البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

July / 1 / 2021  |  139تأويلية موت المؤلف متاخمة معرفية نقدية لأطروحة رولان بارت

منال إسماعيل مرعي المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية خريف 2021 م / 1442 هـ
تأويلية موت المؤلف متاخمة معرفية نقدية لأطروحة رولان بارت

أخذ النقاش حول نظرية موت المؤلف لكاتب والناقد الفرنسي رولان بارت مساحة واسعة جداً خلال النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم. وعلى الرغم من انحسار المجادلات في هذا الصدد إلا أن مفاعيل النظرية لمّا تزل تتمدد في الأوساط الفكرية والأكاديمية في الغرب. بل أكثر من ذلك فقد حظيت هذه النظرية بقسط وافر من الاهتمام في الأوساط الفكرية العربية إلى درجة بات معها المهتمون على حدِّ الاختصام بين مؤيد ومعترض.

هذه المقالة تضيء على منطلقات هذه النظرية كما قدمها رولان بارت كما تقاربها بالتحليل والنقد.

المحرر


تميّز الكاتب والناقد الفرنسي رولان بارت برؤيته النقديّة وثقافته الموسوعيّة، وقد تنقّل بدافع الفضول العلميّ بين مذاهب فكريّة ومنازع فلسفيّة عدّة كانت سائدةً في ذلك الوقت[1] لذا عُدَّ بنظر الكثيرين فيلسوف التحوّلات الفكريّة ومجدّد العدميّة؛ حيث أسهم بنقل الوعي الأوروبي من ضفّة التقليد إلى ضفّة النقد المعرفيّ؛ بهدف تقويمه بمنهجٍ علميٍّ رصينٍ، جوهره تعرية كلّ ما تفشّى من مظاهر وأقنعةٍ وكشفها، وخاصّةً في النصوص الكلاسيكيّة التي كرّست لسلطة المؤلّف. ولعلّ من أهمّ الصرخات التي قدّمها بارت في كتاباته ما سنقف عليه في هذا البحث، ألا وهو فكرة «موت المؤلّف» التي أعلن عنها عام 1968م.

ليس من شكٍّ بأنّ صرخة موت المؤلّف التي أعلنها بارت في مجال الأدب الفرنسي لم تكن وليدة لحظةٍ عبثيّةٍ في فكره، ولم يكن هو -كما يعترف- مبتكرها الأوّل[2] فقد كان مالارميه[3] (Mallarme) أوّل من تنبّأ بضرورة إلغاء المؤلّف لصالح الكتابة، وفاليري (Valery) وضع المؤلّف في موقع السخريّة والاستهزاء مقابل الطبيعة اللغويّة، أمّا بروست (Proust)، فقد عمل على خفت دور المؤلّف لصالح شخصيّات العمل. كذلك في مجال الفلسفة؛ حيث تنبّه فيلسوف المطرقة نيتشه إلى أهميّة وخطورة تحطيم الموروث الثقافيّ السّائد، ووهم اللغة والاستعارة عبر منهجه الفيلولوجيّ الآركيلوجيّ؛ بهدف كشف حقيقة معارفنا التي غلّفتها اللغة والاستعارات. من أجل ذلك راح يعلن «موت الإله»، مسقطًا كلّ الأصنام الميتافيزيقيّة والعقليّة الخاوية، والموروث السائد الذي اتّخذ اسم الدين شعارًا له. كذلك كان للماركسيّة صداها آنذاك، فأرادت موتًا للنظم الرأسماليّة، ولكلّ الأفكار التي سيطرت على العالم بلباس الدّين؛ ليتبدّى العالم جليًا واضحًا. إلى ذلك لم تغب هذه الفكرة عن مجال علم النفس وما قدّمه فرويد حول موت الأب في عقدة أوديب[4]، ففي هذا السياق ظهرت البنيويّة كمنهجٍ يركّز على النصّ في انغلاقه النَّسَقي[5]، وكموقفٍ وردّ فعلٍ ضدّ ما كان سائدًا في النظريّة الأدبيّة والفنيّة الكلاسيكيّة والتيارات الفلسفيّة والنزعات العلميّة والإيديولوجيّة التي كانت شمسها تسطع في ذلك الوقت. قصارى القول في هذا الشأن، أنّ فكرة موت المؤلّف كان لها إرهاصات فكريّة لم ينل أصحابها الشهرة إلّا مع بارت؛ حيث بلغت أوجها، فهي ليست نظريّة أصيلة ونصًّا أصيلًا، وإنّما نزعة كان لها إرهاصاتها وتداعياتها الفكريّة قبل بارت.

البنيويّة وأثرها في تشكّل بواكير نظريّة موت المؤلّف:

