البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

November / 7 / 2017 | عدد الزيارات : 222التشيع والإنسانية والثورة في الهند إبان القرن العشرين، الفردية والسياسة في السيرة الحسينية لعلي نقي نقوي

جاستن جونز - Justin Jones كتاب : The Shia in modern south asia

التحرير: في كتابه عن الإمام الحسين «شهيد الإنسانيّة» قدّم السيد علي نقي شخصيّة الإمام كنموذج أخلاقيّ قيميّ عابر للحدود والطوائف، ممّا جعل أتباع هذه الرؤية ينظّمون نشاطات هنديّة  للاحتفاء بالحسين كقيمة وطنيّة جامعة بين الهندوس والمسلمين. وتركت مقاربة النقوي آثارها حتّى في خطاب الثورة الإيرانيّة فيما بعد.


قراءات كربلاء المتعدّدة: الإمام الحسين والبعثة الإماميّة في الهند إبّان ثلاثينيّات القرن الماضي وأربعينيّاته

إنّ استشهاد الإمام الشيعيّ الثالث الحسين بن عليّ على أيدي جيش الخليفة الأمويّ يزيد على أرض كربلاء في عام 61 ه حادثة لا تزال حاضرة وتؤثّر في حياة العموم والمجتمعات الشيعيّة حول العالم. بما يخصّ جنوب آسيا، تكثر الأبحاث عن مُحرّم، مراسم إحياء ذكرى استشهاد الحسين وأهل بيته. وممارسة الحداد والخطب الحسينيّة تُصوّر على أنّها علامات طائفيّة جرى تمييز الشيعة من خلالها أو إنّهم عزلوا أنفسهم  بواسطتها عن الطوائف الأخرى؛ أو العكس بالعكس وربّما بشكل متناقص بعض الشيء، كجزء من ثقافة جنوب آسيويّة أوسع لمشاركة دينيّة عابرة للطوائف حيث إنّ الشيعة الهنود كانوا قادرين على إبطال وضعهم كأقليّة. لكنّ التركيز الهائل في أبحاث كهذه حول الموقع الاجتماعيّ وممارسي الشعائر في مُحرّم، كان المقصود منه أنّه أحياناً بقيت الأفكار الحقيقيّة والمعاني المشتقّة من كربلاء غامضة نسبيّاً. وكما تبيّن في عمل مايكل فيستشر بالغ الأثر حول التشيّع الإيرانيّ، لطالما طُرحت قصّة كربلاء لا كرسالة ثابتة  بل «كنموذج» - بناءٌ قابلاً للتكيّف، قادراً على استيعاب مروحة من القيم والعِبر وعرضها بالاعتماد على سياق النقل والتقبّل. فعلاً، فيما الطوائف الدينيّة المختلفة في جنوب آسيا فسّرت دائماً رسالة كربلاء بتوكيدات مختلفة، من المهمّ التذكير بأنّ قصّة استشهاد الإمام الحسين لطالما حملت قراءات متعدّدة: حتّى ضمن المذهب الشيعيّ نفسه.

هذا البحث هو محاولة للتركيز في المعاني الباطنيّة لا التعبيرات الباطنيّة لمأساة كربلاء في جنوب آسيا من خلال التركيز في ما وصفه أحد العلماء «بالحُسينيّات»: وهي تفسير مُعيّن للسمات الخاصّة بالإمام الثالث وأساس أهميّته للمؤمنين المعاصرين. والتركيز هنا هو في «الحُسينيّات» المميّزة التي باتت رائدة منذ ثلاثينيّات القرن الماضي وصاعداً، من خلال العالم الشيعيّ البارز في جنوب آسيا إبّان القرن العشرين: العالم السيد علي نقي نقوي (1905-1988؛ يُعرف شعبيّاً باسم نقن صاحب). هو من نسل عائلة اجتهاديّة في لكهنو تألّفت من أحفاد دلدار علي نصيرآبادي ويعتبره الكثيرون آخر كبار العلماء في جنوب آسيا. بعد قضاء معظم طفولته في العراق ونهل العلم على يد كثيرين من العلماء الأساسيّين المُقيمين في النجف خلال عشرينيّات القرن الماضي، بات مُجتهداً يتمتّع بنفوذ عامّ مُعتبَر في لكهنو في عام 1931. وخلال العقد التالي، أسّس منظّمة عُرفت باسم البعثة الإماميّة حيث قامت على نحو واسع بأعمال الطباعة والنشر. على شاكلة الحركات التبشيريّة المعاصرة في جنوب آسيا كجماعة التبليغ وحركة شدهي الهندوسيّة بلغة النشر الخاصّة بها داخل طائفتها وخارجها، كانت من بين الجمعيّات العامّة الشيعيّة الأكثر تأثيراً في جنوب آسيا إبّان عشرينيّات القرن الماضي وثلاثينيّاته.

بالاستفادة من شركات الطباعة واسعة النطاق التابعة للمنظّمة، أمسى علي نقي كاتباً غزير الإنتاج ما أهّله ليكون موازياً لعلماء سنّة كثيري الأبحاث مثل شبلي النعمانيّ أو أبي الحسن علي الندويّ، من خلال جمعه بين السلطة الدينيّة وإنتاجه للأدبيّات الأرديّة للجمهور العاديّ. وعلى غير عادة مجتهد كبير كهذا، ما يعكس تطلّعاته للتواصل العامّ، كتب علي نقي في الغالب باللغة الأرديّة، حقيقة عزّزت إلى حدّ كبير التقبّل العامّ وأثر كتاباته. وأدّت غزارته الواسعة في النشر، مصحوبةً بسمعته المُحترمة كخطيب في لكهنو سواءً خلال مراسم مُحرّم أو خارجها، دوراً في جعل علي نقي واحداً من الأصوات الشيعيّة الأكثر شيوعاً وتأثيراً في جنوب آسيا في عقود ما قبل الاستقلال وما بعده.

كصوت شابّ وجديد ضمن الهرميّة الدينيّة في لكهنو قبل الظهور أمام الرأي العامّ المسلم، توزّعت أعمال علي نقي على مواضيع شملت التعليم الدينيّ والفقه والتاريخ والسيرة (سيرة الأئمة والشخصيّات الدينيّة البارزة اللاحقة على حدّ سواء) والتنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة. من بين تلك المنشورات العشرات تناولت مصيبة الحسين ومن معه في كربلاء وربّما من هذا الباب بات أكثر شهرة. عموماً، اتّسمت حُسينيّات علي نقي بمزايا أساسيّة عدّة. واحدة منها استمدّت أسسها من التقاليد العربيّة الأصيلة والمصادر الأخرى، والغاية منها محاربة التغيير في رواية كربلاء وفي الوقت نفسه تلبية متطلّبات الأصالة والصحّة. وكانت الثانية عبارة عن محاولة تأكيد مصيبة الحسين وتقديمها كجزء من نموذج أخلاقيّ أشمل، مسألة يجب أن تشمل جميع الأفعال البشريّة لا مُجرّد استحضارها وحسب خلال أيّام مُحرّم. والثالثة مرتبطة بشكل وثيق بالسابقة، وهي محاولة استخدام رسالة كربلاء كوسيلة من أجل النشر الدينيّ. وهذا ينطبق على الشيعة أنفسهم لكن حتماً ينقل رواية كربلاء أيضاً إلى غير الشيعة، سواء كوسيلة للهداية إلى المعتقد أو كأساس من أجل الحوار بين المذاهب والتقاليد الدينيّة.

كلّ هذه المزايا واضحة تماماً في كتابات علي نقي الأكثر شموليّة وتأثيراً بشأن الإمام الحسين: شهيد الإنسانيّة. كانت الغاية من العمل، الذي جُمع من كثير من منشوراته وخطبه السابقة في ثلاثينيّات القرن المنصرم ويمكن اعتبارها مجموعاً واسع النطاق يُمثّل أفكاره، أن يكون سيرة شاملة وموثوقة للإمام. علاوة على ذلك، أُنتج عمداً كنصب تذكاريّ لإحياء الذكرى السنويّة الألف والثلاثمائة لمعركة كربلاء في عام 1361 هـ. بكتابة نثريّة أرديّة مقبولة ومتميّزة عن أسلوب معظم الكتابات الدينيّة اللكهنويّة، تُرجم الكتاب لاحقاً أيضاً إلى عدّة لغات ونُشر في أجزاء مختلفة في شبه القارّة. في نهاية المطاف، ربّما بات كتاب شهيد الإنسانيّة العمل الأكثر شيوعاً وتأثيراً لعلي نقي، وواحداً من الكتابات الشيعيّة الأكثر تأثيراً في جنوب آسيا إبّان القرن العشرين، كما بات مألوفاً ومقبولاً عند القرّاء في كراتشي وحيدر آباد وأحمد آباد تماماً كما هي حاله في لكهنو. ولذا هو محط تركيز أساسيّ لهذا البحث.

