البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

March / 2 / 2018  |  280علاقة الحب الخطيرة بين ترامب والسعودية وأثرها في الأمن الإقليمي

وليم دي. هارتونغ - William D. Hartung مركز السياسة الدولية - Center for International Security كانون الأول 2017 - December 2017
علاقة الحب الخطيرة بين ترامب والسعودية وأثرها في الأمن الإقليمي

التحرير: يحاول الكاتب بدون أمل إقناع تاجر الأسلحة دونالد ترامب بالتوقّف عن ممارسة هذه المهنة الرابحة مع أفضل وأشرس زبون في الشرق الأوسط، هو يقرّ في النهاية بأنّها مهمّة صعبة وهي في الحقيقة تصطدم بواقع الدوروالأهداف الأميركيّة من حرب اليمن.


في هذه المرحلة ليس مفاجئاً تخلي دونالد ترامب عن التصريحات السابقة خدمةً لبعض الاندفاع الآني. ولكنّ تبدّلاً كهذا يُعدّ أكثر تطرّفاً أو نتائجه المحتملة أكثر خطورة من علاقة الحبّ المفاجئة بينه والعائلة السعوديّة الحاكمة. في النهاية، هي قد تؤدّي إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط بطرائق لا يمكن أن نشهدها في حياتنا.

إن تعاطف ترامب الجديد مع النظام السعودي بعيد كل البعد عن مواقفه السابقة، بما فيها تلك التي صدرت أثناء حملته الانتخابيّة حول تورّط السعوديّين بهجمات 11 أيلول وتذمّره من ذلك، على غرار تصريحه الأخير في نيسان بأنّ الولايات المتّحدة تخسر «كميّات هائلة من الأموال» في دفاعها عن المملكة. ولم يكن ذلك إلّا مثالاً آخر على نوع الصفقة السيّئة التي يُقدم عليها الرئيس ترامب كجزء من سياسته الخارجية «أميركا أولاً».

بناءً عليه، كان الأمر مفاجئاً بالنسبة للنقاد والسياسيين وخبراء السياسة الخارجية حين اختار الرئيس الرياض كأول محطة في رحلته الخارجيّة. وكان من الواضح أنّ المقصود بذلك الإشارة إلى الأهمية التي توليها إدارته فجأة لحاجة تعزيز التحالف الأميركي السعودي طويل الأمد.

ولأنّـها تُـدرك مـدى الغـرور الذي يتلبّس ترامب، فرشت الحكومـة السعوديـّـة السجّــادة الحمراء لرئيسنا النرجسيّ، مُزيّنةً الطرقات أميالاً بالأعلام الأميركيّة والسـعوديـّة المتناوبــة، ورفعـت الصور الكبيرة على جدران فندق ريتز ـ كارلتون حيث نزل ترامب (قبل وصوله، وفي إشارة إلى الدهاء النفسيّ لدى مُضيفيه السعوديّين، رفع الفندق صورة بعلو خمسة طوابق لترامب نفسه على واجهة المبنى مع صورة عملاقة أخرى لحاكم البلاد الملك سلمان). كما نصب مضيفوه لوحات تجمع ترامب وسلمان تحت شعار «معاً نحن ننتصر». أمّا ضدّ أيّ بلدان يُراد تحقيق النصر بالضبط فتُرك ذلك للتأويل. ولكن من غير المحتمل أن يكون السعوديّون يقصدون ألدّ أعداء ترامب، أي داعش، لأنّه نادراً ما شاركت الطائرات السعوديّة المنهمكة بالحرب على الجار اليمن بالحملة الجويّة التي تشنّها واشنطن على ذلك التنظيم. لكن على الأرجح أنّ ما يَدلّان عليه هو الخصم الإقليميّ اللدود لكليهما، إيران. 

