البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

August / 7 / 2017 | عدد الزيارات : 310التشيع في أميركا والاعلام

لياكات تاكيم - Liyakat Takim جامعة ماكماستر - MacMaster University 6 آذار 2017 - 6 March 2017

التحرير: في غمرة الهجمة على المسلمين عقب أحداث 11/9 تحديداً، وضع الإعلام الأميركي جميع المسلمين سنة وشيعة في سلة واحدة. وبسبب كونهم أقلية احتكر السنة تمثيل الإسلام في أميركا، وهكذا أصبح الشيعي عبارة عن آخر ضمن آخر أكبر، ويناله الاستهداف الإعلامي كمسلم بدون وعي لما يميزه عن غيره من المسلمين. التحديات التي تواجه الشيعة في تحرير صورتهم من القولبة النمطية في الإعلام الأميركي، يعرضها هنا لياكات تاكيم بكفاءة وجدارة.


شهد القرن العشرون ازدياداً دراماتيكياً في هجرة المسلمين إلى السواحل الأميركية. ورؤية المسلمين في أميركا وحضورهم المتزايد يعنيان أن الإسلام لم يعد محصوراً بكونه ظاهرة شرق أوسطية أو جنوب آسيوية. ونظراً لكونه واقعاً الدين الأسرع نمواً في أميركا، فالإسلام الآن عبارة عن ظاهرة أميركية.

إن الباحثين والصحافيّين الذين وضعوا الإسلام في أميركا تحت المجهر أو كتبوا عنه قيّدوا بحثهم بالأغلبية المسلمة، أي المسلمين السنة. ومعظم النقاشات، حتى في الخطب الأكاديمية، قرنت الإسلام في أميركا بالتجربة السنية أو بالمسلمين الأميركيين من أصل أفريقي. ولم يُكتب إلا القليل عن أصول وتجارب الأقليات في المجتمع المسلم الأميركي. هذه الرؤية المتجانسة حجبت أيضاً التقدير والإدراك السليمين للتجربة الدينية عند أقلية دينية هامة في أميركا. ومن أجل ذلك، نحن في صدد فحص أصول المجتمع الشيعي في أميركا وتجربته الدينية، كما أننا سنتطرق إلى كيفية إمكان الشيعة تمثيل أنفسهم على نحو أفضل في الإعلام.

كغيرهم من المهاجرين إلى أميركا، يُعتبر المسلمون غرباء. وأصبح هذا التصنيف أكثر ترسخاً منذ أحداث 11 أيلول 2001 وباتوا أكثر من أي جماعة مهاجرة أخرى عُرضة للأفكار النمطية والهجمات.

الشيعة الأوائل في أميركا

إن الموجة الكبرى الأولى من المسلمين وصلت إلى أميركا بين عامي 1875 و1912. ومعظم أولئك المهاجرين الذين قدموا من الشرق الأوسط كانوا مسيحيين؛ ولكن نسبة ضئيلةً جداً تألفت من السنة والعلويين والدروز. ومن بين المهاجرين الأوائل الذين وصلوا إلى الشواطئ الأميركية في سبعينيات القرن الماضي وصل الشيعة بصحبة مهاجرين آخرين من الشرق الأوسط. واستقر أولئك المهاجرون الأوائل في أجزاء مختلفة من أميركا. وذهب بعضهم إلى روس، شمالي داكوتا، في عام 1899. ويرجح أن بعض الشيعة الذين سكنوا روس كانوا لبنانيين. كما سكن شيعة آخرون مدينة ميشيغان في إنديانا.

 ومن بين المهاجرين إلى مدينة ميشيغان في أوائل التسعينيات كان ثمة مسافر على متن سفينة التايتنك. كان على متن السفينة الشهيرة التي غرقت في نيسان 1912 على الأقل ثلاثة شيعة، فاطمة مسلماني واثنان من أقاربها، مصطفى ناصر ويوسف وزني. وفاطمة من مواليد بلدة تبنين اللبنانية، أما قريباها اللذان غرقا مع السفينة فهما من بنت جبيل. وكان الثلاثة ينوون الاستقرار في مدينة ميشيغان.

وبعد البحث، تبيّن أن الشيعة في مدينة ميشيغان، إنديانا، كانوا أوّل من بنى مسجداً في أميركا عام 1924. ووفقاً لكُتيب نشره المركز الإسلامي في ميشيغان، فإن الصرح تأسس بداية في 26 نيسان 1914 تحت اسم «جمية البدر المنير في ميشيغان». لذا يصح القول إن الشيعة وصلوا إلى الشواطئ الأميركية منذ ثمانينيات القرن الماضي.