بالتركيز خصوصاً لا حصراً في إعادة سبك علي نقي لمأساة الإمام الحسين وكربلاء في أوائل عشرينيّات القرن الماضي، هذا البحث يُحقّق في حُسينيّات علي نقي من وجهات نظر ثلاث. الباب الأوّل الذي يعرض تعليقاً مفصّلاً على كتاب شهيد الإنسانيّة، يفحص دور كتابات السيرة في تكوين تراكيب جديدة للفرديّة والأخلاق وبالتالي في صنع شكل أكثر تركيزاً في الصعيد الزمنيّ للتشيّع المُستند إلى نموذج إزالة الغموض والكمال الأخلاقي لحالة الإنسان. ويفحص الباب الثاني المشروع السياسيّ النابع من حُسينيّات علي نقي في الهند إبّان أربعينيّات القرن العشرين، حيث إنّ رسالة الحسين استُخدمت كأساس للتظاهر الخفي ضدّ الاستعمار والتعبير عن سياسة غير محليّة متماشية بشكل وثيق مع لغة القوميّة الهنديّة. أمّا الباب الثالث فيُقيّم بعض موروثات حُسينيّات علي نقي، إضافة إلى تقييم كتاباته الأساسيّة كنقطة ارتكاز تدور حولها أسئلة هي موضع نقاش وخلاف تتعلّق بالقيادة الدينيّة ومؤخّراً بالنفوذ الإيرانيّ على الشيعة الهنود.

شهيد من أجل الإنسانيّة: التشيّع والفرديّة في كتاب شهيد الإنسانيّة

شهد القرن التاسع عشر وما بعده تطوّر أنواع كتابات السيرة وتوسّعها في الهند، إلى جانب تنامي مجال الطباعة. ومن بين الأسباب التي أدّت إلى ذلك أنّ الكتابة عن سيرة الأشخاص باتت مُختبراً لأفكار جديدة عن الفرديّة التي طفت في القرنين التاسع عشر والعشرين وأفكار وُلدت من رحم المواجهة مع الفكر الغربيّ وتجارب مع أنواع الأدب الجديد والتمكين الجديد للأفراد وجماعات اجتماعيّة جديدة. ثانياً، أمست كتابة السيرة أداة في الإعلام التوجيهيّ مع استخدام «السير كدروس» ما يعكس مشاعر جديدة عن مسؤوليّة الفرد والواجب المفروض على جمهور القرّاء. أخيراً، أصبحت الكتابات عن السير الذاتيّة منصّات هامّة للحوار (سواء وديّاً أو عدائيّاً) بين أولئك المعتنقين لمذاهب دينيّة مختلفة. بمعنى آخر، من خلال كتابة التأمّلات عن الشخصيّات الموقّرة، استطاع العلماء من أتباع المعتقدات الدينيّة كافة التحدّث بلغات وقيم أخلاقيّة مشتركة ما من شأنه أن يسمح بتخطّي قيود الطائفيّة أو النماذج المؤسّسيّة لجميع الأديان المُنظّمة.

لذا فإنّ كتاب شهيد الإنسانيّة لعلي نقي يتناسب تماماً مع هذا التقليد الأدبيّ المؤسّس وقتذاك. فعلاً، يمكن مقارنة العمل بشكل مُثمر مع غيره من السير المؤثّرة لشخصيّات أساسيّة في التاريخ الإسلاميّ وكان قد كتبها علماء بارزون في الحقبة الاستعماريّة، ومن بين تلك الكتب سيرة النبيّ والخليفة عمر لشبلي النعمانيّ. ورواية علي نقي عن الحسين تتشارك مع أعمال النعمانيّ بعدد من الميزات، من بينها اختيار اللغة الأرديّة كوسيط، واهتمام دقيق بالكتب العربيّة لاعتبارها سلطة إثباتيّة، وتركيز في الكمال الأخلاقيّ للموضوع وانجازاته عالميّاً ومدح الأهميّة المعاصرة للمثال بالنسبة إلى كلّ المؤمنين. لا شكّ في أنّ علي نقي قدّم العمل باعتباره يمتلك المستوى نفسه من السلطة لدى هذه النماذج. في مقدّمته، ادّعى علي نقي جمع عدد من التقاليد المتناثرة والمجزّأة ذات العلاقة بمأساة كربلاء. وممّا جاء في المقدّمة «إذا كان القارئ غير المُلمّ يرغب في معرفة الحقائق التاريخيّة والتداعيات والتفاصيل الضروريّة لأحداث كربلاء وشخصيّة الحسين، فليس هناك كتاب واحد يحتوي كلّ تلك المعرفة. والكتاب التالي، في الذكرى السنويّة الألف والثلاثمائة لكربلاء، قد أُلّف لتلبية هذه الحاجة». لذا فإنّه قصّة كاملة تحلّ محلّ التفسيرات الموجودة مع ادّعاء أصالته على متن أساس ثابت استناداً إلى مراجع مؤلّفة من تقاليد راسخة. كما بدا أنّه مُصمّم لإرضاء، وربّما لتجنيده، جمهور قرّاء جديد ليس أقلّه في صفاته الشبيهة بالرواية مع وصف مطوّل لشخصيّات أساسيّة وحكايا المعارك المثيرة.

ما هو الأكثر تميّزاً في السيرة التي قدّمها علي نقي؟ أوّلاً، الإمام الحسين عند علي نقي هو في الغالب شخصيّة تحدّد جوهرها ورسالتها من خلال كمال الذات ولكن بعيداً عن تصويرها بلغة روحانيّة متأثّرة بالصوفيّة التي هيمنت على أبحاث أكاديميّة كثيرة عن الذات المسلمة في جنوب آسيا، بل صوّرت بلغة أكثر معاصرة للشخصيّات. واحد من الفصول الأطول في الكتاب يتطرّق إلى السمات الشخصيّة في الحسين مع تصوير قصصي: من بين عدّة أمور نجد لديه الاستقلال وتنظيم الجماعة وعزّة النفس والصبر والشجاعة والإيثار والتعاطف البشريّ وحبّ السلم. السمة الأخيرة تحديداً هي سمة واردة باستمرار: عرفنا طَوال الوقت «تفانيه في السلام» و«عدم رغبته في الحرب». أهميّة الحسين لا تأتي من انتصاراته العسكريّة، التي لطالما عُرفت استحالتها مقابل جيش يزيد، لكن من خلال استشهاده والتضحية بالنفس، أمر سعى إليه بعلم مُسبق ومعرفة بالمصير.

هذه الخطوة لدراسة أهميّة الحسين كما هي مُستمدّة من صفاته الشخصيّة وقوّة شخصيّته لا من خلال دستوره الإلهيّ، تبدو أنّها تعكس اتّجاهاً أوسع لدى الإصلاحيّين المسلمين من أواخر القرن التاسع عشر كجزء من خطوة باتجاه أشكال الإسلام الدنيويّ الأكثر تركيزاً زمنيّاً، ما تطلّب عملاً صحيحاً من جانب المؤمنين. في هذا السياق، وُضعت الأمثلة الأساسيّة عن السلوك البشريّ كنماذج عن الإنجاز، شخصيّات يمكن الاقتداء بها. لذا يصبح الحسين نموذجاً لكمال الذات الإنسانيّة، ومن خلال ذلك يأتي تشديد علي نقي الدائم على الصلة المعاصرة للرسالة: أهميّته لا تنحصر بإنجازاته في القرن السابع بل ترتبط «بالدروس الأخلاقيّة والحضاريّة» المُستقاة من أجل البشريّة في كربلاء. إضافةً إلى ذلك، هي رسالة للنساء تماماً كما هي للرجال.