تضمّن جدول أعمال ترامب أثناء الزيارة عقد قمّة ضدّ الإرهاب حضرها 50 زعيماً من الدول العربيّة والإسلاميّة، وحضور حفلة موسيقيّة للمغني توبي كايث وحفل استعراضيّ لهارلم غلوبتروترز. ثمّ تلت ذلك لمسات غريبة كوضع الرئيس ترامب والملك سلمان والرئيس المصريّ عبد الفتاح السيسي أيديهم على كرة مضيئة ـ صور ذلك المشهد عمّت المعمورة ـ في حفل تدشين المركز العالميّ لمكافحة الفكر المتطرّف ومشاركة ترامب الخرقاء في رقصة السيف الذكوريّة.

وممّا لا يُثير الدهشة بتاتاً أنّ الرئيس كان مسروراً بالمسرح الذي نُظم لتكريمه، قائلاً عن قمّة مكافحة الإرهاب في واحدة من رحلاته الكثيرة المتّسمة بالغلو، «لم يكن لها مثيل من قبل، وربّما لن تتكرّر أبداً».

ولكنّ هذا تصريح يجب أن لا يُصنّف غلوّاً: لم تحظ تحضيرات كهذه لزيارة رئاسيّة بهذا الحجم من الأرباح السريعة. عند وصوله إلى الوطن، تلقّف ترامب فرصة مساندة المحاولة السعوديّة الرهيبة لعزل جارتها الصغيرة وفرض الحصار عليها بعد أن أثارت السياسات القطريّة حفيظة السعوديّين مدّة طويلة. فادّعى السعوديّون أنّهم يُركزون في دور تلك البلاد المزعوم في تمويل الجماعات الإرهابية في المنطقة. ولكن على الأرجح أنّ العائلة الملكية أرادت إخضاع قطر بعد أن أخفقت في جعلها تصعد بحماسة على متن العربة المعادية لإيران التي تقودها السعوديّة.

لكنّ ترامب الذي من الواضح أنه لا يعرف شيئاً عن الموضوع قَبِل الخطوة السعوديّة بسرعة وبقيمتها الظاهريّة. وبأسلوبه الطبيعيّ، حتّى حاول تثبيت مصداقيّتها، فكتب على حسابه على موقع تويتر «خلال زيارتي الأخيرة إلى الشرق الأوسط قلت إنّه لن يكون هناك تمويل بعد الآن للأيديولوجيا المتطرّفة. وأشار الزعماء إلى قطر...فانظروا!» ووفقاً لترامب، التأثير التاريخيّ لزياراته لا يكاد يتوقّف هناك. فقد نشر مرّة أخرى على تويتر «من الجيّد رؤية السعودية مع الملك إضافة إلى 50 بلداً... ربّما تكون بداية انتهاء رعب الإرهاب».

وقد يكون بروس راديل من معهد بروكينغز أصابه من أساسه لرأسه عندما علّق قائلاً «لعب السعوديّون بدونالد ترامب كما لو أنه كَمَان. فقد شجّع عن غير قصد أسوأ غرائزهم تجاه جيرانهم». وأشارت صحيفة نيويورك تايمز إلى أثر محتمل للخطوة السعوديّة ضدّ قطر عندما أوردت «قال المحلّلون إنّ دعم ترامب العلنيّ للسعوديّة بعث الخوف في نفوس الدول الخليجيّة الأخرى، من بينها قطر والكويت، نتيجة جزعها من أنّ أيّ بلد لا ينصاع للسعوديّين أو الإمارات قد يواجه العزلة التي تعيشها قطر».

لكنّ لوزير الخارجيّة ركس تيلرسون ووزير الدفاع جايمس ماتيس في إدارة ترامب مقاربة مغايرة بشأن الخلاف السعوديّ ـ القطريّ، إدراكاً منهما بأنّ قطر تستضيف أكبر قاعدة عسكريّة أمريكيّة في المنطقة وهي نقطة انطلاق الغارات الجويّة الأميركيّة ضد داعش. وترامب نفسه أخذ موقفاً مغايراً كليّاً حين قال إنّ العراك بين حليفين أميركيّين يمكن حلّه بسهولة. وما إذا كان سيحافظ على موقفه هذا يبقى رهن الانتظار.

