البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

July / 25 / 2017  |  250الحشد الشعبي .. الموقف التاريخي وخيار المستقبل

شاكر القزويني المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية نيسان 2017
الحشد الشعبي .. الموقف التاريخي وخيار المستقبل

كادت الظروف الموضوعية والذاتية للدولة العراقية التي تشكلت بعد الاطاحة بالنظام القسري البعثي الذي كان يحكمها ـ قبل عام 2003 ـ أن تودي بها، هي الأخرى، الى هاوية سحيقة بعد ان تفشى بها الفساد ونخرتها المحاصصة الطائفية وتكالبت عليها المؤامرات الدولية والاقليمية فضلا عن غياب الحكومة الوطنية المخلصة والقادرة على تجاوز الظرف الاستثنائي الذي فرضته عليه قوى الاستكبار والهيمنة الاستعمارية تحت ذرائع شتى، ولم يقف متعاضدا ومساندا للجماهير ومن منطلق عقائدي اسلامي وانساني وحضاري سوى المرجعية الدينية في النجف الأشرف بشكل مباشر وغير مباشر عبر المواقف والتصريحات المستمرة الموجهة للحكومة بسبب نكوص وتردي أدائها وعجزها عن تقديم حاجات الناس الضرورية وواجباتها الأساسية المنوطة بها.


الفتوى والانبعاث من الرماد

ومن هذا المنطلق وبعد ان داهم الخطر والتهديدات والوعود بالويل والثبور من قبل القوى الظلامية وجيوش الضلالة، مدننا المقدسة، والمراقد المطهرة فيها، ورموزنا الدينية، ومذهب آل البيت عليهم السلام ومواليه، فرضت الضرورة التاريخية والواجب المقدس ان تصدر فتوى الجهاد الكفائي من قبل المرجع الأعلى للطائفة الشيعية في النجف الأشرف آية الله العظمى السيد علي السيستاني "دام ظله" في خطبة صلاة الجمعة 13 يونيو/ حزيران 2014م، في وقت يسقط فيه ثلث العراق بيد داعش الإرهابي دون مواجهة تذكر من قبل الحكومة العراقية الهزيلة الفاسدة والجاهلة لدفع هذا البلاء المبرم والخطر المحدق بالعراق شعبا وأرضا وقيما، رغم أن قرار انخراط فصائل مقالته في الحرب على الارهاب كان قبل الفتوى بثلاثة أشهر من قبل الحكومة العراقية أثر عظم الانتكاسة في الوضع الأمني بعد انفراط عقد الدولة في قدرتها على مسك الأرض وانهيار معنويات الجيش وقوى الأمن بسبب سوء الإدارة وفسادها واختراقها من قبل أعداء العراق والخونة، ولم ينخرط في الحرب آنذاك سوى تشكيلات بعض الكتل والتيارات والأحزاب السياسية ذات الخبرة بهذا المجال..