ما يُضاعف مكانته أكثر كمثال أخلاقيّ هي الميزة الأساسيّة الأخرى التي أشار إليها علي نقي عند الحسين وتمثّلت بعدم الإشارة مطلقاً إلى أنّ الحسين شفيع أو بطل إلهيّ. كانت الطبيعة البشريّة للحسين الرسالة المهيمنة في العمل. واستندت تضحيته إلى قدرته البشريّة على تحمّل المعاناة، فيما لم يُمنح أيّ صفات روحانيّة أو قدرات تشفع له. هذه الرؤية عن الحسين طبعاً تتناقض مع جوانب كثيرة للتشيّع الشعبيّ في شماليّ الهند. ففيما التضرّع الدنيويّ للأئمة كوسطاء شُهّر به من قبل علماء كثيرين رفضوا تلك الممارسات باعتبارها إقحامات شيخيّة أو صوفيّة أو هندوسيّة، كان مألوفاً لدى المسلمين التضرّع بالأئمة وأصحابهم باعتبارهم شفعاء لرفع البلايا. كما أنّ التلميحات بقدرات الحسين الإعجازيّة أو الشفاعيّة وُجدت أيضاً في معظم مؤلّفات الشيعة في جنوب آسيا إبّان تلك الحقبة. وفي كثير من الأحيان نمّقت مؤلّفات المرثيّات الأرديّة في القرن التاسع عشر الحسين باعتباره كاريزما دنيويّة أخرى، فمُدح بأوصاف مثل «سيّد العالم» و«الملك السماويّ» و»حاكم الخلق»، وجميعها أوصاف تمحو الخطّ الفاصل بين الإنسانيّة والإلهيّة. وثّقت المنشورات المؤلّفة الأخرى جيّداً المعتقدات الشعبيّة في تدخّلات الحسين الدنيويّة على شكل معجزات أو حضوره في تماثيل قبره خلال محرّم في القرن العشرين. لكن لا شيء من هذه الألقاب أو الأفعال نجدها في عمل علي نقي. فعلاً، يبدو أنّ علي نقي ذهب أبعد من التسليمات الموثوقة الكثيرة بشهادة الحسين من خلال الامتناع عن ذكر أيّ روابط بين النواحي السماويّة والدنيويّة. مثال على ذلك يتجسّد في غياب أيّ إشارة في كتاب شهيد الإنسانيّة عن تواصل مباشر بين الحسين والله خلال تضرّعه. حتّى المرجع العالم محمد باقر المجلسيّ الذي يُعدّ لا نظير له في الحقبة الصفويّة ذكر في جمعه الموثوق للمعتقدات الشيعيّة تحت اسم بحار الأنوار في القرن السابع عشر حديث النبيّ مع الحسين قبل المعركة ليؤكّد له ميراثه السماويّ النهائيّ. ولكن يمتنع علي نقي عن أيّ إشارة خلال تغطيته للرواية وفيما يتضرّع الحسين إلى الله في عدد من المرّات عشية استشهاده (مع تصوير توسّله إلى الله في إحدى المرّات بصحبة أتباعه كدويّ النحل) فإنّه لا يلقى جواباً مسموعاً.

تصنيف مُفيد لفهم التناقض بين الدساتير القدسيّة والدنيويّة عند الحسين، وضعته ماري هيغلاند في بحث عن المفهوم المتغيّر لشخصيّة الحسين في إيران الثوريّة. تقول هيغلاند إنّ الإمام الحسين نُظر إليه تاريخيّاً «بايديولوجيّتين متناقضتين». أوّلاً، «الحسين كشفيع»، مع كون شهادته أساس منزلته كشاهد الله (معنى آخر لمصطلح الشهيد)، ما يمنحه قدرات فريدة ليكون الوسيلة بين المرء والله. هذه الرؤية ضمنت اكتتاب المعتقدات في قدرات الحسين على استجابة الدعاء وغفران الذنوب ورفع البلايا. ثانياً، «الحسين كمثال»، حيث جرى تسليط الضوء على طبيعته البشريّة وبلائه. عمليّاً، في التشيّع الإيرانيّ والهنديّ على حدّ سواء، هاتان الصورتان المتناقضتان عن الحسين وُجدتا جنباً إلى جنب بتوازن دقيق. ولكن الكتابات كتلك التي ألّفها علي نقي تعرض توجّها حاسماً نحو التصوير الثاني. فتصويره المُبسّط للحسين قد يُقارن «بالبروتستانتينيّة» الموثّقة جدّاً في الإسلام السنيّ في جنوب آسيا في الفترة المعاصرة التي سنّها إصلاحيّون أمثال أتباع الديوبنديّة أو حركة أهل الحديث، حيث إنّ رفضهم لقداسة الضرائح والأفكار حول شفاعة الأولياء وُصف بأنّه غرس لهذا التوجّه الدنيويّ الجديد. فعلاً، يمكن للمرء أن يتراءى إلى ذهنه ما إذا كان تقديم علي نقي المُبسط للحسين قد يُمثّل سابقة مبكّرة ومؤثّرة «للوهابيّة الشيعيّة» التي ظهرت في جنوب آسيا بعد عقود عدّة، وهابيّة شوّهت التركيز الشعبيّ في الصفات الإلهيّة للأئمة، ولكن طبعاً توجّهت صوب هدف مُغاير كليّاً.

إذا كان تأسيس شخصيّة الحسين كدرس أخلاقيّ للبشريّة واحداً من الأهداف الأساسيّة لنصّ علي نقي، عندها يكون هذا الترويج للحسين كمثال لكلّ البشريّة استلزم أكثر الابتعاد عن الوسط الاجتماعيّ الأرستقراطيّ الحصريّ في لكهنو حيث كان للتشيّع عادةً وجود في اوده، لطالما كان التشيّع مرتبطاً إلى حدّ كبير بالطبقة العليا المالكة للأراضي الريفيّة وطبقة النبلاء اللكهنوية، معظمهم يدّعي أنّه يتحدّر مباشرة من سلالة الأئمة ولذلك يُطلق عليهم اسم السادة. كانت الأدوار الرائدة لهؤلاء السادة في كثير من التجليّات الثقافيّة لمأساة كربلاء، بدءاً من رعايتهم لأعمال مُحرّم ووصولاً إلى أسلوب المجاملة لكثير من تجمّعات تلاوة المجالس، تعكس حتّى إنّها تعزز مكانتهم المستمرّة كزعماء اجتماعيّين ودينيّين في المذهب الشيعيّ. لكنّ القليل من هذه الحصريّة الاجتماعيّة أو تفضيل السادة ظهر في كتاب علي نقي. والمثال المفيد خصوصاً في هذا المضمار فصل يناقش جذور كمال الحسين: وفقاً لعلي نقي فإنّ الشخصيّة البشريّة الجيّدة مردّها لعناصر ثلاثة: «تقاليد النسل النبيل»؛ ظروف المرء وثقافته ووضعه؛ و«تجاربه المتغيّرة في الحياة». وفي حين أنّ امتيازات أهل بيت الحسين كانت خارج نطاق السؤال، يقول علي نقي، عكست شخصيّته أيضاً «أعلى سمات الأخلاق الحميدة عند البشريّة» في حين أنّ تجارب الخصومة في حياته منحته شخصيّة تتحلّى بالقوّة والتدبّر والاستقلال». إضافةً إلى جعل الحسين نموذجاً لكلّ السلوك البشريّ، فإنّ كتابات كهذه قد تحمل في طيّاتها نقداً لتلك الجوانب من التقيد الثقافيّ الشيعيّ الحي الذي أظهر عادةً ارتباطاً بالأعراف الثقافيّة للسادة. وهي فتحت رسالة الحسين لا على السادة البارزين وحسب، بل الأهمّ من ذلك على جميع أتباعه أيضاً.

