البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

September / 9 / 2017 | عدد الزيارات : 147الولايات المتحدة وتركيا، على مسار التصادم في سوريا

كولن كاهل - Colin Kahl فورن بوليسي - Foreign Policy 12 أيار 2017 - May 12, 2017

التحرير: أصبحت سوريا ساحة صراع تركيّ ـ أميركيّ، عندما اختارت الإدارة الأميركيّة دعم الأكراد في عمليّة تحرير الرقة. يحاول الكاتب هنا أن يقترح على الإدارة الأميركيّة برامج عمل وإجراءآت تؤدّي في نهاية المطاف إلى طمأنة تركيا من دون خسارة الأكراد.


دخلت علاقة أميركا بتركيا فترة أزمة معقّدة. يكمن صلب القضية في دعم الولايات المتّحدة المستمرّ للأكراد السوريّين الذين يقاتلون داعش. وفي الشراكة بين الولايات المتّحدة وتحالف وحدات حماية الشعب الكرديّ (YPG)  إضافة إلى ميليشيّات عربيّة سوريّة تعرف الآن بقوات سوريا الديمقراطيّة (SDF) التي بدأت منذ أكثر من عامين خلال فترة حكم الرئيس باراك أوباما. وتستمرّ إدارة الرئيس دونالد ترامب بدعم  50.000  مقاتل من قوات سوريا الديمقراطيّة كالقوة الأكثر قدرة على مواجهة داعش في سوريا الشماليّة. قوات سوريا الديمقراطيّة تطبق الآن على الرقة، عاصمة الخلافة المعلنة لداعش، وقد وافق ترامب على خطّة لتأمين الأسلحة مباشرة لقوات سوريا الديمقراطيّة (YPG) من أجل الهجوم الأخير. ولكنّ تركيا ترى تلك القوات عدواً نتيجة لتبعيّتها لحزب العمّال الكردستانيّ، والحزب مصنف على أنّه منظّمة إرهابيّة قاتلت وما زالت بتمرّدٍ دمويّ داخل تركيا على مدى ثلاثة عقود. هذه المصالح المتضاربة وضعت واشنطن وأنقرة على مسار تصادم عندما تدخل الحملة بقيادة الولايات المتّحدة لتسحق الخلافة في مرحلة الذروة. إنّ مخاوف تركيا بشأن قوات سوريا الديمقراطيّة يمكن فهمها وهي موضع تقدير واسع. الأمر الأقلّ شيوعًا حقيقة هو أنّ أفعال تركيا، وخصوصاً مجموعة قرارات أصدرها رجب طيب آردوغان  أعاقت الجهود المشتركة بين الولايات المتّحدة وتركيا، لتأسيس قوّة حكوميّة بديلة ضدّ داعش. ممّا دفع الولايات المتّحدة والـ (YPG) لأن يتقاربا أكثر وينشأ في النهاية قوات سوريا الديمقراطيّة (SDF). ومع وجود الرقّة أمام ناظريهما، فإنّه من غير الممكن أن تتخلّى إدارة ترامب الآن عن حليفها.

في آخر أيّام إدارة أوباما، كان الرئيس أوباما يريد زيادة التدريب والمساعدة لقوات سوريا الديمقراطيّة (SDF)، بما فيها عناصر الـ (YPG) من أجل الهجمة الأخيرة على عاصمة داعش. ولكنّ العماد المتقاعد مايكل فلن (Michael Flynn) مستشار الأمن القوميّ لترامب طلب من الإدارة تأجيل الأمر بحيث يتمكّن الفريق الجديد من القيام بمراجعته الخاصّة به. نعلم الآن بأنّ فلن (Flynn) كان قد دُفع لكي يمثِّل مصالح الحكومة التركيّة قبل أن يُصبح مستشارًا للأمن القومي، مع العلم أنّه من غير الواضح ما إذا كان لذلك أيّ تأثير في القرار.

وبعد دراسة الخيارات، يبدو أنّ إدارة ترامب قد توصّلت إلى النتيجة نفسها التي توصّل إليها أوباما: إنّ قوات سوريا الديمقراطيّة (SDF) تمثّل القوة الوحيدة القادرة على الاستمرار لكي تستولي على الرقّة في أيّ وقت عمّا قريب. ولكنّ إدارة ترامب قرّرت أن تؤخِّر توفير الدعم الإضافيّ للـ (SDF) ـ ولاسيّما السلاح مباشرة للـ (YPG) ـ مدّة شهور، لإعطاء فرصة أخيرة للتحالف الأميركيّ ـ التركيّ وسياسات آردوغان الداخليّة. يبدو أنّ الأمل كان معقوداً على انتظار نتائج استفتاء تركيا في 16 نيسان، لأنّ تعزيز سلطة الرئاسة كان سيعطي آردوغان حافزًا أضعف لكي يثير العاطفة القوميّة ضدّ الخطّة الأميركيّة. في أعقاب الموافقة المحدودة على الاستفتاء الذي وطّد سلطة أردوغان، اتّخذ ترامب خطوة جدلية عندما اتّصل بأردوغان وهنّأه. على الأرجح لكي يجعل ابتلاع الحبّة المُرّة لعمليّة الرقة أسهل. كما جرت دعوة أردوغان للإجتماع بترامب في البيت الأبيض، كمنحة سياسيّة للرئيس التركيّ، في أجواء نقد دوليّ لتراجع الديمقراطيّة التركيّة.