على وقع الحروب العالميّة وما خلفته من عناءٍ وتشرّد للإنسان وقلقٍ واغترابٍ وعجزٍ حول مصيره، ظهرت تيارات وإيديولوجيّاتٌ ومنابع فكريّةٍ متعدّدة، كالوجوديّة ذات النزعة الإنسانيّة، والماركسيّة، والتحليليّة، والمنطقيّة الوضعيّة[6]، وغيرها، والتي تركت أثرها الذي انعكس على النّقد الأدبي التقليديّ؛ حيث الإنسان منبع الوجود الذي تتحرّك حول عالمه كل الأشياء. لكن هذه الرؤية القاتلة بمركزيّة الذات لم تعجب البنيويّة فادّعت أنّ ذلك السائد ليس إلّا مغالاةً من جهة تفخيم هذا الاهتمام بالإنسان وقطعًا للمركز عن المحيط، لذا لا بدّ من حرفه باتّجاهٍ آخر هو البنيوي، فيكون الكلّ ضمن سياقٍ نسقيٍّ علائقيٍّ. إذًا النظريّة البنيويّة جاءت للتأكيد على قيمة الإنسان بوصفه ذلك الفرد الواقع داخل بنيةٍ منغلقةٍ لا قيمة له بوصفه عنصرًا متشابكًا في علائق داخل هذه البنية، وبذلك أُعلن انهيار الإنسان وموته بإنهائه كفردٍ فاعلٍ مبدعٍ بكلّ تمثّلاته في كلّ المجالات والحقول المعرفيّة. ضمن هذا السياق الفكريّ الاجتماعيّ التاريخي بكل تحوّلاته وانعكاساته قدم بارت خطابه النقديّ في نظريّته موت المؤلّف ليكمل بدوره ما بدأته البنيويّة متأثّرًا بسمة عصره، وتيمته الأساسيّة في التحليل والارتداد إلى عالم الواقع، والتحوّل من القول بالواحديّة إلى القول بالتعدديّة، ما كان يستلزم بالضرورة تجسيد هذه الرؤية ليس فقط على الأدب الكلاسيكي بل على كلّ المفاهيم، من خلال ابتكار قيمٍ ومعايير جديدةٍ تزيح السابق التقليدي وتتناسب والرؤية النقديّة المستجدّة. لذا تأسّست نظريّة بارت على التنكّر للمؤلّف وإزاحة النظريّة الماضية التقليديّة القائلة بحتميّة تفسير النصّ من ناحية المؤلّف، باعتباره يشكّل ليس فقط الأساس والهويّة له، بل الشرط الجوهري لفهم سياق إنتاج النصّ والظروف المحيطة به، وعليه فالتّنكر للمؤلّف سيكون عمليًّا إعلانًا تطبيقيًّا لموت مركزيّته وإنهاءً لصلاحيّته ولصلاحيّة النظريّة التقليديّة التي تروج له[7]؛ وما ذاك إلّا لأنّ إقصاء المؤلّف هو فتح العنان للبنية اللغويّة وما تحتويه من دوالٍّ ومدلولات لتصبح الأهميّة للنصّ الذي يعبّر عن نفسه باعتباره «فضاءً متعدّد الأبعاد، حيث تتمازج فيه كتاباتٌ متعدّدة وتتعارض من غير أن يكون فيها ما هو أكثر من غيره أصالة[8]»، فموت المؤلّف تبعًا لبارت موتٌ للسيادة وللقدسيّة وللسلطة الممنوحة لصاحب النصّ والتي جاءت تكريسًا لسلطةٍ تشبه سلطة الكنيسة وأيديولوجيّتها التي مارستها من قبل، والتي انعكست في كافة المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وولادةٍ جديدةٍ للقارئ الإنسي الذي لا تاريخ ولا سيرة ذاتية ولا تكوين نفسي له[9]، إنّه القارئ المبدع القادر على اللعب بالنص كتناصٍّ عبر هدمه وبنائه؛ لإعادة فهمه من خلال تأويلاته التي يسبغها على النص محقّقًا بذلك ذاته باعتباره القارئ المنتج والمؤوّل الذي يبدع في كلّ قراءةٍ لذّةً خاصّةً تجعله مشاركًا للمؤلف، وأبعد ما يكون عن القارئ العادي المستهلك الذي يكتفي فقط بموافقة الكاتب دون أدنى رؤية نقديّة منه، سواءً بالمخالفة أو الرفض تجاه ما يكتبه. وبناءً على رؤية بارت فالقارئ الأكثر إبداعًا وأهميّةً من المؤلّف هو الذي لطالما اعتُبِر الأب الشرعي للنص الذي يفتقد لإبداع القارئ والطاقة الخلاقة النقديّة لأسبابٍ عدّها برأيه موجبةً وضروريّةً سنناقشها نقدًا للتو.

