصيغة التي اكتسبها في عصر الأُمويين، قد اختلفت عمّا جاء فيما بعد تحت اسم أهل الحديث أو مذهب العثمانية.
فقد تم إصلاح جزء مهم من هذا الاتجاه المذهبي ـ الذي لم يكن يسمح أو يُجيز لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أن يُمنح سمة الخليفة الشرعي ـ بفض ما بذله أحمد بن حنبل من جهود ساعدت على اتخاذ موقف أنسب تجاه الإمام عليّ (عليه السلام) .
وفي أواسط القرن الرابع أدخل أبو الحسن الأشعري على هذا المذهب كثيراً من التغييرات في المسائل العقائدية، ثم بعد ذلك وعلى أثر نشوء التصوّف ظهرت صورة جديدة للمذهب.
من البديهي أن يكون منشأ كل ذلك هو التسامح في نظرية التمسك بأحاديث الرسول (رضي الله عنهما)، وسيرة السلف الصالح، وقد نرى ـ وبسبب العمل ببعض الأحاديث وترك البعض الآخر أو التغيير في مرجعية السلف الصالح من واحد لآخر ـ أن صورة المسألة الواحدة قد تتغيّر إلى حدٍّ بعيد، هذا على فرض عدم مجيء أفراد كابن تيمية أو محمد بن عبدالوهاب بعد سبعة أو اثني عشر قرناً، وطرحهم مسائل جديدة يدّعون أنها عقيدة السلف، وينسبونها إلى السلف الصالح.
وعلى أيّة حال، فإنّ العامة من الناس في القرنين الأول والثاني هم أتباع المذهب الحاكم، الذي لم يكن يمثّل سوى ما روّج له الأُمويون وبعض الصحابة والتابعين من عقائد، وربما وقع التعارض في مسائلهم في بعض الأحيان، لكن سطوة
________________________________________

[الصفحة - 302]


الأُمويين وسلطتهم على المجتمع، جعلت كثيراً من العلماء والمحدثين ينقادون لخدمتهم، ويروجون لأفكارهم وعقائدهم.
إن سائر الناس في العصر الأُموي هم «عثمانية»، هذا المذهب الذي كان مشربه عائشة وطلحة والزبير، وهو مذهب البصرة بشكل عام من جهة، والأُمويون من جهة اُخرى. ويجمع كلا الفريقين عداؤهم للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فمن الطبيعي أن يكون هذا البحث متعلقاً بالبحوث السياسية ـ العقائدية. وأما البحوث العقائدية البحتة، فيمكن شمولها أيضاً لاتجاهات ـ خاصة في المدينة والشام والبصرة والكوفة ـ تختلف مع بعضها البعض، وتدور في فلك عقائد أشخاص معينين كما أشرنا سابقاً، وقد تتدخل فيها الدولة أحياناً، ولكن ثمّة تدخّل مهم للدولة لا يتم إلاّ إذا اقتضت المصلحة السياسية بذلك، وكمثال على ذلك فقد اتُّهم بعض الخلفاء الأُمويين باتّباع القدرية أو المعتزلة، وربّما ذهب بعضهم أبعد من ذلك، فقد قتل هشام (2) بعض رؤوس المذاهب من أمثال غيلان الدمشقي أو بيان بن سمعان.
وفي العصر العباسي نجد أن التدخّل في المسائل العقائدية والفقهية قد أصبح على نطاق أوسع، وأبرز تدخل في هذا المضمار هو ما قام به المأمون بصفته نصيراً للمذهب المعتزلي، ولجوئه إلى القوة والإكراه، وسعيه لغرض عقائده على العلماء والمحدثين.
إن عامّة الناس في هذه الحقبة الزمنية كانت ما تزال متابعة لتيارات هي من الوجهة العقائدية امتداد للمذهب العثماني، وهم يتبعون أفراداً معروفين في المدن فيما يخص المسائل الفقهية. وفي الواقع، وفيما عدا الشيعة والخوارج الذين وضعوا لأنفسهم حدوداً فيما بينهم وبين الآخرين، فإن عموم الناس ليس لديهم نـزعات مذهبية واضحة.
وشيئاً فشيئاً ظهر بحث المرجئة، والذي لم يتجاوز البحث عن تعريف الإيمان، وكذلك المعتزلة في أواخر العصر الأُموي وشطراً من العصر العباسي، حيث وضعوا ـ إلى حدٍّ ما ـ تعريفاً لفكرهم المذهبي، أما عامة الناس أو ما يسمى بالمسلمين على نحو عام فكانوا يسمون «عثمانية» تبعاً لعقائدهم المذهبية والسياسية، ولا توجد لديهم
________________________________________
(2) هو هشام بن عبدالملك بن مروان (71 ـ 125هـ)، تولى الملك سنة (105هـ / 724م). (المجلة).

[الصفحة - 303]


حدود عقائدية وفقهية واضحة، وأما لفظة «عثماني» فمن وجهة النظر التاريخية قد وضعت في مقابل لفظة «شيعي»، ويرجع تأريخها إلى واقعة صفين.
وفي أوائل القرن الثالث، كان مذهب العامة من الناس هو ما كان يسمى بالعثمانية، وأهم شاهد عليه هو كتاب العثمانية للجاحظ، والذي دافع فيه عن عقائد العامة ضد مخالفيهم وبخاصة الشيعة. وفي هذا الكتاب لم يرد ذكر وافر لعثمان، بل أكثر ما فيه كان دفاعاً عن الآراء التأريخية والسياسية للعثمانية، والتي بدورها شكّلت جزءاً مهماً من اعتقادات السنة فيما بعد. والجاحظ بالطبع لم يكن يؤمن أو يعتقد بكل ما يكتب أو يحرر من كتب ورسائل، فقد كان شخصاً مذبذباً من الناحية العقائدية، وما كان يبغيه من كتاباته غالباً هو إثباته حقيقة وجود هذه التيارات العقائدية فحسب، وأما مذهبه فقد كان معروفاً كمعتزلي عثماني المذهب.
وقد جاءت أكثر البحوث في مقالة «العثمانية» في الغالب في ذكر مناقب أبي بكر، وإثبات أفضليته على سائر الصحابة، وردّه على بعض الانتقادات الموجهة إليه. فالجاحظ في هذا الكتاب قد توسّع في الكلام حول مسألة تفضيل أبي بكر على الإمام عليّ (عليه السلام) ، واعتبره أشجع وأزهد من الإمام عليّ (عليه السلام) ، وهناك فصول مهمة من الكتاب في الردّ على انتقادات الشيعة لأبي بكر، وفصول اُخر في الردّ على أدلة الشيعة في تفضيل الإمام عليّ (عليه السلام) أو إثبات إمامته.
ونجد في هذه الرسالة أنه نادراً ما يرد اسم عثمان، وحتى خلافة عمر لم تذكر إلاّ بنحو يسير، وإنّما جاءت الرسالة أساساً لتحدد رؤية المذهب العثماني من أبي بكر وخلافته ووضعها في مقابل رأي الشيعة.
بالطبع لم يكن رأي الجاحظ في الإمام عليّ (عليه السلام) مطابقاً لرأي العثمانية، فهو قد كتب رسالته هذه في نفس الفترة التي قامت العثمانية ـ تحت لواء أحمد بن حنبل ـ بإصلاح عقائدها السالفة في الإمام عليّ (عليه السلام) .
والجاحظ، في الواقع، قد وضع حدّاً بين العثمانية والسفيانية، فنجده قد رفض ـ في رسالة اُخرى له بعنوان «رسالة الحكمين وتصويب عليّ بن أبي طالب في فعله» ـ آراء السفيانية في معاوية، ويظهر من أواخر هذه الرسالة أن الجاحظ كان مستاءً من
________________________________________

[الصفحة - 304]


معاوية، وفي رسالة «فضل هاشم على عبد شمس» نراه أيضاً يرفض تفضيل الأُمويين على الهاشميين (3).
وربما تكون الفرقة السفيانية هي بنفسها النابتة، والتي تضم لوناً من العثمانيين المتعصبين، وتشير إليها الشيعة باسم الناصبة أو المذهب الناصبي.
والجاحظ في رسالة «النابتة»، وبعد ذكره للأحداث الواقعة من حين وفاة النبي (رضي الله عنهما) وحتى زمن يزيد، وتأكيده على استحقاق يزيد للّعن، قام ببيان عقائد النابتة في زمانه، فهو يقول: إن هؤلاء يقولون: إن سب ولاة الأمر فتنة، وإن لعن الظالم بدعة حتى لو كانوا ارتكبوا ظلماً، كما يعتبر الجاحظ كفر النابتة أشنع من كفر يزيد، ويصرّح بأن النابتة هم من المجسّمة الذين يشبّهون الله بالبشر، وهذه عقيدة أهل الحديث في القرن الثاني والثالث الهجري.
ونراه أيضاً ـ باعتباره معتزلي النـزعة ـ يشن هجوماً قاسياً على عقيدة النابتة في الجبر والتشبيه، ومسألة قدم القرآن، ويصرّح بأنهم من أتباع أحمد بن حنبل، ويرى أن هذا لم يأخذ عقيدة قدم القرآن من السلف، وإنّما هي من بنات أفكاره الخاصة (4).
إن هذه الرسالة تبرز مدى ما يمتلكه أهل الحديث من اعتقادات خلال هذه الفترة من الوجهة التأريخية والعقائدية.
تدوين الرّدود وتأليف العقائديات
في مطلع القرن الثالث، سعى زعماء المذاهب في بغداد ـ والذين كانوا في الغالب من أهل الحديث ـ إلى وضع وتدوين الرسائل في حقل العقائد لتحديد الفروق فيما بينها، ولتمييز الصحيحة منها من الفاسدة.
وقد أدّى تدوين هذا اللون من الرسائل إلى نوعٍ من التجلّي الذاتي للفرق، وإذا أخذنا بنظر الاعتبار مسائل التكفير والتفسيق ـ والتي كانت على نطاق واسع ـ حينئذٍ يمكن لأتباع أيِّ فرقة أن يشكّلوا مجتمعاً مستقلاً له عقائده وآدابه وتعاليمه الخاصة، وهذه المسألة قد أدّت في كثير من المدن إلى تقسيم محلات المدينة الواحدة على الفرق المختلفة، وقد كان لهذا الأمر نظير في الماضي أيضاً.
________________________________________
(3) هذه الرسائل الثلاث تجدها في «رسائل الجاحظ، الرسائل السياسية» تصحيح علي أبو ملحم.
(4) رسائل الجاحظ، الرسائل الكلامية، ص239 ـ 247.