في الوقت الحاليّ، تصمد قطر أمام الحصار الذي فرضه التحالف بقيادة السعوديّة، بمساعدة من الأعمال التجاريّة مع إيران وتركيا والتمويل من آسيا. في الواقع، توقّع مسحٌ لعلماء اقتصاد أجراه موقع بلومبرغ نيوز أن يكون لدى قطر أسرع معدّل نموّ بين سائر الدول الخليجيّة في عام 2018. في غضون ذلك، أقدمت قطر على تمتين علاقاتها مع واشنطن والعواصم الأوروبيّة عبر شراء الطائرات الحربيّة من الولايات المتّحدة والسفن من إيطاليا.

يشير سايمون هندرسون، صحفيّ جاب المنطقة في أواخر أيلول 2017 وتحدّث إلى أفراد من طرفي النزاع، إلى أنّ المواجهة الشرسة في الخليج ليس لها حلّ في الأفق. ولا يبدو أنّ أحداً سيخرج منها مُحقّقاً نصراً واضحاً. وكما يُشير هندرسون، باستثناء اللوبيات وشركات العلاقات العامّة التي تشنّ وابلاً من الدعايـات الموالية والمعادية لقطـر في واشنطن ووســائل الإعــلام والسوق السياسيّة، الفائزون الوحيدون لغاية الآن هم جماعات اللوبي التي تجني الأموال من خلال تقديم النصح والاستراتيجيّات وإنشاء مواقع الانترنت المعارضة والمؤتمرات. ونادراً ما بدا مصطلح «بلتواي بانديتس» (شركات خاصّة تجني الأموال من تقديم الاستشارة والنصح للحكومة الأميركيّة) أكثر ملاءمة.

ما هي بالتحديد مواهب السعوديّين تجاه جيرانهم؟ الزعماء في الرياض، بقيادة ابن الملك سلمان البالغ من العمر 31 عاماً ووزير الدفاع السعودي ّووليّ العهد، يتبنّون سياسة أكثر عدائيّة من أجل الهيمنة الإقليميّة الهادفة إلى عزل إيران. ووزير الدفاع والقائد المستقبليّ المُحتمل للمملكة، الذي وُصفت سياساته بالمتهوّرة والسريعة، أكّد على الخطّ الجديد والأكثر صرامة تجاه إيران في مقابلة مع تلفزيون العربيّة السعوديّ حيث قال: «لن ننتظر لغاية أن تنشب المعركة داخل السعوديّة، بل سنعمل لأن تكون المعركة هناك في الداخل الإيرانيّ».

أتت الطلقة الافتتاحيّة في الحملة السعوديّة المعادية لإيران في آذار 2015، حينما تدخّل التحالف بقيادة السعوديّة، الذي يضمّ الدول الخليجيّة الأصغر حجماً (من بينها قطر) ومصر عسكريّاً في الوضع المضطرب في اليمن بهدف إعادة عبد ربه منصور هادي إلى سدّة الرئاسة في ذلك البلد. وكان هادي، الزعيم المؤيّد للسعوديّة، رئيساً مؤقّتاً للبلاد بناء ًعلى اتّفاق، في أعقاب الربيع العربيّ في عام 2012، أسقط الرئيس اليمنيّ المستبدّ علي عبد الله صالح. في كانون الثاني 2015، أُسقط هادي نفسه جرّاء تحالف المتمرّدين الحوثيّين وما تبقّى من قوى مؤيّدة للرئيس السابق علي عبد الله صالح.

يعتبر السعوديّون ـ المنضمّون الآن إلى ترامب وفريقه المعنيّ بالسياسة الخارجيّة ـ الصراع وسيلة عسكريّةً لدحر النفوذ الإيرانيّ والمتمرّدين ويروْن الحوثيّين خدّاماً لطهران. 