لم ينجح الأمر، ففي 25 نيسان، قصفت الطائرات التركيّة مواقع (YPG) و (PKK) على جانبي الحدود السوريّة ـ العراقية.  لقد أدّى القصف الجويّ على مركز قيادة (YPG) في «جبل كراتشوك» في شمال شرق سوريا ـ والذي جرى على بعد أميال معدودة من منطقة عمل الجيش الأميركيّ ـ  إلى مقتل 20  من (YPG). وفي الوقت نفسه، قتلت الضربات التركيّة بالخطأ عدّة جنود من البشمركة الكرديّة في شمال غرب العراق فيما كانت تستهدف الـ (PKK) على جبل سنجار. لم يكن هناك تنسيق رسميّ مع الولايات المتحدة، وقد أعطي الجيش الأميركيّ إنذارًا حول ذلك قبل أقلّ من ساعة من العمليّة التركيّة. ومنذ ذلك اليوم، والقوات الأميركيّة تسير دوريات على الجانب السوريّ من الحدود التركيّة ـ السوريّة كقوة أمر واقع للسلام لردع الجانبين عن التصادم. وقد حذّر أردوغان من أنّ تركيا سوف تستمرّ بقصف الـ (YPG) ما لم تقلع الولايات المتّحدة عن شراكتها معهم، مع العلم بأنّ تركيا قدّمت دعماً لعرض روسيّ بإنشاء «مناطق عدم تصعيد» لتجميد النزاع في مكان آخر في سوريا. ولمّح أحد مستشاري أردوغان بأنّ القوات الأميركيّة ستتعرّض للقصف في حال الاستمرار بدعم الأكراد السوريّين. لو تابعت تركيا سياستها بتلك التهديدات، فيمكنها أن تتسبّب بحرب حدوديّة تركيّة ــ كرديّة، قد تفشِّل حظوظ نجاح حملة الرقة، وتعرض مصلحة أمنيّة قوميّة جوهريّة للولايات المتّحدة للخطر. وفي حال تسبّب خطأ عسكريّ تركيّ بمقتل قوات أميركيّة، فستؤدي ذلك بالحليفين في الناتو ـ واشنطن وأنقرة ـ إلى نزاع مباشر.

سوريا

من المحتمل أن يحثّ أردوغان ترامب على إلغاء قراره بتسليح  الـ (YPG)، وأن يبحث عن بدائل أخرى للاستيلاء على الرقة ـ وهو تحرّك يمكن أن لا يأخذ به ترامب. هل يعني ذلك أنّ حليفي الناتو سيصلان إلى شرخ لا يمكن إصلاحه؟ لا. ولكنّه يعني أنّه بين الحين والآخر ستضطرّ الإدارة لتطوير خطّة شاملة لتخفيف التوتّرات، قبل فوات الأوان.  إلى ذلك الحين تبقى الحملة ضدّ داعش، والتحالف الأميركيّ ـ التركيّ معلّق في الميزان.

بنادق شهر أيلول

يتطلّب فهم الخيارات المتاحة أمام إدارة ترامب، معرفة كيف وصلنا إلى هذه النقطة بالدرجة الأولى. فالولايات المتّحدة قد ارتكبت نصيبًا لا بأس به من الأخطاء في سوريا. ولكنّ الورطة الحاليّة هي إلى حدٍّ كبيرٍ نتيجة لخيارات  آردوغان، التي دفعت بالولايات المتّحدة لأن تتشارك مع الأكراد كقوة وحيدة قادرة على الاستمرار ضدّ داعش في شمال سوريا.

تبدأ القصّة في شهر أيلول عام 2014، عندما هاجم مسلحو داعش كوباني، بلدة حدوديّة بغالبيّة كرديّة تحت سيطرة (YPG) منذ عام 2012، دافعين أكثر من 100,000 لاجئ إلى داخل تركيا. حرّكت تركيا دباباتها إلى الحدود، لكن وبينما العالم يشاهد مسلحي داعش يستولون على المدينة، رفضت القوات التركيّة التدخّل لمصلحة القوات الكرديّة. كما أنه مُنِعَ الأكراد على الجانب التركيّ من دخول سوريا للمساعدة. كان الرسميّون الأتراك ينظرون إلى معركة كوباني على أنّها قتال بين كيانين إرهابيين، واشترط آردوغان في البدء على أنّ أيّ مساعدة تركيّة للبلدة ستكون مقابل أن تنأ ال (YPG) بنفسها عن النظام السوري، و أن تحل أقسامها الإدارية في شمال شرق وشمال غرب سوريا، إضافة إلى الالتزام بعدم تهديد الحدود التركية.

في منتصف شهر تشرين الأول من عام 2014، قرّر أوباما القيام بإنزال جوي لكي يوفر للمقاتلين الأكراد حاجات ماسّة من موادّ طبية وذخيرة. وقتها تدبّرت أنقرة وواشنطن تحضيرات تسمح لقوات البشمركة العراقيّة بالانتقال إلى داخل كوباني للمساعدة في تدعيم الـ (YPG). أمل الأتراك بأن تساهم البشمركة العراقيّة التابعة لمسعود بارازاني رئيس حكومة كردستان الإقليميّة، في إحداث توازن في وجه (YPG). في الأِشهر الثلاثة التالية، وبمساعدة الضربات الجويّة للتحالف، جرى قتل آلاف المسلحين من داعش، ونجح (YPG) أخيرًا في منع الهجوم. وبينما كانت المعركة من أجل كوباني تستعر، بدأ الرسميّون الأميركيّون والأتراك ببحث شروط التحالف بقيادة أميركيّة لكسب الوصول إلى القواعد الجويّة التركيّة، إضافة إلى مدى التعاون الأميركيّ ـ التركيّ للدفع بداعش بعيدًا عن الحدود التركيّة. صاغ المبعوث الأميركيّ الخاصّ من أجل التحالف لمكافحة داعش، الفريق أول المتقاعد جون ألن (John Allen) ونائبه برت ماجورك (Brett McGurk) عرضًا يفتح القواعد التركيّة ـ التي كانت تستعمل من قبل الولايات المتّحدة لأغراض إستخباراتيّة غير مسلّحة، وللمراقبة، وللتنصّت على الطيران (ISR) ـ لاستقبال الطائرات العسكريّة للتنصّت ولمهمّات الضربات الجويّة ضدّ داعش. وشملت الخطّة جهدًا أميركيًا ـ تركيًا مشتركًا لتحديد، وتطبيب، وتدريب، وتسليح، قوات المعارضة السوريّة المدعومة من قبل القوات الجويّة الأميركيّة والتركيّة بهدف إزالة داعش من عموم الحدود التركيّة ـ السوريّة.  وكان هناك كلام حول إدخال قوات عمليّات خاصّة كمستشارين لكي يعملوا إلى جانب هؤلاء المقاتلين.

