البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المنهج السلفي في تفسير القرآن نقد وتعليق

الباحث :  د. عودة عبد عودة عبد الله
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  45
السنة :  السنة الثانية عشر ربيع 1428هجـ 2007 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  305
المنهج السلفي في تفسير القرآن
نقد وتعليق

د. عودة عبد عودة عبد الله (*)

القرآن الكريم مصدر الإسلام الأول، ودستوره الخالد، ولا ريب أنَّ فهمه بشكلٍ سليم هو غاية كلّ مسلم، وهو الثمرة العلمية المرجوَّة من تدبّره، بُغية الوصول إلى الالتزام بأحكامه وتوجيهاته إيماناً وعملاً ودعوة.
ويظهر في غير موضع من كتاب الله، أنَّ الله سبحانه وتعالى حثَّنا على النظر في كتابه، وتدبّر معانيه، واستنباط أحكامه وحِكَمه. ولا شكّ أن الأمر الذي يساعد على الفهم السوي السليم للقرآن هو «حُسن تفسيره بما يبيّن مقاصده ويوضح معانيه، ويكشف اللثام عمّا فيه من كنوزٍ وأسرار، ويفتح مغاليقه للعقول والقلوب» (1).
ومن هنا، فإننا لا نستغرب أنَّ السلف كان لهم هذا الانكباب والإقبال المنقطع النظير على تفسير كتاب الله. فقد تركوا لنا هذا الكَمّ الهائل من التراث التفسيري، والذي ما تزال مكتباتنا تزخر به في هذه الأيام.
ويُلحظ للوهلة الأُولى، أنَّ المفسرين تعددت مشاربهم، وتنوّعت مناهجهم، في طريقة تناولهم لتفسير كتاب الله تعالى. فمنهم من غلَب عليه جانب التفسير بالأثر كالطبري وابن كثير، أو جانب التفسير البياني كالزمخشري وأبو السعود، أو التفسير الفقهي كالقرطبي والجصاص، ونحو ذلك. فغنيٌّ عن البيان، أنَّ أكثر التفاسير القديمة، صرَفت عنايتها إلى ناحية معينة؛ كالنظر في أساليب القرآن، وما اشتمل عليه من أنواع البلاغة، أو التوسّع في بيان وجوه الإعراب ومدلولات الألفاظ واستعمالاتها، أو تتبع
________________________________________
(*) باحث، حاصل على دكتوراه في التفسير من الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا عام 2003م، من فلسطين.
(1) القرضاوي، يوسف: كيف نتعامل مع القرآن العظيم، (بيروت: دار الشروق، ط1، 1419هـ/1999م)، ص217.

[الصفحة - 282]