المؤّلف سليل الحداثة وفكرها

يفتتح بارت مقالته موت المؤلّف بالقول إنّ «المؤلّف شخصيّةٌ حديثة النشأة. وهي من دون شكٍّ وليدة المجتمع الغربي الذي تنبَّه إلى قيمة الفرد منذ نهاية القرون الوسطى، وكذلك ظهور العقلانيّة الفرنسيّة وانبثاق النزعة التجريبيّة الإنكليزيّة... إلى ذلك فقد أولَت الرأسماليّة الغربيّة أهميّةً قصوى لشخصيّة المؤلّف[10]»، فلو دقّقنا جيّدًا في هذا الاستشهاد سنقف على نقطتين: الأولى، الانتباه لطبيعة الخطاب المقدّم من بارت، والذي ينظر إلى الغرب باعتباره السبّاق في الخبرة البشريّة وفي التاريخ، بينما نلاحظ في منهجيّة الشرق وخبراته وحضاراته الإنسانيّة، تلك الرؤية الإيديولوجيّة الأحاديّة الرافضة للآخر والتي تختزل العالم بالغرب فقط وتعكسه بما يسقطه فكرهم من ترجمةٍ وأعمال، سواء بوعيٍ أو من دون وعي ظاهريًّا أو باطنيًّا. والنقطة الثانية أنّ شخصيّة الكاتب ليست حديثة العهد، وليست وليدة المجتمع الغربي فقط كما يدّعي، فالشعوب الشرقيّة القديمة في مصر والعراق بحثت في مسألة الكاتب، ذلك أنّ هذه المهمّة لم تكن سهلة المنال بل كانت تتطلب منذ القدم فهمًا دقيقًا للنصوص، وإتقانًا لكيفيّة توجيه الرّموز التي تحويها. يقول الباحث عامر الجميلي أنّ العلماء العرب المسلمين، قد تطرّقوا في العصور الوسطى للكاتب وصنفوا فيه كتبًا كثيرة... كان الكاتب ينتمي إلى النخبة الاجتماعيّة، وكانت وظيفته تجري في مجتمعٍ غالبيّته من الأميّين، ووقعت عليه مسؤوليّةٌ أساسيّةٌ وهي كتابة النصوص لنفسه وللآخرين... لقد اكتسب الكتبةُ معرفة الكتابة والقراءة والحساب في مدارس متخصّصةٍ لهذا الغرض، وبعد أن أتقنوا الخطوات الأساسيّة[11]، لذلك فما يزعمه بارت بأن الغرب وبدون منازع كان السباق لفكرة المؤّلف ولقيمة الفرد فيه إنّما هو إغفالٌ لا يمكن القبول به لدور الشعوب العربيّة والإسلاميّة التي سبقتهم إلى ذلك. وباعتبار أن التناصّ هو الذي يحكم النصّ نسائل بارت عندما يقول: «إن بعضهم يريد نصًّا من غير ظلٍ، ومقطوعًا عن الإيديولوجيا المهيمنة، ولكن هذا يدل على أنّهم يريدون نصًّا لا خصوبة فيه، ولا إنتاجيّة له[12]. نلاحظ هنا اهتمام بارت بتناوله للفظة إيديولوجيا وكيف يكون النصّ خصبًا بها، ليس فقط في هذا النصّ بل في كثيرٍ من النصوص، لكنّنا آثرنا تأكيد الذي ذكرناه سابقًا في هذا الاقتباس، وبالتالي اعتبار أنّ النّص تناصٌ ويحمل في ثناياه وفرةً من النصوص المتداخلة التي يسقطها فكر المؤلّف على النّص المصنوع من كتاباتٍ متعدّدةٍ[13]، ما يعني أنّ الدور في هذا المحل هو ليس للمؤلّف، بل للبنية اللّغويّة التي تحمل في طياتها دلالاتٍ وثقافاتٍ متنوّعة، فضلًا عن أن ليس للنصّ أبٌ حقيقيٌّ، بل ذاكرةٌ تناصيّة ليس إلّا[14]. لا ريب أنّ بارت يرفض النّظر والتفكّر خارج الصندوق وخارج المنظومة البنيويّة، فالمؤلّف خارج المنظومة والقارئ خارجها أيضًا، وبرأيه أنّ المؤلّف حين يكون ضمن المنظومة اللغويّة البنيويّة لا يعود يحقّ له أن يمتلك أي شرعيّةٍ تمنحه الأولويّة على غيره من عناصر المنظومة؛ ذلك لأنّ السياق العلائقي لا يقف على عنصرٍ بعينه، سواءً من داخل المنظومة أم خارجها؛ ما يعني أنّ «القدسيّة» التي مُنِحَت للمؤلّف في الأدبيّات الكلاسيكيّة ليست في مكمنها الصحيح؛ لأنّها أهملت النسيج العلائقي المتشابك الذي تؤكّد عليه البنيويّة والمتأثّر به بارت. من أجل ذلك كان لا بدّ  وفق بارت  من إنهاء هذا التفرّد للمؤلّف بحيث يذوب في علاقةٍ مع الكل ويظهر السياق البنيوي اللّغوي. لكن هذا الكلام يستدعي منا الوقوف قليلًا والتأمّل في النسيج العلائقي الذي يفترضه بارت، فإذا كان الأخير يريد رفع الحصانة الفكريّة التي مُنحت للمؤلّف فلا يحقّ له في المقابل إعطاء الحصانة والتميّز للقارئ!، لكن بارت خالف ذلك واستبدل سلطة المؤلّف بسلطةٍ جديدةٍ منحها للقارئ المُبدع، وبقيت الذاتيّة التي أراد إسقاطها متجليّةً بشخص القارئ، لذلك نستطيع القول إنّ بارت وقع في التناقض؛ لأنّ إقصاء المؤلّف لصالح السّياق لا يستدعي فرض عنصرٍ جديدٍ من خارج المنظومة (القارئ) يُعطى هذه الأهميّة، طالما أنّه ينظر بعينٍ بنيويّةٍ. وباعتبار أنّ «اللغة هي التي تتكلّم وليس المؤلّف[15]»،  و«أنّ الإنسان لا يوجد قبل اللغة، لا نسليًّا ولا تطوّريًّا[16]»، فذلك يعني أنّ المؤلّف ليس مبدعًا، سيّما أنّ اللغة هي التي تبدع والمؤلّف يتلقّف ذلك ليواريه كيفما يشاء. ها هنا سنلاحظ أنّ بارت وقع في المغالطة نفسها بتأكيده على دور اللغة وعزلها عن السياق العلائقي اللغوي. لكن السؤال المطروح في هذا الصدد هو التالي: كيف استطاع بارت التوفيق بين متناقضين حين يؤكّد أنّ اللغة تمثّل عبئًا ثقافيًّا موروثًا وبنيةً جاهزة للتسمية عند المؤلّف، وفي المقابل يحكم بأنّ لا جديد لدى المؤلّف، وعليه يرى بارت أنّه لا بدّ من إعلان نهاية صلاحيّته؛ إذ بهذا الإعلان يتم إنجاز وظيفةٍ ثلاثيّةٍ بآنٍ معًا: أوّلها: إدراك النّص في تناصِّه، وثانيها: الابتعاد بالنقد عن الصدق والكذب، وثالثها: فسح المجال لتموضع القارئ[17]، باعتباره ممثلًا للإبداع واللعب والتحطيم والبناء، ما يجعلنا نتساءل عمّا إذا كانت اللغة التي يوصّفُ بها المؤلّف ويؤوّلُ بها القارئ واحدة أم أنّ لكلٍّ منهما لغته؟ فلو افترضنا أنّ لكلٍّ منهما لغته، بافتراض أنّ بارت منح لأحدهما مقوّمات وميّزاتٍ على الآخر فكيف سيتمكّن من إخراج اللغة التي منحها الأولويّة من دائرة السلطة والإيديولوجيا؟؟ خاصّة أنّه يؤكّد على «الاشتباك السياسي والتاريخي للغة الأدبيّة مع عصرها[18]».