أحداث 11 أيلول وأثرها على المجتمع الشيعي الأميركي

أدت هجمات 11 أيلول الإرهابية إلى التحامل على الإسلام باعتباره ديناً يدعو إلى قتل الأبرياء والتحيّز ضد المسلمين بناءً على أنهم أناس بطبيعتهم متشددون لا عقلانيون. ومثّل الإعلام «الآخر المسلم الغائب» وسعى إلى خلق تمثيل مقولب عن الإسلام والمسلمين وبات من المستحيل تجاهله. إضافة إلى ذلك، أدت الحرب العالمية الأميركية على الإرهاب واجتياح العراق إلى إحياء الأفكار النمطية والشكوك تجاه المسلمين، ولا سيما أولئك الذين من أصل شرق أوسطي.

منذ أحداث 11 أيلول، أصبحت الإسلاموفوبيا والكراهية تجاه المسلمين مشروعة ومقبولة نتيجة ما تبثه وسائل الإعلام الوطنية والثقافة الأميركية. وهذا الأمر خلّف عند كثيرين من المهاجرين ومسلمي الجيل الثاني إحساساً بالعزلة والتهميش. علاوة على ذلك، أدى الهجوم الكلامي اللاذع على الإسلام والقرآن من قبل بعض الجماعات المسيحية المتعصبة إلى تفاقم الصراع الحالي في أميركا. فوصف فرانكلين غراهام الإسلام بأنه «دين شرير للغاية»، فيما وصف جاري فاينز، الرئيس السابق للجمعية المعمدانية الجنوبية، النبي محمد بأنه «رجل تسكنه الأرواح الشريرة». وعلى شاشة التلفاز العام، قال جيري فالويل إن النبي «إرهابي». ولم تؤد تلك التعليقات إلا لمزيد من التحامل على الإسلام والملسمين.

 إن التحيز والتهجم على المسلمين والإسلام يتجاهلان تعدد الأصوات والفروقات السائدة داخل الإسلام. كما أنهما يتجاهلان حقيقة أن المسلمين متعددون ولديهم وجهات نظر مختلفة. منذ أحداث 11 أيلول، طُمست جميع الفروقات بين المسلمين في الإعلام وفي عيون الأميركيين. وجرى التعتيم على جميع الاختلافات بين الشيعة والسنة، والمعتدلين والمتشددين، والعرب المسيحيين والمسلمين. وبدلاً من ذلك صُنف المسلمون والعرب جميعاً ضمن فئة العدو الآخر.

كغيرهم من المسلمين الآخرين، حُمّل الشيعة الأميريكيون على وجه المساواة مسؤولية الهجمات الإرهابية برغم أنه لم يكن أي شيعي من بين الإرهابيين المُنفذين للهجوم. وكان عليهم الاعتذار على أعمال لم يرتكبوها، وإدانة تصرفات لم يكونوا على صلة بها. ويشعر الشيعة بأن إصبع الاتهام وُجّه إليهم من قبل رابطة دينية، فتناولتهم الخطابات التي تتحدث عن الإرهاب ومن المفارقة أنه جرى ربطهم بجماعة (القاعدة) تسعى إلى إبادتهم إن تسنى لها ذلك. بالفعل، لم يُسجل على أي جماعة شيعية ارتكاب أعمال إرهابية في أميركا. ولم يكن هناك أي مسجد أو مؤسسة شيعية تحظى بتمويل حركات أجنبية.

بالنسبة للمجتمع الشيعي، كانت انعكاسات 11 أيلول متنوعة. كثيرون من الشيعة الذيت تحدثت إليهم قالوا إن أحداث 11 أيلول كشفت هوية الإرهابيين الحقيقيين. قبل الهجمات، أميركيون كُثر ربطوا التشيع بأعمال الإرهاب والتشدد، ولا سيما بعد أزمة الرهائن الإيرانية والاحتفاظ برهائن أميريكيين في بيروت إبان الثمانينيات. ولكن أظهرت أحداث 11 أيلول أن المرتكبين الحقيقيين للأعمال الإرهابية هم جماعات متطرفة على شاكلة القاعدة والذين تستند عقيدتهم على الوهابية.

