البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

December / 27 / 2017  |  261البوذية المتطرفة ام الصراع الأمريكي الصيني وراء قتل وتهجير المسلمين في بورما؟

علي لفته العيساوي المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية تشرين الاول 2017
البوذية المتطرفة ام الصراع الأمريكي الصيني وراء قتل وتهجير المسلمين في بورما؟

منذ أكثر من قرنين تحت سياط الجلاد وظلم الحاكم، شعب أطفاله تذبح ورجاله تحرق ونساؤه تغتصب، شعب يصرخ ولا يسمعه أحد، شعب أُخرج من دياره بغير حق، شعب ورث العذاب جيلاً بعد جيل ، اصبحت ارضهم جحيماً لا تخبو ناره، وأنى لها أن تخبو ووقودها أجيال متتابعة من المحروقين، ومشعلوها طغاة ظالمون لا يكلون ولا يملون.. وأنى لها أن تخبو والأمة الإسلامية في جفاف لا ماء لها.. وأرضها بور لا زرع بها, سلبوا من ابنائه حتى الجنسية التي ينتمي بها الى وطنه ..ليس ذلك إلّا لقولهم لا إله الّا الله ...إنه شعب بورما المسلم.


تحد جمهورية بورما (ميانمار) من الشمال الشرقي الصين، والهند وبنغلاديش من الشمال الغربي، وتشترك حدود بورما مع كل من لاوس وتايلاند، أما حدودها الجنوبية فسواحل تطل على خليج البنغال والمحيط الهندي ويمتد ذراع من بورما نحو الجنوب الشرقي في شبه جزيرة الملايو.

يقدر عدد سكان بورما حسب تقديرات الأمم المتحدة في 2007 بـ(48,798,000) نسمة وتبلغ مساحتها 680 ألف كم2، وتقدر نسبة المسلمين فيها (15%)، ويشكل البوذيون بشتى طوائفهم الأغلبية الساحقة في هذا البلد، ويعيش أغلب المسلمين في إقليم أراكان حيث تصل نسبتهم إلى أكثر من (70%) والباقون من البوذيين (الماغ) وطوائف أخرى.

وتقع (أراكان) جنوب غرب بورما على الحدود مع بنغلاديش، وتبلغ مساحتها 20 ألف ميل مربع، ويحدها غرباً خليج البنغال الذي كان يسمى تاريخياً (بحيرة العرب) ثم غير اسمه، ويحدها شمالاً بنغلاديش على طول 171 ميلاً، ومن الشرق جبال الأراكان التي تعتبر حداً فاصلاً بين أراكان وبورما الدولة الغازية، ويصل عدد سكان أراكان إلى 4 ملايين نسمة منهم 70% مسلمون[1] .

ويطلق على سكان أراكان: (روهينغا) وهي مأخوذة من (روهانغ) وهو الاسم القديم لأراكان، وتعرف الآراكيون على الإسلام في القرن الأول من هجرة النبي- صلى الله عليه وآله- مع مجيء التجار العرب المسلمين إلى هذه البلاد، وكان لهؤلاء التجار الفضل الأكبر في نشر الإسلام.

ومنذ العام 1784 تعاني الأقلية المسلمة “الروهينغا” من الاضطهاد، إذ أعلن البوذيون الحرب عليهم ليضموا بذلك إقليم “أركان” إلى بورما.

واستمرت المعاناة إلى أن جاء الاستعمار البريطاني في عام 1824 وضمها إلى حكومة الهند البريطانية الاستعمارية لمدة مائة عام تقريباً، ثم في عام 1937 جعلت بريطانيا بورما مع أراكان مستعمرة مستقلة عن حكومة الهند البريطانية كباقي مستعمراتها في الإمبراطورية آنذاك، وعرفت بحكومة بورما البريطانية.