الإنسان بوصفه منشِئًا للكتابة

من البيِّن أنّ بارت غفل عن أنّ الإنسان  بكلّ تمثّلاته سواء أكان مؤلّفًا أم قارئًا  هو من اخترع اللغة والكتابة، وكلاهما يتأثّر ويؤثّر ويتفاعل مع بيئته لإنتاج رؤيته، فكيف يعلن أنّ اللغة التي تقصي وتميت المؤلّف قادرةً على تأكيد أهميّة وولادة القارئ؟ يقول بارت لقد «أضحت السّمة الانتهازيّة للإيديولوجيا البرجوازيّة بادية للعيان. فبينما كان الكتّاب في السابق يتحرّون الشموليّة، كان على الكتابة الآن أن تتأمّل ذاتها بوصفها كتابةً، فالكتابة صارت مرادفًا لخوض صراعٍ واعٍ بذاته ضدّ الأدب[19]»، إنّه ينظر للمؤلّف باعتباره المُسقط على النّص لعناصره الذاتية والإيديولوجيّة وكأن النّص طبقاتٌ من الأقنعة المتنوّعة التي تتراوح بين مقاصده والمبتغى، سواء بلسانه وخبرته وتجربته أو بلسان أبطال روايته، وهذا بالتأكيد لا نستطيع إنكاره ولا إثباته، لكنّنا نستطيع القول بأنّ ما يورده بارت عن المؤلّف بإمكاننا إسقاطه على القارئ، فمن قال إنّ القارئ لا يؤوِّل النّص من خلال فقاعة الموروث الثقافي التي يمتلكها بذاكرته، والمتمثلة بوجهات النظر المختلفة، والأحكام المسبقة، والتخوّفات، والمعارف، والمعتقدات والعادات والتقاليد؟ بارت لا يُجانب الصواب فيما يخطه بخطابه، خصوصًا عندما يذكر أنّ «القارئ إنسان لا تاريخ له[20]»، وكأنّ القارئ شخصيّةٌ من الخيال العلمي لا تمتّ للواقع بصلةٍ، فبأيّ لغة يُمكننا أن نشرّع للقارئ ونسلب عن المؤلّف وكلاهما بادئ ذي بدء، إنسان وله قدسيّته الإنسانيّة؟ بل كيف يُمكننا أن نجاري بارت فيما لا يُعقل ولا يمكن تطبيقه، خاصّة باللّامنطقيّة التي يوردها بقوله لا يوجد نصٌّ أصيل وأنّ خطاب النّص يحمل نصوصًا من الموروث الثقافي والمنازع الثقافيّة المتعدّدة التي تتراوح بين تأويلٍ متآلفٍ وآخر متنافرٍ، وكأنّه يشي بالظروف التي رافقت إنتاجه. فإذا كان النّص ليس أصيلًا والمؤلّف يمنع حالة الانبثاق الدلالي عبر التأويلات المختلفة، وينتج وهمًا، بوعيٍ منه أو من دون وعي، بالتضليل والتحريف بما يملكه من إمكانات ممكنات الموروث الفكري المعرفي، ويسيء للنّص ولا ينتجه؛ لأنّه يفتقر لعناصر الإبداع والتفرّد والكتابة الأصيلة، ما يحيلنا للاستنتاج أنّ بارت يقيم علاقةً غير أصيلةٍ لا من ناحية النص ولا من ناحية المؤلّف، وكأنّهما لا يعنيان شيئًا له. هذا بالطبع لا ينبغي أن يكون مستغربًا؛ لأنّ السيميائية التي ينتمي إليها بارت والتي يُسقطها في نصوصه ليست إلا إنكارًا للمؤلّف، وعدم مبالاةٍ بالنص[21]، ولذلك فهو يدرك وفق الرؤية السيميائيّة أنّ إلزام المؤلّف بالنّص المُنتَج وارتباطه به ليس إلّا فعلًا تولَّد عن الكتابة بتغييب المؤلّف على جميع المستويات[22]، وأنّه لا بدّ من إعادة النظر في هذه الأسطورة المسمّاة وجود المؤلّف، حيث إنّ هذه المهمّة لن تكون مهمّته وحده، بل هي مهمّة كل نقّاد المجتمع. فالمجتمع إن «لم يتصالح مع ذاته فإنّ اللغة  وهي ضرورةٌ وموجهةٌ حتمًا  تهيئ للكاتب شرطًا ممزقًا[23]. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو التالي: طالما أنّ النّص والمؤلّف لا يمثّلان الأصالة بالنسبة لبارت، أفلا تحتوي نصوصه بالذات على تراكمٍ معرفيٍّ، أم إنّ المعرفة التراكميّة لا تنطبق على نصوصه..؟ ثمّ كيف يجرّد النصّ من هويّته، وهل يمكن لنصّه بذاته أن يحقّق أصالته بدون اسم رولان بارت؟ فكيف إذًا يقدّم بارت نظريّةً نقديّةً ولا يستطيع تطبيقها بأدنى المعايير على نصوصه؟، ثمّ إنّ بارت يقول إنّ المؤلّف الكلاسيكي يتقدّم نصّه أي «يوجد قبله ويفكّر ويتألّم ويحيا من أجله، فهو يتقدّم عمله مثلما يتقدّم الأب الابن[24]، في حين ينبغي على المؤلّف بنظريته النّقدية أن يُواكب النّص في ميلاده لا أن يستبقه... فلا زمان إلا ذلك الّذي تتم عنده الكتابة[25]. هكذا نتبيّن كيف وقع بارت بخطأٍ منهجيٍّ وإشكاليةٍ معرفيّةٍ. فإذا كان المؤلّف يتقدّم النص زمانيًّا عن تأويل النص في ظلّ نظريته؟ وكيف يمكن أصلاً أن نقارب بين كاتبٍ لا يقوم بفعل القراءة، وقارئٍ لا يقوم بفعل الكتابة في ظلّ ديمومة النص؟؟ ما يورده بارت من أن وجود المؤلّف معناه إغلاق النص وإغلاق الكتابة معًا[26] هو افتعالٌ غير مبرّرٍ من قبله؛ لأنّه بذلك يهدم جزءًا أساسيًّا من النسق الذي يريده للنص اللغوي، فأصبح النص فاقدًا لجوهره وكينونته في مقابل استبدال ما تم هدمه بجزءٍ آخر أعطاه من الأهميّة الكثير في مقابل البنية اللغوية، وكذلك في مقابل النص الذي أراد له أن يفصح عن نفسه بدل الأنا، والسؤال لماذا رفض بارت أسطورة شكل النص الكلاسيكي، واعتبرها عائقًا وما المقومات التي تتناسب ونظريته؟