[الصفحة - 305]


ومن الضروري أن نعطي هنا توضيحاً أكثر عن أهل الحديث، وهو التيار المذهبي السائد في بغداد.
لقد كانت المرجعية لمحلية في القرن الثاني تشكّل في الأساس اتجاهين مختلفين: الأول؛ أصحاب الحديث وأكثرهم من أهل المدينة؛ الثاني، أصحاب الرأي، وهم العراقيون في الأصل ثم صار لهم أتباع في بعض مدن إيران أيضاً.
والظاهر أن الاصطلاح الشائع فيما يقابل «أهل الحديث»، هو عبارة: «أهل الكلام» (5) أو «أهل الرأي»، ويمكن القول بأن جميع المذاهب المخالفة لأهل الحديث تقريباً قد نشأت في العراق وإيران، ومع ذلك فإنّ نفوذ أهل الحديث قد اتسع يوماً بعد آخر في العراق وإيران أيضاً، واستطاع شيئاً فشيئاً أن يصبح الممثل الرسمي لأهل السنّة أو التسنن في موازاة الفرق الأُخر، هذا مع أننا قد نجد أعداداً هائلة من الناس الذين لم ينتسبوا إلى المعتزلة أو المرجئة أو أصحاب الرأي، إلاّ أنهم لم يتقبّلوا عقائد أهل الحديث، وهؤلاء لم تكن لهم فرقة خاصة أيضاً، بل كانوا جماعة متميّزة من السنّة.
والجدير قوله إنّ كلمة «سني» قد بدأ استعمالها في هذه الفترة؛ يعني منتصف القرن الثاني، ثم شاع استعمالها فيما بعد في القرنين الثالث والرابع، وقبل ذلك كان إطلاق لفظة «عثماني» على الأشخاص الذين يعتقدون بخلافة الخلفاء الثلاثة هو الشائع آنذاك.
يمكن القول إن أهل الحديث قد ظهروا في البداية كفرقة واحدة لها اعتقاداتها الخاصة، ثم أصبحوا في القرن الثاني مجموعة من الفرق التي تختلف فيما بينها اختلافاً يسيراً، حيث اُطلق عليهم فيما بعد مذهب السنّة.
إن الأفراد الذين أحدثوا هذا التيار هم مجموعة من المحدثين، الذين عاشوا على الأغلب في بغداد في منتصف القرنين الهجريين الثاني والثالث، وأهم هذه الشخصيات عبارة عن: عبدالله بن مبارك (ت / 181هـ)، نعيم بن حماد المروزي (ت / 228هـ)، إسحاق بن راهويه (ت / 238هـ)، عثمان بن سعيد الدارمي (ت / 280هـ)، وأهمهم كان أحمد بن حنبل (164 ـ 241هـ).
________________________________________
(5) راجع كتاب: عبدالله بن أحمد، السنة، ج1، ص151 ح131.

[الصفحة - 306]


إن أكثر آثار هؤلاء كانت في الردّ على مخالفيهم، وفي الواقع كان الصراع مع المخالفين قد عزز من شعورهم باستقلال فرقهم. وأهم الآثار التي خلّفها هؤلاء كانت في الردّ على القدرية، الجهمية، المرجئة، والزنادقة. وكمثال على ذلك فقد كتب أحمد ابن حنبل، والدارمي، وعبدالله بن محمد الجعفي (ت /229هـ) رسائل في الردّ على الجهميّة، ومقصودهم من الجهمية هم المعتزلة والقدرية، أو بتعبير آخر الأشخاص الذين ينكرون روايات التشبيه، فهم يسعون إلى إثبات التنـزيه في حقّه تعالى، وربمّا ابتلوا أيضاً بالتعصّب شيئاً ما.
لقد بدأ تدوين الرسائل العقائدية في وقت كان فيه العمل على كتابة الردود متواصلاً. فهم ومن أجل تبيين حدود العقائد الصحيحة قاموا بتأليف رسائلهم العقائدية، وغالباً ما تكون عناوين هذه الرسائل مشتملة على لفظة «السنة» والتي اشتق منها «أهل السنّة» بنحو تدريجي.
إن مصطلح «السنة» هو ما يوازي تماماً «البدعة»، وفي رأيهم جميع الفرق الأُخر هم أهل بدعة. ونشير هنا إلى عدد من الذين دوّنوا هذه الآثار، وهم: عبدالله بن حنبل (ت / 290هـ)، أبو بكر أحمد بن عمرو الشيباني (ت / 277هـ)، أبو علي حنبل بن إسحاق (ت / 273هـ)، أبو بكر أحمد بن محمد الأشرم (ت / 273هـ)، أبو بكر بن أبي شيبة (ت / 225هـ)، ابن أبي عاصم (ت / 287هـ)، وأبو منصور الأصفهاني (6)، كذلك نسب ابن النديم كتباً لمحمد بن عمير الواقدي أيضاً، منها: السنة والجماعة وذم الهوى وترك الخروج (7).
وإليك مواصفات بعض هذه الآثار:
1 ـ عبدالله بن أحمد بن حنبل (ت / 290هـ)، وكتابه: السنّة، مجلدان، تحقيق: محمد بن سعيد بن سالم القحطاني، الدمام، 1994.
2 ـ البربهاري، أبو محمد حسن بن علي بن خلف (ت / 329هـ)، وكتابه: شرح السنة، تحقيق: أبو ياسر خالد بن قاسم، المدينة المنورة، مكتبة الغرباء الأثرية، 1993.
3 ـ الخلال، أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون (ت / 311هـ)، وكتابه: السنة،
________________________________________
(6) كتابه رسالة السنّة مطبوع في مجلة المعارف، العدد الأول لعام 1969م.
(7) الفهرست، ص111.

[الصفحة - 307]


خمسة مجلدات، تحقيق: عطية الزهراني، الرياض، دار الراية، 1994.
4 ـ ابن أبي عاصم، أبو بكر عمرو بن أبي عاصم الضحاك الشيباني (ت / 287هـ)، وكتابه: السنة، مجلدان، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، بيروت، المكتب الإسلامي، 1993.
5 ـ اللالكائي، أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري (ت / 418هـ)، وكتابه: شرح اُصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، تسعة مجلدات، تحقيق: أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، الرياض، دار طيبة، 1994.
6 ـ ابن بُطّة، أبو عبدالله عبيدالله بن محمد بن بطة العكبري (ت / 387هـ)، وكتابه: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، مجلدان، تحقيق رضا نعسان معطي، الرياض، دار الراية، 1994.
7 ـ الطبري، محمد بن جرير (ت / 310هـ)، وكتابه: صريح السنة، تحقيق بدر ابن يوسف المعتوق، الكويت، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي. وقد ذكر الذهبي نماذج عديدة من الأقوال والآراء المذهبية في الحقول المختلف عليها في كتابه «سير أعلام النبلاء» أثناء شرحه لأحوال علماء الحنابلة وأهل الحديث في بغداد والمدن الاُخر.
وقد جمع جمال الدين بن أحمد بن بشربادي أخيراً جُلّ هذه الأقوال والتعابير في كتاب: الآثار الواردة عن أئمة السنّة في أبواب الاعتقاد (مجلدان، الرياض، دار الوطن، 1416هـ).
نواحي اختلاف الآراء
أشرنا بأن الاختلاف في الآراء كان بارزاً في ثلاث نواحٍ:
الأُولى: في الناحية العقائدية، والتي تشمل البحوث المهمة في علم الكلام، مثل البحث عن صفات الله ومسألة الإيمان والكفر. وفي هذا المضمار تم التركيز على أحاديث خاصة، أهمها: حديث رؤية الله، وحديث جلوس النبي جنب الله على عرشه. وفي حقل الإيمان والكفر كان النـزاع بنحو أساسي مع أبي حنيفة. وقد وردت أقوال كثيرة عن السلف تنقض أقواله خصوصاً في مسألة الزيادة والنقص في الإيمان، حيث
________________________________________

[الصفحة - 308]


تم عرض شواهد من الأحاديث والآثار.
الثانية: في الناحية الفقهية؛ فمن الطبيعي أن توجد هنا اختلافات جزئية كثيرة، إلاّ أن بعضاً منها فقط قد أصبح سمة مميزة لبعض الفرق عن غيرها، فلم يتم الاعتماد على مسألة خاصة في الرسائل الاعتقادية المتوفرة في هذا المضمار.
الثالثة: في الناحية التاريخية، وهو عبارة عن خصوص اعتقاد الفرق فيما يخص الخلفاء والصحابة والتابعين، ففي هذا المجال، يعتبر الاعتقاد بعدد من الخلفاء الأوائل أصلاً اعتقادياً من الناحية العملية. فبالنسبة للصحابة، تعتبر مسألة الإيمان بعدالتهم ووثاقتهم جميعاً أصلاً اعتقادياً ثابتاً. وفيما يخص التابعين كذلك، نجد قضية تجاهل بعض الشخصيات التاريخية المرموقة كان بمثابة عقيدة ثابتة لبعض الفرق، كما في قضية إنكار أبي حنيفة وتكفيره، فقد كانت بمثابة العقيدة الرسمية لأهل الحديث في القرن الثالث والتي كان لها حديثاً خاصاً في الكتب.
كيفية الاعتقاد الصحيح بالخلفاء عند أهل الحديث
لقد وقع الخلاف حول الخلفاء في المرحلة الأُولى بين الشيعة وعامة المسلمين، فقد رفض الشيعة ـ خلافاً لعامة المسلمين ـ خلافة الخلفاء الأوائل، ولو أن المعتزلة أيضاً كان لديهم انتقادات للخلفاء، لكن ما هو مطروح هنا ليس هو مسألة الاعتراف بالخلفاء فحسب، بل جُعل ما يشبه العصمة لهم، وعدم تحمّل أي نقد لهم، فالطعن وتوجيه النقد للخلفاء يعتبر دليلاً على النـزعة الرافضية.
وقد دار البحث حول الخلفاء من زوايا مختلفة تتضمن كيفية انتخاب الخليفة، بيعته، طاعته، وشروط الخلافة. هذا وفيما عدا هذه المطالب التي قد تعني كل خليفة، فإن هناك ثمّة اعتقاد خاص حول خلفاء العصر الأول، والذي يسمّيهم السنّة بالراشدين، فالمسلم إذا كان سنيّاً وجب عليه أن يعترف بخلافة هؤلاء الثلاثة أو الأربعة أشخاص وإلاّ فهو من أهل البدعة ويكون خارجاً عن التسنن. وطبقاً لهذه النظرة، فمن غير الممكن للسني أن يكون معتقداً بالقرآن والحديث فحسب، وهذا التعبير يصدق على الشيعة أيضاً باعتبار الأئمة.
________________________________________

