البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مقولة « جسم لا كالاجسام » بين موقف هشام بن الحكم ومواقف سائر أهل الكلام

الباحث :  السيد محمد رضا الحسيني
اسم المجلة :  تراثنا
العدد :  19
السنة :  السنة الخامسة / ربيع الثاني ـ جمادى الاولى ـ جمادى الثانية سنة 1410 هـ
تاريخ إضافة البحث :  December / 23 / 2014
عدد زيارات البحث :  301
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام التامين على سيد الانبياء والمرسلين ، محمد الصادق الامين ، الصادع بالوحي المبين ، وعلى خلفائه الائمة المعصومين ، الامناء على الدنيا والدين .
وبعد :
فقد تعرض للحق ـ المتمثل في الاسلام ، منذ نشأته ، والناس حديثو عهد باصوله ـ أعداء ألداء تحينوا كل فرصة للكيد له ، والنيل منه .
لكنهم أخفقوا ، ولم ينالوا مناهم ، فلم يصمدوا لصلابته ، فباءوا بالفشل ، وأنهزموا خاسرين .
ولما أعيتهم أساليب القمع والفتك ، لجأوا إلى الاتهام ، وكيل الافك . وتزوير الباطل ، وتحريف الحقيقة ، بهدف تشويه وجه الحق ، وتعكير صفائه ، وإطفاء نوره ، وبهائه .
لكن لم تنطل أكاذيبهم على أهل الحق وطالبيه ، ولم تحجب شبهاتهم ساطع ضوئه ، وصادق برهانه ، فخابوا ، وانقلبوا خاسئين .
ولما يئس الاعداء الحاقدون من المساس باصول الدين واسس عقائده ،

(الصفحة 7)


عمدوا إلى أعمدته وقواعده ، وهم رجاله ومناصروه ، فخاضوا فيهم قتلا وإبادة ، حتى استنفدوا أساليب الغيلة والغدر فاعجزتهم عن إخضاع اولئك الاساطين ، فلجأوا إلى اسلوب بث الدعاية ، وكيل التهم ، لتشويه سمعة أبطال الاسلام وصناديده ، وهدفهم أن يجعلوا الاسلام غريبا لا ناصر له .
فملاوا الدنيا بما لاكته ألسنة السوء من الباطل ، وما لفظته أبواق الزور من البهتان الزائل .
وقد فشلوا أمام وعد الله ببقاء جذوة الحق وقادة ، حيث قال : (يريدون أن يطفئوا نورالله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) [ سورة التوبة (9) الآية (32) ] وقال : (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [ سورة الحجر (15) الآية (9) ] .
ولما يئسوا من أن يصيبوا الحق وأعلامه بسوء ، انكفأوا على الباطل ، وانضووا إلى المنافقين بتكديس المدائح المفتعلة لهم ، ووضع الفضائل واختلاقها فيهم ، وترويج باطلهم ، وتحسين قبائحهم ، والستر على فضائحهم ، والتطبيل لهم ، والتزمير للغطهم ، سعيا في ضرب الحق ، وإخفاء شعاعه ، وإظهار الباطل ، ودجله ، وخداعه .
أخرج ابن الجوزي ، عن طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال . سألت أبي : ما تقول في علي ومعاوية ؟ فأطرق ، تم قال إعلم أن عليا كان كثير الاعداء ، ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوا ، فعمدوا إلى رجل حاربه فأطروه ، كيدا منهم لعلي .
فأشار بذلك إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا أصل له (1) .
وقال ابن قتيبة : أهملوا من ذكره [ يعني الامام عليا عليه السلام ] أو روى حديثا من فضائله ، حتى تحامى كثير من المحدثين أن يتحدثوا بها ، وعنوا بجمع فضائل
-----------------------------
(1) ذكرابن حجر في فتح الباري 7|83 . وذكره الهيتمي في الصواعق المحرقة : 76 قال . أخرج السلفي في « الطيوريات » .

(الصفحة 8)