الانطلاق وقوى الممانعة

لم يكن انبثاق واستمرار وتنامي هذه القوة العسكرية العقائدية بالأمر الهين واليسير، رغم انها استطاعت ان تعيد للجيش العراقي وقواه الأمنية الضاربة ثقته بنفسه وتعزز فيه روح التضحية والقتال حتى النصر بعد ان شاهدت عزيمة واصرار وايثار وخلق تشكيلات الحشد الشعبي وهي تخوض المعركة تلو الأخرى، فكانت المعايشة والتراص بين هذه التشكيلات، شعبية وحكومية، مدرسة حية للبطولة للدفاع عن الوطن والعقيدة الحقة، ولعل من أولى المعرقلات والموانع لتشكيل وتأمين واقع وتجهيز الحشد هم الطائفيين من دواعش السلطة ومن يساندهم ويحرضهم من قوى اقليمية تريد بالعراق شرا فضلا عن حلفائهم من ايتام السلطة وأذنابها وحواضنهم، هنا وهناك، فاتهم الحشد كونه طائفياً شيعياً شكل لضرب السنة، وروجت إعلاميا ضده الكثير من الجرائم والانتهاكات الانسانية والإعدامات العشوائية والإرهاب الأمر الذي أنكره قادة الحشد ومسؤولون في الدولة العراقية، كما وانتقد الشيخ عبد المهدي الكربلائي ممثل المرجعية في كربلاء هذه التهم ووصفها بـ "الحملة المسعورة" ضد مقاتلي الحشد الشعبي، قائلا: "الممارسات السيئة التي يُتهم بها الحشد الشعبي لا تمثل النهج العام؛ لأن أولئك المقاتلين دفعهم حبّهم للوطن إلى التضحية وتعريض عوائلهم للمعاناة" ولا يفوتنا تصريح الأمين العام للحركة المسيحية في العراق حين قال: "لولا الحشد الشعبي لوقعت بغداد بيد داعش"،  وقد صنفت مجلة "نيوز ويك" ـ واسعة الانتشار في الولايات المتحدة ـ الحشد الشعبي العراقي رابع أقوى قوة ضاربة في العالم بعد القوات الخاصة البحرية الأمريكية ـ التي قتلت زعيم تنظيم القاعدة ـ ومجموعة ألفا الروسية ـ التي قامت بعملية تحرير طلاب مدرسة بيسلان ـ وفرقة إيكو كوبرا النمساوية ـ التي حررت رهائن سجن جراز.

العداء السعودي وافتضاح الموقف

فتح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بعد انتهاء معركة الفلوجة معركة سياسية ضد الحشد الشعبي في العراق. فقد صرح الجبير في مؤتمر صحفي قائلاً إن "الحشد الشعبي طائفي وتقوده إيران، وهناك تجاوزات حدثت خلال معركة الفلوجة، ولابد من تفكيك تلك الميليشيات التي تؤجج التوتر الطائفي".

وجاء كلام الجبير مؤيدا وبنفس النبرة لما نشره السفير السعودي في بغداد ثامر السبهان، في صفحته على تويتر، حيث قال "إن سياسات التهديد التي يلوح بها إرهابيون ستجد الردع من دولة إيمانها بالله وبعقيدة خالصة له، يقودها ملك الحزم والعزم والقوة بدرع محمد وسيف محمد".والسبهان بحديثه هذا يشير ربما إلى انتشار لفصائل الحشد الشعبي بين منطقة الـ 160 والنخيب غرب الرمادي، وهي مناطق محاذية لحدود العراق والسعودية.. أو قد يشير إلى تهديدات وردت من قادة لفصائل منضوية تحت لواء الحشد الشعبي سبقت وتلت حديثه وحديث الجبير أو كليهما، كتصريح قيس الخزعلي، زعيم عصائب الحق في العراق، في رد على إسقاط جنسية مرجع ديني بحريني، قائلا "الحشد الشعبي العراقي يفكر في التدخل في الخليج، وإن واجبه الثاني هو نصرة الشعب البحريني ونصرة أهل الإحساء والقطيف في حالة تجاوز العدو مراحل وخطوطا حمراء".

وقد استنكرت هيئة الحشد الشعبي، تصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، وأشارت إلى أنه تجاوز كل الحدود، مطالبة الأمم المتحدة باتخاذ موقف من تلك التصريحات، وفيما جاء رد رئيس كتلة بدر النيابية قاسم الأعرجي أكثر وضوحا، إذ ورد في بيان صدر عنه دعوته المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى ضرورة "تفكيك حكومة آل سعود وجعل السعودية تحت الفصل السابع، لأنها أصبحت بشكل واضح مصدرا للإرهاب الذي يهدد العالم كله".