القصص من غير تفريق ولا تنقيح، أو استنباط الأحكام الفقهية، أو القول في اُصول العقائد ومقارعة أهل الزيف والضلال، ونحو ذلك من الاتجاهات الخاصة التي يُعدُّ التوغّل فيها والانصراف إليها مدعاة للخروج عن المقصود من الكتاب الإلهي.
ولا شك أن هذا التراث الذي تركه المفسرون يُعدُّ ثروة علمية، لا يمكن الاستغناء عنها، ولا بدّ لكل مطّلع على تفسير كتاب الله، أن ينظر فيها ويستخرج كنوزها؛ لأن ذلك مُعينٌ على حُسن الفهم، وسعة الإدراك، وبُعد النظر.
ولكن على الرغم من حاجتنا الماسّة لكل هذه التفاسير، فإنَّ الأمر يتطلب وقفةً لمراجعة وتهذيب الكثير منها، لما داخلها من غثّ، ولما شابَها من كَدَر. فحقيقٌ على مفسري كتاب الله، الذي تعهّد الله بحفظه، أن يتجاوبوا مع هذه الحقيقة، فيجنّبوا تفاسيرهم كلّ ما فيها من ريبة، ويطرحوا عنها كلّ ما شوّه جمالها وأنقص بهاءها.
والدعوة إلى تنقية كتب التفسير ليست دعوة إلى بدعة أو ضلالة؛ لأن تهذيب كتب التفسير بتنقيتها من الإسرائيليات، مَطلبٌ مهم من مطالب التعامل مع التراث، وذلك «لأننا بحاجة إلى أن يكون التعامل مع القرآن، دونما هذا العازل الرديء، الذي تدخَّل بين القارئ وبين النصّ المقدس ... وهو العازل المتمثِّل في الإسرائيليات» (2).
يُضاف إلى ذلك، أن التفاسير دخل فيها كثيرٌ من القصص التي كانت تُعدُّ لوناً من ألوان الوعظ، ولكن هذه القصص بعد مرور وقت من الزمن، تحوَّلت إلى حقائق ثابتة في نظر بعض الناس، مما يُؤكّد الجهد الواجب بذله في تحقيق هذه الكتابات.
ولعلّ إدراك ابن تيمية لهذه الحقيقة هو ما جعله يرسم لنفسه منهجاً خاصّاً في التفسير، يقوم على أساس الدراسة النقدية لكتب التفسير، والتمييز في المنقول والمعقول بين الحق والباطل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل، فكان يقول:
«وربما اطّلعتُ على الآية الواحدة في نحو مائة تفسير، ثم أسألُ الله تعالى الفهم» (3).
ويقول: «إنَّ الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغثّ والسمين، والباطل الواضح والحق المبين. والعلم إما نقلٌ مصدَّق عن معصوم، وإما قولٌ عليه دليل معلوم، وما سوى ذلك إما مزيَّفٌ مردود، وإما موقوف لا يُعلم أنه بهرج ولا منقود» (4).
________________________________________
(2) عاشور، محمد: «كيف نتعامل مع التراث»، قضايا إشكالية في الفكر الإسلامي المعاصر، (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1418هـ/1997م)، ص118.
(3) ابن تيمية، عبد الحليم: مقدمة في اُصول التفسير، (الكويت: 1971م)، ص10.
(4) المصدر السابق، ص 33ـ 34.

[الصفحة - 283]