عمرو بن العاص ومعاوية ، كأنهم لا يريدونهما بذلك وإنما يريدونه (2) .
وابتلي الحق ـ ثانية ، وهو متمثل في التشيع باولئك الاعداء ، مقنعين باسم السلف والسنة ، حيت تصذوا له بالمنابذة والمعارضة ، فواجهتهم أدلته القاطعة وحججه الصارمه الناصعة .
ولما تعرضوا لائمة الحق من آل محمد ، خلفاء الرسول من عترته الطاهرة ، أعجزتهم قوة اولئك السادة العلماء بالحق ، وصلابة اولئك الاوتاد العرفاء بالله ، وإخلاصهم في التفاني من أجله ، بما لم يثنهم عن ذلك ، حتى الاغتيال والقتل الذريع ، والسجن والهتك الفظيع ، بل ظلوا صامدين ، مصرين على قول الحق وفعل الصدق ، رغم كل أساليب العدوان وأقاويل البهتان التي استعملها الاعداء ضدهم.
ولقد اضطر أعداء الحق للخضوع أمام عظمتهم ، والاعتراف لم بكل كرامة :
يقول ابن حجر الهيتمي ـ وهو يتحدث عن (حديت الثقلين) المحتوي على قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن وأهل البيت ـ : « لا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم » (3) .
قال : في قوله صلى الله عليه وآله وسلم دليل على أن من تأهل منهم للمراتب العلية والوظائف الدينية كان مقدما على غيره (4) .
ويقول الذهبي ـ في ترجمة الامام الثاني عشر محمد بن الحسن عليه السلام ـ : محمد ، هذا ، هو الذي يزعمون أنه « الخلف الحجة » وأنه « صاحب الزمان » وأنه حي لا يموت حتى يخرج ، فيملا الارض عدلا وقسطا ، كما ملئت ظلما وجورا . [ قال الذهبي : ] فوددنا ذلك ـ والله ـ !
-----------------------------------------------
(2) الاختلاف في اللفظ : 48 .
(3) انظر : مصادر حديث الثقلين ، بألفاظه المختلفة في مقال « أهل البيت في المكتبة العربية » المنشور في مجلة (تراثنا) العدد (15) السنة الرابعة ، 1409|ص 84 .
(4) الصواعق المحرقة لابن حجر : 136 .

(الصفحة 9)


فمولانا علي من الخلفاء الراشدين ! . . . نحبه أشذ الحب !
وابناه الحسن والحسين ، فسبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسيدا شباب أهل الجنة ، لو استخلفا لكانا أهلا لذلك ! ؟
وزين العابدين كبير القدر ، من سادة العلماء العاملين ، يصلح للامامة !
وكذلك ابنه أبو جعفر الباقر سيد ، إمام ، فقيه ، يصلح للخلافة !
وكذا ولده جعفر الصادق كبير الشأن ، من أئمة العلم ، كان أولى بالامر من أبي جعفر المنصور .
وكان ولده موسى كبير القدر ، جيد العلم أولى بالخلافة من هارون . . . (5).
ولئن اضطرهم الامر للاعتراف ـ هكذا ـ بالحق . والحق مر على أذواق غير أهله ، فبدلا من أن يبحثو عن الطرق التي توصلهم إلى هؤلاء الائمة السادة القادة ، قرناء الكتاب ، وامناء الشرع ، فبدلا من ذلك انثالوا على كل ما يمت إليهم بصلة ، فانهمكوا بإنكاره وتكذيبه ، وعلى أصحابهم وأوليائهم فتعقبوهم بالمطاردة والتنكيل والتهديد ، وعلى رواة حديثهم فرموهم بالقدح والتجريح .
فلم يبخلوا ـ لا در درهم ـ بتهمة أن يلصقوها بكبار شيعة أهل البيت ، اولئك الذين وضعوا ثقتهم عند هؤلاء الائمة عليهم السلام ، وانصاعوا للحق المتمثل في آرائهم .
ونظرة عجلى ، في الميزان للذهبي واللسان لابن حجر ، تكشف أبعادا من التجاوز الذي جاء على أتباع أئمة أهل البيت عليهم السلام ، في هذه المجالات !
ولقد استهدفوا من ذلك نفس الهدف الذي كان لاعداء الحق المتمثل في الاسلام ـ أولا ـ وبنفس الاساليب التي انتهجها اولئك ، يحاولون إخلاء ساحة الحق من أنصاره الصادقين ، وتشويه ناصع الحق بإلصاق كل تهمة ، وتلطيخ سمعة أهله بأية صورة ، ظلما ، وعدوانا ، وزورا ، وبهتانا .
------------------------------------
(5) سير أعلام النبلاء 13|119 ـ 121 ، وانظر : كلمه حول الرؤيه ـ شرف الدين ـ : 42 .

(الصفحة 10)