في نهاية شهر تشرين الثاني من عام 2014، اصطحبت نائب الرئيس جو بايدن مدّة يومين من المحادثات مع رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو والرئيس آردوغان في استنبول (حيث كان آردوغان غالبًا يفضل عقد الاجتماعات). الغاية الرئيسيّة كانت تحقيق الهدف النهائيّ لعرض (ألن ـ ماجورك) (Allen-McGurk) الذي كانا قد عملا عليه فترة طويلة مع مسؤولين أتراك رفيعي المستوى. في اجتماع بايدن مع داوود أوغلو ضمن نائب الرئيس موافقة أوغلو على الخطّة المشتركة. ثمّ اجتمع بايدن مع آردوغان الذي كان لديه بوضوح أولويّات أخرى. خلال خمس ساعات تقريبًا من المحادثات، اعترف بايدن بمخاوف آردوغان بشأن دعم الولايات المتّحدة لـ (YPG) في كوباني، في الوقت الذي لحظ فيه أنّ تركيا دعمت كذلك جماعات على قدر كبير من الإشكاليّة من منظور الولايات المتّحدة بما فيهم «أحرار الشام» وهي قوة سلفيّة متشدّدة وقويّة طالما عملت عن كثب مع التابعين للقاعدة في سوريا. حثّ بايدن آردوغان لأن يضع تلك الفروقات جانبًا باحتضان عرض (ألن ـ ماجورك) (Allen-McGurk). ولمعالجة مخاوف آردوغان بشأن (YPG)، ستحدّد الولايات المتّحدة وتركيا بديلاً وهي قوة مشتركة يبحث بها ضدّ داعش. كان آردوغان منفتحًا للعرض، ولكن بشرط واحد: كان على الولايات المتّحدة أن تفرض منطقة حظر جويّ فوق الأراضي السوريّة الشماليّة بأكملها، بما فيها مدينة حلب. لم يكن هذا مطلبًا جديدًا. مدّة عامين، كان آردوغان قد دفع من أجل تأسيس منطقة آمنة في المحافظات الشماليّة في سوريا وأدلب لكي يقضي على تدفّق اللاجئين السوريّين ولكي يوفر مساحة للمتمرّدين ضدّ الأسد لكي ينتظموا ويتدرّبوا، مدعومين بمنطقة حظر للطيران ليبقي طائرات الأسد في مهاجعها. ولكن بالرغم من التهديد الحاصل عند عتبة تركيا، وحقيقة أن تركيا كانت تمتلك الجيش البريّ والقوة الجويّة الأقوى، فإنّ آردوغان كان غير مستعدّ لأن يتدخّل مباشرة. بدلاً من ذلك كان يفضّل أن تقود الولايات المتّحدة تأسيس هذه المناطق. كان أردوغان ينظر إلى حملة إدارة أوباما ضدّ داعش، إضافة إلى طلب الولايات المتّحدة الوصول إلى قاعدة تركيّة، على أنّها رافعة مفيدة لإنجاز هذا الهدف الطويل المدى. كان قرار آردوغان اللعب بطريقة عدوانيّة وبقسوة لإسقاط الأسد أولويّة متقدّمة على قتال داعش والجماعات الأخرى. فعلاً، في السنوات الأولى للحرب، أدّى التزام أنقره بتغيير النظام إلى تخفيف القيود على مرور المقاتلين المناهضين للأسد عبر الحدود إلى سوريا. حتّى في الوقت الذي انتشرت فيه داعش في شرق سوريا وتنامى تأثير القاعدة في المعارضة في الشمال ـ بما فيها جماعات كانت تعمل مع تركيا ـ بقيت الإطاحة بالأسد النقطة المركزيّة في سياسة آردوغان.

في النهاية، كان آردوغان يعتقد بأنّ التهديد الخاصّ الذي تشكلّه داعش على تركيا يمكن تدبّر أمره من خلال مقاربة عشْ ودعْ غيرك يعيش: لو تركت تركيا داعش وحدها في سوريا، فإنّ داعش لن تقوم بهجمات في تركيا. لذلك رأى آردوغان أنّ التعاون ضدّ داعش إنّما هو خدمة لواشنطن أكثر ممّا هو أمر حيويّ للأمن القوميّ التركيّ. وهكذا كان عازمًا على انتزاع امتياز بالمقابل ـ تحديدًأ، التزام من الجيش الأميركيّ أن يواجه نظام الأسد مباشرة.