[الصفحة - 309]


إن مسألة عدد الخلفاء كانت هي الأُخرى من مسائل الخلاف بين المسلمين. فعامة المسلمين ـ عدا الشيعة الإمامية وبعض الزيدية ـ يعتقدون بالخليفتين الأول والثاني، لكن بعضاً من السنّة ـ في القرن الأول الهجري وحتى القرن الثاني ـ يرفض عثمان، وإن كان هؤلاء الأفراد قد اتُّهموا عند شرح أحوالهم بالتشيع، غير أنّهم من الناحية الأُصولية ينفصلون عن الشيعة تماماً فيما يخص الفقه والعقائد.
فكثير من أهل العراق ـ وعلى الأخص أهل الكوفة وواسط ـ قد رفضوا عثمان وشايعوا عليّاً بدلاً منه، وقد يعتبرون عليّاً أفضل حتى من الخليفتين الأول والثاني، وفي المقابل نجد أهل الحديث والعثمانيي المذهب قد بالغوا في اعتقادهم بعثمان، ولم يسمحوا في الفصل بينه وبين الخليفتين. فبناءً على هذا الاعتقاد، يجب على المسلم ـ بالنسبة لمسألة الخلافة ـ أن يكون معتقداً بالخلفاء الثلاثة: أبو بكر، وعمر وعثمان، وترتيبهم من حيث الأفضلية كترتيبهم التأريخي تماماً، فالأول أفضل من الثاني والثاني أفضل من الثالث وهؤلاء أفضل الصحابة، وهذا الاتجاه ـ من الناحية العقائدية ـ لا يتقبّل إلاّ هؤلاء الثلاثة، ولا يوجد موضع للخليفة الرابع.
إنّ نظرة في كتاب «السنّة» لأبي بكر الخلال (ت / 311هـ) تبيّن نطاق الأُصول الاعتقادية لأهل الحديث في مجال عدد الخلفاء وما قيل فيهم من نظريات.
لقد أوضح هذا الكتاب ـ أكثر من غيره من كتب السنّة ـ عقيدة السنّة فيما ينبغي أن نعرفه أو نعتقد به حول الخلفاء، وامتد البحث في هذا الموضوع إلى الصفحة خمسمئة من هذا الكتاب أو أكثر قليلاً، وبعدها صار البحث حول مسألة الجبر والاختيار والإيمان والكفر. لهذا السبب يمكن اعتبار هذا الأثر أثراً سياسياً أكثر منه اعتقادياً وكلامياً بالمعنى الاصطلاحي، حيث تتوافر فيه المادة الأولية لكثير من المسائل التي تخصّ السياسة الدينية من الزاوية الفقهية، وفي الواقع لقد تم في هذا الكتاب عرض النظرة التأريخية للمسلمين السنّة لمسألة الخلافة.
وقد عمد المؤلف ـ في كل جزء من الكتاب ـ إلى نقل أحاديث عن رسول الله (رضي الله عنهما)، وأقولاً مختلفة عن أكابر الصحابة والتابعين والسلف، تحدد أبعاد الاعتقاد الصحيح، وفيما يلي قسماً من أبواب الكتاب: طاعة الإمام وترك الخروج عليه، الأئمة
________________________________________

[الصفحة - 310]


من قريش، أماراته ومباحثه، أحكام الخارجين على الإمام، البحوث الكلية للخلافة، خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، بحث تقديم الخلفاء على أحدهم الآخر، ذكر الروافض، ذكر الفتن من بني اُمية وغيرهم.
وما نحن بصدده ليس هو البحوث السياسية بنحو عام، وإنّما هو مسألة اعتقاد أهل الحديث بالخلفاء الأوائل، وبخاصة نظرتهم إلى مكانة الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) .
عقيدة أهل الحديث في الخلفاء
إن أفضل الخلفاء والصحابة بعد رسول الله (رضي الله عنهما)، من وجهة نظر أهل الحديث، هم: أبو بكر وعمر، وقد جاء هذا الاعتقاد طبقاً لمنظارهم السياسي، باعتبارهما توليا الخلافة في عهد كان المسلمون مجتمعين فيه، ينعمون بالوحدة والاستقرار، أو بتعبير آخر لم يواجهوا حالة من الاختلاف والفرقة. أما فيما يخص الخليفة الثالث، فإن انعقاد خلافته ـ في رأي أهل الحديث ـ كان بإجماع من الأُمة، وليس هناك شك أو ترديد في هذا الموضوع (8)، وقد ظهر الخلاف في النصف الثاني من خلافته على نحو تدريجي أدّى في نهاية المطاف إلى الثورة عليه ومقتله، ومع ذلك كانت النظرة السياسية لأهل الحديث لهذه الثورة نظرة سلبية تماماً، وهو عندهم لوناً من الخروج والعصيان النادر، والذي قد ينطبق عليه عنوان الخروج على الإمام.
إن تحليل أهل الحديث لهذه الأوضاع، هو بعينه دفاع عن شرعية خلافة عثمان، حيث عبّروا عمّا حدث بعدها: «جاء الاختلاف والبدع وصار الناس أحزاباً وصاروا فرقاً» (9)، ولم يثبت بعدها على الحق إلاّ القليل. وطبقاً لمنظار أهل الحديث، فإن مصطلح «الجماعة» قد ظهر في زمن معاوية وما بعده؛ ويعني الاستقرار على الحق أي الدولة الأُموية، فبناءً على هذا كان عهد الإمام عليّ (عليه السلام) عهد اختلاف وفرقة، ولم يكن تحليل أهل الحديث لخروج طلحة والزبير وعائشة على الإمام عليّ (عليه السلام) ـ والذي كان دفاعاً عن عثمان أيضاً ـ أمراً سهلاً، فنرى أهل الحديث وعلى مدى تأريخ عدائهم للإمام عليّ (عليه السلام) ، أقصى ما يستدلون به هو ذهاب دم طلحة والزبير سدىً في حالة
________________________________________
(8)أشار البربهاري قائلاً: «الجماعة ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان» (شرح السنة، تحقيق: أبو ياسر خالد بن قاسم، المدينة المنورة، مكتبة الغرباء الأثرية، 1993، ص105). فقد ورد اسم عثمان في بعض النسخ، ولم يرد في بعضها الآخر. وقال في موضع آخر: «واعلم أن الدين العتيق ما كان من وفاة رسول الله إلى قتل عثمان، وكان قتله أول الفرقة وأول الاختلاف» (شرح السنة، ص107).
(9) شرح السنّة، للبربهاري، ص97.

[الصفحة - 311]


الاعتراف بشرعية خلافة الإمام. فالرؤية العثمانية لا يمكن أن ترضى بهذا الأمر مطلقاً، ولهذا السبب نراهم قد التزموا الصمت حيال حرب الإمام عليّ (عليه السلام) مع هذه الطائفة (10).
واستُشهد الإمام عليّ (عليه السلام) في عام أربعين للهجرة، وخسرت الشيعة، وحكم الأُمويون بعدها تسعين عاماً، جعلوا فيها المذهب العثماني هو المذهب السائد في دنيا الإسلام، هذا المذهب الذي لم يعط بالمرّة مكانةً للإمام عليّ (عليه السلام) ، بل حاول بصعوبة تثبيت عثمان، حيث أهملوا تماماً ثورة أهل المدينة على عثمان وقتله، أو رفض أهل العراق عثمان في زمن حكومة الإمام عليّ (عليه السلام) ، وإنما اعتبروا مثل هذه الأُمور بدعة في مقابل السنّة.
في مثل هذه الظروف نشأ اعتقاد أهل الحديث بالخلفاء، وكان أساسه النظرة العثمانية، وصار منذ تمرّد معاوية على الإمام عليّ (عليه السلام) وما بعدها عقيدة ثابتة لدرجة أن العباسيين لم يستطيعوا تغييرها بشكل كبير، ربما لشعورهم بأن تغيير هذه العقيدة ليس من صالحهم، خصوصاً بعد اصطدامهم مع العلويين في عهد المنصور وما بعده، فقد أصر المأمون على رفض عثمان ـ طبعاً ليس علناً ـ وتثبيت موقع الإمام عليّ (عليه السلام) ، وموقفه هذا إنّما اتخذه في فترة تشدّده على أهل الحديث، وأدّى إلى إيجاد موجة من الخلاف ضده، وقد عادت العقيدة العثمانية إلى وضعها السابق بعد المعتصم (ت / 227هـ) مباشرةً وغلبة أهل الحديث.
لقد كان واضحاً أن العثمانيين أو السنة الجدد لم يكونوا الجماعة الوحيدة التي كانت تعيش في بغداد أو العراق أو سائر مدن إيران والشام ومصر، إنّما كان إلى جنبها المعتزلة، والمرجئة أو أصحاب أبي حنيفة، وأيضاً الشيعة وهم بدورهم يشكلون مجتمعاً كبيراً.
إن الحجر الأساس في نشوء عقائد أهل السنة إنّما هو تيار أهل الحديث الذي اتجه ـ في بداية العقد الثالث من القرن الثالث وما بعده ـ بهدوء نحو الإصلاح ليتمكّن من الوقوف بسهولة أمام المخالفين، ومن أهم فصول هذا الإصلاح هو القبول بالإمام عليّ باعتباره الخليفة الرابع، وهذا يعني تغيير عقيدة أهل الحديث حول الخلافة
________________________________________
(10) المصدر السابق، ص111.