النمطية في الإعلام

لقد نفخ الإعلام الأميركي في بوق الإسلاموفوبيا ما يعني ازدياد القلق من الإسلام. والإسلاموفوبيا تقوم على مفاهيم التهديد والتخويف. وإحدى وسائل تعزيز الإسلاموفوبيا ترتكز على جعل المسلمين ذاك «الآخر». فيُنظر إليهم على أنهم الغرباء الذين يُشكلون خطراً على القيم والمبادئ الأميركية.

ومن المهم أيضاً الإدراك بأن الإعلام ليس متجانساً. فهو يستخدم أدوات مختلفة لتعزيز صورة معينة. على سبيل المثال، الرسم الكاريكاتوري أداة قوية ومهمة للغاية في الترسانة الإعلامية. فهو يوصل الفكرة باختصار لكن بقوة. والرؤية أسهل من القراءة. لذلك، تستخدم الرسوم الكاريكاتورية رموزاً، مثل الأشياء أو الصور التي تمثل أمراً  آخر. على سبيل المثال، الصليب يُعبّر عن معاناة أو صلب المسيح. وتكون الرموز مختصرة لكنها تُكوّن ارتباطاً مع أشياء أو مفاهيم معروفة للغاية. وهذا يؤدي إلى قولبة مجموعة ما تكون مرتبطة بذاك الرمز.

ويرتكز أثر الأفكار النمطية على صبغ مجموعة ما بأنها تؤدي دوراً مُحدداً. بناءً عليه، تكون الغاية من الأفكار النمطية تعزيز ميزات تلك الجماعة لكنها ميزات مختلفة عن المجتمع الطبيعي. مثلاً، في الإعلام الأميركي، يُصوَّر الأميركيون الأفارقة بأنهم فقراء ومُجرمون فيما يُنظر إلى المكسيكيين على أنهم أفراد عصابات ولا يحملون أوراقاً شرعية. في الجهة المقابلة، يكون عملاء مكتب التحقيقات الفدرالي والمحامون والأطباء والمراسلون من الذكور البيض. كما أن قولبة مجموعة ما تعني أن «الآخر» الذي يكمن داخل «الآخر» مخفي لأن المجموعة كلّها تتجمع في حجرة معينة. لذا فإن الشيعة الذين يُعدون أقلية داخل المجتمع المسلم، لا يُذكرون في العموم لأن صوتهم يُسكته المسلم الآخر.

وخير مثال على كيفية تصوير المسلمين يظهر في الإعلام الأميركي من خلال فيلم «الحصار». ويظهر في الفيلم مسلمان، الأول يعمل لمصلحة مكتب التحقيقات الفدرالي فيما الآخر إرهابي. ومن المثير للاهتمام أن المسلم الصالح في الفيلم لا يقوم بأي شيء له علاقة بالإسلام، أما الإرهابي فيمارس الشعائر الدينية كل الوقت ويُصلّي قبل ارتكابه عمليات القتل. والرسالة الواضحة من هذا الفيلم أن المسلمين الذين لا يتقيّدون بالإسلام أو المحجوبين هم المسلمون الصالحون. من جهة أخرى، فالوضوء والصلاة بمثابة أعمال رمزية للإرهابيين. بناء ًعليه، هي أفعال تتناقض مع المبادئ الأميركية.

بطرائق شتى، يُحدّد الإعلام ما يجب أن يكون عليه وما لا يجب أن يكون عليه المسلمون. والرسالة الفصيحة التي يبعثها الإعلام مفادها أن المسلمين بحاجة إلى الإصلاح كي يكونوا مثلنا «نحن الأميركيين». فيجب عليهم أن يتقيدوا ويؤيدوا قيمنا وخياراتنا الاجتماعية.

ولإيصال الرسالة قوية تُستخدم الرسوم الكاريكاتورية. وهنا يُركز الفنانون في مزايا فرد ما ويُضخمون تلك الميزة بُغية تحقيقها الشهرة الإعلامية. وفي أغلب الأحيان يلجؤون إلى رمز معروف مثل الأنف الطويل أو القنبلة. ومن ثم تُضخّم الرسوم الكاريكاتورية وتُستغل من أجل وصف مجموعة كاملة. وبالتدرّج، يغدو الرسم الكاريكاتوري فكرة نمطية. على سبيل المثال، الرسم الكاريكاتوري الدانماركي لم يُصوّر النبي فحسب بل جعل من القنبلة عمامة، في إشارة إلى أن أولئك الذين يضعون العمامات على رؤوسهم يرتبطون بالعنف.