ثبت أنّ ذلك الشرط تسبّب بفشل الاتّفاق. لأنّ فرض منطقة حظر طيران يعني  أن تدمّر الولايات المتّحدة الدفاعات الجويّة لسوريا وأن تسقط الطائرات السوريّة. وفي غياب نهاية واضحة للعبة عسكريّاً، أو انتداب دوليّ، أو الحصول على صلاحيّات من الداخل، فإنّ أوباما لم يكن يرغب في أن يدخل في نزاع مباشر مع نظام الأسد. أكثر من ذلك، أخبر البنتاغون الرئيس بأنّ فرض منطقة حظر طيران سيتطلّب تجهيزات تنصّت جوية هائلة لمراقبتها، ما يتناقض مع الموارد الشحيحة اللازمة للحملة ضدّ داعش وللعمليّات في أفغانستان.

نقاط تحول

في غياب الاتفاق الأميركيّ ـ التركيّ، دعم البنتاغون القوات التي كانت ترغب وهي قادرة على تحمّل مسؤوليّة داعش في الشمال وشرق سوريا: الـ (YPG) والمليشيّات العربيّة السوريّة المنضوية. بعد الإمساك بكوباني وإعادة التجمع، بدأ (YPG) وحلفاؤه العرب بالهجوم في ربيع 2015. وفي أواسط حزيران استولوا على تلّ أبيض، واحد من إثنين من أهمّ نقاط العبور في شمال سوريا (الأخرى هي جرابلس)، وتمكّنوا من السيطرة على طول الحدود التركيّة ــ السوريّة باستثناء 60 ميلاً. الاستيلاء على تلّ أبيض كان خصوصاً أمرًا عظيمًا، بسبب استعمال داعش للممرّ لتدفّق الرجال، والقادة، والموادّ، وخلطات المتفجرات مباشرة إلى جنوب الرقة، وغالبًا ما كانت تكمل طريقها إلى العراق.

في الوقت ذاته، ثبت أنّ اعتقاد آردوغان بأنّ تركيا لن تتعرّض للهجوم من قبل داعش لا أساس له من الصحّة. ففي 20 تموز من عام 2015 قتل تفجير قامت به داعش 33 شخصًا  وجرح أكثر من 100 شخص في مدينة سروج في جنوب تركيا. العديد من الضحايا كانوا أكرادًا. وبعد بضعة أيّام، قتل مسلّحو ال (PKK) رجلي شرطة، مدّعين أنّ الهجوم كان ردًا على تآمر تركيا مع داعش. وفي 22 تموز من عام 2015، وفي أعقاب مكالمة هاتفيّة بين أوباما وآردوغان، وافقت تركيا أن تفتح «إنجرلك» وقواعد تركيّة جويّة أخرى للتحالف الأميركيّ؛ وبدأت مهمّات الضربات الجويّة بعد أسابيع. لقد ساهم التهديد المتنامي لداعش في قرار أردوغان. بل أكثر من ذلك، كان خلف القرار رغبته في مراقبة التوسّع الكرديّ. لقد اتفقت واشنطن وتركيا على العمل لدعم قوات المعارضة السوريّة لتطهير الـ 60 ميلاً من الحدود التي لا يسيطر عليها الأكراد ـ  وهي مساحة تقع بين نقطتي العبور في أعزاز (شمال غرب سوريا) وجرابلس (على ضفّة نهر الفرات) معروفة بجيب منبج. ولكنّ تركيا كانت بطيئة في تحديد قوات معارضة ترغب في قتال داعش كأولويّة بدلاً من الأسد. كما تعثّر البنتاغون للسبب نفسه في برنامج «درّب وجهّز» الهادف لجمع 5000 مقاتل من المعارضة في السنّة الواحدة، وكان عليه أن يتوجّه إلى جماعات تقاتل داعش سلفًا على الأرض. ونتيجة لذلك، كان التقدّم طفيفاً برغم تكريس نصف مهمّات الضربات الجويّة والتنصّت المنطلقة من قاعدة إنجرلك في هذه الفترة من أجل عمليّات في جيب منبج.

في وجه هذه التحديات، استمرّ اعتماد الولايات المتّحدة على (YPG) بالترسّخ. في تشرين الأول من عام 2015، نشرت إدارة أوباما قوة طوارئ عسكريّة من 50 عنصراً من العمليّات الخاصّة لتحسين تدريب، وتخطيط، و دعم الأكراد السوريّين وقوات عربيّة شرق الفرات، كان قد أعيد تسميتها لتصبح «قوات سوريا الديمقراطيّة».