وبذلك عادت الأعمال الوحشية ضد المسلمين (الروهينغا) من قبل البوذيين، وأخذت أبعادا أكثر قساوة وقمعاً، ففي عام (1978) قامت السلطة البورمية بتهجير أكثر من (500.000) مسلم في أجواء قاسية جداً وعاملتهم معاملة وحشية، مما تسبب بوفاة (40.000) أغلبهم من الأطفال والنساء والشيوخ حسب إحصائية غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

واستمرت الحكومة البورمية في ممارساتها القمعية لتهجير المسلمين بطرق شتى لإخلاء البلاد منهم، ففي عام (1988) قامت بتهجير (150,000) مسلم من منازلهم وقراهم بحجة بناء قرى جديدة أكثر تطوراً، ثم قامت بإعطاء تلك المنازل والقرى للبوذيين في السلطة، وفي عام (1991) جرت انتخابات عامة في بورما شارك فيها الحزب الوطني المعارض الذي دعمه المسلمون، وقد فاز في هذه الانتخابات فوزاً ساحقاً، فقامت الحكومة البورمية بإلغاء نتائج الانتخابات وإجلاء أكثر من (500,000) ألف مسلم لأنهم دعموا الحزب الوطني المعارض.

هذا الاضطهاد لم يتوقف على مدى العقود الماضية، بل ارتفعت حدته في السنوات الماضية في ظلّ صمت دولي,والأسوأ هو رفض البلدان المجاورة لقبول المهاجرين (الروهينغا) كلاجئين فارين من نزاع عرقي، كما هو الحال في بنغلاديش.

وعلى المنوال نفسه، طردت الهند أكثر من 40 ألف لاجئ من (الروهينغا) على الرغم من تسجيلهم فى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة كلاجئين موثقين فيها، بل حثت الدول المجاورة على ترحيل لاجئي (الروهينغا) من على حدودهم بالمثل، على اعتبارهم "تهديد للأمن".

ولا يزال يعانى بعض هؤلاء اللاجئين الفارين، وبخاصة أنهم من دون جنسية وغير موثقين في سجلات اللاجئين حتى يكون لهم أي وضع قانوني مُلزم.

ولكن قبلت دول مثل باكستان عددًا كبيرًا من لاجئي (الروهينغا) ووفرت لهم مأوى وطعام بقيمة 5 ملايين دولار، كما استضافتهم كل من تايلاند وماليزيا .

وفي عام 2015 ظهرت نزعة قومية مُتطرفة ضد الأقلية المُسلمة في بورما، قادتها (لجنة حماية العِرق والدين) ويعرفها البورميون اختصارا باسم (ما با ثا) يقودها راهب بوذي،.

نجحت (ما با ثا) في حث الحكومة على صياغة وتمرير 4 قوانين معروفة بـ(قوانين حماية العِرق والدين) وهي: قانون الحد من عدد السكان مُرر في

أيار؛ وقوانين زواج النساء البوذيات وتغيير الديانة والزواج الأحادي التي مُررت في آب، القوانين الأربعة تمييزية وتنتهك الحرية الدينية، منها وضع قوانين خاصة للنساء البوذيات اللاتي تزوجن – أو يرغبن في الزواج – من رجال غير بوذيين، كما لا تؤمن هذه القوانين أي حقوق للنساء المسلمات بعد الطلاق، مثل حق حضانة الأطفال والمُمتلكات الزوجية، فضلا عن التعرض لعقوبات جنائية مُحتملة؛ وتسمح هذه القوانين للسلطات في الحد من عدد الأطفال الذين يمكن أن تُنجبهم الأسر التي تنتمي لجماعات عِرقية بعينها.

في الآونة الأخيرة، وبخاصة في 25/8/2017 شهد مسلمو بورما انتهاكات مروعة مارسها الجيش المينماري مستخدماً أبشع أنواع التعذيب من ذبح واغتصاب وقطع للرؤوس وحرق للأطفال والنساء، الأمر الذي أدّى إلى فرار أكثر من 27 ألف شخصاً بحسب ما اعلنت عنه الأمم المتحدة إلى بنغلادش مؤخراً.

ومن تبقى من المسلمين فقد اتبعت ضدهم سياسة الاستئصال عن طريق برامج إبادة الجنس وتحديد النسل فيما بين المسلمين، فالمسلمة ممنوع أن تتزوج قبل سن الـ25 أما الرجل فلا يسمح له بالزواج قبل سن الـ 30 من عمره.