ميزة أساسيّة مهمّة وأخيرة من صفات الحسين عند علي نقي كانت محاولة تعميم رسالة الحسين خارج الشيعة أنفسهم لتكون بمتناول كلّ البشريّة. في المقدمة، مع استخدام لغة مُكرّرة طوال النصّ، هو يؤكّد أنّ «كلّ شعوب العالم، وكلّ أديانه وكلّ طوائفه» يمكن أن يتّفقوا مع «حضور الحقّ والإنصاف والحقيقة» في رسالة كربلاء. الفكرة من تأصيل قيم كهذه في استشهاد الحسين كعامل مشترك بين جميع الأديان تظهر طوال النصّ. هذا التبنّي لدروس الحسين مهمّ تحديداً لأنّه يتفادى مزيداً من التعويذات «الطائفيّة» التي أكّدت أنّ الشيعة وحدهم الأمناء والمستفيدون من إلهام الحسين لمصلحة مسكونيّة أوسع تصل إلى الطوائف الدينيّة الأخرى. وهذا يساعد طبعاً في  شرح سبب خلوّ النصّ إلى حدّ كبير من مواضيع المناظرات الظاهرة في كثير من المنشورات الشيعيّة والدينيّة الأخرى في تلك الفترة. لكنّه يتضمّن أيضاً تصريحاً جريئاً بوحدة شيعية-سنية، حيث يُشير إليها النصّ بمصطلح «المسلم» ببساطة من أجل الدلالة على كلّ من يناصر القيم الأخلاقيّة عند الحسين والدروس المُستقاة من كربلاء، وبالتالي استخدام رسالته ضمناً كقاعدة من أجل الحوار العابر للطوائف. طبعاً كانت تلك رسالة جريئة خصوصاً في لكهنو إبّان أربعينيّات القرن العشرين. فمع ادّعاء الموالي السنّة المعاصرين أنّ مدح الصحابة يجب أن يحصل في مُحرّم ودعوة بعض الشيعة المضادّة للعن الصحابة (التبرّؤ) كجزء هامّ من إحياء ذكرى استشهاد الحسين، شهد عقد ما قبل الاستقلال وصول العلاقات السنيّة-الشيعيّة إلى الدرك الأسفل في مدينة علي نقي. في هذا السياق، بدت حُسينيّات علي نقي تتناقض مع التوجّهات الأكثر طائفيّة المرتبطة بكثير من العلماء المعاصرين وبشكل أوثق ردّدت صدى جهود المفكّرين من غير العلماء في القرن العشرين (أمثال إقبال أو علي شريعتي حسبما سنرى لاحقاً) في محاولة منه لكشف الطبيعة الأكثر عموميّة واتّساعاً لرسالة الحسين، المُحرّرة من قيود الجدال الدينيّ.

جزء هامّ من هذه المحاولة لتعزيز الوحدة بين المسلمين هو توجيه النصّ مسؤوليّة قتل الحسين إلى أهواء الفرد، أي إلى خلفاء غير شرعيّين لا إلى مؤسّسة الخلافة نفسها. على سبيل المثال، في نقطة ما يُشير علي نقي إلى اعتقاد «معظم المسلمين» بمؤسّسة الخلافة، ويُميّز بين «الخلافة الراشدة بحقّ» للخلفاء الأربعة الأوائل (الخلافة الراشدة ـ لهو من المهمّ فعلاً أن يكون لدى عالم شيعيّ الرغبة في استخدام هذه الكلمات) وبين ما يُسمّى النظام الهمجيّ لمعاوية ويزيد وبعض خلفائهم، حيث اتّسم حكمهم باللا شرعيّة والانحلال وشرب الخمر. ومن دون معاقبة شرعيّة الخلافة، برغم أنّ حجّة كهذه تلمّح إلى أرضيّة مشتركة في القيم الشيعيّة والسنيّة، ومن خلال حصر الانتقاد بخلفاء ومسؤولين أفراد، ربّما يُخفّف مسؤوليّة الخلفاء الأوائل وأتباعهم عن الأفعال اللاحقة للحكّام الأمويّين.

عندها تكون صفات الحسين بنظر علي نقي في نواح كثيرة ثوريّة تماماً كالشخصيّة التي تصفها. في الواقع، بدت أنّها متوجّهة في الوقت عينه إلى أناس من مستويات مختلفة. متطلّعاً إلى ما بعد التشيّع ليشمل الأمر الإنسانيّة جمعاء، سعى علي نقي إلى تجديد رسالة الحسين وتعميمها، مُعزّزاً الوعي حول تضحية الإمام الحسين كتجسيد لمثال أخلاقيّ مشترك بين كلّ الأديان. في الوقت عينه، حمل الكتاب فعلاً انعكاسات مختلفة على المعتقد والشعيرة داخل المذهب الشيعيّ نفسه. وضمن رسالته كان عددٌ من الانتقادات الخفيّة لسمات التشيع الشعبيّ السائد في الهند، ومن بينها الاعتقاد بالشفاعة وعلم الغيب؛ الميول إلى الخلفيّات النخبويّة أو الأرستقراطيّة؛ الميول إلى الفهم الفئويّ لرسالة الحسين والنقل الجدليّ لكربلاء؛ والغموض المُتعمّد عند كثير من العلماء.

بنظر علي نقي، لم يكن هدف الحسين «شنّ حرب ماديّة لإلحاق الهزيمة بيزيد»، الأمر الذي كان مستحيلاً على الصعيد العسكريّ، بل «لإحداث ثورة روحيّة» ربّما  يكون لها ثلاثة جوانب أساسيّة. الجانب الأول دور رسالة الحسين في كشف الحقيقة والتقدير المُسبق للعدالة التاريخيّة لانهيار الخلافة الأمويّة. والجانب الثاني التبليغ عن مثال أبديّ لجميع المسلمين، وتأسيس الرسالة الحقيقيّة للإسلام. ارتباطاً بهذين الجانبين كان تأسيسه لنموذج السلوك الإنسانيّ الكامل والتقوى الأخلاقيّة: كلّ المسلمين مُلزمون بمحاكاة مواجهة الحسين للظلم بجميع أشكاله. وجعل علي نقي الحسين شخصيّة يجب تقليدها بدلاً من التوسّل بها، وينبغي لرسالته أن تُشارك بدل أن تُحرَس. ولكن في سياق ما كان سائداً في شماليّ الهند إبّان أربعينيّات القرن الماضي، فإنّ وجهة نظره بشأن الإمام الحسين كثوريّ متنوّر ومحارب للاضطهاد يمكن تبنيها بسهولة من قبل آخرين في تجليّات أكثر سياسيّة تماماً.

يوم الحسين، 1942: التشيّع والسياسة في الهند

تطبيق حالة الإمام الحسين على أشكال المقاومة السياسيّة لم يكن بالأمر الجديد في جنوب آسيا. فالأدبيّات الشيعيّة عن الاستشهاد تسلّلت إلى التحرّكات المناهضة للاستعمار في اوده منذ أمد بعيد يعود إلى عام 1857. ومنذ بداية القرن العشرين، وتحديداً في ثلاثينيّات ذلك القرن، استحضر عدد من الكتّاب والشعراء، من بينهم محمد علي محمد إقبال وجوش ماليهابادي، مأساة كربلاء مع لجوء واضح إلى العناصر الأكثر سياسيّة في جهاد الحسين كاستعارة للمعركة الوجوديّة المستمرّة بين الحقّ والباطل. بالنسبة لإيران، إعادة صوغ رسالة الإمام الحسين كتحريض على الثورة السياسيّة-في تناقض مع استخدام نموذج كربلاء في شرعنة نظام قاجار في معظم القرن التاسع عشر ـ أُشير إليها على نحو واسع في المحطّات السياسيّة الأساسيّة. ثورة التنباك (1891-1892) والثورة الدستوريّة (1905-1906) وربّما الأهمّ المعارضة الشديدة لنظام الشاه في الستينيّات والسبعينيّات، كلّها صِيغت على أنّها إعادة تمثيل لصراع الحسين ضدّ الظلم كثورة نشطة مُبرّرة ضدّ الحكام المُستبدين في أوقات معاصرة.