خلال زيارة أخرى لنائب رئيس الجمهوريّة إلى استنبول في كانون الثاني من عام 2016، أمضى بايدن ومسؤولون آخرون ساعات يمعنون النظر في خرائط العراق وسوريا مع أردوغان ومساعديه. الأولويّة على لائحة بايدن كانت إيصال رسالة الحاجة الماسة لتطهير مدينة منبج من داعش. كانت المدينة نقطة مرور رئيسيّة للمقاتلين الأجانب، وخط إمداد رئيسيّ إلى الرقة، ونقطة تجمع لمسلّحي داعش المتورّطين في التخطيط الخارجيّ. فعلاً، اعتقد المسؤولون الأميركيون بأنّ عددًا من الأفراد المتورّطين في هجمات باريس في تشرين الثاني من عام 2015 كان قد مرّ من منبج. فكان عرض الولايات المتّحدة أن تستعمل قوات سوريا الديمقراطيّة لعبور نهر الفرات والدفع غربًا إلى المدينة. ولكنّ أنقرة اعترضت لأنّها رأت في أيّ حركة من قبل قوات سوريا الديمقراطيّة إلى داخل جيب منبج خطوة نحو توحيد الكانتونات الكرديّة، وبهذا يكون هناك خطّ أحمر. عوضًا عن قوات سوريا الديمقراطية، أكد آردوغان لبايدن بأن لدى تركيا آلاف المقاتلين المعارضين الجاهزين للتحرّك شرقًا من ممرّ إعزاز ـ مارغ نحو جرابلس وبعدها الالتفاف جنوبًا إلى مدينة منبج. وافقت إدارة أوباما على أن توقف استعمال قوات سوريا الديمقراطيّة لكي تعمل مع تركيا. ولكن ما تحقّق لم يتعدّ بضع مئات من المقاتلين المدعومين من تركيا. وفي نيسان، تكونت قوة تركيّة صغيرة من التركمان، والجيش السوريّ الحرّ، والفصائل السلفيّة ـ مدعومة من قوة جويّة من التحالف ـ واندفعوا للاستيلاء على الراي (22 ميلاً شرق إعزاز) وعلى عدد من القرى الحدوديّة الأخرى متّجهين نحو جرابلس. وبعد بعض النجاح في البداية، أعادت داعش تجميع صفوفها ودحرت الجماعات المدعومة تركيًا. بالمحصّلة، خسرت العمليّة وجودها على الأرض.

مع الإخفاق التركيّ، عادت الولايات المتّحدة للبديل وهو قوات سوريا الديمقراطية. وفي نهاية شهر أيار من عام 2016، عبرت قوات سوريا الديمقراطيّة نهر الفرات واتّجهت نحو مدينة منبج. وبعد شهور من المعارك الدامية، مع سقوط آلاف الإصابات على كلا الجانبين، سقطت قلعة داعش بأيدي قوات سوريا الديمقراطيّة يوم 12 آب. وبعد أسبوعين، اكتشفت تركيا قوة معارضة أكبر فقرّرت أن تتدخّل في سوريا.

درع الفرات

كانت إدارة أوباما قد وعدت بأنّ جميع قوات سوريا الديمقراطيّة ستعود شرقًا عبر الفرات في أعقاب تحرير منبج واستقرار المدينة . إنّ فشل كادر صغير من وحدات حماية الشعب في القيام بذلك، فضلاً عن تصوّر أنقرة بأن مجلس منبج العسكريّ ذي الأغلبية العربيّة الذي يحكم المدينة بمثابة وكيل لوحدات حماية الشعب، زاد المخاوف التركيّة من أنّ الأكراد السوريّين قد يستولون قريباً على بقية الحدود. إنّ إنشاء مواقع دفاعيّة من قبل قوات الدفاع الذاتيّ شمال مدينة منبج، بالقرب من جرابلس، زاد هذا الإدراك.

تراكمت القضايا، في أعقاب محاولة الانقلاب في تموز 2016 من قبل مؤيّدي فتح الله جولن وهو شيخ تركيّ يسكن في بنسيلفانيا، فتدهورت العلاقات بين أنقرة وواشنطن أكثر من ذي قبل. ولكنّ زيارة بايدن في نهاية شهر آب إلى أنقرة منعت العلاقة من التدهور كلّيًا، ولكنّ توتّرات جدّية استمرّت بسبب الفشل بتسلُّم جولن وبسبب الدعم الأميركيّ المستمرّ لقوات سوريا الديمقراطيّة. في 24 آب ـ يوم زيارة بايدن ـ قامت قوات المعارضة المدعومة تركيّاً، وبمساندة من الدبّابات وجيش العمليّاتِ الخاصّة التركيّة، بإطلاق «عمليّة درع الفرات» لكي تعبر إلى جرابلس وتدفع بداعش خارجًا من جهة، وتحديداً لكي تحتوي الأكراد من جهة أخرى.  ومع تحرّك القوات المدعومة من تركيا جنوبًا، كان المطلوب وساطة  سريعة من قبل الجيش والدبلوماسيّين الأميركيّين، لمنع الإشتباك مع قوات سوريا الديمقراطيّة قرب مدينة منبج. مع العلم بأنّ تركيا لم تخطر الولايات المتّحدة بالعمليّة، قدّمت إدارة أوباما القوات الأميركيّة، وتجهيزات التنصّت، والدعم الجويّ بسرعة إلى درع الفرات، مشجّعة المسلحين المدعومين من تركيا على التحرّك غربًا، وجنوب غرب لتطهير سلسلة بلدات حدوديّة إضافيّة من داعش. وبعد ستة أِشهر من القتال، وصل درع الفرات إلى الذروة بالاستيلاء على «الباب» على الطرف الجنوبيّ من جيب منبج، ليُنشىء منطقة عازلة بمساحة 772 ميلاً مربّعاً تحت سيطرة الأتراك. من عدّة نواحي، كان درع الفرات يمثّل نوعاً من السعي المشترك ضدّ داعش. كان قد بحثه لأول مرّة في خريف 2014. ولكن الأمر احتاج  إلى عامين في حسابات أردوغان بما يخصّ داعش لكي ينقلب بشكلٍ كافٍ لتبرير تدخّل تركيّ مباشر. ولكن أكثر من أيّ أمر آخر كانت حركة أردوغان خاصّة بالأكراد. من السخريات الكثيرة للحرب السورية، أنّ تردُّد أردوغان في وقت سابق في التركيز على داعش تسبّب بإنتاج علاقات وثيقة جدّاً بين الولايات المتّحدة ووحدات حماية الشعب الكردي أدت بدورها في النهاية إلى إجبار تركيا على التدخل ضد داعش.