  يقول عبد الله حبيب محمد إمام مسجد في إقليم أراكان: (ان المسلمين في بورما يحتاجون لكل شيء تقريباً، فلا مأوى ولا طعام ولا أمان)، وأشار إلى أن تشتت العائلة الواحدة في أكثر من مخبأ أسهم في حالة من الخوف على مصير الأبناء وخاصة الفتيات اللواتي يتعرضن للاغتصاب، ما دفع البعض منهن إلى رمي أنفسهن في البحر أثناء رحلة العودة إلى بورما بعد إرجاع حكومة بنغلاديش لقوارب الفارين من الموت.

وإليك عزيزي القارئ أهم المآسي التي تعرض لها المسلمون من السلطة الحاكمة في بورما:

1. إلغاء جنسية مسلمي الروهنغيا في أراكان بموجب قانون المواطنة والجنسية الذي وضع في عام 1982.

2. حرمان المسلمين من حرية السفر والتنقل داخل البلد وخارجه.

3.  اعتقال المسلمين وتعذيبهم في المعتقلات من دون ذنب.

4.  إجبار المسلمين على القيام بأعمال السخرة دون أجر، كتعبيد الطرق وحفر الخنادق في المناطق الجبلية البورمية.

5.  تهجير المسلمين وتشريدهم وتوطين البوذيين محلهم.

6.  مصادرة أوقاف المسلمين وأراضيهم الزراعية.

7. نهب أموال المسلمين ومنعهم من الاستيراد والتصدير أو ممارسة الأعمال التجارية.

8.  أبواب الوظائف الحكومة مسدودة أمام مسلمي أراكان والنسبة الضئيلة منهم ممن تقلدوا الوظائف في عهد الاستعمار البريطاني أُجبروا على الاستقالة من وظائفهم.

9. إقامة العقبات والعوائق أمام تعليم أبناء المسلمين في المدارس والجامعات الحكومية.

10. عدم السماح للمسلمين بالمشاركة في الندوات والمؤتمرات الإسلامية العالمية.

يذكر أن بورما هي الدولة الوحيدة في العالم التي تجرّم امتلاك شريحة جوال، إذ تحظر على الروهينغا في أراكان اقتناء جوالات ذكية تحسباً لاستخدامها في التواصل مع العالم الخارجي وتزويد وسائل الإعلام بأخبار وصور الاضطهاد الواقعة بشكل يومي، تنفيذا لسياسة فرض التكتم الإعلامي على المنطقة وعزلها كليا عن العالم الخارجي.

الدور العربي والإسلامي

كل تلك المجازر والمآسي تلاقي صمتاً عربياً واسلامياً عجيباً، إذ لا نسمع سوى استنكارات وادانات عليها صبغة الاستحياء ولا تتجاوز حدود الأعلام التي صدرت عنه، نعم يمكن في هذه السنة نرى توجهاً إعلامياً أكثر من السنوات السابقة حيث توجهت بعض الدول المتحالفة مع أمريكا الى الزخم الاعلامي حول الموضوع في هدف يمكن عدّه اعطاء دور للولايات المتحدة الأمريكية من السيطرة على ماينمار وهذا ما تسعى اليه أمريكا، ولكن مع هذا التوجّه الإعلامي لم نر اجتماعاً لمنظمة العمل الاسلامي أو جامعة الدول العربية أو طلب تدخل قوات حفظ السلام الدولية، والغريب التصريحات التي صدرت من بعض الصحف السعودية تصف هذا الشعب المضحي الذي تحمل الويلات والمجازر من أجل (كلمة لا إله الا الله) تصفهم بالمتمردين والارهابيين.

ومن هذه المواقف المشينة ما كشفت عنه صحيفة الإندبندنت البريطانية من أن السعودية التزمت الصمت طوال الفترة الأخيرة بخصوص الإبادة العرقية في ميانمار ضد الأقلية المسلمة (الروهينغا) لأسباب تتعلق بمصالحها الاقتصادية والتجارية مع شرق آسيا.