فهذا « هاشم بن الحكم » الذي التزم بهدي أهل البيت عليهم السلام وهو « شاب » (6) « أول ما اختطت لحيته » (7) و« غلام ، أول ما اختط عارضاه » (8) ، فتمسك بالحق الذي هم عليه ، واستضاء بنور علومهم ، وكان من أنصار الاسلام ، وحمل مشعل الحق في ذلك العصر المظلم ، المدلهم ، الموبوء بالتيارات الالحادية ، والآراء المستجدة على ساحة الفكر والعقيدة ، فكان ـ لما يتمتع به من نبوغ فائق ، وعقلية مقتدرة ـ نبراسا منيرا ، يتهافت حواليه شغب المشككين في الاسلام القويم ، وتندحر به شبه المنحرفين عن صراط أهل البيت عليهم السلام المستقيم .
ولعظمة هشام ، وسمؤ مقامه في الحق ، وعمق أتره في دحر الباطل ، وقف أعداء أهل البيت منه موقفا عدائيا صارخا ، وسعوا لتشويه سمعته ، وإبعاده عن الساحة ، وإفقاد جبهة الحق لمثل هذا العنصر النصير ، لما له من دور في الذب عن حياضه ، ورد كيد المبطلين إلى نحورهم ، لما يتمتع به من قوة على المناظرة وتفنيد شبهات المنحرفين ، والاعتراض على باطلهم بما يعجزون عن مقاومته ، ويوقفهم على صراح الحق بحيث يكلون عن تجاوزه وتخطيه .
ولقد أفرطوا في كيل التهم ، بأشكال مختلفة ، وفي مجالات عديدة ، لهذا الرجل العظيم.
وركزوا ـ بالخصوص ـ على اتهامه في « التوحيد » باعتقاد التجسيم للبارئ تعالى شأنه ، فصوروا منه « رأسا » في هذا المعتقد الباطل ، ونسبوا إليه خرافات تأباها عقول المبتدئين في العلم ، فضلا عن مثل هشام الذي « كان حاذقا في صناعة الكلام » و« فتق الكلام في الامامة ، وهذب المذهب بالنظر » (9) و« له غور في الاصول »
-------------------------------
(6) الاحتباج عل اهل اللباج : 367 وانطر : اختيار معرفة الرجال : 271 .
(7) الاحتجاج على أهل اللجاج : 365 .
(8) الفصول المختارة : 28 ، وانطر : معالم العلماء ـ لابن شهرآشوب ـ : 128 .
(9) الفهرست ـ للنديم ـ : 223 .

(الصفحة 11)


و« لا يغفل عن إلزاماته » (10) .
مع ما يظهر على تلك التهم من التناقض الواضح ، والتهافت المفضوح !
ومحور ما نقلوه عنه في هذه التهمة أنه كان يقول : إن البارئ تعالى شأنه « جسم لا كالاجسام » .
ومع أن هذه المقولة لا تدل على ما يرومون إلصاقه بهشام من الاعتقاد بالتجسيم ، فإن أكثرهم اعتمد ما قاله الخصوم في نقلهم عن هشام ، واستند إلى تلك التهم في ترويج الدعايات المضللة ضد هذا العالم العظيم .
والعجب أن نجد في المتطاولين على هشام كثيرا من المنتسبين إلى السلف والمنتمين إلى السنة ، ممن يذهب إلى إثبات الاعضاء للبارئ جل شأنه ، بعنوان أن الاعضاء « صفات خبرية » له تعالى ، مع التزامهم بإمكان رؤيته ، ومع ذلك يلهثون ، ليخدشوا كرامة هشام بهذه التهمة !
ولا يقنع الاعداء باتهام هشام ، حتى اختلقوا مذهبا وهميا باسم « الهشامية » نسبوه إليه ، وذكروا فيه كل خرافة ، وكفر ، وتناقض ، وباطل !
والاغرب أن تعويلهم في جميع ما تناقلوه ، على ما ذكره خصوم هشام فيه ، وكل واحد منهم يقصع بجرة سابقه ، حتى تكاثروا ، وألهاهم التكاثر عن رؤية الحق ودرك الحقيقة (11) .
ورأيت بعض الكتاب من المعاصرين قد استسلم لتلك الشائعات ، منصاعا لما استهدفته تلك التهم من الاغراض الفاسدة ، فنقل ما لفقه اولئك السابقون من الاكاذيب ، وعنون لفرقة باسم « الهشامية » في فرق الشيعة .
------------------------------------
(10) الملل والنحل ـ للشهرستانى|185 .
(11) إقرأ عن هذا التكاثر ، ما كتبه ألاستاذ القدير المحامى توفيق الفكيكي رحمه الله في مقال « مع الدكتور كمال . . . »
في مجله « الايمان » النجفيه ، العدد 5 ـ 6 ، السنه الاولى ، ص 8 ـ 399 .
وفي العزم أن نكتب عما جناه مؤلفو كتب المقالات والفرق في شأن هشام ، وتفنيد مزاعمهم المفتراة عليه ، وفقنا الله لانجازه ، إنه هو الموفق للخير والمعين عليه .

(الصفحة 12)


غافلا عن أن مصادرنا ـ على الاطلاق ـ خالية عن ذكر فرقة بهذا الاسم ! والخصوم والاعداء ـ على رغم تكاثرهم ـ لم يعتمدوا فيما نسبوه إلى هشام من آراء وعقائد ، وأفكار ، وأدلة ، وشواهد ، وحجج ، على مصدر شيعي أبدا ، ولو على واحد !
ولقد حز في نفسي كل هذا الحيف ! فصممت على كتابة هذا البحث ، لعلي اسهم به في إسفار الحقيقة عن وجهها ، أو أنفض عنه غبار الزمان ، وعجاج العدوان .
والله المستعان .
وكتب
السيد محمد رضا الحسيني
الجلالي
في 20|جمادى الثانية|1410 هـ

(الصفحة 13)