الباحث : حسين سوزنجي
تاريخ إضافة البحث : March / 25 / 2026
عدد زيارات البحث : 80
لقد تم اعتبار البحث عن أصالة أو عدم أصالة المجتمع واحدًا من مبادئ الفلسفة النظرية للتاريخ[3]؛[4] إذن يمكن بحث هذه المسألة من زاوية الموضع الناظر إلى فلسفة التاريخ.
والسؤال هو: هل المجتمع ـ بالإضافة إلى الفرد ـ له أصالة وهوية مستقلة أم لا؟ إذ لو لم يكن للمجتمع ـ بحسب الظاهر ـ أصالة مستقلة عن الأفراد، فلن يكون في البين وجود لغير الأفراد والقوانين الحاكمة على الأفراد. ونتيجة لذلك فإن فلسفة التاريخ التي تعمل على قراءة المجتمع الذي هو في حالة صيرورة وتبحث القوانين والسنن الحاكمة على المجتمع سوف تكون علمًا يفتقر إلى الموضوع[5].
وعلى أيّ حال فإن السؤال هو: هل الأصالة تكون للفرد أم للمجتمع أم هناك رأي ثالث يثبت الأصالة لهما معًا؟ إن البحث على هذه الصورة لم يكن له تلك المكانة بين المفكرين المسلمين، وربما كان أول عالم يبحث في هذا الشأن بشكل صريح هو العلامة السيّد محمّد حسين الطباطبائي؛ فقد عقد سماحته في كتابه القيّم تفسير الميزان ـ على هامش قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(آل عمران: 200) ـ بحثًا واسعًا حول المجتمع الإسلامي، وتحدّث في الفصل الرابع من ذلك البحث وبشكل محدّد حول العلاقة بين الفرد والمجتمع وأصالتهما، وبحث بشكل مستقل حول الأبحاث المذكورة بين المفكرين الغربيين في نقد أصالة الفرد بشكل محض وأصالة المجتمع بشكل محض، وطرح رأيًا ثالثًا يمكن تسميته بالأصالة المشتركة بين الفرد والمجتمع[6].
وقد عمد الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري إلى توسيع هذا البحث في الكثير من أعماله ومؤلفاته المتنوّعة، وتناول مختلف أبعاده وزواياه المتنوعة مع نظرة جانبية إلى آراء المفكرين الغربيين في هذا الشأن أيضًا، وأقام أدلة جديدة في تعزيز وتقوية هذا الرأي الذي طرحه العلامة الطباطبائي. ثم جاء بعد ذلك دور الأستاذ الشيخ محمّد تقي مصباح اليزدي ليردّ على أبحاث الشهيد المطهري فيما يتعلق ببحث آراء الغربيين (دون أن يُسمِّه بطبيعة الحال)، وادعى استحالة الدفاع الفلسفي عن أصالة المجتمع بأيّ حال من الأحوال. سواء من موضع مستقل (أصالة المجتمع المحض) أو حتى من موضع التلفيق بينها وبين أصالة الفرد.
نهدف في هذه المقالة إلى بيان رؤية هذين المفكرين المسلمين والحكم بينهما، وبالنظر إلى إصرار كلا الطرفين على إسناد رؤيته إلى القرآن، عمدنا إلى بيان تأمّل حول بعض آيات القرآن الكريم أيضًا، وسوف يكون لنا ـ من خلال هذا البحث ـ تأمّل في حقل رؤية القرآن الكريم في هذا الشأن أيضًا.
وحيث أن فهم صورة المسألة يلعب دورًا ملحوظًا في الإجابة عنها، سوف نعم على تنظيم بحثنا ضمن قسمين. في القسم الأول سنعمل على بيان صورة المسألة وتقديم صورة واضحة عنها، ولهذه الغاية بعد تقديم تعريف إجمالي عن الآراء الثلاثة في أصالة الفرد وأصالة المجتمع وأصالة الأمرين معًا، سوف ننتقل إلى بيان أهم المبادئ التصورية لهذا البحث. وسوف نعمل في البداية على بيان المراد من مفهوم الأصالة، ثم وبالنظر إلى أن كل رؤية في باب المجتمع تعمد ـ على كل حال ـ إلى التعريف بالمجتمع بوصفه نوع تكوين من الأفراد، سوف نعمل على بيان أنواع المعاني التي يمكن افتراضها لهذا التكوين. وفي الخطوة اللاحقة وبالنظر إلى اتضاح المبادئ التصورية، سوف ننتقل إلى التقرير الدقيق لمحل النزاع وبيان نقاط الاشتراك والافتراق بين آراء هذين المفكرين الكبيرين، ليتضح ما هو الشيء الذي نسعى من خلال الأدلة إلى إثباته أو رفضه.
وفي القسم الثاني سوف ننتقل إلى أدلة البحث، حيث سنذكر المسألة ضمن محورين وهما: محور الأدلة الفلسفية، ومحور الأدلة القرآنية، وحيث أن الشهيد المطهري كان يذكر هذه الأدلة عمومًا، وكان الأستاذ مصباح اليزدي يعمل على نقدها، سوف نعمل بدورنا على تقرير بيان أدلة وكلمات هذين العلمين، لننتقل بعد ذلك إلى النقد والبحث والحكم بهذا الشأن.