فقد تسرّب إلى تراثنا التفسيري الكثير من الروايات التي شوّهت وجهه وكدَّرت صفاءه، بما تحمل من خرافات وأباطيل راجت بضاعتها بين اليهود والنصارى، ثم أرادوا ترويجها بين المسلمين. وكأنَّ اليهودية حين منيت أمام دعوة الإسلام بالهزيمة العسكرية، أرادت أن تقاوم الإسلام بسلاح آخر يعوّضها عن هزيمتها، وذلك هو الغزو الثقافي، فدسَّت إسرائيلياتها المنكرة، في غفلة من الزمن، فلم تمض بُرهة حتى غصّت بها كتب المسلمين.
والأمثلة على الروايات السقيمة التي حُشيت بها كتب التفسير كثيرة، لا يكاد يخلو منها تفسير من هذه التفاسير. فمن غريب هذه الإسرائيليات وعجيبها، ما نقرأه في كثير من كتب التفسير عند النظر في بعض آيات سورة ص مما يترفَّع القلم عن تدوينه (5).
وهناك روايات اُخرى ضعيفة كان الأجدر أن يُنـزَّه عنها كتاب الله، ولا بدّ أن تُطرح من كتب التفسير. فهناك رواية لأحمد في مسنده نقلها ابن كثير في تفسيره، جاء فيها: عن زرّ، قال لي اُبيّ بن كعب: «كم تقرؤون سورة الأحزاب؟ فقلت: بضعاً وسبعين آية. قال: لقد قرأتها مع رسول الله (رضي الله عنهما) مثل البقرة أو أكثر منها، وإن فيها آية الرجم» (6).
قال الغزالي معلّقاً على هذه الرواية: «وهذا كلامٌ سقيم، فإنّ الله لا ينـزّل وحياً يملأ أربعين صفحة، ثم ينسخه أو يحذف منه أربعاً وثلاثين ويستبقي ست صفحات وحسب» (7).
ومن جانب آخر، فإنّه بالرغم من تقديرنا لهذه التفاسير، وعظيم احترامنا لجهود علمائنا فيها، إلاّ أنه يجب علينا ألاّ نتخذها قوالب جاهزة جامدة، ونتناسى بذلك روح العصر الذي نعيش فيه، فإن الله سبحانه وتعالى تعبدنا بألفاظ كتابه الكريم ولم يتعبدنا بألفاظ المفسرين وأقوالهم. لذلك فإنه لا بدّ لنا أن نتعلم فن الجمع بين الأصالة والمعاصرة؛ لأنهما أمران متلازمان، «فإنَّ من ينشد الأصالة بدون المعاصرة، كمن ينشد المعاصرة بدون الأصالة، الأول مقلِّد والثاني تابع، بل كلاهما تابع ومقلِّد»(8).
فمن آيات إعجاز القرآن وخلوده، أننا نستمد منه في كل عصر ما يمكننا من مواجهة الآراء المستحدثة والقضايا المستجدّة، فالقرآن كتاب كل زمان وكل مكان. لذلك فإنه يجب علينا أن لا نتوقف عند ما كتبه السابقون، بل لا بدّ من إمعان النظر في
________________________________________
(5) للوقوف على هذه الروايات، انظر: تفسير الآيات 21ـ 25 والآية 34 من سورة ص ، عند الطبري والسيوطي وابن كثير وغيرهم.
(6)أحمد بن حنبل: المسند، تحقيق: حسين سليم أسد، (دمشق: دار المأمون للتراث، ط1، 1404هـ/1984م)، ج5، ص113. قال علي بن أبي بكر الهيثمي: «في إسناده عاصم بن أبي النجود وقد ضُعِّف». انظر: موارد الظمآن، تحقيق: محمد عبد الرزاق حمزة، (بيروت: دار الكتب العلمية)، ص435.
(7) الغزالي، محمد: تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل، (القاهرة / بيروت: دار الشروق، ط3، 1412هـ/1992م)، ص128.
(8) الجابري، محمد عابد: التراث والحداثة، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1991م)، ص60.

[الصفحة - 284]


كتاب الله وإعمال الفكر فيه في كل عصر؛ لأنه كتاب حيّ لا تنقضي عجائبه، ولا يَخلَقُ على كثرة الردّ.
وهذه حقيقة أقرّها الإمام الرازي من قبل، حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى: { فإنْ خفتُم ألا تَعْدلوا فَواحِدَة} (النساء: 3): «أُثبت في اُصول الفقه، أنّ المتقدّمين إذا ذكروا وجهاً في تفسير الآية، فذلك لا يمنع المتأخرين من استخراج وجه آخر في تفسيرها. ولولا ذلك لصارت الدقائق التي استنبطها المتأخرون في التفسير مردودة باطلة، وذلك لا يقوله إلاّ مقلِّدٌ خَلِف» (9).
وممن دان بهذا الرأي، ودعا إلى تجديد التفسير القرآني، وإعادة النظر في مقاصده البعيدة السامية، الشيخ محمد عبده، الذي يقول: «قد يدّعي بعض أهل العصر، أنه لا حاجة إلى التفسير والنظر في القرآن؛ لأن الأئمة السابقين نظروا في الكتاب والسنة واستنبطوا الأحكام منها، فما علينا إلاّ أن ننظر في كتبهم ونستغني بها، وهكذا زعم بعضهم. ولو صحّ هذا الزعم لكان طلب التفسير عبثاً يضيع به الوقت سُدى ... خاطب الله بالقرآن من كان في زمن التنـزيل، ولم يوجّه الخطاب لهم لخصوصية في أشخاصهم، بل لأنهم من أفراد النوع الإنساني الذي أُنزل القرآن لهدايته. يقول تعالى: { يا أيها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم} (الحج: 1)، فهل يُعقل أن يرضى منا بأن لا نفهم قوله هذا، ونكتفي بالنظر في قول ناظرٍ فيه، ولم يأتنا وحيٌ من الله بوجوب اتّباعه لا جملة ولا تفصيلاً؟ كلا، إنه يجب على كلّ واحد من الناس أن يفهم آيات الكتاب بقدر طاقته» (10).
ولكن على من يدّعي التجديد، أنْ يُدرك المنهج الأمثل في تفسير القرآن، والذي يقوم على اُصول راسخة، وقواعد شامخة، تتمثّل في خطوات معلومة، ومعالم مرسومة، وضوابط بيّنة يجب مراعاتها والالتزام بها، حتى تتضح للمفسّر الغاية، وتستقيم له الطريق. فلا بدّ للمفسّر أن يجمع بين الرواية والدراية، فيفسّر القرآن بالقرآن، وبصحيح السنَّة، وينظر في أقوال الصحابة والتابعين، ولا ينسى مراعاة السياق وأسباب النـزول، وعليه قبل كلّ ذلك أن يكون عالماً باللغة التي نزل بها القرآن.
ومما تجدر الإشارة إليه هنا، أن فكر السلف في التفسير لم يكن بمنأى عن
________________________________________
(9) الرازي، محمد بن عمر بن الحسين: مفاتيح الغيب، (القاهرة: دار الغد العربي، ط1، 1412هـ/1992م)، ج5، ص76.
(10) عبده، محمد: تفسير المنار، (بيروت: دار المعرفة)، ج1، ص38.