على نحو مشابه، الرسوم المتحركة والأشكال الأخرى في الإعلام تُهين النساء المسلمات عبر تصويرهن بأنهن محرومات من أي تمثيل في الإسلام سوى التعرّض للقمع. ويظهر الأمر كما لو أن النساء لا تؤدي أي دور في الإسلام عدا التعرض للاضطهاد. والصورة الإعلامية انحيازية حيث تصوّر أن الذكر المسلم المتعصّب تقابله امرأة مسلمة مُطيعة ومُضطهدة. كما أن الإعلام الأميركي يضع المسلمين جميعاً ضمن فئة واحدة. وهو لم يتطرق قطّ إلى المسلمين الأميركيين الأذكياء الذين يشغلون مناصب هامة في الشركات الصناعية الأميركية. ولا يُذكر أنّ المسلمين منهم المديرون التنفيذيون أو رواد الفضاء أو العلماء النوويون. بل يُصوّرهم الإعلام بأنهم غرباء، من شبه الجزيرة العربية أو إيران أو باكستان ويقودون سيارات الأجرة ويحيكون المؤامرات ضد الحكومة.

حان الوقت كي يرسم المسلمون الرسوم الكاريكاتورية الخاصة بهم من أجل تبيان التنوّع المتأصل بين المسلمين. هم بحاجة إلى مواجهة الأفكار النمطية الغربية والإظهار بأنه بدلاً من التشبيهات المستندة على أفكار نمطية، يمكن وصف المسلمين بالفروقات نفسها التي لدى المسيحيين والجماعات الأخرى.

التشيّع والإعلام الأميركي

لأن الشيعة أقلية ضمن الأكثرية المسلمة في أميركا، حظوظ وصولهم إلى السلطة وكسبهم الامتيازات في المجال العام هي بنسبة أقل. كما أن مواردهم ومؤسساتهم أقل، والأهم من كل ذلك، يتمتعون بضعف الوصول إلى السلطة والنفوذ في المجال العام. لذلك، يحتكر السنة تمثيل صورة الإسلام في أميركا.

والهيمنة والتمثيل السني للإسلام الأميركي ملموسان في مجالات كثيرة. حين ترغب وزارة الخارجية أو الإعلام في التحدث مع المسملين، في كثير من الحالات يتوجه كلّ منهما إلى المؤسسات والمساجد السنية. في المقابل، المراكز السنية لديها ميل إلى التواصل مع الإعلام أكثر مما لدى الشيعة. فحين تتحدث التقارير الصحفية عن أن المسلمين الأميركيين يُمارسون صلوات ليلية خاصة في رمضان (تُسمى التراويح)، فالقارئ أو المشاهد العادي غير المسلم يفترض أن الشيعة يمارسون تلك الشعائر أيضاً. واقعاً، الشيعة لا يُمارسون التراويح لأنهم يعتبرونها بدعةً سنّها الخليفة الثاني عمر. وحين تتحدث التقارير الإعلامية أن المسلم يُطلق زوجته من خلال تكرار صيغة الطلاق ثلاث مرات، فهذا يُشير إلى معتقد سنّي بحت لا دخل للشيعة به.

وتلك هي المعضلة الشيعية لكونها أقلية في أميركا. فلا يمثل السنة المسلمين فحسب، بل إن الممارسات السنية تُصوّر بأنها معيارية ويُمارسها جميع المسلمين سواء رضي الشيعة بذلك أو لا.  السنة  هم من يتحدث باسم المجتمع المسلم. ولم يُصنف الشيعة من بين تلك الفئة فحسب، بل يُفترض بهم التحدث بلغة الأغلبية السنية. والأصوات الشيعية كتمتها الأصوات السنية. وخلال القرن العشرين، تعلّم الشيعة بأنهم أقلية فهذا يعني في السياق الأميركي أنهم الآخر المحجوب ضمن الآخر.