إشكاليّة النّص وعلاقته بموت المؤلّف

يقول بارت إنّ نظريّة النص هي «علم صناعة نسيج العنكبوت[27]»، وكلّ نصٍّ هو تناصٌّ لا مركزيّة للمؤلّف فيه، لكنّ الإشكاليّة تكمن في كتابة النص وإنتاجه، ذلك أنّه يحمل الكثير من الخفايا الإيديولوجيّة لأشياء تبدو بديهيّةً بالنسبة لأيّ فردٍ، وبالتّالي فالمعنى البديهي هو أسطورة، والأسطورة «تعني وهمًا ينبغي فضحه»[28]؛ لتتحرّر الكلمة من كلّ وهمٍ أو سلطةٍ أو أفكارٍ مسبقةٍ»، وهكذا يسحبه على أسطورة موت المؤلف التي تكشف ما يضمره من إيديولوجيا. إنّ ما يُصرّح به بارت يجوبه الاعتراف والالتواء، فهو يعترف بدور المؤلّف وأهمّيته ولو شكليًا، ويُحرّف ذلك بوجوب إقصاء المؤلف. وهذا إن دلّ على شيءٍ فعلى انكشاف الازدواجيّة التي يحملها خطابه، وهذا يُدلّل عليه ما يقوله في إحدى مقالاته» إنّ بعضهم يريد نصًّا (فنًّا، لوحةً) من غير ظلٍّ، ومقطوعًا عن الإيديولوجيا المهيمنة؛ وذلك يعني أنّهم يريدون نصًّا لا خصوبة فيه، ولا إنتاجيّة له[29]». فالنص كما يتأمّله بارت يمثل حالة انزياحٍ دائمٍ مستمرٍّ وحركة دائمة وصيرورة لتدمير التصفينات القديمة، وهو نصٌّ رمزيٌّ يعدّ جمعًا و ممرًا وانتقالًا، ويقرأ من غير أن يكون له أب؛ لأنّ الأنا التي تكتب هي أنا ورق، وهو مرتبطٌ باللذة من غير انفصالٍ[30]، وبذلك يُحقّق اللذة المنشودة التي يميّز فيها بين نص اللذة الذي لا يُحدث قطيعةً مع الثقافة فيكون مُرضيًا ويرتبط بممارسةٍ مريحةٍ للقراءة ونص المتعة الذي يجعل من الضياع حالةً ويكون مبعثًا للملل[31]، وهذا بالطبع يتطلب قارئًا يتمتّع بروح النّقد لا قارئًا مستهلكًا لإيديولوجيا المؤلف دون أدنى نقدٍ لنصه.