  وقالت صحيفة الإندبندنت إنه عندما هرب لاجئون من الروهينغا بسبب الاضطهاد والذبح في العقود الماضية، وجد الآلاف منهم ملجأ في المملكة العربية السعودية، لكنّها ودولاً إسلامية أخرى اكتفت ببعض المساعدات والتصريحات حيال الأزمة الحالية.

وباعتبارها أكبر مصدر للنفط في العالم، تتنافس السعودية مع روسيا لتكون أكبر مورد للنفط الخام في الصين ويتطلب توسيع نطاقها هناك مساعدة بورما، يذكر أن خط الأنابيب الذي افتتح مؤخرًا عبر بورما - المعروف باسم بورما أيضًا- يحمل النفط من الدول العربية والقوقاز إلى مقاطعة يونَّان غير الساحلية الصينية، يبدأ خط الأنابيب الذى يبلغ طوله 771 كيلومترًا من خليج البنغال في ولاية أراكان غرب بورما، إذ أجبر غالبية الروهينغا على الخروج.

وفي عام 2011 ووقعّت شركة تابعة لأرامكو السعودية العملاقة للنفط وشركة بتروتشاينا وهي ذراع لشركة نيك الصينية المملوكة للدولة؛ اتفاقًا لإمداد مقاطعة يونَّان جنوب غرب الصين بحوالي 200 ألف برميل يوميًا من النفط الخام، أي أقل بقليل من نصف قدرة خط الأنابيب.

ونقل عن بو كونغ وهو مسؤول بارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية قوله: «يمكن للمرء أن يقول إنه من غير المرجح أن تعبر السعودية عن موقفها بشأن قضية الروهينغا، لأنها تعتمد في الواقع على الحكومة البورمية لتقديم الخدمات الأمنية لخط الأنابيب، وبدأ تشغيل خط الأنابيب في نيسان الماضي بعد سنوات من التأخير.

وبيّن (دانيال واجنر) مؤسس شركة للاستشارات حول المخاطر الدولية(Country Risk Solutions) أن المملكة العربية السعودية تستمر في برنامجها الاقتصادي والسياسي في بورما وجنوب شرق آسيا، ومع ذلك لا تزال تدعي أنها تنتهج مواقف أخلاقية من خلال استقبال اللاجئين في السابق وتقديم مساعدة مالية. وقال: إن النقطة الهامة هي أن الغاز الطبيعي والنفط يتدفقان عبر ولاية أراكان[2] .

قانون الجنسية في بورما

لم يكتف البوذيون أو حكومة بورما في عمل المجازر والمآسي وصبّ نيران غضبهم على المسلمين طول عشرات السنين بل سلبت منهم حتى وطينتهم، إذ سنّت الحكومة عام 1948 قانونين كانا يكفلان الجنسية للمسلمين هناك، وبعد سنوات أشاعت الحكومة أن في القانونين مآخذ وثغرات، وقدمت في 4 /7/1981 مسودة قانون جديد صدر عام 1982، ضيق على المسلمين وقسم المواطنين كما يأتي:

 1- مواطنون من الدرجة الأولى وهم (الكارينون والشائيون والباهييون والصينيون والكامينيون).

2- مواطنون من الدرجة الثانية: وهم خليط من أجناس الدرجة الأولى.

3- مواطنون من الدرجة الثالثة: وهم المسلمون، إذ صنفوا على أنهم أجانب دخلوا بورما لاجئين أثناء الاستعمار البريطاني حسب مزاعم الحكومة فسحبت جنسيات المسلمين وصاروا بلا هوية، وحرموا من كل الأعمال وصار بإمكان الحكومة ترحيلهم متى شاءت.

ثم اقترحت الحكومة البورمية أربعة أنواع من الجنسية هي:

1- الرعوي. 2- المواطن. 3- المتجنس. 4- عديم الجنسية.

وللفئتين الأولى والثانية التمتع بالحقوق المتساوية في الشؤون السياسية والاقتصادية وإدارة شؤون الدولة.