[الصفحة - 285]


الصراعات الفكرية التي كانت تدور في عصر كلّ مفسّر. وكثيراً ما كان هذا المفسِّر أو ذاك يمثِّل اتجاهاً معيناً، فهو بالتالي كان ناصراً ومؤيداً لفكرته واتجاهه، ونرى أن ذلك انعكس بشكلٍ واضح وملموس على تفسيره، حتى دخلت إلى التفسير بعض التأويلات الفاسدة الباطلة التي ما جاءت إلاّ لتساند فكرة ما. حتى قال بعض الشيعة في تفسير قوله تعالى: { تَبَّتْ يَدا أبي لَهَبٍ وَتَبَّ} (المسد: 1): هما أبو بكر وعمر. كما اعتمد الجبرية على مثل قوله تعالى: { واللهُ خَلَقكُم وما تَعْمَلون}(الصافات: 96) في اعتبار الإنسان مسيَّراً لا إرادة له ولا اختيار، وأنه كريشة في مهبِّ الريح تحرّكها الأقدار كيف تشاء. وحتى الزمخشري صاحب الفكر المعتزلي، لم يخلُ تفسيره من بعض الشطحات الاعتزالية. وهناك تفسيرات اُخرى غريبة للقاديانية والبهائية وغيرهما.
لذلك فإنه لا بدّ لنا من أن نعي هذه الحقيقة المهمة، حتى نُدرك مَراميَ كلّ مفسِّرٍ عندما نتعامل مع تفسيره، فلا نتعامل مع مفسِّر دون أن نحيط ولو لماماً بطبيعة الصراعات الفكرية التي عايشها، حتى نجعل من عقولنا ميزاناً نقوِّم به ما يصدر عنه.
نستنتج مما سبق، أنَّ التراث التفسيري الذي تركه لنا السلف، من الأهمية بمكان، بحيث لا يستغني عنه طالب علم، أو راغب في الغوص إلى معاني القرآن الكريم. إلاّ أنّ ذلك لا يبرر لنا الجمود على هذا التراث، بل لا بدّ من تحقيقه وتنقيته من الشوائب والانحرافات. ثم لا بدّ لنا من الإبداع والتجديد، وذلك بأن ننظر في القرآن بنظرة العصر الذي نعيش فيه، والواقع الذي نحياه، فإن لكلّ زمن ظروفه الخاصة، التي تميزه عن غيره، والقرآن كتاب الله للناس كافة، منذ نزوله على سيدنا محمد (رضي الله عنهما) وحتى قيام الساعة.
* * *
________________________________________

[الصفحة - 286]