نلاحظ أنّ بارت يتذبذب في تقرير من سيرسم مسار فكرته عن موت المؤلّف بين النّص والقراءة والكتابة واللذّة وموت المؤلّف، فيؤكّد أنّ اللغة هي التي تتكلم، والقارئ هو المنتج والمشارك في النص؛ لأنّه في تأويله يقتحم عالم النص، بكلّ قواه الفكريّة والخياليّة ليعود ويقول إنّ «الكتابة هي السواد والبياض، الذي تتيه فيه كل هوية[32]»، ومعناها ومهمّتها يكمنان في كونها هي التي تمهّد لبلوغ نقطةٍ معيّنةٍ بحيث يكون باستطاعة اللغة فيها أن تتحرّك وحدها بعيدةً عن أي أنا[33]، ثم ليعود ويؤكّد هذه الأنا كذاتيّةٍ بشخص القارئ!!، ما يدلّ أنّ ثمّة صعوبةً وقلقًا لدى بارت في حسم رؤيته بإنتاج نظريته ومفاهيمها، خصوصًا لجهة أن ما يطرحه منفلتٌ من إيقاع الضبط والمنطقية لصالح ظاهرةٍ ما. فالمؤلّف يبقي هوية النص الذي لا يمكن بتره باعتباره حلقةً بين سلسلة حلقاتٍ مرتبطةٍ بما قبلها وبما بعدها، من ثم كيف يقصي المؤلف لصالح القارئ الذي يُنتج ويؤول النص؟؟ أليس تأويل القارئ هو أيضًا نصًّا ويخضع لما كتبه بارت عن النص؟؟

مقاربةٌ نقديّةٌ لنقد بارت:

حاولنا في هذا البحث تسليط الضوء على نظرية موت المؤلّف، وكيف سعى بارت لخلخلة السائد التقليدي في الأدبيّات الكلاسيكيّة وفي العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، لكن تبيّن عبر تتبّع نصّه كيف مال عن الصواب في خطابه حين أراد نصًّا خاليًا من هويته الرمزية (المؤلّف)، التي تمثل قيمته ومرجعيّته الأخلاقيّة، الإنسانيّة. فعندما نزع هويّة المؤلّف عن النص فقد جرّده من أصالته وسلخه عن ماضيه. فهل كان بارت ليقبل أن تكون جميع مؤلّفاته بلا تدوين اسمه عليها، وهو لم يوفر منصةً اجتماعيّةً إعلاميّةً إلا وتواجد فيها؟ وكيف لم يدرك من ينادي بموت المؤلّف أنّه وقبل كلّ شيء هو مؤلفٌ؟؟ ثم إذا تعمّقنا أكثر بما يقوله بارت بأنّ النص لا يحمل معنىً لاهوتيًا مفردًا بأن المؤلف هو{الله}، بل فضاءً متعدّد الأبعاد[34]، ألا يعني ذلك بأنّه يريد سحب نظريّته على المقدّس فيكون كل كتابٍ مقدّسٍ لا مؤلّف له؟ لا شكّ أنّنا أمام فكرةٍ خطيرة وغير بريئة، ولأنّنا سنصل إلى النقطة التي نُخرج فيها النصوص المقدّسة من إعجازها، ونعلن فيها موت الإله ليس بالمعنى النيتشوي، بل بالمعنى الأكثر فظاعة. فهذه النظريّة إنكارٌ متعمّدٌ لماهيّة وهويّة الخصوصيّة لأي نصٍّ. ثمّ إنّ النظريّة التي يتحفنا بها بارت غير مقبولةٍ إنسانيًّا وأخلاقيًّا؛ لأنّها ليست فقط تفكيكًا للمفكّك، وإنّما تكريسٌ لما هو أخطر من مجرّد نظريّةٍ لغويّةٍ، إنّها إيديولوجيا تسعى لتفكيك كلّ شيء وفي مقدّمتها القيم الإنسانيّة، فالنص والمؤلّف كلٌّ لا يتجزأ، ولا يُمكن فصل أحدهما عن الآخر، وعليه فإنّ مشروع بارت لم يكن فقط مشروعًا لنظريّةٍ تشقّ بمفاهيمها بإعلان النقد، بل هي تقويضٌ لمركزيّة الهويّة والخصوصيّة التي تمثّلها الذات بفاعليّتها الخلاقة. إنّنا نرقب في خطابه ومنظومته المفاهيميّة تجسيدًا للإيديولوجيا المسيطرة، رغم محاولته إظهار رفضها وإنكارها في نصوصه، فبمجرد أن يقول إنّ اللغة هي التي تتكلّم، فهو يؤكّد بذلك على الفصل بين الذات والموضوع الذي هو تارةً اللغة وتارةً النصّ، مثلما يؤكّد على أنّ الإنسان بكلّ قيمه ليس سوى المستهلك لما يُنتَج! إنّه ترويضٌ للعقل البشري على التنازع بين المادي والروحي وبالطبع لصالح المادي، إنّه قطيعةٌ بين مؤلفٍ ونصٍّ وبين ماديٍّ وروحيٍّ، وبين ذاتٍ وموضوعٍ، وتعليمٌ لفنّ النّزاع والقطع والفصل بشكلٍ مستمرٍّ. وهذه العملية ليست نتيجة نظريّة عشوائيّة قامت على الانتقاء غير المبرّر؛ إذ كيف لبارت الذي يريد تقديم نظريّةٍ نقديّةٍ في النص الأدبي أن يتناول كل المظاهر من موضةٍ وأزياءٍ وصحافةٍ ورياضةٍ ولا يترك شيئًا إلا وينقده ويستثني ويصمت في كلّ ما كتبه عن الشعر[35] ما يجعلنا نتساءل عن السبب الذي جعله يهمل الشعر ويبتعد عن تناوله بالنقد؟ الشعر لا يتنكّر لمؤلّفه ولروحه ولهذا حجبه عن كتاباته؟؟ هذا السؤال يطرح نفسه بقوّةٍ!!، فالإنسان هو من أبدع اللّغة والأسطورة والشعر، والأسطورة هي استلابٌ للّغة، ما يعني أنّ المؤلّف كما القارئ والشاعر كلّ واحدٍ منهم عبر لغته يقدّم خطابًا لا يُمكننا كشف ما يعتريه وما يُحيط به من توريةٍ، فكيف يميت المؤلّف ويحيي القارئ ويستثني الشاعر ويتجاهله؟؟ طالما أنّ اللغة تمثّل الحقل الإيديولوجي الأكثر اتّساعًا والعلاقة بها هي علاقةٌ سياسيّةٌ[36]، فتأويل القارئ يحمل معنًى ورمزًا كما الكاتب والشاعر، ما يعني أنّ الكل وفق نظريّته واقعٌ لا محالة في زيف أسطورة اللغة باعتبارها غير بريئةٍ على الإطلاق، وبهذا لم يكن موفقًا حين ألغى العنصر الذي يدور فيه فلك النص، كما ألغى التفاعل بين الإنسان وموضوعه بإحداثه قطيعةً بين الإنسان كاتبًا، وقارئًا، وبين النّص متجاهلًا، أنّه كما الكاتب يحمل وينقل إيديولوجيّات فكريّةٍ وثقافيّةٍ وتاريخيّةٍ، فكذلك القارئ هو حاملٌ وناقلٌ لها باعتباره يلعب مع النّص ويبحث عن ممارسةٍ لإعادة إنتاجه مرةً أخرى[37]، ما يعني أنّنا يجب أن نعلن موت القارئ كما موت المؤلّف باعتباره ماضي كتابة[38].