ولأسباب عدة، حظي التشيع مؤخراً بمزيد من الاهتمام في الصحافة. بالنسبة للشيعة، فالحاجة إلى عرض صورة إيجابية للإسلام عموماً والتشيع خصوصاً أصبح أكثر صعوبة بعد الثورة الإيرانية في عام 1979 وأزمة الرهائن التي تلتها. وكان مردّ ذلك لأن الأميركيين ربطوا التشيّع بالتشدد والإرهاب. كما أن صعود حزب الله بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982 وما تلاه من عمليات خطف رهائن أميركيين في بيروت فاقما أكثر الوضع وصعّبا الوضع على الشيعة الأميركيين الذين كان عليهم مواجهة صورة عامة سلبية للتشيّع في الإعلام. إضافة إلى ذلك، أدت حرب الخليج إلى الانتباه لوجود شيعة في بلدان عربية عدة.

على نحو متزايد، بات الإعلام الأميركي يعي بأن الإسلام ليس كياناً متجانساً وأن ثمة انقسامات عدة داخل المجتمع المسلم. وأصبح يعرف بأن المسلمين لديهم آراء مختلفة حول قضايا كثيرة، وغدا يرغب في سماع مروحة واسعة من الأصوات المسلمة. بالنتيجة، أصبح الصحفيون يرغبون في سماع الأصوات السنية والشيعية على حد سواء.

والشيعة في الأصل بحاجة إلى تمثيل أنفسهم لا إلى أن تمثلهم الأغلبية السنية. خصوصاً بعد الاجتياح الأمريكي واحتلال العراق وما صاحبه من إطلاع على التشيع، احتاج الشيعة إلى مواجهة الصور السلبية التي لدى الإعلام عن الإسلام. فدخلت المعاهد الشيعية في أنحاء أميركا في حوار مع نظرائها غير المسلمة. وينظم المجلس الثقافي الإسلامي في ماريلاند ندوات سنوية تناقش مواضيعاً تؤثر في الجماعات الدينية الأخرى في أميركا. وهو يصدر المنشورات ولديه تواصل مستمر مع الإعلام الأميركي حول القضايا الإسلامية.

بعد الاجتياح الأميركي للعراق خصوصاً، بدأ الأميركيون يطرحون الأسئلة مثل «لماذا يكرهوننا، ولم النساء المسلمات مضطهدات» ؟ والمواضيع المطروحة الآن في الإعلام متنوعة بقدر ما هي رائعة. ومن المواضيع التي يغطيها الإعلام عادةً قضايا مثل السلطة والكتاب المقدّس والتحديات في الوسط الأميركي والأعياد والتطرف الإسلامي. كما أن الإعلام الأميركي يرغب أيضاً في معرفة المزيد عن العلاقة بين المسلمين السود والمهاجرين، ووجهات النظر الإسلامية بشأن قضايا مثل الإجهاض والزواج المثلي والشيخوخة والقتل الرحيم. في الواقع، من الممكن لمس ثورة في الإعلام حيث جرى الانتقال من قضايا أساسية (الإرهاب وحقوق المرأة) إلى مواضيع أكثر حساسية ومثيرة للجدل.

والتحدي أمام الشيعة يتمثل بتقديم أفكار شيعية جلية وظهور شخصيات شيعية في تلك المحادثات. هم بحاجة إلى استحضار أبطالهم وبطلاتهم. وشخصيات كالإمام علي وفاطمة وابنتهما زينب يجب أن يُستحضروا أكثر في المداولات. كما يجب عليهم دفع الإعلام إلى أن يعي معنى أن يكون المرء شيعياً في أميركا، وأن شيطنة الإسلام وتشديد مراقبة المسلمين والقيود على الحريات المدنية باتت شديدة الوقع على جميع المسلمين. كما ينبغي أن يوضحوا أن الشيعة جرى جرّهم إلى معركة (الحرب على الإرهاب) هم ليسوا جزءاً منها.

بالنسبة للشيعة، من المهم جداً أن يكون لهم قنواتهم الخاصة بحيث يتسنى لهم تمثيل أنفسهم. وتُعدّ الإذاعة التلفزيونية من أهم وسائل التواصل. حالياً، ثمة قنوات فضائية شيعية عدة تصل إلى الجمهور الأميركي. ومعظمها يتحدث باللغة الفارسية أو العربية. أما الاستثناء فيتجلى بـ: قناة السلام وقناة أهل البيت وبرس تي في. قناة السلام تبث من لوس أنجلوس باللغتين الفارسية والإنكليزية على حد سواء. ولغاية الآن، تنحصر برامجها بسلسلة من المحاضرات والأدعية باللغة الانكليزية والبرامج باللغة الفارسية التي تناشد بورع الشيعة. وليست البرامج آسرة أو جاذبة فكرياً ولم تلامس القضايا الجوهرية التي تؤثر في المجتمع الشيعي الأميركي، ولا سيما احتياجات الجيل الأصغر. الأكثر أهمية، لأن معظم برامجها الانكليزية على شكل مقابلات ومحاضرات يلقيها علماء شيعة في المراكز الإسلامية، لم يكن باستطاعة قناة السلام الوصول إلى المشاهد الغربي. وهي تعاني أيضاً  نقصاً في الموارد المالية المطلوبة من أجل الحفاظ على مروحة واسعة من البرامج. نظراً لهذه العوامل، لم تستطع قناة السلام استغلال الامكانية الهائلة التي لديها وتحت تصرفها، ولغاية الآن لم تكن قادرة على الوصول إلى المجتمع غير المسلم.