[الصفحة - 312]


والشخص الذي رصدوا له العداء بالأمس ـ لدرجة يمكن معها القول إن العقيدة العثمانية قد نشأت في تضاد معه ـ قد أصبح اليوم خليفة في عقيدة أهل الحديث، تماماً كما في عصرنا الحالي، حيث نرى الخوارج في عُمان وشمال الجزائر يقدّسون الإمام عليّاً (عليه السلام) ، وينكرون ما كانوا يعتقدونه في الماضي، والذي كان مبنياً أساساً على العداء للإمام عليّ (عليه السلام) .
«السُنّة» لأبي بكر الخلاّل والعقيدة الصحيحة في الخلافة
إنّ المطالب التي ذكرها الخلال في الفصول المتعلقة بالخلافة، كانت عبارة عن نصوص طويلة وقصيرة نقلها عدد من الأفراد بشكل روايات عن النبي الأكرم (رضي الله عنهما)، أو أقوال صادرة عن الصحابة والتابعين، والتي أيّاً منها كان يثير مسألة خاصة، وأكثر روايات هذا الباب هي بلا شك من صنع العهد المتأخر، ونذكر هنا بالترتيب مقتطفات من هذه الأخبار، والتي يمثل كل منها زاوية من العقيدة الصحيحة لأهل الحديث، فيما يتعلق بخلافة الخلفاء الأوائل.
الخبر الأول: رواية يوم الخميس؛ أي خبر طلب رسول الله (رضي الله عنهما) إتيانه بالكتف والدواة، ورفضهم الطلب واتهامهم النبي بالهجر. وهذه الرواية هي رواية صحيحة من دون ترديد طبقاً لما صرح به المصحح في الهامش (ص271) (11).
وفي خبر آخر: إنكار عائشة لمسألة نص النبي (رضي الله عنهما) على الخلافة، إذ تقول: لو كان مستخلفاً أحداً لاستخلف أبا بكر أو عمر (ص272).
وفي خبر آخر: جاء عن الإمام عليّ (عليه السلام) قوله: وجدنا النبي (رضي الله عنهما) قدم أبا بكر في الصلاة فقدمنا أبا بكر (ص274)، وهذا الخبر واضح البطلان ومختلق، ومواقف الإمام عليّ (عليه السلام) في مطلع خلافة أبي بكر خير شاهد على بطلانه.
وفي خبر آخر: جاء عن ابن أبي حازم أنه كان يقول: رأيت عمر في آخر أيام خلافة أبي بكر بيده عصا وهو يجلس الناس ويقول: «اسمعوا لقول خليفة رسول الله (رضي الله عنهما)؛ وكان هذا وصية أبي بكر لعمر بالخلافة من بعده (ص277).
بعدها تحدث عن شورى عمر ونصوص حول فضائل أبي عبيدة بن الجراح،
________________________________________
(11) أرقام الصفحات الواردة بين الأقواس جميعاً ترجع إلى كتاب «السنة» للخلال..

[الصفحة - 313]


حيث قال عمر: «من أستخلف؟ لو كان أبو عبيدة بن الجراح...» (ص279). كما تحدث عن كعب الأحبار الذي أشاع بأن معاوية سيلي الخلافة (ص281). وربما نجد هذا المطلب مذكوراً بعنوانه في الكتب القديمة.
وقد تم نقل عبارات كثيرة على لسان الإمام عليّ (عليه السلام) في الثناء على الخليفتين الأول والثاني؛ لإبعاد أيّ شائبة اختلاف فيما بينهم، فقد نقل عنه قوله: «خير هذه الأُمة أبو بكر ثم عمر» (ص289، 293)، وهذا يعني عقيدة أهل الحديث ليس إلاّ.
وقال محارب بن دثار: بغض أبي بكر وعمر نفاق (ص290). وهذا القول هو مضمون رواية النبي (رضي الله عنهما) في الإمام عليّ (عليه السلام) وهي متواترة، وقد جاءت هنا معكوسة، وكذا قال محمد بن الحنفية: خير الأُمة أبو بكر وعمر، وعندما سئل عن أبيه، قال: «رجل من المسلمين» (ص291).
وأورد أيضاً رواية مفصلة عن عبدالله بن عمر حول موت أبيه، ومن يتولى الخلافة من بعده (ص294 ـ 297).
وفي مستهل الجزء الثاني من الكتاب، تم أيضاً عرض أخبار حول خلافة أبي بكر، ففي أول عبارة اعتبر تعيين أبي بكر للصلاة في حياة النبي (رضي الله عنهما) بمثابة تعيينه للخلافة (ص301 ـ 302)، وقد جاءت عدّة أقوال في هذا الصدد على لسان أنصاره وجميعهم في موضع اتهام، وأحياناً ـ لأجل إثبات صحة هذه الأقوال ـ يأتون بنصوص على لسان الإمام عليّ ( عليه السلام) ـ والذي قطعاً لم يبايع أبا بكر حتى وفاة السيدة فاطمة(عليها السلام) ـ تتضمّن الثناء على أبي بكر وعمر، وجعلهم في رتبة المعصومين، وهي كثيرة منها: «أبو بكر وعمر خير أهل السماء وخير أهل الأرض وخير الأولين وخير الآخرين إلاّ النبيين والمرسلين» (ص307).
وقد أضاف فصلاً في خلافة عمر طغى فيه الثناء والمدح لعمر (ص311 وبعدها)، كما أورد بعده فصلاً في خلافة عثمان (ص319)، وهنا أيضاً نقل فضائل لعثمان، ونصّ يؤكد بأن خلافة عثمان قد تمّت بإجماع من الأُمة (ص320)، وقد أورد كذلك اعتراضاً على شخصٍ كان يفضل عليّاً على عثمان، بأنه لم تكن هناك بيعة أصح ولا أوثق من بيعة عثمان (ص321)، لماذا؟ لأنها كانت بمشورة ستة من أهل بدر (ص322).
________________________________________

[الصفحة - 314]


وحول طلب الثوار منه أن يخلع نفسه، جاءوا بنص أن الخلافة رداء الله كساه إيّاه، ولا يجوز له خلعه (ص321، 329). وطبعاً ـ وبسبب شكوك شيعة أهل الكوفة في خلافة عثمان ـ سعى أهل الحديث في رواية فضائل أكثر لعثمان، والأهم من ذلك، ولأجل الإنكار على ثورة الناس عليه حاولوا خلق تبريرات لذلك، منها: إن قتل عثمان هو أول «فتنة»، وإن آخر فتنة هي فتنة المسيح (ص335).
إلى هنا، فإن عقيدة أهل السنة في صحة الخلافة كانت أمراً مفروغاً منه، وقد جاء وصفها في بعض الأخبار من هذا الكتاب بعبارة «خلافة النبوّة» (ص284، 334) (12).
أهل الحديث وترتيب تفضيل الخلفاء
لقد مرّ علينا سابقاً أن خلافة الإمام (عليه السلام) لم يُعترف بها رسمياً عند المذهب العثماني وهم السلف من أهل الحديث، وتعود خلفية ذلك إلى دور الأُمويين في نشأة وظهور مذهب العثمانية، الذي كان منتشراً في البصرة والشام، بينما كان محارباً في الكوفة، أمّا أهل المدينة فكانوا على الحياد منه، وفي سائر البلدان مثل مدن إيران فنجد أيضاً ـ وعلى مقولة : الحق لمن غلب ـ شيوع هذه العقيدة على امتداد العصر الأُموي.
وهناك شواهد كثيرة تؤكد أن أهل الحديث ـ في مجال أصل عقيدتهم حول الخلافة ـ كانوا يقولون: إنه يكفي الاعتقاد بصحة خلافة الخلفاء الثلاثة الأوائل، في حين نرى شيعة الكوفة والذين أكثرهم لم يكونوا شيعة إمامية أو زيدية، وإنما هم ـ من وجهة نظر أهل الحديث العثمانيي المذهب ـ شيعة؛ لأنهم كانوا يقدمون الإمام عليّاً (عليه السلام) على عثمان، وفي الوقت ذاته نراهم في القرن الثاني يعترفون بالخلفاء الأربعة، وكانوا يقدمون عليّاً في الرتبة على عثمان.
أمّا أصحاب الحديث في البصرة فقد أصلحوا من أمرهم قليلاً في أواخر القرن الثاني، فاعترفوا بالخلفاء الأربعة، وأما أهل بغداد فلم يرضوا ـ في ذروة تعصبّهم ـ إلاّ بالخلفاء الثلاثة.
________________________________________
(12) وراجع أيضاً: السنّة، لابن أبي عاصم، ص522.

[الصفحة - 315]


وقد جاء هذا التقسيم في كتاب (مسائل الإمامة) الذي تم تدوينه في القرن الثالث كالتالي: أهل الحديث في الكوفة نظير وكيع بن الجراح، وفضل بن دكين هكذا يتصورون: «إن أفضل الناس بعد النبي (رضي الله عنهما) أبو بكر، ثم عمر، ثم عليّ، ثم عثمان يقدمون عليّاً على عثمان، وهذا تشيع أصحاب الحديث من الكوفيين ويثبتون إمامة عليّ». وفي مقابل هذه الرؤية، كانت عقيدة أصحاب الحديث البصريين وهي «أفضل الأُمة بعد النبي (رضي الله عنهما) أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ، ثم يسوّون بين بقية الشورى». هذا في الوقت الذي ينكر فيه مشايخ أهل الحديث في بغداد أساساً خلافة الإمام عليّ (عليه السلام) : «وأما مشايخ أصحاب الحديث من البغداديين فإنهم لا يثبتون إمامة عليّ، منهم: ابن معين وأبو خيثمة وأحمد بن حنبل، فكانوا يحذفون عليّاً من الإمامة، ويزعمون أن ولايته كانت فتنة!» (13).
وقد جاء في كتاب السنة للخلال عنواناً في هذا الموضوع هو: «السنّة في التفضيل»؛ أي ما هو الاعتقاد الصحيح في تفضيل الخلفاء بعضهم على بعض. ولدينا هنا شواهد كثيرة تدل على أن أهل الحديث الأوائل ـ وهم سلف التيار السنّي في دنيا الإسلام ـ كانوا حتى أوائل القرن الثاني وأحياناً أواسطه ينكرون خلافة الإمام عليّ (عليه السلام) .
وقد أورد الخلال في هذا الفصل أخباراً منقولة كثيرة تفتقد إلى الترتيب المنطقي، لكنها تمثل ـ على أية حال ـ الرؤية العقائدية لأهل الحديث في مسألة التفضيل بين الخلفاء.
ففي الخبر الأول: سأل صالح بن أحمد بن حنبل أباه، عمن لا يفضل أبا بكر وعمر على غيرهما؟ قال: السنة عندنا في التفضيل ما قال ابن عمر: كنا نَعُدّ ورسول الله (رضي الله عنهما) حي: أبو بكر وعمر وعثمان ونسكت (ص371).
ويظهر من الخبر الآخر: إنّ عقيدة الكوفيين كانت على خلاف ذلك؛ لأنهم كانوا يعتقدون بالإمام عليّ (عليه السلام) ، وأما أهل المدينة فكانوا لا يفضلون أحداً على أحد (ص371).
وفي باب التفضيل، يوجد أشخاص لا يبدون رأيهم إلاّ في أبي بكر وعمر ويسكتوا، وأحمد بن حنبل كان يرى ذلك ليس من تمام عقيدة السنة؛ أي أنه يجب
________________________________________
(13) مسائل الإمامة، ص65 و66. وسوف نرى محاولة أحمد بن حنبل لإصلاح هذا الموقف فيما بعد.