أخيرًا، نتساءل عمّا إذا كان بارت استطاع أن يقدّم رؤيةً حقيقيّةً غير متناقضةٍ عن موت المؤلّف في ظلّ اعترافه بأنّ نصوصه مفكّكةٌ[39]؟ وهل إنّ شعار «أنا أقرأ إذًا أنا موجود» كان كافيًا لبناء نظريّةٍ لا تعترف بأي شيءٍ خارج النّص.. ثمّ كيف لبارت الذي لا يحترم التاريخ التقليدي وينفي الاستمرار الخطّي[40] أن يزيل المؤلّف من الثالوث (مؤلّف نص قارئ) ليصبح فقط استمرارًا خطيًّا بنصٍّ وقارئٍ؟ في الحقيقة لم يكن مشروع بارت إلّا رؤيةً فوضويّةً تجلّت بلبوسٍ متناقضٍ حين أراد تطبيق منهجٍ يحكم البنية اللغويّة، لكنّه وقع بإشكاليّةٍ معرفيّةٍ لا يمكن تطبيقها على كافّة النّصوص، وعلى الواقع المعاش، وخاصّة اليوم في ظلّ تطوّر برامج التواصل الاجتماعي وتنوّعها، وحماية حقوق المؤلّفين؛ حيث إنّ المؤلّف هو الضامن لاتّساق وانسجام العمل الأدبي ووحدته الدلاليّة[41]، وهو حاضرٌ بقوّةٍ بتفاعله مع المتلقّفين لما ينشره على منصّته. بدون شكٍّ لا يمكن قبول ما قدّمه بنظريّته؛ إذ لا يمكن تصوّر نصٍّ بدون مؤلّفٍ وأبٍ شرعيٍّ له، وإلّا سيكون نصًّا لقيطًا لا يحمل أدنى مقوّماته لا شكلًا ولا مضمونًا. لذلك يمكننا القول بأنّ هذه النظريّة الخياليّة لا يمكن تطبيقها واقعيًّا؛ لأنّ الواقع أثبت أنّ حالة الانفلات التي حملها خطابه ليست إلّا انعكاسًا لإيديولوجيا السّقوط والتحلّل الأخلاقيّ الإنسانيّ الذي وقع فيه الغرب أوّلًا ومن ثم أسقطها بارت بنصّه ثانيًا باعتباره ممثلًا وحاملًا لقيمه؛ لأنّ خطابه بتحليله الخاطئ للواقع وبمنحه صفة «نصٍّ منفلتٍ بكل المعايير»، هو واقع أُريد تحقيقه ليس ورقيًّا فقط بل عمليًّا عبر سياسةٍ استعماريّةٍ رأسماليّةٍ على الشرق تسعى لمسح تاريخه وحضارته، فكيف ننسى التاريخ ونخرج المؤلّف من دائرة التاريخ؟

لقد حملت نظريّة بارت برأينا نظرةً فوضويّةً بامتياز، تعكس الفوضى التي أرادها الغرب بإيديولوجيّته لبلاد الشرق، تلك الإيديولوجيا التي تُحرّكها المصالح السياسيّة والاقتصاديّة التي وقفت وراء إنتاج نصوص بارت، فخطابه لم يستطع التحرّر من الانسياق لمفاهيم برامج فكريّةٍ معيّنةٍ وُضِعت لخدمة سلطةٍ ما؛ تودّ إلغاء التاريخ واستلاب الإنسان من كلّ قيمه.

يُمكننا القول أخيرًا إنّ خطابه لم يكن نظريّةً حقيقيّةً بقدر ما كان قطعًا وثغرةً منهجيّةً تُقصي وتستبدل وتهمل وتنتفي وفق أسسٍ غير واقعيّةٍ، وغير أصيلةٍ، فجسدت دعوةً للالتواء والابتعاد عن الحقيقة والتاريخ، وعائقًا أمام معرفتنا الصحيحة للعالم، فكانت مِنهجًا لتبديل وعينا ببرنامجٍ فكريٍّ مفكّكٍ.