في الواقع، لطالما تعرض الحوثيون لمظالم سياسية واقتصاديّة طويلة الأمد سبقت الصراع الحالي وهم بلا شك سيقاتلون في هذه اللحظة سواء بدعم أو من دون دعم إيرانيّ. وكما أشار مؤخّراً الخبير في شؤون الشرق الأوسط طوماس جونوا في صحيفة الواشنطن بوست «دعم طهران للحوثيين محدود، ونفوذها في اليمن هامشيّ. وببساطة ليس دقيقاً الادعاء بأن الحوثيين وكلاء إيرانيون».

كان للتدخّل السعوديّ ـ الإماراتيّ في اليمن نتائج كارثيّة. فقد قُتل آلاف المدنيين في حملة قصف عشوائيّة تستهدف المستشفيات والأسواق والأحياء المدنيّة حتّى المآتم إلى حدّ دفعت عضو الكونغرس تِد ليو إلى القول «هي جرائم حرب». إضافة إلى ذلك، حملة القصف السعوديّة تحصل بموافقة من واشنطن التي تزوّد المملكة بالقنابل، من بينها القنابل العنقودية، والطائرات، كما أنّها توفّر خدمات التزوّد بالوقود جوّاً للطائرات السعوديّة لضمان تنفيذ مهامّ أطول والقدرة على ضرب مزيد من الأهداف. كما أنها توفّر المعلومات الاستخبارية لعمليات الاستهداف في اليمن.

وكان لتدمير مرافق الموانئ في البلاد وفرض حصار بحريّ أثر أكثر خراباً، ما قلّص على نحـو شديـد القدرة على مساعدة الناس في الحصول على الغذاء والدواء والحاجات الضروريّة الأخرى في بلد يعاني تفشيّاً كبيراً لمرض الكوليرا ويقف على مشارف الدخول في مجاعة واسعة الانتشار. وهذا الوضع سيسوء أكثر مع محاولة التحالف إعادة السيطرة على ميناء الحُديدة، نقطة دخول معظم المساعدة الإنسانيّة الباقية إلى اليمن. فلم تؤدّ الحرب السعوديّة المدعومة من أميركا إلى وقوع أزمة إنسانيّة وحسب، بل هي قوّت من دون قصد القاعدة في شبه الجزيرة العربيّة، التي تزيد نفوذها في اليمن في حين أنّ التحالف السعوديّ والآخر بقيادة الحوثيّين مشغولان في محاربة بعضهما بعضاً.

وكانت نتائج الحرب شديدة الخطورة إلى حدّ دفع مسؤولاً في الأمم المتّحدة لوصف الوضع في اليمن بأنّه «أسوأ أزمة إنسانية في العالم». فأكثر من 17 مليون نسمة يعانون انعدام الأمن الغذائيّ مع سبعة ملايين يعيشون خطر الموت من المجاعة. وفي كلّ عشر دقائق يموت طفل في اليمن لأسباب يمكن الوقاية منها. وهناك الآن أكثر من 540000 حالة إصابة بالكوليرا في البلاد.

واقعاً، لم يأت دعم ترامب اللامتناهي للسعوديّين في حربهم من فراغ. برغم بعض الانقسامات الداخليّة بشأن الحكمة من فعل ذلك، دعمت إدارة ترامب أيضاً الحرب السعوديّة بطريقة رئيسيّة. وكان هذا جزءاً من محاولة إعادة التأكيد للعائلة الحاكمة أنّ الولايات المتّحدة لا تزال بجانبها ولن تجنح باتّجاه إيران في أعقاب الاتّفاق الذي أخّر برنامج البلاد النوويّ.