إلى أين نذهب من هنا؟

بغض النظر عن الجهة التي نضع عليها اللوم لما هو حاصل من تعقيدات، فإننا موجودون حيثما نحن موجودون. والسؤال الرئيسيّ: ماذا يمكن لإدارة ترامب أن تفعل حيال الأمر؟

على ضوء المصلحة القوميّة للولايات المتّحدة في هزيمة داعش، سيكون من غير الحكمة التخلّي عن قوات سوريا الديمقراطيّة في هذه المرحلة، برغم الاحتكاك مع تركيا. ومن الصعب رؤية إدارة ترامب وهي تفعل ذلك. في مناسبة في واشنطن يوم 26 نيسان على سبيل المثال صرح العماد المتقاعد تري وولف «Terry Wolf» نائب المبعوث الأميركيّ الخاصّ الحاليّ لهزيمة داعش بأنّ قوات سوريا الديمقراطيّة تمثّل «الجهد الوحيد القابل للحياة لتحرير الرقة». وقتها أضاف قائلاً: « إلى متى سنسمح لداعش وعمليّاتها الخارجيّة بأن تنتظر؟ لدينا توجه مستعجل هنا». ومن غير المفاجئ أن لا يوافق الرسميّون الأتراك على ذلك. من المرجّح أن يطلب أردوغان من ترامب أن يوقف خطط الولايات المتحدة، ويعكس قرار تسليح «وحدات حماية الشعب» مبررًا بأنّ الإدارة ينبغي أن تدعم الهجوم على الرقة، مستخدمة آلاف القوات المدعومة من قبل تركيا بدلاً من ذلك، وخصوصا توجيه الجماعات المعبّأة لدرع الفرات. ولكن ليس هناك هكذا قوة بديلة. يقدّر البنتاغون أنّ قوات سوريا الديمقراطيّة يبلغ تعدادها 50.000 مقاتل بمن فيهم    27.000 «وحدات حماية الشعب» و23.000 من المقاتلين العرب. بالمقابل نظّمت تركيا بضعة آلاف من المقاتلين من أجل درع الفرات. علماً بأنّ بعض المحلّلين يعتقدون بأنّ القوة قد تنامت لتصبح بقوة 10.000، وهم يشكّلون حاجة للإمساك بالمنطقة العازلة التي أنشأتها تركيا. حتّى لو جرى إطلاقهم لمهاجمة الرقة، فإنّ أعدادهم قليلة جدًا ـ واللحمة والقيادة والسيطرة في التشكيلة المتنافرة من الجماعات ليست أمرًا أكيدًا ـ فدرع الفرات بالتالي لا تمثّل بديلاً معقولاً  من قوات سوريا الديمقراطيّة في المدى المنظور.

أكثر من ذلك، كقضية جغرافيّة بسيطة، القوات التركيّة والجماعات المسلّحة من  المعارضة العاملة في المنطقة العازلة لدرع الفرات مطوّقة، وليس من الواضح كيف لها أن تصل إلى الرقة. وإذا توجهت جنوب وشرق المنطقة العازلة لدرع الفرات في محاولة للوصول إلى الرقة من جهة الجنوب سيتطلّب الأمر ضرب القوات الروسية وقوات نظام الأسد. وفي حال اختاروا أن يهاجموا الرقة من الشمال سيتطلّب ذلك ممّرًا مسموحًا عبر خطوط  قوات سوريا الديمقراطيّة، وهو أمر يصعب تخيّله، أو سيتطلب الاستيلاء على نقطة عبور تلّ أبيض يعني القتال ضدّ آلاف المقاتلين الأكراد والعرب المدعومين من قبل الأميركيين، الأمر الذي سيكون كارثيّاً. ولن تكون فكرة صائبة أن تُبدّل قوات سوريا الديمقراطيّة بقوات أميركيّة بريّة في جهد لتبديد مخاوف تركية. الشهر الماضي، انتشرت تقارير بأنّ هيئة مجلس الأمن القوميّ الأعلى رجّحت إرسال عشرات ألوف الجنود الأميركيّين إلى سوريا للاستيلاء على الرقة. كهذه خطوة ستمثّل بالأساس غزوًا لسوريا وستكون ابتعادًا ملحوظاً عن «المنهج غير المباشر» الذي يعتمد على الشركاء المحليّين للاستيلاء والاحتفاظ بالأرض. أكثر من التكاليف في حياة الأميركيّين، ستترك بحوزة الجيش الأميركيّ مدينة فيها أكثر من 200.000 مواطن في ظلّ عدم وجود استراتيجيّة خروج. وينبغي أن لا تكون مفاجأة بأنّ البنتاغون ليس من أنصار هذا الخيار، وترامب عبّر مؤخّرًا عن أنّ رغبته هي أن يتجنّب الزجّ بأعداد كبيرة من القوات الأميركيّة البريّة في المعركة ضدّ داعش، كما عبرّ عن امتعاضه من الغرق أكثر في المستنقع السوريّ.