كما ذُكر أعلاه، كان كتاب علي نقي معنيّاً بشكل أساسيّ بتأسيس علاقة عالميّة للحسين واتّخاذ منزلته كنموذج للذات المسلمة الكاملة، واحتوى في الطريق تحريضاً صريحاً على العمل السياسيّ المباشر. فعلاً، اعتُبر علي نقي أحياناً سياسيّاً وربّما نظراً لغياب جدول أعمال الأسلمة السياسيّة عن فكره والإقرار بفكرة أنّ الهند دولة علمانيّة تعدديّة حسب ما يتبيّن من كتاباته. ولكن كان معروفاً عنه أيضاً أنّه عالم حريص على التطرّق لاهتمامات ومواضيع الوقت المعاصر ولذا حملت كتاباته في العادة دلالات سياسيّة ضمنيّة يمكن أن تُفضي إلى تطبيقات سياسيّة أكثر وضوحاً. انعكاساً لميل كثيرين من المفكّرين المسلمين في أوائل القرن العشرين إلى الاستفادة من الأفكار السياسيّة القوميّة والعابرة للحدود من خارج التقليد الإسلاميّ، بدا كتاب علي نقي «شهيد الإنسانيّة» في مراحل أساسيّة أنّه يُلمّح حسبما يبدو إلى مصطلحات وبلاغة دستوريّة وسياسيّة. على سبيل المثال، لنأخذ المقطع التالي: «دعا الإسلام إلى الحريّة والمساواة والأخوة، ولأوّل مرّة في التاريخ، قدّم للبشريّة رسالة الحقوق المدنيّة والإنسانيّة؛ ومن ذلك يمكن استخراج مقالات عن المجتمع أو القوميّة ما من شأنه أن يسمح بالتغلّب على جميع أنواع الفقر والأهوال». ويبدو أنّه لا يمكننا الحصول على تسليم عاميّ بمفردات ثوريّة فرنسيّة اتّسم بها الخطاب الليبراليّ لكثيرين من القوميّين الهنود وحسب، لكن نرى أيضاً تطبيقاً لمفاهيم الحقوق والمواطنة والقوميّة التي رُوّجت في الساحات السياسيّة الأكثر رسميّة.

حصل تطبيق سياسيّ واضح لشهيد الإنسانيّة في الهند إبّان أربعينيّات القرن المنصرم على يد جمعيّة دينيّة محليّة مرتبطة شخصيّاً بعلي نقي وعائلته اسمها أنجومان يادغار حُسينيّ. حوّلت المنظّمة، التي شاركت إبّان الثلاثينيّات في إدارة مراسم مُحرّم وإقامة المجالس في حُسينيّة عائلة علي نقي المعروفة باسم إمام بارا غفران مآب، اهتمامها في بداية الأربعينيّات إلى تعزيز ذكرى الحسين في السنويّة الألف وثلاثمائة. بعد مدّة وجيزة على الذكرى السنويّة، أسّست الجمعيّة ما عُرف باسم «لجنة يوم الحسين» بهدف تنظيم حدث عام يركز في الأهميّة المعاصرة للحسين. مُستلهمةً الإرشاد من كتاب شهيد الإنسانيّة، كان هدف المنظّمة عبور الحدود الدينيّة وتألّفت اللجنة نفسها من عدد من المهنيّين الشيعة والهندوس والسنّة، ولو كان عددهم قليلاً، وكان أغلبهم مُحامين وصحفيّين من لكهنو. بعد أن قضت الخطّة بإقامة «يوم الحسين» كحدث عامّ يدوم ثلاثة أيام في لكهنو في 16-18 آب من ذلك العام، كانت النية دعوة خطباء وسياسيّين أصحاب سمعة محليّة ووطنية لإلقاء كلمات تعكس رسالة الحسين، مع التشديد على أهميّته كأيقونة للبشريّة جمعاء.

دلّت كلّ التصريحات على أنّ المناسبة لم تكن سوى حدث ثقافي يعزّز الحوار بين الأديان، لكن برغم ذلك جميع من تقدّم للكلام كان من الشخصيّات رفيعة المستوى في الحياة السياسيّة الهنديّة. إظهاراً لمدى الإجماع السياسيّ على معنى كربلاء، كان من بين من تلقّوا الدعوات نهرو وغاندي وأبو الكلام آزاد، إضافةً إلى آخرين من المجلس الوطنيّ ومجلس المحافظات وسياسيّين من العصبة الإسلاميّة مثل محمد إسماعيل خان ولياقت علي خان (المثير للاهتمام أنّ جناح لم يحصل على دعوة) وسيكندر هيات خان من حزب الاتّحاد ورئيس المجتمع الثيوصوفيّ ومسؤولين رفيعي المستوى من الدول الأميريّة مثل بهاوالبور وحيدر آباد. كما هو مُتوقّع، هذه الشخصيّات رفيعة المستوى لم تحضر لكنّ شخصيّات عامّة شاركت في الحدث وسلطت الضوء بإخلاص على الرسالة المركزيّة للمناسبة المتمثّلة بالرمزيّة العالميّة للحسين. وذلك يمكن التماسه من الخطاب الرئاسيّ الذي ألقاه رجا مهشوار دايال سث من كوترا وهو ناشط سياسيّ ومن أبرز الأعضاء في لجنة يوم الحسين. في خطابه الرئاسيّ الافتتاحيّ، تحدّث عن «الوحدة الأساسيّة بين الديانات الكبرى في العالم»، مُستخدماً ذلك للادّعاء بأنّ العداوة الدينيّة لا يمكن تبريرها أبداً. أمّا كلمة علي نقي، التي تطرّقت مرّة أخرى إلى دور الحسين كرمز مشترك بين المسلمين والمسيحيّين والهندوس وآخرين، بدت مرّة أخرى تركّز في الرسالة المركزيّة على مساعيه الأدبيّة.

أشرفت على نشاطات يوم الحسين والتجمّعات المرتبطة به مجموعة من النشطاء غير الرسميّين الذين بدوا متأثّرين بعدد من حركات المتطوّعين المسلمين الأخرى التي ظهرت في ثلاثينيّات القرن الماضي وأربعينيّاته في شماليّ الهند، كحركة تنظيم وخاكسار ومجلس الأحرار وخدايي خدمتكار. فعلاً، حتّى إنّ زيّهم-نجمة حمراء مع زنار أبيض عليه شعار سيف الحسين-بدا جزءاً من هدف أوسع سعياً لمشاركة عابرة للأديان. فكان التخلّي عن الأزياء السوداء الشيعيّة التقليديّة لصورة الحداد ينمّ عن شجاعة علنيّة، وكان نظام الألوان هذا أكثر توافقاً مع المفاهيم السنيّة والهندوسيّة لأهميّة الحسين.

بطرائق أخرى، هذا المنتدى الجديد للاحتفاء بذكرى الحسين سمح بأشكال تجريبيّة من الحوار على قدم المساواة بين الطوائف الدينيّة. وما كان مُثيراً للاهتمام خصوصاً محاولة عدد من المتحدّثين الهندوس تصوير رسالة كربلاء بسياق هندوسيّ للمعنى. فادّعى بانديت تشاندوركار أنّ الحسين كان «نموذجاً نهائيّاً للقوّة الانسانيّة» مُقارنةً بدور المتنوّرين أمثال كرشنا أو رام أو غوتاما بودا في المعتقدات الأخرى. ولكن وفقاً للمُتحدّث، كان مُتميّزاً عن هؤلاء بأنّه لم يدّع قطّ الإلهيّة لنفسه. أمّا بانديت رام تشاران فيديارتي فقارن الإمكانيّات الشخصيّة للحسين بالنموذج المتكامل للسلوك في كتاب ضوء الحقيقة لسوامي داياناند، العمل التأسيسيّ للمنظّمة الإصلاحيّة الهندوسيّة آريا ساماجم، وكان قد نُشر لأول مرّة في عام 1875. وقال إنّ صفات الصلاح والعدل التعاطف والعمل الدنيويّ كلّها نفسها. والاختلاف الوحيد الذي وصفه داياناند أنّ هذه الصفات «المتلازمة لدارما» ادّعاء دحضه الحسين. متحدّث آخر يمثّل مؤتمر آشهوت وصف الحسين بأنّه نموذج التعاطف مع المظلوم. على ما يبدو كلّ تلك المساهمات أوجدت مساحة متوسّطة بين الحوار الدينيّ وربّما المناظرة. وقُدّمت، كبناء للوحدة بين التفاهمات الهندوسيّة والإسلاميّة. لكن في الوقت نفسه، بدت هذه المساهمات، بالرجوع إلى المواضيع المثيرة للجدل مثل الوثنيّة وحركة آريه الإصلاحيّة والنظام الطبقيّ المتحجّر، أنّها تجعل المادّة خارج الخلافات ضمن الهندوسيّة نفسها.