ولم تقدم إدارة أوباما على أيّ خطوة، حتّى لو كانت محدودة، للتعبير عن اعتراضها علـى اسـتـهـداف السـعـوديـّيـن للمدنيّين في اليمن، إلّا بعد ضغط شديد من الكونغرس وتحالف السلام ومنظّمات حقوق الإنسان وجماعات المساعدة الإنسانيّة. في قــرار كانــون الأوّل 2016، علّقت الإدارة بيع قنابل موجهة بالليزر وذخائر ذكيّة إلى الجيش السعوديّ. أثارت الخطوة حفيظة السعوديّين، لكن في أفضل الأحوال كانت إجراءً عقيماً إذ استمرّ تزويد الطائرات السعوديّة بالوقود جوّاً، ولم تتأثر بقيّة صفقات الأسلحة الأميركيّة التي بلغت قيمتها 115 مليار دولار التي عقدتها إدارة أوباما مع السعوديّة.

ومن ثمّ أتى ترامب. فضاعفت إدارته جهودها في الحرب السعوديّة على اليمن من خلال رفع الحظر على صفقة القنابل، برغم اعتراضات ائتلاف من مجلس الشيوخ بقيادة كريس مورفي وراند بول وآل فرانكلن وعلى نحو غير مسبوق حصد الائتلاف 47 صوتاً ضدّ تقديم ترامب القنابل الذكيّة للرياض. في أواخر أيلول، قدّم الجمهوريّ رو خانا قراراً يرمي إلى سحب جميع القوات الأميركيّة من اليمن ما لم يكن هناك تصويت إيجابيّ للكونغرس يُشرّع وجودها هناك. لكن وزير الدفاع ماتيس دعا إلى مزيد من الدعم للتحالف بقيادة السعوديّة، بما في ذلك مساعدة إضافيّة في التخطيط ومشاركة المعلومات الاستخبارية ـ لكن مع عدم نزول قوّات أميركيّة على الأرض، لغاية هذه اللحظة. برغم أنّ فريق ترامب للسياسة الخارجيّة يرفض الاستجابة لاقتراح قدّمته الإمارات، وهي واحدة من أعضاء التحالف السعوديّ، يقضي بمهاجمة ميناء الحُديدة، ليس واضحاً ما إذا كان الرفض سيستمرّ.

إضافة إلى كلمات ترامب الطيّبة على تويتر، فإنّ الإشارة الأوضح إلى دعم إدارته دون التمييز للنظام السعوديّ تجلّت بصفقة الأسلحة التي بلغت قيمتها 110 مليارات دولار مع المملكة، مبلغ وازى جميع الصفقات التي عقدتها إدارة أوباما خلال ثماني سنوات.

ولكن كسائر الأمور الصادرة عن ترامب فإنّ مبلغ 110 مليارات دولار ثبت أنّه مبالغٌ به. فعشرات مليارات الدولارات من الصفقة كانت من ضمن الصفقة التي وعد بها أوباما، وحسب الخبراء فإنّه من غير المحتمل أن تُحقّق الوعود الحاليّة الإضافيّة البالغة قيمتها عشرات مليارات إضافيّة. لكنّها تبقى صفقة هائلة، صفقة وفقاً للبنتاغون ستتضمّن أكثر من 100000 قنبلة من النوع الذي يمكن استخدامه في حرب اليمن، في حال اختار السعوديّون فعل ذلك. من بين كلّ ما قيل، الجانب الأهمّ في الصفقة قد يكون سياسيّاً ـ طريقة ترامب في قول «صديقي الملك سلمان»، مثلما يدعون الآن، تدلّ على أنّ الولايات المتّحدة في معسكره. وواقعاً، هذا هو التطور الأكثر إثارة للقلق.