من التناقض الى التأييد بالموقف الدولي

وإن من الواضح في البدء انقسام موقف المجتمع الدولي وتحالفاته بين مؤيد ومساند، وبين من كان على الضد من تنامي هذه القوة الجهادية الفاعلة مطالبا بحل هذه التشكيلات، والموقف الأميركي ـ مثلا ـ كان واضحا بعد تحرير مدينة الرمادي، حينما اشترطوا عدم مشاركة قوات الحشد في المعارك مقابل تقديم الدعم الجوي للقوات العراقية، الأمر الذي رفضته الحكومة العراقية معتبرة ذلك إجحافا بحق تضحيات الحشد.

وإن تباين هذه المواقف كان بسبب الإعلام المضلل ووقوف بعض الأنظمة من وراء هذا القصد، فضلا عن إن داعش هي ربيبة بعضهم وجزء من مشروع الشرق الأوسط الجديد الصهيوـ أميركي، وقد أُعلن هذا بشكل صريح على لسان هيلاري كلنتون وزيرة خارجية الولايات المتحدة وغيرها من مسؤولي السياسات الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، حتى باتت سبة يتقاذفها مرشحو انتخاباتها الرئاسية بعض على بعض ـ كما أشاع ترامب آبان حملته الانتخابية على الملأ ـ إلا أن تنامي المد الارهابي الذي دخل مدنهم وبات يفقس ويعشش داخل بيوتهم ومدنهم التي آمنت واطمأنت على حساب شعوبنا، منذرا بخيبة أمل وفشل خطة وانقلاب بالمؤامرة التي سعت لنقل معركتهم مع الارهاب الى خارج حدودهم، فكان هذا المشهد كانقلاب السحر على الساحر، وكان قد قدر لذلك وحيك من خلال تواطؤ وخيانة بعض عملائهم ومرتزقتهم السياسيين لجر المعركة مع الإرهاب إلى ساحات بلدانهم بدلا من مناطق مسببات نشوئها وتبلورها نفسيا وفكريا في بلاد الغرب، وذلك ما قد جاء في تصريح الرئيس الأميركي جورج بوش قائد الحملة الصليبية على الشرق الأوسط آبان دخول قوات التحالف إلى العراق، مستهدفين أولا الدول النفطية ودول المواجهة مع الكيان الصهيوني، في ربيع يفتح أبواب جهنم فحسب.

إن قرارات الحكومة العراقية في ضم تشكيلات الحشد الشعبي تحت جنح الدولة في مديرية للحشد تابعة لها تموّل وتدار من قبلها، استطاع ان يعطي شرعية وقبولا كبيرا لدى الآخرين وقد شاهدنا هذا بشكل ملفت في اجتماع الجامعة العربية الأخير رغم تخرصات بعض الدول المنخرطة بدوامة الإرهاب الطائفي، فضلا عن الحصول على استحقاق المقبولية الدولية في محافلها أو من خلال علاقاتها الثنائية مع العراق.

الغرب بين كماشة اللاجئين والإرهاب

ان التداعيات الخطيرة والمحرجة التي انعكست الى الغرب جعلت من تلك الدول تعيد حساباتها أزاء تنامي هذا الخطر العالمي الذي بات يؤرقها ولا سيما بعد موجات الهجرة التي زحفت بأعداد مليونية، حملت الحابل والنابل لهم، من دول أتت الحرب عليها حتى باتت لا تصلح للحياة طالبين ملاذا آمنا يؤويهم وأسرهم من ذلك الأتون والدمار والخوف والجوع. هذا الوضع المهدد بكوارث انسانية وأمن دولي أصبح على شفا حفرة أجبر القوى الكبرى على قبول الحشد الشعبي على مضض لاسيما وان امتداداته ونفوذه وولاءات بعض تشكيلاته مما لا يروق لهم الاقرار بشرعية تحركه بفاعلية في المنطقة وهو يحمل جينات التقاطعات مع الحلفاء الاستراتيجيين في المنطقة، لكن أداء الحشد الشعبي المتفوق والإنساني وقدرته على حسم الكثير من المواقف ببطولة فذة استطاعت قلب موازين اللعبة بشكل قادر على قطع دابر الارهاب في المنطقة وبوقت قياسي فاق تصوراتهم وحساباتهم، مما فتح الأبواب لحلول سريعة بل وملحة بالنسبة لهم في تخفيف عبء هذه المعركة الدولية ـ بالنيابة ـ فضلا عن سرعة الانجاز الذي خفف كثيرا من تدفق موجات المهاجرين وتداعياتها الخطيرة على هذه الدول بعد ان أصبحت مساحات الأمان أوسع والآمال بعودة الحياة أكبر، فالملايين من النازحين قد عادوا فعلا لمدنهم وقراهم.