[الصفحة - 316]


إضافة أسماء الآخرين (ص372)، وأحمد كان يعتقد إذا توقف أحد بعد هذين فهو ليس من أهل السنة (ص373).
وكان يحيى بن سعيد القطان، وهو من التابعين البارزين من أتباع سفيان الثوري يتوقف بعد اسم عمر، وقد احتج عليه بأن مذهب أهل البصرة ليس كذلك (ص372 و373) (14).
ونجد سفيان بن عيينة أيضاً في اعتقاداته لا يذكر سوى أبو بكر وعمر (15).
والشافعي الذي كان متهماً بالتشيع، كان رأيه في ترتيب التفضيل في القرن الثاني ـ حيث لا يزال أهل الحديث يرفضون الإمام عليّاً (عليه السلام) ـ أن ترتيب الخلافة من أبي بكر إلى عليّ (عليه السلام) (16)، وهناك الكثير من عامة المسلمين الذين لم ينضموا إلى طائفة أهل الحديث، لكننا نجدهم ومنذ القرن الأول والثاني يضعون عليّاً في عداد الثلاثة الآخرين.
إن عقيدة الكوفيين كانت العقبة الكؤود في طريق النـزعة الفكرية لأهل الحديث، حيث إن الكوفيين لا يرضون بعليٍّ فحسب، بل يفضلونه على عثمان أيضاً، والشيعة الإمامية الاثني عشرية منهم يفضلونه حتى على أبي بكر (17)، وهذا ما دفع أبا بكر الخلال إلى أن يضيف عنوناً آخر هو «الإنكار على من قدم عليّاً على أبي بكر ومن بعده» (18).
وأول خبر كان عن ابن حنبل، حيث يقول: «من قدم عليّاً على أبي بكر فقد طعن على رسول الله (رضي الله عنهما)، ومن قدمه على عمر فقد طعن على رسول الله (رضي الله عنهما) وعلى أبي بكر، ومن قدمه على عثمان فقد طعن على أبي بكر وعلى عمر وعلى أهل الشورى وعلى المهاجرين والأنصار» (ص374).
وقال سفيان الثوري: «من قدم عليّاً على أبي بكر وعمر فقد أزرى على اثني عشر ألفاً من أصحاب رسول الله (رضي الله عنهما)» (ص375).
وربما ولمواجهة هذا التصوّر ـ والذي هو مذكور في الكتب الحديثية لأهل الحديث بنحو موفور ـ قد جاءوا بهذا الخبر عن الإمام عليّ (عليه السلام) ، وادّعوا قوله: «أبو بكر وعمر أفضل الناس»(19).
________________________________________
(14) جاء في خبر آخر: «كان سفيان يفضل عليّاً على عثمان» (سير أعلام النبلاء، ج7، ص273)، وذُكر في خبر آخر، أن سفيان قال لشعيب بن حرب: إنه يجب أن يقدم عثمان
(15) شرح اًصول اعتقاد أهل السنة، ج1، ص175.
(16)المصدر السابق، ج8، ص1450، وفي ص1451 نسب هذا إلى مالك أيضاً، وللأسف فقد وقع الشك والترديد في أكثر هذه النسب؛ لأنه نقل قبلها بقليل ص1450 عن مالك قوله في مسألة التفضيل: يجب تقديم أبي بكر وعمر فقط، وسكت عن عليّ وعثمان.
(17)إن شيعة الكوفة إجمالاً لا يعتبرون شيعة إمامية ولا زيدية، وكان سبب وجودهم هو حضور الإمام عليّ (عليه السلام) في الكوفة، ونـزاعه مع العثمانية. فهم أساساً يرفضون عثمان، ولا يعترفون بنظرية أهل الحديث المشهورة بعدالة جميع الصحابة. ومن جملتهم نشير هنا إلى أبي إسحاق السبيعي والأعمش، فقد قيل: إن سلام بن أبي مطيع أخذ كتاب الحديث لأبي عوانة، الذي كان حول الصحابة، وأحرق أحاديث الأعمش، وقال لأبي عوانة: أرينا البدع التي أتيت بها من الكوفة. ثم وضعها في التنور، قال خالد بن خداش: فسألت ما كان بهذا الكتاب من الأحاديث، قال: كان أحدها حديث عليّ (عليه السلام): «أنا قسيم الجنة والنار» (السنة للخلال، ص509 و510). والذهبي أيضاً كتب يقول: «غالب على الشاميين فيهم توقف عن أمير المؤمنين عليّ (رضي الله عنه) من يوم 0صفين... كما أن الكوفيين ـ إلاّ من شاء ربك ـ فيهم انحراف عن عثمان وموالاة لعليّ، وسلفهم شيعته وأنصاره... ثم خلقٌ من شيعة العراق يحبون عليّاً وعثمان، لكن يفضلون عليّاً على عثمان، ولا يحبّون من حارب عليّاً مع الاستغفار لهم، فهذا تشيع خفيف» (ميزان الاعتدال، ج3، ص552).
(18)نقل اللالكائي عدّة أخبار فيما يخص هذا الموضوع وجّه فيها العديد من كبار أهل الحديث ما بوسعهم من الشتم إلى كل من قدم عليّاً على عثمان، راجع (شرح اُصول اعتقاد أهل السنة، ج8، ص1452).
(19) السنة لعبدالله بن أحمد بن حنبل، ج2، ص574 ـ 589.

[الصفحة - 317]


وقال أحمد بن حنبل: «من زعم أن عليّاً أفضل من أبي بكر فهو رجل سوء لا نخالطه ولا نجالسه» (ص377).
وميمون بن مهران أيضاً، قد غضب على شخصٍ كان يقدّم عليّاً على الشيخين، وقال: «الشيخان رأس الإسلام ورأس الجماعة» (ص379).
وكان عنوان الباب التالي في كتاب الخلاّل، هو «الإنكار على من قدم عليّاً على عثمان»، وقد وصف ابن حنبل صاحب هذا الاعتقاد بأنه رجل سوء أيضاً (ص378)، وقد سُئل أحمد بن حنبل عمن يقدم عليّاً على عثمان هو عندك مبتدع؟ قال: هذا أهل أن يُبدَّع. أصحاب رسول الله (رضي الله عنهما) قدموا عثمان بالتفضيل (ص 380).
ثم قام الخلاّل بنقل أدلة تقديم عثمان على الإمام عليّ (عليه السلام) ، وفي هذا المجال أورد عبارات عن ابن مسعود، وعبدالله بن عمر. أما الخبر المنقول عن عبدالله بن عمر فهو بدون شك كذب محض، وقد استندوا إليه كثيراً، وهو: «كنا في زمن النبي (رضي الله عنهما) لا نعدل بأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نترك فلا نفاضل بينهم». (ص384، 396، 398، 399) (20).
وكان يزيد بن هارون يقول: لا فرق لدينا إذا قدمنا عليّاً على عثمان أو بالعكس، وقال ابن حنبل في هذا الصدد: لا أعلم إذا كان يزيد بن هارون على هذه العقيدة أو لا، وأما «عامة أهل واسط يتشيعون» (ص394)؛ أي كانوا يفضلون عليّاً على عثمان، وفي خبر آخر جاء عن أحمد: «أهل الكوفة كلهم يُفَضّلون عليّاً على عثمان رضي الله عنه وعلى جميع الصحابة» (ص395)، وقال هو أيضاً: لو وجدت بين أهل الكوفة سنيّاً فإنه معروف قطعاً: «كان يفوق الناس» (ص395)؛ لأن أهل الكوفة جميعاً يقدمون عليّاً على عثمان، وحتى على سائر الصحابة، فإذا كان هناك مخالف كان معروفاً، وفي خبر آخر جاءت عبارة «كوفي سنّي» بدل عبارة «كوفي عاقل متديّن»، وأنه «قد فاق الناس» وهو في رأيه من أصحاب القرآن (ص396)، وعلى هذا ففي رأي أحمد بن حنبل إن السني الواقعي هو من لا يقدم عليّاً بأي حال من الأحوال على الخلفاء وحتى على عثمان.
لقد كان أساس التسنن هو إنكار خلافة الإمام عليّ (عليه السلام) ، وقد وضع أبو بكر
________________________________________
(20) شرح اُصول اعتقاد أهل السنة، ج8، ص1446.