من السيّء بما فيه الكفاية أنّ إدارة أوباما سمحت لنفسها بالانجرار إلى حرب غير مدروسة وذات نتائج عكسيّة ومزعزعة للاستقرار الإقليميّ في اليمن. لكن قد يكون لدعم ترامب اللامتناهي للسياسة الخارجيّة السعوديّة تداعيات أكثر خطورة. فالسعوديّون مُصمّمون أكثر من مستشاري ترامب على تصعيد التوتّرات مع إيران. على سبيل المثال، ليس بالأمر البسيط أن يبدو ماتيس رصيناً مقارنةً بالحكام السعوديّين وهو من أكّد أنّ إيران «تشكل التهديد الوحيد الأكثر ديمومة على الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط» وكان قد دعا إلى تنفيذ هجمات عسكريّة أميركيّة على ذلك البلد خلال رئاسته للقيادة المركزيّة الأميركيّة.

لو كان هناك حتّى بصيص أمل في الوضع، فقد يكمن في مساعي ماتيس ووزير الخارجيّة تيلرسون لكبح دعم الرئيس الكامل لمواجهة سعودّية مع قطر. على سبيل المثال، يحاول تيلرسون السعي إلى التوسّط في النزاع السعوديّ القطريّ ويدعو إلى «التهدئة والحوار المدروس». على نحو مشابه، في اليوم نفسه الذي كتب فيه ترامب كلماته على تويتر داعماً السعوديّين، أصدر البنتاغون بيانـاً يمدح «التزام قطـر الدائـم بالأمن الإقليميّ». وهو أمر لا يثير الدهشة نظراً لوجود حوالى 10000 جنديّ من القوّات الأميركيّة في قاعدة العديد الجوّية في الدوحة والدور الرئيسيّ الذي تلعبه تلك القاعدة في حرب واشنطن على الإرهاب في المنطقة. فهي أكبر قاعدة أميركيّة في الشرق الأوسط ومقرّ متقدّم للقيادة المركزيّة الأميركيّة، إضافة إلى كونها منصّة أساسيّة للحرب الأميركيّة على داعش. وارتباك الإدارة في كيفيّة التعاطي مع قطر تبيّن أكثر عندما وقّع ماتيس ووزير الدفاع القطريّ خالد العطية صفقة بقيمة 12 مليار دولار لشراء 36 طائرة حربيّة من نوع بوينغ أف- 15، بعد حوالى أسبوع من وصف الرئيس ترامب لقطر بأنّها عاصمة العالم لتمويل الإرهاب.

وفي ردّ محتمل على موقف ترامب العدائيّ، يقترح ماتيس أنّه من الممكن أن يكون قد حان الوقت للسعي من أجل تسوية دبلوماسيّة للحرب في اليمن. في نيسان، قال للمراسلين إنّ «هدفنا بخصوص الحملة السعوديّة والإماراتيّة في اليمن أن يُطرح القتال المستمرّ أمام فريق تفاوضي تدعمه الأمم المتّحدة ويحاول حلّ الصراع سياسيّاً بأسرع وقت ممكن». وأكمل ماتيس ليشجب عدد المدنيّين الذين يُقتلون، قائلاً إنّه ببساطة لا بدّ من وضع حدّ للحرب هناك.

يجدر الانتظار لرؤية ما إذا كانت كلمات تيلرسون وماتيس الاسترضائيّة تشير إلى كبح محتمل في اندفاعة إدارة ترامب فيما يتعلّق برفع الزخم لما قد يكون في النهاية ضربة عسكريّة أميركيّة ضد إيران، بتحريض من أصدقاء ترامب الجيّدين في السعوديّة. وكما أشار علي فائز من مجموعة الأزمات الدوليّة، إذا ما انتهى الأمر بالولايات المتّحدة لتشنّ حرباً على إيران، فإنّ «الحربين الأفغانيّة والعراقيّة ستبدوان بمثابة نزهة في الحديقة».