احتدام صراع أم تسوية ؟

أما على صعيد تصاعد حدة التصريحات العدائية بين إيران وحلفائها من جهة وبين السعودية من جهة أخرى، وفق متابعين لملف أزمات المنطقة، أنها تجاوزت حدود الصراع السياسي إلى صراع في الميدان امتد بعد لوزان من عدن إلى حلب إلى الفلوجة. وكل معارك هذا المثلث الجيوسياسي حصلت بعد لوزان وتزامنت مع "تدخل سعودي" في مواجهة "التدخل الإيراني". والجديد فيه أنه وصل إلى العراق بعد ان كان محصوراً في اليمن وسوريا من قبل. فكلام ساسة السعودية الصريح و المباشر، يعبر عن تحول التركيز من سوريا واليمن إلى العراق، وهو آخر مسمار يدق في نعش الاستقرار في المشرق العربي.

فالمواجهة بين الغريمين الاقليميين القويين في المنطقة أمر وارد بعد كل هذه المقدمات التي تنذر بخطر مواجهة، تقف اليوم على اعتاب حرب غير مباشرة قد تصل إلى الإحتراب المباشر إذا ما تفاقمت الأمور، وليس بمعزل عنها من يخوض الآن هذه المعارك الطاحنة في فلك هذين القطبين الأقليميين، أو لربما تؤول الأمور الى تسوية إقليمية بين السعودية وإيران، التي أصبحت ربما قاب قوسين او أدنى، خاصة وأن بريت ماكغورك مبعوث الرئيس الأمريكي الخاص للتحالف الدولي ضد داعش عبر أخيرا عن رغبة واشنطن في إغلاق ملف داعش قبل صيف 2017؟ ولربما أن إغلاق ملف داعش سيفتح بعده ملف الحشد الشعبي. وقد يلفت النظر إلى أن الصراع بين الطرفين، الممتد من اليمن للعراق وسوريا، هو صراع جيوسياسي أعمق من أن يكون بين الحشد الشعبي والسعودية فقط ـ كما تظهر السعودية من عدوانية تجاهه ـ وأعمق من أن يكون صراعاً طائفياً أو قومياً.

الحقيقة على الأرض

وعلى أرض الواقع العراقي وفي خضم هذه الصراعات وانعكاس تداعياتها على الحرب الدائرة وما سيفتح للمستقبل من أبواب، نرى ان إعادة الإفتاء من قبل المرجعية الدينية في النجف الأشرف بخطبة كربلاء المقدسة في صلاة الجمعة، مؤخرا، أكد على استمرار الجهاد الكفائي مع استمرار حاجته حتى بعد تحرير الموصل، مما يؤكد عمق القرار الستراتيجي في إطاره الوطني ومسؤولياته التاريخية في رسم خارطة العراق ما بعد داعش، وفق المطالب الوطنية العراقية الخالصة التي تدعو لها مرجعيتنا الرشيدة لحفظ العراق وحدة ومصيرا وبناء للإنسان وفق القيم الفاضلة التي دعا إليها الإسلام والمثل العليا، غير متناسين تجذر بعض التحديات والانتهاكات الطارئة والتاريخية والتي لا بد من موقف قوي وحاسم قادر على إعادة وضع الأمور في نصابها الصحيح، وفق قراءة أثبتت سبرها لغور معادلات الفعل المؤثر وما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في زمن ليس بالقريب.