أما الفئة الثالثة فالجنسية إنما تؤخذ بطلب يقدم للحكومة بشروط تعجيزية، أما الفئة الأخيرة (عديم الجنسية) فيحتجز في السجن لمدة ثم تحدد إقامته في (معسكرات الاعتقال) ويفرض عليهم العمل في الإنتاج، فإذا أحسنوا العمل يسمح لهم بشهادة تسجيل الأجانب على أن يعيشوا في منطقة محددة، وبهذا القانون طاردوا المسلمين وأصبحوا كاليتامى على مائدة اللئام مما عرضهم للاضطهاد والقتل والتشريد[3] .

مطالب لسحب جائزة (نوبل) من رئيسة وزراء بورما

طالما تـدّعي زعيمة ميانمار، يونغ سان سوتشي، بأنه لا يوجد أي معاملة سيئة تجاه المسلمين وأن حكومتها مستعدة لأي تدقيق دولي، ولكن في الحقيقة تمنع السلطات في هذا البلد الآسيوي أية بعثة تحقيق دولية من أداء مهامها، لمعاينة أسوأ مظاهر التطهير العرقي.

لذا طالبت مجموعة من المنظمات والشخصيات العالمية سحب جائزة "نوبل" للسلام بشكل فوري من رئيسة وزراء بورما التي تسلمتها في عام 1991م. فقد طالبت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو" سحب هذه الجائزة من سوتشي اثرعمليات القتل الجماعي التي تقوم بها حكومتها بحق مسلمي الروهينغا.

وقالت المنظمة، إن "ما تقوم به سلطات ميانمار من جرائم بشعة ضد أقلية الروهينغا المسلمة بمعرفة رئيسة وزرائها وتأييدها عمل يتناقض مع أهداف جائزة نوبل ومع القانون الدولي وحقوق الإنسان".

وعدت المنظمة أن رئيسة وزراء بورما "فقدت بذلك الأهلية للجائزة" داعية المجتمع الدولي لـ"التدخل العاجل لوقف هذه المجازر والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في بورما.

وقال الدالاي لاما (هو القائد الديني الأعلى للبوذيين التبتيين) في رسالة موجّهة إلى وزيرة خارجية بورما التي تدير شؤون الحكومة واطلعت عليها وكالة فرانس برس: أدعوكم أنت وزملاءك إلى مد اليد إلى كل مكونات المجتمع لإعادة بناء علاقات ودية بين الأهالي بروحية السلام والمصالحة، علما ان الدالاي لاما حائز ايضا على جائزة نوبل للسلام.

وقال كبير أساقفة جنوب أفريقيا ديزموند توتو كذلك في رسالةٍ وجهها إلى "شقيقته الصغرى الحبيبة" إنَّه "من غير المعقول أن يقود رمزٌ للصلاح بلداً كهذا".

توتو هو آخر فائزٍ بجائزة نوبل للسلام وبخ زميلته الحاصلة على الجائزة علناً بقوله: إذا كان صمتكِ على ما يحدث هو الثمن السياسي لصعودكِ إلى أعلى مناصب ميانمار، فإنَّه بالتأكيد فادحٌ جداً.

وكما هو الحال مع كثيرين عرفوا أونغ سان سو تشي البالغة من العمر 72 عاماً في فترة نضالها والملايين الذين أعجبوا بها، يبدو توتو محبطاً ومنزعجاً من موقفها.

ففكرها القوي وقدرتها على التعاطف واستعدادها لوضع حقوق الآخرين قبل حياتها الأسرية وحريتها، تجعل تساهلها التام في التعامل مع ما يحدث من معاناةٍ حقيقية وظلمٍ بيِّن أمراً غير مفهوم.

كما قدم نحو 386 ألف شخص عريضة إلكترونية على موقع “تشانج أورج” لجنة جائزة نوبل بسحب جائزة نوبل للسلام من زعيمة بورما بحسب موقع "يورو نيوز"، ولكن اللجنة النرويجية لجائزة نوبل أعلنت استحالة سحب جائزة نوبل للسلام من الرئيسة أونغ سان سوتشي التي حصلت عليها في عام 1991، ونشرت اللجنة على موقعها الرسمي بيانا تشرح فيه إجراءات منح الجائزة استحالة سحبها من أي كان لأي سبب بحسب القوانين التي تعمل بها.