واقعاً، في الفترة التي ضربت فيها الفوضى معظم أجزاء الشرق الأوسط، بقيت شبه الجزيرة العربيّة السعوديّة مستقرّة نسبيّاً، أقلّه لغاية أن صعّد التحالف بقيادة السعوديّة بشكل كبير الحرب الأهليّة في اليمن. والمسار الجديد الأكثر عدائيّة تجاه العائلة الحاكمة في قطر، واعتقال السعوديّين الذين اعتُبروا خصوماً محتملين لولي العهد محمد بن سلمان، وإجبار رئيس الوزراء اللبنانيّ سعد الحريري على الاستقالة في محاولة لتقليص نفوذ حزب الله، كلّها جزء من السعي لزيادة الضغط على إيران، وقد تسوء الأمور أكثر فأكثر وبشكل سريع.

داخليّاً، يسمح المزج بين القمع والمنافع الاجتماعيّة السخيّة كشكل من الرشوة السياسيّة الرامية إلى شراء الولاء للعائلة الملكيّة السعوديّة بتفادي مصير المستبدّين الإقليميّين الآخرين. لكن مع تدنّي أسعار النفط والحرب المُكلفة في اليمن، يُجبر النظام على تقليص الإنفاق الاجتماعيّ الذي يُساعد في إحكام قبضته على السلطة. ومن المحتمل أنّ المغامرات العسكريّة الإضافيّة، مقرونةً بردّ فعل عنيف ضدّ سياساتها القمعيّة، قد تؤدّي إلى ما يعتبره المحلّلان سارة تشايس وألكس دي وال بهشاشة قبضة النظام الحاليّ على السلطة.

إنّ اعتقال أفــراد أســاسيّين في العائلـة الملكيّة، مـن بينهم قائـد الحرس الوطنيّ السـعوديّ، يمنح محمد بن سلمان سيطرة لا محدودة على كلّ أجهزة الأمن السعوديّة في سبيل إتمام دوره الرياديّ في إصلاح اقتصاد المملكة. حاول النظام تبرير حملته القمعيّة باعتبارها خطوة من أجل اجتثاث الفساد، لكنّ معظم المحلّلين يرون أنّها محاولة عدوانيّة لتثبيت سلطة محمد بن سلمان قبل تولّيه العرش، الذي قد يحصل بين لحظة وأختها نظراً للمشاكل الصحيّة التي يعانيها والده الملك سلمان.

وإلى جانب جميع السياسات المثيرة للجدل التي يتبنّاها النظام السعوديّ الحاليّ، وثب دونالد ترامب للدفاع عنهم قائلاً على تويتر «لديّ ثقة كبيرة في الملك سلمان ووليّ عهد السعوديّة، فهما يعرفان بالضبط ماذا يفعلان...وبعض أولئك الذين يُعاملون بقساوة كانوا ينهبون بلادهم لسنوات». إنّ «المعاملة القاسية» التي أشار إليها ترامب تضمّنت حسب التقارير التعذيب والضرب.

إنّ محاولة النظام السعوديّ لإقحام نفسه أكثر في السياسة الداخليّة للبنان قد تكون الخطوة الأكثر خطراً على الإطلاق. وكان القرار السعوديّ باحتجاز رئيس الوزراء اللبنانيّ سعد الحريري وإجباره على الاستقالة الخطوة الأولى في محاولة تقليص دور حزب الله في لبنان والمنطقة. يوحي بعض المحلّلين أنّ الإجبار على الاستقالة وإجلاء المواطنين السعوديّين من لبنان هما خطوة أوّليّة في مسار يؤدّي إلى حملة جويّة إسرائيليّة ضدّ لبنان. لكن على الأقلّ هناك بعض الأصوات في إسرائيل خرجت لتقول إنّها لن تسمح للسعوديّة بأن تشعل حرباً تقف فيها الرياض على الحياد وتترك إسرائيل تواجه مخاطر الهجوم المضادّ من قبل حزب الله، الذي يُعدّ أقوى ممّا كان عليه حين قارع إسرائيل في حرب عام 2006، ويُقدّر بأن حزب الله يمتلك 120000 صاروخ قادر على إصابة أهداف داخل إسرائيل. فأيّ هجوم إسرائيليّ على لبنان لا يمكن السيطرة عليه، لكن من غير المحتمل أن يحصل وفقاً للجدول الزمنيّ الخاصّ بمحمد بن سلمان.