[الصفحة - 318]


الخلاّل باباً تحت هذا العنوان وأتى بأخبار كثيرة، فقد نقل عن ابن عمر قوله: «كنا نعد ورسول الله (رضي الله عنهما) حي فنقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت» (ص396)، وهذا الحديث يعتبر حديثاً صحيحاً عند أهل الحديث، وهو عندهم أساس الاعتقاد الصحيح للسني، وهم دائماً يستشهدوا به، فهذا أحمد بن حنبل نفسه يقول: «نحن نقول: أبو بكر وعمر وعثمان ونسكت على حديث ابن عمر». (ص397).
إن أحمد بن حنبل ـ وخلافاً لسائر أهل الحديث ـ كان يضيف اسم الإمام عليّ (عليه السلام) إلى أسماء الخلفاء الثلاثة الأوائل، وإن كان يصرّح بأن من يعترف بالخلفاء الثلاثة فلا شائبة في سنيّته، وعندما سألوه عن التفضيل قال: «السنة هي أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليّاً من الخلفاء، وأن نفضلهم على الآخرين».
وجاء في خبر آخر أنه سأله سائل: هل أن الاعتقاد بهذا الترتيب؛ أبو بكر، عمر، علي وعثمان صحيحاً أم لا؟ قال: إني لست مسروراً بهذا. قال السائل: يقولون: من كان يعتقد هكذا فهو مبتدع. قال أحمد: هذه البدعة ليست شيئاً، قال السائل: إذا قالوا: أبو بكر، عمر، وعلي، وسكتوا. قال أحمد: لست مسروراً بهذا القول، قال السائل: هل من يعتقد بذلك مبتدع؟ قال أحمد: لست مسروراً بهذه النسبة أيضاً. وأضاف أحمد: كان البعض من الصحابة يقدم عثمان. فهذا ابن مسعود كان يقول في عثمان: «خير من بقي». قالها عند وصول خبر بيعة عثمان إلى الكوفة (ص391). وعائشة كانت تقول أيضاً: «أصبح عثمان خيراً من عليّ» (ص378 و379)، مع علمنا بما كان ينسب إلى هذين من الأقوال في ذم عثمان، ولو أن عائشة بعد مقتل عثمان قد أبدت ندمها على ما قالت.
إن هذا الخبر يثبت أن أحمد لم يكن متشدداً كثيراً في الترتيب بعد الشيخين. تجدر الإشارة إلى أن هناك أخباراً على خلاف ذلك، سوف نشير إليها فيما بعد، وفي الوقت نفسه سنرى أن أحمد كان يسعى جهده لإضافة اسم عليّ إلى لائحة الخلفاء، والسني الواقعي في رأيه هو من يعتقد بتفضيل هؤلاء الأربعة حسب ترتيبهم. والغريب في أحمد أنه مع هذا كان أيضاً لا يرى غباراً في حذف اسم الإمام عليّ (عليه السلام) .
قال هارون الديك: سمعت أحمد يقول: من قال: أبو بكر وعمر وعثمان فهو
________________________________________

[الصفحة - 319]


صاحب سنة ومن قال: أبو بكر وعمر وعليّ وعثمان فهو رافضي، أو قال: مبتدع (ص381).
لقد كان أحمد بن حنبل ـ قبل شهرته وشيوع اسمه ـ يروّج لعقيدة أهل الحديث السالفة التي تقول: يكفي الاعتقاد الخلفاء الثلاثة، وبهذا كان يؤمن حتى آخر عمره بأن من كانت هذه عقيدته فهو يكفيه، لكنه لا بأس لو أضفنا إليهم أيضاً اسم الإمام عليّ (عليه السلام) ، ولهذا السبب يمكن أحياناً أن تنقل عنه أقوال تبدو متناقضة فيما بينها، فمثلاً كان يحيى بن معين يعتبر الاعتقاد باُولئك الثلاثة يكفي، وربما ليس لديه ضرورة اعتقادية لإضافة اسم الإمام عليّ (عليه السلام) ، وقد قيل له: إن أحمد بن حنبل يقول: من قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ لم اُعنّفه، فقال يحيى: خلوت بأحمد فسألته ما تقول؟ فقال: «أقول: أبو بكر وعمر وعثمان لا أقول: عليّ» (ص397) (21).
وبعدها مباشرةً نقل الخلاّل عن يحيى قوله: «أنا أقول أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان» (ص398، 404)، والعجيب ما جاء في كتاب آخر عن يحيى بن معين قوله: «خير الأُمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ، هذا قولنا ومذهبنا»، وقد أكد الراوي سماعه هذا القول منه مراراً (22).
كان سليمان بن حرب يقول: بعد وفاة رسول الله (رضي الله عنهما) كان أفضل الناس أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان؛ ونحن نسكت بعد هؤلاء الثلاثة (ص402)، أما يزيد بن زريع فكان يقول أيضاً: «خير هذه الأُمة بعد رسول الله (رضي الله عنهما) أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نقف» (ص403).
وكذا موسى بن إسماعيل التنبوذكي كان يقول: هكذا تعلمنا ـ يعني ترتيب الخلفاء الثلاثة ـ ونبتت عليه لحومنا وأدركنا الناس عليه:
«تقديم أبي بكر وعمر وعثمان ثم السكوت». (ص403).
وكان بشر بن الحارث يقول عن التفضيل: «أبو بكر، عمر وعثمان» (ص403). وقال أيوب السختياني: دخلت المدينة والناس متوافرون القاسم بن محمد وغيره، فما رأيت أحداً يختلف في تقديم أبي بكر وعمر وعثمان (ص403).
وقد كتب قتيبة بن سعيد (ت / 240هـ) ـ أحد أئمة أهل الحديث ـ في رسالته
________________________________________
(21)ومع ذلك نقل عن يحيى أنه قال: من قال أبو بكر وعمر فلا شيء عليه، ومن قال: أبو بكر وعمر وعثمان فلا شيء عليه أيضاً، لكن الأفضل أن يقال: أبو بكر، عمر، عثمان وعليّ (شرح اُصول اعتقاد أهل السنة، ج8، ص1476).
(22) شعار أصحاب الحديث، تحقيق صبحي السامرائي (الكويت، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، 1404)، ص35.

[الصفحة - 320]


العقائدية الموجزة: «وأفضل هذه الأُمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان والكف عن مساوئ أصحاب محمد...» (23).
وبالنظر لتأريخ وفاته، يمكن القول: إنه لم يتأثر بمقالة أحمد بن حنبل، بل مضى على النهج القديم لأصحاب الحديث.
أحمد بن حنبل وعقيدة التربيع
نحاول هنا أن نوضح دور أحمد بن حنبل في مسألة «التربيع». ومن المفيد أن نذكّر بدوره البارز في نشأة وتكوين مذهب أهل السنّة؛ وقد اضطلع بهذا الدور لما له من نفوذ واسع في أوساط أهل الحديث، فنراه قد قاوم المأمون بعزم في مسألة القرآن، ولم يتراجع عن عقيدته ويعترف بخلق القرآن، حتى مع إصرار الخليفة المعتزلي، ولأجل هذه القضية صارت له مكانة مرموقة بعده عند المتوكل.
وفي عهد المتوكل الذي قرّب أهل الحديث، صار لأحمد بن حنبل ـ والذي كان يُعدّ رئيسهم ـ سلطة واسعة، مع أن أحمد بن حنبل قد عُرف من القرن الخامس والسادس وما بعده كفقيه، وأصبح يُنسب إليه المذهب الحنبلي، لكنه قبل ذلك في القرن الثلاث إلى الخامس كان معروفاً كزعيم مذهب، حيث كان يرجع إليه الحنابلة في المسائل العقائدية المختلفة.
وفي أكثر كتب السنة التي تم تدوينها في القرن الثالث وما بعده كانوا يرجعون في أكثر الأبواب إلى كلام أحمد بن حنبل، ويعتبرون قوله القول الفصل في البحوث المختلف عليها، وقد تم وضع فهرساً في نظرياته الموجودة في آثار عديدة من بينها كتاب السنة لابنه عبدالله، ثم جُمعت في كتاب اختص قسم منه بالخلافة (24).
وقد أكد الخلاّل في مواضع عديدة من كتابه، على لسانه أو لسان الآخرين، على ضرورة اتِّباع أحمد في المسائل العقائدية. وقد جاء في رسالة تتضمن ردّاً على أحد علماء ترمذ، وقد ذكرت في هذا الكتاب، وفي الواقع هي ردّ عليه لإنكاره حديث جلوس النبي على العرش إلى جنب الله، إذ كان لا ينفك من تكرار هذا القول لمرات عديدة: «أعاذنا الله وإياكم من مضلات الفتن، وسلّمنا وإيّاكم من الأهواء المضلّة بمنّه
________________________________________
(23) المصدر السابق، ص31.
(24) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة، لعبد الإله بن سلمان الأحمدي (جزأين، الرياض، دار طيبة، 1412)، ج1، ص368 وبعدها.

[الصفحة - 321]


وقدرته، وثبتنا وإيّاكما على السنّة والجماعة واتّباع الشيخ أبي عبدالله رحمة الله عليه ورضوانه» (ص227).
وقد ورد هنا وجوب اتّباع أحمد بن حنبل مباشرةً بعد وجوب الثبات على مذهب السنة والجماعة، وقال بعد عدّة صفحات من كلام علي بن داود القنطري: «أما بعد، فعليكم بالتمسك بهدي أبي عبدالله أحمد بن حنبل رضي الله عنه فإنه إمام المتقين لمن بعده» (ص234).
وجاء أيضاً في نهاية هذه الرسالة: «أسأل الله أن يمن علينا وعليكم بلزوم السنة، والاقتداء بالسلف الصالح أبي عبدالله رضي الله عنه، فإنه أوضح الأُمور المحدثات ما هو كفاية لمن اقتدى به» (ص236).
وجاء تكرار مثل هذه العبارات في مواضع اُخر (ص243).
وفي نهاية البحث عن حديث الجلوس الذي ورد في ذيل الآية {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} . قال أبو الفضل عباس الدوري: «ونحن نقول في هذه الأحاديث ما قاله أحمد بن حنبل متّبعين له ولآثاره في ذلك» (ص258).
إن هذه التأكيدات تظهر مدى تأثير أحمد بن حنبل في نشأة عقائد أهل الحديث. وما يلفت النظر أن محمد بن جرير الطبري ـ والذي لا يعتبر أحمد فقيهاً ـ قد استشهد في مواضع متعدّدة من رسالته صريح السنة ـ والتي هي رسالته العقائدية ـ بأقوال أحمد بن حنبل، ويقول أحياناً بعد نقله لكلام أحمد بن حنبل: «هذا الكلام يكفينا، وفي الوقت نفسه هو ينكر حديث جلوس النبي؛ ولهذا تعرّض بشدة لهجوم الحنابلة المتعصبين في بغداد» (25).
إن القسم المهم من هذا التأثير يختص بإصلاح رأي أهل الحديث في الإمام عليّ (عليه السلام) ، إن أهل الحديث الذين هم استمرار لتيار العثمانية كانوا يكنون العداء للإمام عليّ (عليه السلام) ، فهم لا يعتبرونه خليفة، ولا يرون له أيّة مزيّة تميّزه عن سائر الصحابة، وكما ذكر ابن قتيبة إن أهل الحديث وبسبب حقدهم على الروافض، فقد أنكروا أيضاً أشهر فضائله كحديث الغدير والمنـزلة(26).
إن أحمد بن حنبل قد حطّم هذا الطوق، فنجده قد نقل في مسنده أو آثاره
________________________________________
(25) راجع: كتاب: المقالات التأريخية، الدفتر الثاني، مقالة: (أهل الحديث وكتاب صريح السنة للطبري)، ص239.
(26)الاختلاف في اللفظ ص47 ـ 49، تحقيق محمد زاهد كوثري، هذا النص مفصل وجذاب، وقد أوردنا ترجمته في كتاب «الجغرافية التأريخية والإنسانية للشيعة» (ص121 ـ 122)، وكتب ابن حبان عالم الرجال المعروف في القرن الرابع: أنا لا أذكر أين رأيت مالك بن أنس أو الزهري يروون شيئاً من مناقب الإمام عليّ (عليه السلام). اُنظر: المجروحين، ج1، ص258.