-------------------------------

[1] [*]- باحثة وأستاذة الفلسفة الألمانية – جامعة دمشق – سوريا.

- إديث كريزويل: آفاق العصر ـ عصر النبويّة، ترجمة: جابر عصفور، ط1، الكويت، دار سعاد الصباح، 1993، ص249.

[2]- رولان بارت: درس السيمولوجيا، ترجمة: عبد السلام بن عبد العالي، ط2، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، 1986، ص82-83. 

[3]- ستيفان مالارميه (1842-1863): شاعر فرنسي تميّز بالرمزيّة التي وسمت جوهر قصائدة، كتب دراما شعريّة أهمّها «بعد ظهيرة إله الريف الأسطوري»، أمّا بول فاليري (1871-1945): فهو من الشعراء والكتّاب الذين تأثّروا بمالارميه ومدرسة الرمزيّة، من أشهر مؤلّفاته «محاورة الشجرة» و «روح الرقص»، أمّا مارسيل بروست (1871-1922) فكان روائي فرنسي من أشهر رواياته «البحث عن الزمن المفقود»، تعد رواياته من أشهر الأعمال الأدبيّة الفرنسيّة.

[4]- رولان بارت: لذّة النصّ، ترجمة: منذر عياشي، ط1، باريس، دار لوسوي، 1992، ص85.

[5]-  جميل حمداوي: موت المؤلّف أم عودته؟، ط1، 2017، ص17.

[6]- زكريا إبراهيم: دراسات في الفلسفة المعاصرة، لا ط، مصر، مكتبة مصر، 1968، ص8.

[7]- جميل حمداوي، موت المؤلّف أم عودته؟، م.س، ص19.

[8]- م.ن، ص20.

[9]- رولان بارت: هسهسة اللغة، ترجمة: منذر عياشي، ط1، حلب، مركز الإنماء الحضاري، 1999، ص83.                                

[10]- رولان بارت، درس السيمولوجيا، م.س، ص82.

[11]- عامر عبد الله الجميلي: الكاتب في بلاد الرافدين القديمة، جامعة الموصل، 2001، ص1-2، يذكر الكاتب في مقدّمة كتابه بعض الكتب التي حقّقت وطبعت حول الكاتب وأهميّته من مثل: كتاب الكتاب لابن درستويه (ت 347هـ) وكتاب الوزراء والكتاب للجهشياري (ت 331هـ) وكتاب أدب الكاتب للصولي (337هـ) وكتاب الولاة وكتاب القضاة للكندي (267هـ) وكتاب أدب الكتاب لابن قتيبة (267هـ) وغيرها من الكتب الأخرى التي بحثت في قدم الكاتب والدور الهام الذي كان يلعبه عبر تاريخ الفكر البشري.        

[12]- رولان بارت، لذّة النصّ، م.س، ص63-63.

[13]- رولان بارت، هسهسة اللغة، م.س، ص83.

[14]- جميل حمداوي، موت المؤلّف أم عودته؟، م.س، ص21.

[15]- رولان بارت، هسهسة اللغة، م.س، ص77.

[16]- م.ن، ص27.

[17]- جميل حمداوي، موت المؤلّف أم عودته؟، م.س، ص20.

[18]- جوناثان كولر: رولان بارت –مقدّمة قصيرة جدًّا، ترجمة: سامح فرج، ط1، القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2016، ص29.

[19]- م.ن، ص26.

[20]- رولان بارت، درس السيمولوجيا، م.س، ص87. 

[21]- جميل حمداوي، موت المؤلّف أم عودته؟، م.س، ص17.

[22]- رولان بارت، درس السيمولوجيا، م.س، ص84.

[23]- رولان بارت: الكتابة في درجة الصفر، ترجمة: محمد نديم خشفة، ط1، حلب، مركز الإنماء الحضاري، 2002، ص110.

[24]-رولان بارت، درس السيمولوجيا، م.س، ص84. 

[25]-م.ن، ص84. 

[26]- م.ن، ص86. 

[27]-رولان بارت، لذّة النص، م.س، ص109. 

[28]-جوناثان كولر، رولان بارت –مقدّمة قصيرة جدًّا، م.س، ص31. 

[29]-رولان بارت، لذّة النص، م.س، ص63-64. 

[30]-رولان بارت، هسهسة اللغة، م.س، من ص87-95 بتصرّف. 

[31]-رولان بارت، لذّة النص، م.س، ص39. 

[32]-رولان بارت: نقد وحقيقة، ترجمة: منذر عياشي، ط1، حلب، مركز الإنماء الحضاري، 1994، ص15. 

[33]-رزلان بارت، هسهسة اللغة، م.س، ص77. 

[34]-جوناثان كولر، رولان بارت مقدّمة قصيرة جدًّا، م.س، ص11. 

[35]- جوناثان كولر، رولان بارت – مقدّمة قصيرة جدًّا، م.س، ص51.

[36]- رولان بارت، هسهسة اللغة، م.س، ص108.

[37]- م.ن، ص93-94.  

[38]- رولان بارت، درس السيمولوجيا، م.س، ص84.

[39]-جوناثان كولر، رولان بارت – مقدّمة قصيرة جدًّا، م.س، ص94. 

[40]-إديث كريزويل، آفاق العصر – عصر البنيويّة، م.س، ص280. 

[41]-جميل حمداوي، موت المؤلّف أم عودته؟ م.س، ص9.