وحين ألقت أونغ سان سو تشي خطاب فوزها بنوبل بعد عقدين من حصولها على الجائزة، أشارت إلى "المعاناة العظيمة" التي يتناولها اللاهوت البوذي.

وأسهبت في الحديث عن اثنين من أحبائها كانت تربطها بهما علاقةٌ وطيدة: أن يُفرَّق بينك وبين من تُحب، وتُجبَر على العيش بقرب من لا تُحب. فكرتُ في السجناء واللاجئين وفي العمال المهاجرين وضحايا الاتجار بالبشر، وفي هذا العدد الهائل من البشر الذين اقتُلِعوا من أرضهم وابتعدوا عن ديارهم، ليفترقوا عن عائلاتهم وأصدقائهم مجبرين على قضاء حياتهم بين الغرباء الذين لن يرحبوا بوجودهم دائماً.

وتعلق الغارديان قائلة من أجل التفكير في خطوتها التالية، ربما يجدر بسو تشي النظر في نصائحها التي قدَّمتها هي للسياسيين والمستبدين من قبل، وأن تُراجع موقفها بينما لا يزال بإمكانها احتساب نفسها ضمن مجموعةٍ صغيرة من القديسين العلمانيين المعاصرين.

أسباب المجازر الاخيرة:

الأحداث الأخيرة التي تعرض لها المسلمون في بورما يوم 25آب من القتل وقطع الرؤوس وحرق القرى وغيرها من المآسي ترجع الى أسباب ثلاثة مهمة هي :

أولاً: زعم بيان صادر عن مكتب وزيرة خارجية بورما مستشارة الدولة (رئيسة الحكومة) أونغ سان سو تشي أن «جيش تحرير روهينغا أراكان» أعلن مسؤوليته عن الهجمات عبر موقعه على شبكات التواصل الاجتماعي، وسبق أن أعلن جيش تحرير روهينغا أراكان -أو ما كانت تعرف بحركة اليقين عند تأسيسها قبل نحو عام- عن اتخاذ قرار بالتحرك للدفاع عن القرويين بعد اشتداد وطأة الحصار المفروض عليهم، وارتفاع عدد القتلى مؤخراً، وعقب الهجمات بدأت قوات جيش بورما بهدم قرى المسلمين وارتكاب «المجازر» بحق سكانها، متذرّعةً بتلك الهجمات، وأعلن مجلس الروهينغا الأوروبي مقتل ما بين (2000-3000) مسلم في هجمات جيش ميانمار بأراكان خلال ثلاثة أيام فقط، وثمة مخاوف من سقوط آلاف القتلى في إقليم أراكان، في حين فرَّ عشرات الآلاف بحثاً عن مناطق آمنة للحفاظ على حياتهم.

ثانيا : الناشط البورمي "محمد نصر" أعطى سبباً آخر لهذه الجرائم التي ترتكب قائلاً: سبب عودة المذابح التي ترتكب ضد المسلمين هو إعلان حكومة بورما الجديدة عن نيتها منح بطاقة المواطنة للمسلمين في أراكان، وهو ما عدته الجماعة البوذية (الماغ) حرباً ضدهم لأنهم ما زالوا يعدون المسلمين عرقاً دخيلاً على بورما ويصنفونهم كدخلاء.

كما أوضح أن الموقف غير حيادي بالنسبة للجيش الذي أحاط المساجد في (مانغدو) ذات الأغلبية المسلمة وفرض حظر التجوال ومحاصرة أحياء الروهينغا المسلمين حصاراً محكماً من قبل الشرطة البوذية الماغيّة.

وعلى الصعيد نفسه يقول نصر: إن مسلمي إقليم أراكان في دولة بورما يتعرضون حالياً لأبشع حملة إبادة من قبل جماعة (الماغ) البوذية المتطرفة، وأن عدد القتلى لا يمكن إحصاؤه، إذ إن الجماعات الراديكالية البوذية المناصرة لـ (الماغ) تنتشر في أماكن تواجد المسلمين في بورما بعد إعلان بعض الكهنة البوذيين الحرب المقدسة ضد المسلمين، اضافة الى ذلك أن مسلمي إقليم أراكان يتنقلون في ساعات الصباح الأولى فقط وبعدها يلجؤون إلى مخابئ لا تتوفر فيها أي من مستلزمات الحماية، خوفاً من الهجمات التي وصفها بأنها الأشد في تاريخ استهداف المسلمين في بورما، كما أوضح أن الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة لن يصلونا قبل أن نموت جميعاً فالوقت ينفد.