ميزة أخرى للجنة يوم الحسين ذات أهميّة كبرى-ميزة تجبرنا على الاعتراف بها-تمثّلت بأنّ الهيئة، برغم رغباتها المعلنة في تجاوز الطيف السياسيّ، هيمن عليها أعضاء محلّيون من المؤتمر الوطنيّ الهنديّ. وقد يعكس هذا التشابك الواضح انحيازاً سياسيّاً متكرّراً بين الشيعة الهنود الشماليّين والمؤتمر، يدور إلى حدّ كبير حول الموقف القلق للشيعة من العصبة الإسلاميّة. أضف إلى ذلك، وربّما الأكثر أهميّة، قد يعكس أيضاً التقاءً وثيقاً بين قراءة علي نقي للحسين-لا كرمز للشيعة وحدهم بل كمثال للبشريّة جمعاء-وبين التطلّعات السياسيّة الاتّحاديّة العابرة للطوائف لكثيرين من أعضاء المؤتمر. فعلاً، كانت الإشارات في الحوار العابر للطوائف في كتاب شهيد الإنسانيّة جليةً بشكل أوضح في المنتدى العامّ الذي تمثّل بيوم الحسين، حين اعتُبر الإمام الحسين بشكل واضح رمزاً ملائماً للقوميّة الوحدويّة.

وكان من باب القدر لا من باب العمد أن يكون التاريخ الذي حُدّد مُسبقاً ليوم الحسين في ذاك العام متزامناً حصوله في وسط حركة آب الهنديّة (بنودستان جهوردو تحريك)، حركة لم تشهد الاعتقال الجماعيّ لمعظم كبار القيادة الوطنيّة في الهند وحسب بل المعارضة العامّة الأكثر شمولاً ضدّ الحكومة منذ سنوات أيضاً. ولأنّ يوم الحسين لم يُجسّد في نهاية المطاف التجمّع الكبير للشخصيّات السياسيّة الوطنيّة كما كان القصد، بل مثّل حدثاً بسيطاً نسبياً جمع الشخصيّات العامّة الأقلّ شأناً فقط، أرجعت اللجنة ذلك للأحداث الخاصّة بذلك الشهر: الاضطراب السياسيّ واعتقال السياسيّين والقيود على حركة السير والأمطار الموسميّة الغزيرة. في المقابل، هذا التزامن الذي حصل ربّما من قبيل المصادفة سمح لمناسبة يوم الحسين بأن تكون لها أهميّة خاصّة لم تكن لتتميّز بها، حيث بدت منتدى سريّاً للتظاهر ضدّ الاستعمار. ومع سماح حكومة البلدية بحصول المناسبة وتسهيل حركة قوافل النقل وضمان سماح عرض الملصقات واستخدام مكبّرات الصوت، جرى الاحتفال بالذكرى. ولذا الكلمات التي استحضرت صراع الحسين ضدّ ظلم الزعماء المستبدّين وطغيانهم على لسان نشطاء المؤتمر المحليّين-تصريحات سياسيّة واضحة بكلّ ما للكلمة من معنى باستثناء الاسم-أُدلي بها في لحظة شهدت أعلى مستوى للقيود على النشاط السياسيّ الرسميّ. وحمل شعر جوش ماليهابادي المُسيّس، وإلقاء شعراء أقلّ شأناً شعراً جديداً يحثّ بتحدّ على تبديل النظام «اليزيدي» بآخر «حُسينيّ»، رسالة معاصرة واضحة بقيت برغم ذلك غير خاضعة لرقابة القيود الحكوميّة.

 ربّما لفهم التطبيقات السياسيّة المتنوّعة لنموذج الحسين في الهند إبّان أربعينيّات القرن الماضي يجب أن ننظر في إعلانات الدعم التي أُرسلت من قبل أولئك السياسيّين الوطنيّين المختلفين الذين تلقّوا الدعوات لحضور المناسبة لكنّهم لم يأتوا. كما هو مُتوقّع، شخصيّات كهذه هي في العادة من الأرفع مكانة وظلال التفسير المختلفة لأهميّة الحسين الواضحة في تصريحاتهم تعكس تناقضات الأفكار الجليّة بين السياسيّين الوطنيّين الأساسيّين في الهند. على سبيل المثال شدّد أبو الكلام آزاد على رسالة الحسين العمليّة معتبراً أنّ رسالته حضٌّ على «القتال والموت» ورفض الاستسلام «للاضطهاد والجور»، ما يعكس ربّما تجاربه الخاصّة حول أفكار الجهاد. في غضون ذلك، شدّد تفسير غاندي في المقابل على «التضحية لا السيف» عند الحسين الذي «قبل الموت والعذاب من العطش». طبعاً، تفسير كهذا أعاد سبك الاستشهاد الشيعيّ في إطار ما هو أقرب إلى الافكار الغانديّة حول النزعة السلميّة والعصيان المدنيّ وسلّط الضوء على أوجه الشبه القريبة بين الصفات الحسينيّة عند علي نقي التي شدّدت بلا نهاية على مواضيع التفاني في السلام والتضحية بالنفس ونموذج غاندي الذي عُرف بالساتياغراها (قوّة الحق). في الوقت عينه، نظر نهرو في زاوية مختلفة مبيّناً أنّ التجمّعات في إحياء ذكرى الحسين، مثل يوم الحسين إضافةً إلى شعائر مُحرّم السنية، «جمعت الناس من معتقدات مختلفة أو جمعت أناساً لا يحملون قناعات دينيّة مُعينة بناءً على رابط من الصداقة والرفقة». كلمات كتلك بدت أنّها تُلمّح إلى رؤية هند استيعابيّة عالميّة أُثيرت بعد عامين في تأمّلات السيرة الذاتيّة التي ألّفها نهرو في السجن حول ميزة الهند. تُبيّن هذه الأمثلة التناقضات المختلفة في قراءات أهميّة الحسين من قبل القوميّين الهنود الذين كانوا قادرين على صوغ رسالة الحسين بطريقة تعزّز تفسيراتهم وأساليبهم الخاصّة عن الفكر والعمل القوميّين.

برغم أنّها لم تصل إلى طموحاتها الكبيرة، أُعلن أنّ مناسبة يوم الحسين تمثّل «أُخوّة الانسانيّة» حيث اجتمع الحشود في سفيد باراداري في لكهنو لتكريم قيم الحقيقة والإخلاص والحريّة المُتمثّلة بأتباع الحسين الأصليّين على أرض كربلاء. لكنّ الحدث بحدّ ذاته، ولا سيّما تزامنه العرضيّ والمحظوظ في الوقت عينه مع خروج بندوستان جهوردو تحريك، يبقى مهمّاً لأسباب عدّة. أولاً، يعرض نشطاؤه استمراريّة تقليد موجود، وإن أُغفل عنه، في منطقة اوده مع استخدام الحسين كإلهام للتظاهرة السياسيّة، تقليد يعود إلى ثورة عام 1857. ثانياً، مع كلّ ما قيل بشأن غزل المؤتمر بلغة سياسيّة هندوسيّة لا مفرّ منها في شماليّ الهند ما بعد الاستعمار، لدينا هنا منتدى محليّ للمؤتمر يُشارك فيه الهندوس إلى جانب المسلمين الشيعة والسنّة، يتواصلون بلغة إسلاميّة صريحة حول حقّ التظاهر السياسيّ في أربعينيّات القرن العشرين. ثالثاً، وهي نقطة مرتبطة بالتي سبقتها، أنّه كان ظاهراً ربط لجنة يوم الحسين فكرة ساتياغراها السياسيّة، فكرة غاندي حول التضحية بالنفس الهادفة والمُستنيرة، بشهادة الحسين المتعمّدة والمعروفة مُسبقاً. وبالتالي، التعبير الشيعيّ الواضح عن الشهادة اختير ليكون لغة وطنيّة عند المؤتمر الوطنيّ حول التضحية بالنفس والعصيان المدنيّ. وتطبيق مصطلح الاستشهاد الشيعيّ كأداة لصنع الدولة وُثّق على نحو جيد لنقل في إيران ما بعد عام 1979، لكن هنا ربّما نرى حقّاً استخداماً مشابهاً في الهند ما قبل الاستقلال، مع دمج واضح لنموذج كربلاء بخطاب القوميّة الهنديّة وعملها في أواخر مرحلة الاستعمار.