على ضوء ندرة البدائل، ينبغي لإدارة ترامب المضي بخيار قوات سوريا الديمقراطيّة. ولكن ينبغي لها أن تفعل ذلك كجزء من استراتيجيّة أوسع تهدف إلى تخفيف مخاوف تركيا قدر الإمكان. خطّة كهذه ينبغي أن تشمل على الأقلّ خمسة عناصر:

أولاً: حتّى مع ضغط ترامب على أردوغان بالحاجة الملحّة لتحرير الرقة بالقوات المتوافرة، على الإدارة أن تقدّم قضية أقوى ـ بالسرّ والعلن ـ بسبب الفوائد الممكنة لتركيا من الشراكة الأميركيّة مع قوات سوريا الديمقراطيّة. ستوجّه عمليّة الرقة قوات سوريا الديمقراطيّة بعيدًا عن الحدود التركيّة وبعيدًا عن أيّ محاولات لربط الأقاليم الكرديّة. الدعم الأميركيّ يوفر كذلك نفوذًا هامًا على قوات سوريا الديمقراطيّة في الشمال الأوسط والشمال الشرقيّ لسوريا واضعًا حدّاً لأي احتمال مستقبلي بأن تسعى قوات سوريا الديمقراطيّة وراء تقارب بديل مع إيران وروسيا، الأمر الذي يمكن أن يكون وخيمًا على المصالح التركية.

كذلك العلاقة الأميركيّة مع «وحدات حماية الشعب» وجناحها السياسي، (حزب الاتحاد الديمقراطيّ) يجعل الولايات المتّحدة في موقع يمكّنها من لعب دور الوساطة الهادئة بين تركيا وحزب العمّال الكردستانيّ (PKK) في حال كانت الأحزاب راغبة في استئناف محادثات السلام. هذا شيء ينبغي أن يكون في مصلحة أردوغان على ضوء الخسائر البشريّة التي تسبّب بها حزب العمّال الكردستانيّ في المجتمع التركيّ، وحقيقة أن ليس هناك من حلّ عسكريّ صرف للنزاع. أكثر من ذلك، ولأنّ أردوغان استجمع السلطة التنفيذيّة فإنّه ينبغي أن يخفّف نظرياً من حاجته السياسيّة إلى أن يثير المشاعر ضدّ الأكراد. من المهمّ أن نتذكّر أنّه من عام 2012 إلى بداية عام 2015، كان أردوغان يسعى وراء استراتيجيّة  لإنهاء الحرب مع حزب العمّال الكردستانيّ عبر تسوية يجري التفاوض عليها. في الوقت نفسه، سعت الحكومة التركيّة لدقّ إسفين بين حزب الإتحاد الديمقراطيّ (PYD)/ ووحدات حماية الشعب الكرديّ (YPG) من جهة وحزب العمّال الكردستانيّ (PKK) من جهة أخرى. هذه الإستراتيجيّة انهارت عام 2015 لأنّ دورة العنف مع حزب العمّال الكردستانيّ اشتعلت من جديد، فأصبحت مصالح آردوغان السياسيّة تقضي بمنع المكاسب السياسيّة الكرديّة في تركيا فاتّخذ موقفًا أكثر تشدّدًا. لذلك مهمّة ترامب الرئيسيّة هي أن يقدّم القضية لأردوغان على أنه من مصلحة تركيا العودة إلى صيغة المقاربة السابقة ـ وأنّ الولايات المتّحدة صانع الاتفاق الرئيسيّ جاهزة للمساعدة.

ثانيًا: لمعالجة مخاوف تركيا من أن المساعدة الأميركيّة لوحدات حماية الشعب الكرديّ (YPG) يمكن أن تُنتِج تهديدًا عسكريًا مباشرًا لتركيا، ينبغي لترامب أن يلتزم بالشفافية الكليّة مع أردوغان بما يخص طبيعة المساعدة العسكريّة التي تقدمها الولايات المتّحدة لقوات سوريا الديمقراطيّة (SDF). لقد قال المسؤولون الأميركيون إنّ المساعدة سوف تكون أسلحة صغيرة ورشّاشات وذخائر وآليات مدرّعة وتجهيزات هندسيّة. ينبغي للإدارة ان تتابع مع البنتاغون قياس النوعيّة وكميّة الأسلحة والذخائر، التي توفّرها لقوات وحدات حماية الشعب الكرديّ (YPG) بحيث لا تشكّل عمليّة الرقة خطراً على تركيا بقدر الإمكان. وينبغي للإدارة أن تقدّم آلية معقولة لتعقب الأسلحة المقدّمة لوحدات حماية الشعب الكرديّ بحيث لا تصل عبر الحدود إلى أيادي حزب العمّال الكردستاني. إنّ أيّ أسلحة ثقيلة مقدّمة ينبغي أن تُعاد إلى الولايات المتّحدة بعد حملة الرقة.

ثالثًا، ينبغي أن يصوغ ترامب خطوطاً عريضة لتسوية عمليّة مؤقّتة بين أنقرة وقوات سوريا الديمقراطيّة فيما هي لن تكون مثاليّة من منظور أردوغان فإنّها ستحفظ مصالح تركيا الجوهريّة في احتواء الطموحات الكرديّة وتحافظ في الوقت نفسه على التحالف الأميركيّ ـ الكرديّ. يجب على إدارة ترامب أن تفرض شروطاً محدِّدة لتوسّع وسيطرة ونفوذ الأكراد في المناطق السورية. عمليًا، ذلك يعني أن الولايات المتّحدة ينبغي أن تكون قابلة بتسهيل انسحاب كلّي لقوات سوريا الديمقراطيّة عبر الضفة الشرقيّة للفرات، تاركة مدينة منبج لتديرها جماعات مقبولة لدى تركيا. كذلك هذا يعني إعطاء مساعدة أميركيّة إضافيّة  لجهود تركيا لكي توطّد منطقتها العازلة لدرع الفرات ـ فيكون سياجًا ضدّ عودة داعش ويؤكّد أنّ الأكراد لن يربطوا أقاليمهم ويسيطروا على كامل الحدود بين تركيا وسوريا. ينبغي للإدارة إعادة التصريح بمعارضتها لقيام دولة كردية مستقلة في شمال سوريا. وينبغي أن تدفع لجمع المنظّمات غير التابعة لقوات حماية الشعب والمنظّمات السياسيّة غير الكرديّة التي يمكن لتركيا أن تتعايش معها في مناطق شرق الفرات، بإدارة قوات سوريا الديمقراطيّة لتشمل الرقة عندما تصبح المدينة محرّرة.