ثالثاً: أرجع مجموعة من الخبراء والمحللين أن ما يجري للمسلمين في بورما يحدث بسبب الصراع الأمريكي الصيني الذي أوشك أن يبلغ ذروته، وأن مسلمي بورما مرشحون لأن يكونوا حجر شطرنج جديد يقتلُ فيه الحصانُ الأمريكي الفيلَ الصيني.

فبورما -أو ما يعرف حالياً بجمهورية اتحاد ميانمار- تقع في موقع استراتيجي شديد الأهمية، فلها امتداد سهل وهام في خليج البنغال، وتحدها دول آسيوية ثلاث من أكثر دول العالم تقدماً وسرعة في النمو هي الهند والصين وتايلاند، وعلى الرغم من حالة الفقر في بورما إلا أنها تمتلك ثروات زراعية ومعدنية هائلة، فهي مُصدرة للأرز والأخشاب ومناجمها تفيض بالزنك والرصاص والفضة وأجود أنواع الياقوت الأحمر، إذ يصل انتاج الياقوت الاحمر التي تصدره بورما الى 90% من ياقوت العالم.

كما أن أمريكا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في عام 1990 لم تنعم كثيراً بنشوة تزعّم العالم منفردة، إذ نهضت الصين كقوة اقتصادية كبرى غزت أمريكا في عقر أسواقها مما يشكل تهديداً جديداً قد يؤثر على الهيمنة الاقتصادية الأمريكية للعالم، لذلك وجب حصار الصين، ولأن الحرب في جوهرها اقتصادية فإن أسلحة أمريكا وأساطيلها العسكرية إنما توجه لوضع اليد على الثروات الاقتصادية في أنحاء العالم كافة، ولقطع أي أيد أخرى تريد المشاركة في هذه الثروات.

فشل دورة الامم المتحدة في حل الأزمة:

بعد مئات السنين من القتل وقطع الرؤوس والاغتصاب وفنون التعذيب، اعترفت أخيراً هيأة الامم المتحدة بوجود تطهير عرقي لهذه الأقلية بعد تصريح كوفي عنان رئيس اللجنة التي عينتها مستشارة بورما للتحقيق في عام 2016 بعد ضغط دولي؛ إذ أعلن عنان بتاريخ 23/8/2017م: إنه يتعين على حكومة ميانمار إعادة النظر في الربط القائم بين المواطنة والعرقية، مضيفًا ان: وضع المسلمين فى إقليم راخين (أراكان) يعكس أزمة حادة في حقوق الإنسان، على خلفية عدم حصولهم على أي جنسية أو حقوق مدنية والتمييز الشديد الذى يتعرضون له.

إذ تشير بعض التقارير انه تم خلال السنوات الخمس الماضية احتجاز ما يقرب من 120 ألفًا من مسلمي الروهينغا في مخيمات النزوح، من دون منحهم حق المغادرة إلا بإذن، وحرمانهم من الحصول على الخدمات الرئيسة كالرعاية الصحية والتعليم وفق صحيفة سنغافورية.

ومع انتهاء المرحلة الأولى من التحقيق، أشارت الأمم المتحدة إلى أن ما حدث في بورما من المرجح أنه بلغ درجة "جرائم ضد الإنسانية" وربما "تطهير عرقى"، وجاء رد حكومة ميانمار بالرفض الشديد وتوعدت أعضاء بعثات الأمم المتحدة بعدم إصدار تصاريح لهم بدخول البلاد.

كما طالب عنان حكومة ميانمار بالتخلي عن "القوة المفرطة" في تعاملها مع أزمة مسلمي الروهينغا بإقليم أراكان، ومراقبة أداء قوات الأمن كأحد أساسيات حل الأزمة، وأجرت اللجنة مقابلات شخصية مع 1000 شخص على مدار 12 شهرًا، وكان من بينهم سياسيون وشريحة كبيرة من السكان البوذيين والمسلمين.