العطش والفداء والثورة: إحياء حُسينيّات علي نقي، من الهند في أربعينيّات القرن الماضي إلى إيران في سبعينيّات القرن نفسه

في نهاية المطاف، كان كتاب علي نقي عن مصيبة كربلاء جريئاً بحيث أنّه بات مشهوراً بقدر السجالات التي أثارها، والاستخدامات المُتشعّبة التي وُضعت تماماً كرسالته الأصليّة. في هذا القسم، سنتطرّق إلى الإحياء غير المتوقّع للكتاب في عقود عدّة تلت نشره الأصليّ، مع أخذ مثلين اثنين: جنوب آسيا وإيران الثوريّة.

ما إن نُشر بات كتاب شهيد الإنسانيّة عُرضةً لدحض شديد. بالنسبة لمعارضي علي نقي، فإنّ صفات الحسين العالميّة التي أشار إليها ومحاولة التواصل مع من هم خارج الطائفة الشيعيّة تميّز بالاستخفاف، وربّما بإنكار الفظائع التي ارتكبها الخلفاء السنّة ومعاناة الحسين وأصحابه على حدّ سواء. واعتُبر أنّ هاتين الميزتين كانت الغاية منهما تمييع الرسالة المركزيّة لمحنة الحسين. ادّعاءان في الكتاب تحديداً كانا مصادفة وأصبحا محور التركيز الفوريّ لهذا النقاش الأوسع. كان الأوّل ربّما عفوه الضمنيّ عن الخلفاء السنّة الثلاثة الأوائل بعدم تورّطهم في قتل الحسين، كما ذُكر أعلاه. ثانياً، وهو التصريح الذي جذب معظم انتباه منتقديه، ادّعاؤه بأنّه في الأيّام التي سبقت معركة العاشر من مُحرّم، حين منع جيش يزيد الحسين وأهل بيته من الوصول إلى النهر، استطاع أصحاب الحسين كسر الحصار على النهر «ونجحوا في جلب الماء إلى الحسين». اعتُبر تصريح كهذا، وربّما كانت الغاية منه إظهار الولاء المُطلق لأصحاب الحسين، من قبل منتقدي علي نقي أنّه تهوين بالعمود المركزيّ لمعاناة الحسين-العطش-وأنّه مساس بعمق تضحيته.

كانت الحجّة التي طفت بشأن تصريحه درساً في الأوساط الدينيّة المنقسمة أكثر من أيّ وقت مضى في لكهنو. وأثار هذا الأمر عدد من العلماء والخطباء في لكهنو، كثيرون منهم كانوا مرتبطين بتنظيم المؤمنين، جماعة شيعيّة أدَّت دوراً رياديّاً في الحياة السياسيّة الهنديّة. ويُقال إنّ عدداً منهم نشر طعوناً بعلي نقي وجمعيّة أنجومان يادغار حُسينيّ التي ارتبط اسمه بها، في الصحف الشيعيّة مثل سارفاراز. ويبدو أنّ بعضهم اتّهم علي نقي بعدم الدقة بل بممارسة نوع من التقية أيضاً. في الوقت ذاته، كان مؤيّدو علي نقي سريعين في الردّ على خصومه عبر وصفهم بأنّهم علماء مُغرَّر بهم غير ملمّين بدينهم «ويقومون بدور يزيد» في زرع الانشقاقات داخل المجتمع الإسلاميّ. فكانت شديدة للغاية الضوضاء التي أحاطت بالكتاب بحيث إنّ راجا محمد آباد، مالك الأراضي والسياسيّ الأكثر بروزاً في شماليّ الهند، عقد في عام 1945 اجتماعاً حضرته الأطراف المتنازعة، ما سهّل إجراء ترتيب لإعادة  نشر الكتاب وإدخال التعديلات الملائمة على النصّ. لكنّ النزاع استمرّ. ولم يُمنع علي نقي من حضور اجتماع المنظّمات الشيعيّة كالمؤتمر الشيعيّ لعموم الهند وحسب، بل على مرّ العقود اللاحقة صاغ عدد من العلماء في بومباي وحيد أباد ولكهنو أيضاً تأمّلات مثقلة في العطش الشديد للحسين، في ردّ صريح على أفكار علي نقي.

بصرف النظر تماماً عن الادّعاءات التي أشعلت الخلاف بدايةً، تكشف الحلقة الكاملة أيضاً مدى صعوبة الفصل بين الخلاف في الرأي والمنافسة المطلقة على النفوذ ضمن الهرميّة الدينيّة الشيعيّة المعقّدة في لكهنو. في كثير من الأحيان يُسمع ادّعاء بأنّ النزاع دبّرته عائلات دينيّة مُعينة كردٍّ على الصعود السريع لعلي نقي الشابّ إلى منزلة المرجع الأكثر تأثيراً في العامّة في شماليّ الهند. وكان من بين هؤلاء وذا أهميّة خاصّة العالم محمد نصير، ابن وخلف إحدى الشخصيّات الشيعيّة البارزة في جنوب آسيا، ناصر حسين العبقاتي. بعد أن خلف والده كمرجع رياديّ في عائلة العبقاتي الدينيّة في عام 1942، كثيراً ما ادّعى أنّ محمد نصير صاغ الخلاف في محاولة لتعزيز ملفّه الشخصيّ الضعيف ومكانة أسرته مقابل شهرة علي نقي الممتدّة. صحيح أم لا، كانت النتيجة أنّ الرأي الدينيّ الشيعيّ في شماليّ الهند في العقود التي تلت الاستقلال وُصف بشكل غير رسميّ بأنّه منقسم بين جماعتي العبقاتي ونقي. والتزمت كلّ جماعة بأفكار العالمين الأكثر تأثيراً في لكهنو حول الحسين في أربعينيّات القرن العشرين؛ وفي المقابل، بمقاربة أكثر إقصائيّة أو مسكونيّة للعلاقات مع المسلمين السنّة على التوالي.

في حين أنّ تلك الحجج تفاقمت في الهند، إرث آخر وربّما مُفاجئ لكتاب شهيد الإنسانيّة كان له أثره الواضح مع إصدار نموذج كربلاء في إيران الثوريّة. ظهر الكتاب بسرعة في الترجمة الفارسيّة وعُمّم على نحو واسع في قمّ وطهران كما في جنوب آسيا. وسُمعت حجّة مراراً وتكراراً في لكهنو المعاصرة أنّه بسبب عودة جذور عائلة روح الله الخمينيّ إلى اوده كان الخمينيّ مكترثاً بالأفكار والتأثيرات القادمة من التشيّع اللكهنوي، كما أنّ العلاقات الوثيقة بين تفسيرات علي نقي والخمينيّ لكربلاء يُستشهد بها كدليل على التأثير غير المُعلن للأول على الثاني. فعلاً، ثمّة تشابهات مفاجئة بلا شكّ بين نظرة علي نقي للحسين وتلك العائدة للخمينيّ والبلغاء الثوريّين المرتبطين. أولاً، استحضار الخمينيّ الإمام الحسين في خطابات عدّة في سبعينيّات القرن الماضي كالذات المُستنيرة، ليس لإمكاناته الورعة بقدر ما من أجل الرسالة الدنيويّة لانتصار الفرديّة والعدل على الشكّ والشدائد. ثانياً، تركيز الخمينيّ في الحسين كثوريّ قاوم على نحو نشط الظلم والاستبداد وبالتالي هو شخصيّة يُستشهد بها في العمل الدنيويّ. ثالثاً، وربّما الأكثر مفاجأة، كانت محاولة الخمينيّ استخدام الحسين كجسر وحدويّ لبناء التقريب الشيعيّ-السنّي العابر للطوائف وبالتالي إحراز الوحدة الإسلاميّة العالميّة. فعلاً، استندت رغبة الخمينيّ المُعلنة في «تصدير» ثورة إيران إلى الأمّة العالميّة في ثمانينيّات القرن العشرين إلى حدّ ما إلى تطبيق التفسير المسكونيّ للإمام الحسين الذي حمل تشابهاً وثيقاً مع ذاك الذي استخدمه علي نقي قبل أربعين عاماً من أجل نسج الوحدة بين سكان الهند أصحاب المذاهب المختلفة.