إذاً فكلّ تلك الخطوات تهدف في نهاية المطاف إلى تقليص نفوذ إيران في المنطقة. وكما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز «يقول الكثيرون، ومن بينهم دبلوماسيّون أميركيّون حاليّون وسابقون، إنّ وقاحة الأمير محمد بن سلمان تعكس أيضاً قناعته بأنّه يحظى بدعم الرئيس ترامب».

بعبارة أخرى، يا له من وقت مناسب كي تقدّم إدارة كلّ هذا الدعم لخطط نظام عدائيّ لكنّه هشّ قد تؤدّي سياساته المتهوّرة إلى اندلاع حرب إقليميّة.

قد يكون آن الأوان لمعارضي تصعيد الدور العسكريّ الأميركيّ في الشرق الأوسط بأن يوجّهوا حملة شرسة كبيرة ضدّ ترامب علّه يُخفّف من غروره ويُخمد هذه الحماسة لمصلحة العائلة الملكيّة السعوديّة. حملة قد لا تؤدي إلى تغيير سياساته، لكنّها على الأقلّ تلفت انتباهه.

إذا كانت الولايات المتّحدة ترغب في لعب دور بنّاء في حلّ الصراعات في الشرق الأوسط، هي بحاجة إلى أن تبدأ في ذلك من خلال وقف النشاطات التي من الواضح أنّها تزيد الأوضاع سوءاً، مثل دعم ترامب اللامتناهي للتدخّل السعوديّ في اليمن. ويجب على واشنطن أن تمتنع عن تسليم الأسلحة للرياض وتقلع عن تزويد الطائرات السعوديّة بالوقود جوّاً إلى أن يُحجم النظام عن قصف المدنيّين ويشارك بنية حسنة في محادثات السلام التي تجمع كلّ أطراف الصراع.

يجدر بالولايات المتّحدة أن تّتخذ  موقفاً  أكثر أهمّيّة من مبادرات السياسة الخارجيّة للنظام السعوديّ من أجل تفادي الانجرار إلى حرب أخرى شبيهة بحرب اليمن إضافة إلى الحفاظ على خياراتها في المنطقة. لقد ارتكبت إدارة أوباما خطأً جسيماً في توفير مزيد من الأسلحة ودعم أقوى للتدخّل السعوديّ في اليمن في سبيل إعادة التأكيد للمملكة أنّها لن تجنح صوب إيران في أعقاب الصفقة التي أخّرت برنامج إيران للأسلحة النوويّة. أما إيران فكثيرة هي الأسئلة التي يجب أن تردّ عليها، واحد منها دعمها لنظام الأسد في سوريا، لكنّها ليست مصدر كلّ الشرّ في الشرق الأوسط، واعتبارها كذلك يُشكّل معضلة أمام حلّ بعض الصراعات الأكثر تعقيداً في المنطقة.

في الحفاظ على سياسة تفادي جعل الأمور أسوأ، يجب على واشنطن أن تُبطّئ وتيرة تدفّق الأسلحة الأميركيّة إلى المنطقة، فكثير منها يستخدم لإلحاق الضرر بالمدنيّين وإشعال الصراعات. ومثال على ذلك صفقة الأسلحة التي أبرمتها إدارة أوباما مع السعوديّة خلال ولايتيه، ليصل هذا الدعم إلى ذروته مع الرئيس ترامب. ويجب أن يكون تقليص بيع الأسلحة الأميركية نقطة انطلاق المحادثات متعدّدة الأطراف بشأن تخفيف نقل الأسلحة إلى المنطقة ـ لا يمكن الانكار أنّها عمليّة صعبة لكن لا بدّ من الإقدام عليها.

---------------------------

وليم دي. هارتونغ : مدير مشروع السلاح والأمن في مركز السياسة الدولية.