[الصفحة - 322]


الأُخر روايات كثيرة في فضائل الإمام عليّ (عليه السلام) ، وقد تحدث في كتابه فضائل الصحابة(27) ـ مطبوع في مجلدين ـ حول فضائل وأخبار الصحابة وبدأ بالترتيب من أبي بكر (ص65 ـ 243)، وبعده تحدث عن عمر (ص244 ـ 502)، ثم عن عثمان (ص503 ـ 527)، ثم عن فضائل أمير المؤمنين (ص528 ـ 727)، وبعدها إلى ص990 تحدث أيضاً عن عدد آخر من الصحابة.
إن تخصيصه لما يقارب من مئتي صفحة (28) لفضائل الإمام عليّ (عليه السلام) في هذا الكتاب وجميع الروايات جاء نقلها عن طريق أحمد بن حنبل يثبت إلى أي مدى ذهب في كسر طوق أهل الحديث العثمانيي المذهب.
وجاء في هذه المئتي صفحة كثير من المسائل المتعلقة بحياة الإمام وفضائله التي من جملتها: حديث الغدير (ص569)، المنـزلة، سدّوا الأبواب (ص582)، الثقلين، نـزول آية التطهير في أهل البيت (ص588)، أول من أسلم (ص590)، المؤاخاة (ص598) وأكثر فضائله ومناقبه.
وقد ينقل أحمد فضائل لأمير المؤمنين قد تكون مثاراً للدهشة أحياناً (29).
إن مسألة نقل مناقب الإمام عليّ (عليه السلام) قد توسعت بمرور الزمن بين أهل الحديث، ونظرة إلى كتاب السنة لابن أبي عاصم تظهر مدى اتساع هذه الظاهرة في كتب أهل الحديث. فقد ذكرت كثير من فضائل الإمام عليّ (عليه السلام) البارزة في هذا الكتاب، والتي من جملتها حديث الغدير، وقد أفرد اللالكائي فصلاً خاصاً لروايات فضائل الإمام عليّ (عليه السلام) (30)، ومنها حديث جابر بن عبدالله حيث قال: «ما كنا نعرف منافقينا معشر الأنصار إلاّ ببغضهم عليّ بن أبي طالب»(31).
قد رأينا حتى الآن أن أهل الحديث كانوا يصرّون على أن الاعتقاد بالخلفاء الثلاثة هو كافٍ للسني الواقعي في حصيلة اعتقاداته، لذا كانت جهود أحمد بن حنبل منصبة في اتجاه جعله مسألة تربيع الخلافة بالإمام عليّ (عليه السلام) أمرٌ لا ضير فيه.
يقول عبدالله بن أحمد بن حنبل: سمعت من أبي أنه قال في مسألة التفضيل: «أبو بكر، عمر وعثمان»، ثم أضاف: «ولا نعيب من ربّع بعليّ لقرابته وصهره وإسلامه القديم وعدله» (32)(ص404).
________________________________________
(27) تصحيح وصي الله بن محمد عباس، مكة، جامعة اُم القرى، 1403هـ.
(28) من صفحة 609 وما بعدها روايات في فضائل الإمام عليّ (عليه السلام) التي رواها أبو بكر بن مالك من مشايخه عدا عبدالله بن أحمد بن حنبل.
(29)كمثال اُنظر إلى هذا الحديث: إن عبدالله بن أحمد روى عن أبيه قال: حدثني أبي، حدثنا سفيان، عن أبي موسى وهو إسرائيل، عن الحسن، عن عليّ ـ رضي الله عنه ـ قال: فينا ـ والله ـ نـزلت: وَنـزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (السنة، عبدالله بن أحمد، ج2، ص573).
(30) شرح اُصول اعتقاد أهل السنة، ج8، ص1455 ـ 1468.
(31) المصدر السابق، ص1462.
(32) السنة، لعبدالله بن أحمد، ج2، ص590، 573.

[الصفحة - 323]


وقد نقل جماعة من الأفراد عن أحمد أنه قال في مسألة التفضيل: أبو بكر، عمر وعثمان؛ ولا عيب على من أضاف عليّ بن أبي طالب (ص406).
وقال في خبر آخر: «أرجو أن لا يكون به بأس» (ص406).
وأكد أحمد في نص آخر: أن كلا التعبيرين كان صحيحاً، أي إذا قلنا أبو بكر، عمر وعثمان وسكتنا، أو نضيف إليهم عليّاً، وأمّا المخطئ فهو الذي يقدم عليّاً على عثمان (ص407).
ويبدو أن أحمد كان يراعي أهل الحديث، وكان يخشى أن يثير إصراره على عقيدة التربيع غضب الآخرين ووقوفهم ضده، ويمكن إثبات هذا المُدّعى من بعض النصوص المنقولة، حيث كان يسعى بجد إلى نقل فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فقد جاء في أحد النصوص أن شخصاً سأله: ماذا عمن قال: أبو بكر، عمر، عثمان وعليّ، في رأيك ليس بسني؟ قال أحمد: هو سني، لماذا؛ لأنه جاء عن عليّ من الفضائل ما تقشعر منه الجلود، مثل: «أنت مني بمنـزلة هارون من موسى» (ص407).
وقال هارون بن سفيان: قلت لأحمد: هل صحيح إذا قال أحد: أبو بكر وعمر وعثمان؟ قال: هذه مقولة عبدالله بن عمر، ونحن نقبلها. قلت: كيف إذا قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ؟ قال: صاحب سنة، قلت: إذا قال: أبو بكر وعمر؟ قال: هذا قول سفيان الثوري وشعبة ومالك بن أنس. قلت: إذا قال: أبو بكر وعمر وعليّ؟ قال: هذا الآن شديد (ص408).
ويمكن إدراك حال أحمد بن حنبل وما كان يحذره من السنّة العثمانيي المذهب من النص الآتي: قد سُئل أحمد في مدينة حمص المعروفة بعثمانيتها عن مسألة التفضيل فكان رأيه أن العقيدة الصحيحة هي الاعتقاد بالثلاثة الأوائل فقط، وعندما سألوا يحيى بن معين عن قول أحمد هذا قال: «صدق أبو عبدالله، هو مذهبي» (ص408).
هذا وفي الوقت نفسه نراه قد أظهر اعتقاده الصريح في مواضع اُخر، فهذا حامد ابن يحيى البلخي كان يقول: «كان أحمد بن حنبل يذهب في التفضيل: أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ» (ص409).
________________________________________

[الصفحة - 324]


ومع هذه الصراحة نرى أبا بكر الخلاّل قد أوضح مباشرةً بعد هذا النص مسائل قد تلفت النظر، حيث يقول: إن القول المشهور لأحمد في مسألة التفضيل هو: «أبو بكر وعمر وعثمان»، لكنه كان يقول لعاصم وأبي عبيد: «لست أدفع قولكم في التربيع بعليّ». وربما كان هذان الشخصان هما أصل عقيدة التربيع.
بعد ذلك نقل عنه جماعة من أكابر الزعماء المعاصرين له أنه قال: من كان معتقداً بعليّ فهو سني، وكذلك نقل عنه أحمد بن أبي الحواري أنه كان معتقداً بعليٍّ أيضاً، وأضاف الخلاّل: «وعندي أنه لم يحب أن يأخذ عنه أهل الشام ما يتقلدونه عنه في ذلك؛ لأنه إمام الناس كلهم في زمانه ـ لم ينكر ذلك أحد من الناس ـ فلم يحب أن يؤخذ عنه إلاّ التوسط من القول؛ لأن أهل الشام يغالون في عثمان كما يغالي أهل الكوفة في عليّ. وقد كان من سفيان الثوري (رحمه الله) نحو هذا لما قدم اليمن قال: في أي شيء هم مشتهرون به؟ قيل في النبيذ وفي عليّ، فلم يحدّث في ذلك بحديث إلى أن خرج من اليمن، فالعلماء لها بصيرة في الأشياء وتختار ما تراه صواباً للعامة» (ص410).
وفي نصٍ آخر يظهر أيضاً مسألة جدال المخالفين مع أحمد وإجاباته التي يكتنفها الغموض، وكان كالتالي: قال أبو حاتم الرازي: سمعت من أحمد بن أبي الحواري قوله: جاءنا أحمد بن حنبل (لعله في مدينة حمص نفسها) فذهبت إليه وسألته عن اعتقاده في مسألة التفضيل، وقلت: «ما هي عقيدتك في التفضيل؟» قال: «ما يطابق حديث سُفَيْنَة في مسألة التفضيل والخلافة» (ص409). وكان حديث سُفَينة هو حديث: أن الخلافة بعد رسول الله (رضي الله عنهما) ثلاثون عاماً ثم تصبح ملكاً.
إن أحمد بن حنبل قد التجأ إلى لون آخر من الإيهام في قضية إدخال الإمام عليّ (عليه السلام) ضمن دائرة عقائد أهل السنة؛ ولئلاً يكون مظنه للاتهام، فنراه قد وضع فرقاً بين الاعتقاد بالتفضيل، والاعتقاد بشرعية الخلافة.
فقد جاء في خبر عنه أنه في مسألة التفضيل قد ذكر أسماء الخلفاء الثلاثة فقط، أما في مسألة الخلافة فذكر الخلفاء الأربعة جميعهم (33).
وكان دليله في التفضيل هو القول المنسوب لعبدالله بن عمر، أما في مسألة
________________________________________
(33) شرح اُصول اعتقاد أهل السنة، ج8، ص1453.