بغضّ النظر عن صدق الدعاء بأنّ رؤية علي نقي للحسين أثّرت مباشرة بالفكر الثوريّ الإيرانيّ، يوفّر أصل وجود الادّعاء دليلاً واضحاً على كيفيّة إقناع الشيعة الهنود أنفسهم على الدوام، بعيداً عن الاتّباع الأعمى لنظرائهم في إيران والعراق، بأنّهم يُطوّرون معتقداتهم وأدبيّاتهم الدينيّة في الموقع، وأنّ لهم التأثير ذا المغزى على الفكر الدينيّ والقيادة في العالم الشيعيّ الأوسع. إضافةً إلى ذلك، هذا الربط بأثر رجعيّ داخل الهند المعاصرة بين أفكار علي نقي والأفكار الحُسينية الإيرانيّة الثوريّة قد جعل ربّما تصويره للحسين أكثر إثارة للخلاف. بالنسبة للشيعة في الهند، كما هي الحال في باكستان، أصبحت مسألة اعتبار آيات الله في إيران أو مراجع العراق أنّهم النماذج الروحيّة النهائيّة أو المرشدين السياسيّين واحدةً من النقاشات الأكثر جدلاً في العقود الأخيرة، مع تصنيف كبار علماء الدين الهنود بأنّهم على نحو واسع ومُبسّط أتباع إمّا للخمينيّ وخلفائه في قم وإمّا لأبي القاسم الخوئي وخلفائه في النجف. ويحدث ذلك بحيث إنّ بعض الأفراد اللاحقين في عائلة علي نقي الاجتهاديّة والعلماء الآخرين المرتبطين بهم هم أكثر ارتباطاً بالخمينيّ وخلفائه، ويُستشهد عادةً بالالتقاء الظاهر بين أفكار علي نقي الحُسينيّة وتلك التابعة للخمينيّ على أنّها دليل على هذا التحالف الجلي.

لذا نرى أنّ إحياء كتاب شهيد الإنسانيّة كان معقّداً ومُثيراً للجدل. في البداية، ملاحظة عديمة الأهميّة على ما يبدو مرتبطة بعطش الحسين أصبحت محطّ تركيز ادّعاءات متنافسة على السيادة في أوساط العائلة الدينيّة في لكهنو. لاحقاً، منذ ثمانينيّات القرن العشرين، بات الكتاب متورّطاً في نقاش متواز على مكانة إيران والعراق كقطبين متنافسين على القيادة الروحيّة للتشيّع العالميّ، وعلاقتهما بالهند. لكنّ العبور بين تلك الملحمتين هي مسألة متشابهة ومتشابكة تقريباً: مسألة تتعلّق بملاءمة تعميم رسالة الحسين خارج الطائفة الشيعيّة. بعضهم، كعلي نقي (كذلك الخمينيّ وعلي شريعتي ومعظم العقائديّين الثوريّين الإيرانيّين الآخرين) اتّخذ مقاربات أكثر مسكونيّة بشأن رسالة كربلاء، في سعي من أجل أرضيّة مشتركة داخل الأمّة العالميّة وخارجها استناداً إلى رؤية أخلاقيّة مشتركة للثورة المُحقّة ضدّ الاستبداد الظالم. وفضّل آخرون مساراً إقصائيّاً أكثر، حتّى طائفيّاً، لقراءة كربلاء، مع رغبة قليلة في المساس بقراءة التشيّع المتميّزة لمصائب كربلاء والاعتقاد برعاية التقليد من قبل الشيعة وحدهم. وربّما يكون عمق هذه النقاشات، لا أي ادّعاء فرديّ داخل كتاب شهيد الإنسانيّة نفسه، ما ضمن الجدل الدائم حول الكتاب.

الخاتمة: الحسين والإنسانيّة

هذا البحث قد بيّن من خلال مرونة متأصّلة وتكيّف راسخ في نموذج كربلاء أن علي نقي كان قادراً على صوغ أفكار حُسينيّة إبّان ثلاثينيّات إلى أربعينيّات القرن العشرين وهي أفكار كان لها الأثر اللا نهائيّ في جنوب آسيا وخارجها. في جوهرها كان هناك بناء جديد على فرادة الإمام الحسين التي تحيط قوّته الدنيويّة لا قواه الشفاعيّة، وكانت بمثابة رسالة للعمل المعاصر المقصود بها أنّه كان شخصيّة يمكن محاكاتها لا مُجرّد إحياء ذكراها. بالتوازي، وربّما أهم ما يمثّله هذا العمل، كانت محاولة عرض أهميّة الحسين على الإنسانيّة جمعاء ليس من أجل تحطيم الفوارق الاجتماعيّة بين الزعماء والأتباع داخل المذهب الشيعيّ نفسه كما هي الحال في شماليّ الهند وحسب، بل بهدف التواصل خارجيّاً مع المجتمعات الإسلاميّة وغير الإسلاميّة أيضاً. وسلّطت منظمة «يوم الحسين» المرتبطة بمساعي علي نقي الأدبيّة الضوء على التلميحات السياسيّة التي يمكن استخراجها من عمله حول الشهادة، التي بدت عند منعطفات تاريخيّة معيّنة بهدف إيجاد نقاط تواصل فكريّ مع حركات التظاهر السياسيّ، بما فيها أولاً ساتياغراها الغانديّة ولاحقاً الثورة الإيرانيّة.

ربّما تكون النواة الفكريّة لفهم أفكار علي نقي الحُسينيّة هي فكرته حول الإنسانيّة واستحضاره المُتكرر لذاك المفهوم. كما هو استخدام كلمة «الإنسانيّة» في اللغة الانكليزيّة ما بعد حركة التنوير الفلسفيّة، حملت كلمة الإنسانيّة في كتابات علي نقي مروحة مشابهة من المعاني والتلميحات. ونقلت في الآن نفسه نقطتين بشأن رسالة الحسين: إحساسها بالكمال الأخلاقيّ الفرديّ والتعاطف وعلاقتها العالميّة بسائر البشريّة بطريقة تجاوزت العقيدة والثقافة. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنّ الأفكار المشابهة للإنسانيّة أثارها في الوقت عينه مفكّرون إسلاميّون عبر أطياف المذاهب والسياسات. على سبيل المثال، بعد عقد أو عقدين من تجارب علي نقي يستخدم سيد قطب كلمة الإنسانيّة بمعنى مزدوج مماثل للإشارة إلى رؤية «أخلاقيّة» للإنجاز الأخلاقيّ الشخصيّ من جهة، والإحساس بأنّ الرسالة «بشريّة على الصعيد العالميّ» من جهة أخرى. في غضون ذلك، العلم الحديث بشأن الأفكار السياسيّة الإسلاميّة المعاصرة يبيّن بالتوازي أنّ عنوان «الإنسانيّة» تستخدمه مجموعة من الخطباء المعاصرين كوسيلة لتجاوز الحدود اللاهوتيّة الإسلاميّة حصراً وتعميم ادّعاءاتهم في إطار عالميّ من المعلومات وتبادل المعلومات. بالتالي، فإنّ لغة الإنسانيّة تكشف ميل علي نقي لتجربة أفكار اجتماعيّة وسياسيّة بعملة عالميّة، أفكار طبّقها في الوقت عينه مفكّرون إسلاميّون عبر الطيف بطرائق مختلفة كليّاً ومُبتكرة على حدّ سواء.

إضافةً إلى تأثيره الهائل في التشيّع جنوبيّ آسيا، حظي الكتاب بإرث من الجدل القويّ. واستُغلّ كمنصّة لنقاش السلطة الدينيّة المعاصرة بين الشيعة الهنود، بل لنقاش معاني معاناة الحسين وملاءمة نشر رواية كربلاء وتناسب الشهادة كرسالة سياسيّة وصلة النماذج الإيرانيّة بالأفكار الحسينيّة عند شيعة جنوب آسيا أيضاً. وفي حين أنّ الجمعيّات المرتبطة بنقاشات كهذه أضافت بلا أدنى شكّ إلى الجدل الحاصل بشأن الكتاب، فهي ضمنت أكثر شهرته وحفظه. فعلاً، إنّ الطعون التي ولّدها هذا الكتاب تؤكّد ببساطة واقعاً واضحاً ومستمرّاً: أنّه بغضّ النظر عن مساعي علي نقي أو أيّ من العلماء الشيعة الآخرين في القرن العشرين لتوثيق تسليم نهائيّ وموثوق بحياة الإمام الحسين، تبقى رواية كربلاء قضية تحمل معاني وتباينات متعدّدة، سواء في جنوب آسيا أو في مناطق أخرى.