فوق ذلك، من الملزم أن يفعل ترامب أكثر لكي يؤكّد لأردوغان أنّ الولايات المتّحدة مستمرّة باعتبارها حزب العمّال الكردستانيّ منظّمة إرهابيّة، ومقدّمًا معلومات استخباريّة أكثر ومساعدة لمنع هجمات حزب العمّال الكردستانيّ. ومن أجل معالجة المخاوف الأمنيّة التركيّة بشكل أكبر، ينبغي للإدارة أن توضح بشكل جليّ لوحدات حماية الشعب الكرديّ أنّ العلاقة العملانيّة المستمرّة مع حزب العمّال الكردستاني، لن تكون قابلة للحياة بعد تحرير الرقة في حال استمرار الهجمات على تركيا.

في الوقت الذي يحتاج فيه الأمر إلى خطوات معالجة للمخاوف التركية، يجب على ترامب أن يُصِر على أنّ يقوم أردوغان بإجراءات متناسبة لمعالجة مخاوف الأكراد السوريّين. عندما تنسحب قوات سوريا الديمقراطيّة شرق الفرات على سبيل المثال، ينبغي لتركيا أن تسهّل إنشاء ممرّ انتقال آمن عبر منطقتها العازلة لكي تسمح لتحرّك المدنيّين الأكراد بين الأقاليم الكرديّة المنفصلة. ومقابل شراكة أكبر للمنظّمات السياسيّة المؤيّدة لتركيا علنًا في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، ينبغي لتركيا أن تتسامح مع حكومة سوريّة مستقبليّة توفّر درجة من الاستقلال المحليّ للمناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطيّة في شمال سوريا. ومقابل ابتعاد قوات حماية الشعب الكرديّ عن حزب العمّال الكردستانيّ، يجب على إدارة ترامب تقديم مساعدة أميركيّة مستمرّة لقوات سوريا الديمقراطيّة.

في الختام، ينبغي لترامب أن يكون حاضرًا لأن يقدّم خيارات لكي يعالج مخاوف أردوغان بالنسبة لحزب العمّال الكردستانيّ خارج سوريا، ولا سيّما في شمال العراق. إنّ آردوغان قلق جدًا من وجود حزب العمّال الكردستانيّ في إقليم جبل سنجار، أحد المناطق التي جرى قصفها يوم 25 نيسان خوفاً من أن يعمل حزب العمّال الكردستانيّ مع إيران لكي يؤسّس جسرًا أرضيًا لشحن أسلحة من إيران إلى سوريا عبر العراق. هنا، لدى الولايات المتّحدة نفوذ مع جميع الأطراف ذات العلاقة، وينبغي لترامب أن يستعمل ذلك النفوذ. كما يشير تقرير «مجموعة الأزمة الدوليّة» بشكل مفيد إلى أنّه من الممكن للإدارة أن تستثمر نفوذها مع قوات حماية الشعب الكرديّ، ورئيس كردستان العراق البرزاني، ورئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي لكي تُجلي حزب العمّال الكردستانيّ من سنجار. كما يمكن لترامب أن يتدخّل لدى بغداد، ويحذِّر العبادي من أنّ محاولات المليشيّات الشيعيّة المدعومة من إيران بناء جسر بريّ إلى داخل سوريا يمكن أن تتسبّب بمواجهة عسكريّة بين العراق وتركيا وتعقِّد الشراكة العسكريّة الطويلة الأمد التي يسعى إليها العبادي مع الولايات المتّحدة بعد سقوط الموصل. لا يمثّل أيّ من هذه الأفعال حلّاً سريعًا للمعضلة. ولن تؤدّي أيّ تطمينات مهما كانت أو تعويضات من قبل إدارة ترامب بتركيا لأن تقبل علاقة الولايات المتّحدة بقوات حماية الشعب الكرديّ. ولكن بوضع الأمور بعضها مع بعض، يمكن للخطوات المقترحة هنا، أن تكون كافية لمنع انهيار الحملة ضدّ داعش، وانزلاق التحالف الأميركيّ ـ التركيّ إلى الحضيض. ممّا يخدم مصالح البلدين. كما في العديد من التحدّيات الدوليّة التي تواجه ترامب، لا شكّ في أنّ الرئيس يكتشف أنّ الأحداث في شمال سوريا معقّدة. فعلاً، ربّما ليس هناك أيّ بقعة  أكثر تعقيدًا على وجه الأرض. ولكن مع وقوع القوات الأميركيّة في الوسط بين توتّرات التصعيد التركيّ ـ الكرديّ، ووصول أردوغان المنتظر إلى واشنطن، ليس لدى الرئيس أيّ خيار سوى الاشتباك مع هذا التعقيد. بسرعة.   

------------------------------

الفورين بوليسي : مجلة إلكترونيّة ومضى عليها في خدمة الصحافة الإعلاميةّ ما ناهز 40 عاما. وهي تعنى بالسياسات الخارجية.

كولن كاهل : أستاذ برنامج الدراسات الأمنيّة ونائب مساعد الرئيس أوباماللأمن القوميومستشار نائب رئيس الجمهوريّة جو بايدن. ونائب مساعد لوزير الدفاع لشؤون الشرق الأوسط.