ومع أهمية التحقيق والتقرير الذي قامت به لجنة الأمم المتحدة برئاسة كوفى عنان، فقد فشلت في حل النزاع العرقى الدائر فى ميانمار، وأدى إخفاق الأمم المتحدة هذا في دورها في حل النزاعات إلى فشل دورها كوسيط دولى للدول والمجموعات المعنية.

وفي النهاية أكّد بعض الخبراء أن ملف بورما قد يخضع للمساومات من أجل وصول حلفاء الغرب فيها للحكم، فزيارة هيلاري كلتنون في عام 2012م لزعيمة المعارضة البورمية “داو اونج سان سو شيي” في منزلها والوفود الغربية رفيعة المستوى التي تحج إليها لا يمكن النظر إليه إلا من باب التدخل في ملف حقوق الإنسان في بورما بما يصب في مصلحة أمريكا والغرب وبما يخدم ملف الصراع الأمريكي الصيني على حساب دماء تلك الشعوب البائسة، وفي حال تعقد الأمور داخلياً قد يخضع ملف حقوق الإنسان في بورما للتدويل فتفرض عقوبات اقتصادية على الحكومة البورمية، وربما يتم التدخل الخارجي بنشر قوات حفظ السلام أو محاصرة الشواطئ والحدود البورمية منعاً لتدفق السلاح لأي طرف كان، والهدف ليس المسلمين بل لتطويق الصين وخنق تمددها الاقتصادي الذي أصبح يزعزع قوة الإمبراطورية الأمريكية.

وكما هو معروف فإن الصين لم تعرب عن قلقها بشأن أوضاع حقوق الإنسان في عام 2015، لكنها انتقدت بورما بشدة لإخفاقها في وقف القتال في كوكانغ الذي امتد عبر الحدود، وبخاصة الضربات الجوية التي قتلت عددا من المدنيين الصينيين.

وعلى ذات الصعيد واصلت روسيا بيع الأسلحة التقليدية إلى حكومة بورما، وهناك تقارير بشأن استمرار العلاقات العسكرية بين بورما وكوريا الشمالية، اما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان فقد دخلت في علاقات عسكرية محدودة مع بورما في 2015.

وما يؤكّد ذلك عدم حضور المستشارة "سو تشي" في الدورة السادسة والثلاثين لمفوضية الامم المتحدة لحقوق الانسان في جنيف في 11/9/2017 على خلفية أزمة الروهينغا من دون اعطاء مزيد من التفاصيل، وقال المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الانسان زيد رعد الحسين في افتتاح الدورة السادسة والثلاثين في جنيف: بما ان بورما رفضت دخول المحققين (التابعين للأمم المتحدة) المتخصصين في حقوق الانسان، لا يمكن انجاز تقييم الوضع الحالي بشكل كامل، لكن الوضع يبدو نموذجا كلاسيكيا لتطهير عرقي.

وقال المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة للاجئين جوزف تريبورا لوكالة فرانس برس: إن نحو( 313 ) ألفاً من الروهينغا وصلوا إلى بنغلاديش منذ 25 آب وقدر عدد اللاجئين بـ294 ألفاً من الروهينغا.

كما ان الشيء الغريب صمت ادارة الرئيس دونالد ترامب حول هذه الازمة التي وصفها مبعوث الامم المتحدة كوفي عنان بانها "مثال للتطهير العرقي وتوثيقها لأعمال الاغتصاب وعمليات القتل التي شملت أطفال، وممارسات ضرب بصورة وحشية واختفاء قسرى، ومع ذلك لم تفرض أي عقوبات دولية أو إلزامات على حكومة ميانمار!

----------------------------

[1] انظر : مجلة البيان رمضان 1411.

[2] نقلاً عن مقال نشر على موقع صحيفة المنار الالكترونية بعنوان : الإندبندنت: لماذا تصمت السعودية عن أزمة الروهينغا؟

[3] انظر مقال نشر على موقع (احوال المسلمين في العالم ) بعنوان : ذابح مسلمي أراكان بين الواقع والخيال.