[الصفحة - 325]


الخلافة فحديث سُفَينة (ص412) (34).
وطبقاً للحديث المنسوب للنبي (رضي الله عنهما) والذي جاء فيه: «الخلافة ثلاثون عاماً»، وبما أن خلافة الخلفاء جميعهم تكون ثلاثون عاماً، فيجب أن تكون خلافة الإمام عليّ (عليه السلام) خلافة صحيحة وشرعية أيضاً. وفي خبر آخر عنه أنه اعتبر حديث سُفَينة هو الدليل على صحة خلافة الإمام عليّ (عليه السلام) من الناحية الشرعية، وهذه المسألة هي جزء من عقائد أهل السنة أيضاً، أي أن السني الواقعي يجب أن يعتقد بها، وقد جاء في تتمة هذا الخبر قول عن أحمد فيه: «عليّ (رحمه الله) إمام عادل» (ص412)، وقد اضطر أحمد لدعم قوله هذا بالأدلة والبراهين؛ ليكون مقبولاً عند أهل الحديث، الذين كانوا في طريق التغيير والإصلاح من مذهبهم العثماني نحو التسنن.
إن الشيء المسلّم به، هو أن أحمد ربما لم يؤكد بنحو قاطع على عقيدة التربيع؛ ذلك لأنه كان يراعي أهل الشام في تلك النواحي، لكنه وبشكل عام سعى جاهداً لتثبيت مكانة الإمام عليّ (عليه السلام) عند أهل الحديث، ولتثبيت عقيدة التربيع أيضاً والتي ربّما تكون من وضع بعض أهل الحديث المتشيعين.
وقد تطرّق أحمد في أقوال اُخر إلى مسألة التمييز بين التفضيل والخلافة، فقد نقل عنه قوله: «أقول: أبو بكر وعمر وعثمان في التقديم وفي الخلافة عليّ عندنا من الخلفاء» (ص413)، وفي الواقع أن العثمانيين الذين تربّوا في العصر الأموي لم يعتبروا خلافة الإمام عليّ (عليه السلام) خلافة شرعية أساساً، ففي كلام منقول عن أحمد ـ أراد به إثبات شرعية خلافة الإمام عليّ (عليه السلام) ـ قال: كان أصحاب رسول الله (رضي الله عنهما) راضين بخلافة عليّ، اجتمعوا حوله. وقد أقام عليّ الحدود بحضور جمع منهم ولم يخالفوا، وكانوا يعدونه خليفة، يخطب فيهم ويقسم الغنائم فلم ينكروا عليه.
يقول حنبل ابن أخي أحمد: قلت لأحمد: «خلافة عليّ ثابتة؟!» قال أحمد: «سبحان الله! يقيم عليّ (رحمه الله) الحدود، ويقطع، ويأخذ الصدقة ويقسمها بلا حق، وجب له؟! أعوذ بالله من هذه المقالة. نعم، خليفة رضيه أصحاب رسول الله (رضي الله عنهما) وصلّوا خلفه، وغزوا معه، وجاهدوا وحجوا، وكانوا يسمونه أمير المؤمنين راضين بذلك غير منكرين فنحن تبع لهم، ونحن نرجوا من الله الثواب باتّباعنا لهم».
________________________________________
(34) السنة، لعبدالله بن أحمد، ج2، ص590.

[الصفحة - 326]


ثم قام حنبل بشرح عقيدة أحمد في ترتيب التفضيل بين الأربعة فأضاف قائلاً: وعليّ (رحمه الله) إمام عدل بعد هؤلاء، إمامته ثابتة وأحكامه نافذة وأمره جائز، كان أحق الناس بها بعد عثمان، فهؤلاء الأئمة أئمة الهدى (رحمهم الله) (ص413).
وقد أورد الخلاّل فيما بعد أخباراً حول عدد من أحكام الإمام عليّ (عليه السلام) وتقسيم الغنائم والفيء، وقد أتى بها لأجل إظهار استقرار وثبات السلطة للإمام، وفي الواقع أن الدليل الأساسي للإمامة في نظر أحمد وأهل الحديث، هو رضى الصحابة، الذين كانوا ينادونه يا أمير المؤمنين (ص 414).
قال أحمد: قد سماه عمار وابن مسعود أمير المؤمنين (ص415) والجدير بالذكر أن ابن مسعود لم يدرك خلافة الإمام عليّ (عليه السلام) .
ثم أتى الخلاّل برواية مفصلة عن محمد بن الحنفية، تتضمن وصفاً لكيفية وصول الإمام عليّ (عليه السلام) للخلافة واستقبال الناس له، كما ذكر بيعة المهاجرين والأنصار له في هذه الأخبار (ص415 ـ 417).
وقد نقل الخلاّل أخباراً اُخر لإثبات صحة خلافة الإمام كانت موثّقة أحياناً من بعض المحدثين، ومن بينها خبر أبي سعيد الخدري، حيث قال: كنت مع عليّ في حربه مع الخوارج، وشهدت قتل ذي الثديّة، والتمسه في القتلى فاُتي به على النعت الذي نعت رسول الله (رضي الله عنهما)، وأشهد لسمعت هذا من رسول الله (رضي الله عنهما). ثم نقل عن أحمد بن حنبل قولـه: ليس شيء عندي في تثبيت خلافة عليّ أثبت من حديث أبي سعيد الخدري هذا (ص418) (35)، وهذا يثبت أن أحمد كان يبحث بجد عن أدلة تعزز من مكانة الإمام عليّ (عليه السلام) ، وقد جاء في تتمة هذا الخبر مطلب حول جهود أحمد لتعديل رواة هذا الحديث، وقد أورده الخلاّل دعماً لموقف أحمد بن حنبل أيضاً.
وفي سياق الكلام، وقع بحث حول حديث سُفَيْنة: «الخلافة ثلاثون عاماً ثم يكون بعد ذلك ملك»، فقد سأل سائل من أحمد قال له: إن يحيى القطان كان يتكلم في سعيد بن جهمان، فأجاب أحمد مغضباً وقد أدرك جيداً بأن هذا الطعن إنما جاء لإجل إنكار خلافة الإمام عليّ (عليه السلام) ، ولهذا السبب قال: هذا باطل، ما سمعت يحيى يتكلم فيه، قد روى عن سعيد بن جهمان غير واحد، وقال: أبو بكر وعمر وعثمان
________________________________________
(35) كان أحمد يعتمد بشكل خاص على هذه الرواية وأمثالها التي قالها النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) في الخوارج. راجع: السنة، لعبدالله بن أحمد، ج2، ص618 ـ 648.

[الصفحة - 327]


وعليّ هؤلاء أئمة العدل. لقد بلغ من عدل عليّ أنه قسم الرمان والأبزار، وأقام الحدود، وكان أصحاب رسول الله (رضي الله عنهما) يقولون: يا أمير المؤمنين. وجعل أبو عبدالله يفحش على من لم يقل إنه خليفة. وقال: أصحاب رسول الله (رضي الله عنهما) يسمونه أمير المؤمنين، وهؤلاء لا يثبتون خلافته. هذا يعني تكذيب أصحاب رسول الله (رضي الله عنهما) (ص419).
وقد دافع في خبر آخر عن حماد بن سلمة، الذي نقل رواية سُفَينه عن سعيد ابن جهمان، وأكد أنه يزداد بصيرة يوماً بعد آخر على صحة هذه الرواية (ص420 و421).
تجدر الإشارة إلى أنّ حديث سُفَينه هو غير حديث سفينة المعروف في فضائل أهل البيت، والمراد منه هنا حديث: «الخلافة ثلاثون سنة ثم يكون بعد ذلك الملك»، أو «خلافة النبوّة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء». وراوي هذا الخبر هو أبو عبدالرحمن من موالي رسول الله، ويقال كان اسمه مهران. وقد نقل عن رسول الله (رضي الله عنهما) كما مر: «الخلافة بعدي ثلاثون عاماً ثم يكون بعد ذلك الملك». فطبقاً لهذا الحديث اعتبر أحمد عهد الخلافة حتى نهاية خلافة أمير المؤمنين، وعلى هذا الأساس شيّد اُسس عقيدته في التربيع.
والخبر المذكور لم يروه عن سفينة إلاّ راوياً واحداً وهو سعيد بن جهمان، وعندما سُئل: أين لقيت سُفَينة؟
قال: في بطن نخلة في زمن الحجاج (ص421) (36).
على أيّة حال فقد تشبّث أحمد بهذا الحديث بقوة، وحاول الدفاع عن رواته، وما يطرح حولهم من أسئلة (ص421 ـ 423).
ولمعرفة ما قام به أحمد من دور في هذا المضمار، نورد هذا الخبر الملفت للنظر:
قال صالح بن أحمد: سألت من أبي: في هذه المسألة، فإن قال قائل: فينبغي لمن ثبّت الخلافة على عليّ أن يربع به؟ قال: إنما نتبع ما جاء، وما قولنا نحن؟! وعليّ عندي خليفة قد سمّى نفسه أمير المؤمنين، وسمّاه أصحاب رسول الله (رضي الله عنهما) أمير المؤمنين، وأهل بدر متوافرون يسمّونه أمير المؤمنين، قلت: فإن قال قائل: نجد
________________________________________
(36)أورد الترمذي هذه الرواية في صحيحه، كتاب الفتن، باب ما جاء في الخلافة، حديث 2225 (ج4، ص503)؛ وأحمد بن حنبل في مسنده (ج5، ص220)؛ ابن أبي عاصم في السنة (ج2، ص562)، وعلّق الألباني في ذيل الحديث في «السنة» لابن أبي عاصم: أنه لأجل هذا الاختلاف في سعيد بن جهمان صار هذا الحديث حسناً وليس صحيحاً.

[الصفحة - 328]