أهل البيت عبارة عن قناة فضائية تبث من بريطانيا. هي منبر هام للوصول إلى الجمهور غير المسلم. ولكن، برغم كل ما تعرضه باللغة الانكليزية، برامجها موجهة إلى المشاهد الشيعي. وهي تعرض سلسلة من المقابلات والمحاضرات والنقاشات بشأن قضايا دينية واجتماعية عدة. ولديها فترة مُخصصة للنساء والمهتدين، إضافة إلى محاضرات متنوعة لعدد من العلماء والباحثين. إلى حد كبير، البرنامج موجّه إلى الناس الذين تركوا التشيع. وفي شهري محرّم وصفر تحديداً، تعرض القناة الشيعة وهم يلطمون الصدور ويبكون. في حين أن تلك الشعائر من المهم أن يمارسها الشيعة في المساجد، فإن عرضها على الجمهور غير المسلم سيكون له الأثر في إبعاد ذاك الجمهور عن التشيع. يجب أن تكون الرسالة إيجابية وبسيطة. فالتشيع متجذر في مفهوم الوقوف ضد الظلم والاضطهاد. كما أنه يستند إلى نوع خاص من القادة الذين ورثوا السلطة مباشرة من النبي نفسه. ولكن مفاهيم كهذه يجب أن تُعرض بطريقة من شأنها أن تجذب غير المسلمين إلى الأخلاقيات الشيعية. إضافة إلى ذلك، الصحفيون والكتّاب الذين يرون مشاهد على غرار النحيب والتشطيب يمكن أن يستغلوا تلك الصور من أجل تعزيز الصورة السلبية والعنفية للإسلام الشيعي. لأكون واضحاً، الشيعة لديهم فرصة أكبر على التحدث في الغرب أكثر مما لديهم في معظم البلدان المسلمة. وهناك ازدياد في عدد الجامعات التي ترغب في توفير مقررات عن الشيعة لكن لسوء الحظ ليس متوافراً العدد الكافي من الأساتذة الشيعة. والأمر يعود للطائفة في استغلال هذه الفرصة.

الخاتمة

المجتمعات الدينية غالباً ما تعرض رجحان معتقدها بدلاً من السعي إلى التكيّف حين مواجهة معتقد غريب. ولكن الوجود في وسط أميركي متعدد يُجبر الشيعة على السعي من أجل ردّ ملائم على التنوع الديني. ويُدرك الشيعة بأنهم لا يستطيعون تحمّل عزل أنفسهم. فمنذ أحداث 11 أيلول تحديداً، ومع أصحاب المعتقدات الأخرى، يبحث الشيعة الأميركيون عن أخلاقيات عالمية يمكن أن توفر قاعدة من أجل العلاقات بين الأديان والأشخاص أصحاب الالتزام الروحي المتنوع.

يجب أن نعي دور المسلمين الشيعة في نسج البساط الديني إلى جانب البساط الاجتماعي لأميركا ورؤية الفجوات المتعددة - بين الدين والثقافة، والفجوة بين الدين والسياسة، وبين الإخلاص الديني والهوية العرقية، والثغرة بين النصوص الدينية المعيارية وواقع الحياة الأميركية. مع الوقت، هذه الفجوات يمكن ردمها. وهنا يأتي التحدي أمام الجيل القادم من الشيعة.

-------------------------------

لياكات تاكيم : بروفسور في جامعة ماكماستر في هاملتون، كندا. هو مختص في قضايا عدة مثل الشريعة الإسلامية والقرآن والإصلاح في الإسلام والإسلام العالمي والتعصب الإسلامي والإسلام في أميركا والمواجهات السنية - الشيعية.