القسم الأول: بيان المسألة
1. التعريف الإجمالي برؤية أصالة الفرد وأصالة المجتمع وأصالتهما معًا
أ. أصالة الفرد: إن القول بأصالة الفرد والذي يعود بجذوره ـ في معنى من المعاني ـ إلى فلسفة رينيه ديكارت، يرى «أن الأفراد هم وحدهم الذين يفكرون ويعملون، وليس للمجتمع من تلقائه أيّ واقعية في البين، وليس في البين شيء سوى مجموعة من الأفراد وأشكال العلاقات القائمة بين هؤلاء الأفراد. إن المجتمع إنما هو حصيلة الجمع بين كافة أفراده وليس شيئًا وراء ذلك، والمراد من تأثير المجتمع في الفرد ليس شيئًا سوى تأثير سائر أفراد المجتمع على فرد بعينه. كما أن المراد من حقوق وواجبات الفرد تجاه المجتمع بدوره ليس سوى حقوق وواجبات الفرد تجاه سائر أفراد المجتمع أيضًا»[7]. وعلى حدّ تعبير جون ستيوارت ميل وهو واحد من كبار الدعاة إلى النزعة الفردانية: «إن أفراد البشرية عندما يجتمعون حول بعضهم لا يتحوّلون إلى مادة جديدة»[8]. إن الناس في المجتمع ليس لهم صفة أو خصوصية، سوى تلك التي تنشأ من قوانين طبيعة الفرد البشري[9].
إن القائلين بأصالة الفرد، يعتبرون علم الاجتماع نوعًا خاصًا من علم النفس؛ حيث يتمّ التعرّض فيه إلى دراسة النفسيات التي تتبلور كنتيجة للتلاقي بين مختلف أنواع الوجدان[10]. من ذلك أنه من وجهة نظر ماكس فيبر ـ بوصفه خبيرًا في حقل علم الاجتماع وقائلًا بأصالة الفرد ـ يذهب إلى القول: «إن المجتمع ليس له واقعية قائمة بذاتها، وعليه يجب النظر في الظواهر الاجتماعية من خلال الأفعال والسلوكيات المفهومة لأفراد الإنسان فقط»[11]. وخلاصة القول هي أن الشعب ـ في ضوء هذا الرأي ـ ليس سوى مجموعة من أفراد الإنسان والتعامل الذي يحدث بينهم[12].
ب. أصالة المجتمع: في النقطة المقابلة لأصالة الفرد، يذهب القائلون بأصالة المجتمع ـ من خلال التأكيد على الخصوصية الجماعية للظواهر الاجتماعية ـ إلى اعتبار المجتمع حقيقة عينية تمتاز من الأفراد الذين يتألف منهم، وله آثار وصفات خاصة لا ترى في أفراد الناس. ويذهب هؤلاء إلى الاعتقاد بأن المجتمع هو وحده الذي يتصف بالأصالة الواقعية، وإن الفرد ليس له سوى واقعية تبعية فقط. وكما أن الفرد الإنساني كل مركّب وله حياة واحدة لا تمتلكها مجموع أعضاء البدن، فإن المجتمع البشري بدوره يتألف من الأفراد، وله حياته الخاصة التي لا يمتكلها أفراد الناس بشكل متفرّق.
وقد ذهب هيجل ـ بوصفه الفيلسوف الأهم في هذه المدرسة ـ إلى القول: «ليس هناك سوى مقولة واحدة وحقية واحدة، وهي العلاقات والارتباطات؛ وعلى هذا الأساس فإن الجواهر ـ مثل أفراد الإنسان ـ تتعيّن بواسطة ارتباطاتها. ولذلك فإنها إنما تكون موجودة باعتبار هذه الروابط والعلاقات. وعليه حيث يكون الأمر كذلك يمكن للمجتمع بل ويجب اعتباره بوصفه كلًا حقيقيًا. إن الفرد الإنساني الذي يكتسب تعيّنه من خلال العلاقات الاجتماعية، يتجلّى هنا على شكل أمر فرعي، وهو شيء أدنى من المجتمع الواقعي والحقيقي»[13].
يرى أنصار أصالة المجتمع أن «الإنسان قبل الدخول إلى المجتمع يكون محض وجود بالقوّة، ولا يكتسب هويته وشخصيته الفعلية إلا ضمن المجتمع»[14].
إن كل فرد إنساني يولد في المجتمع في مرحلة من التاريخ، ومنذ أيامه الأولى في هذه الحياة تتبلور شخصيته ضمن ذلك المجتمع. إن البيئة الاجتماعية لها تأثير تام في تعيين أسلوب ونمط تفكيره. وليس له أيّ سلوك فردي بحت. يذهب علماء الاجتماع إلى الاعتقاد بأن جميع أفكار ومشاعر وقرارات الفرد إنما تحدث في سياق تأثير الأوضاع والأحوال الاجتماعية، وليس لإرادة الفرد أيّ قدرة على الوقوف بوجه المجتمع، بل هو على الدوام تابع للمجتمع. إن أوجست كونت بالنظر إلى هذا الاستدلال قال بأن علم النفس لا موضوع له[15]. وعلى حدّ تعبير دوركهايم: «كما أن الخلية الحية تتكوّن من مجموعة من الذرات الميّتة، إلا أن هذا التركّب قد أحدث تمظهرًا جديدًا من مظاهر الحياة، حيث لا يمكن العثور على هذه الحياة في أيّ واحد من عناصر تلك الخلية. والمجتمع بدوره ليس حصيلة تجمّع بسيط من الأفراد، بل هو منظومة مؤلفة من تركيب هؤلاء الأفراد مع بعضهم، الأمر الذي يحكي عن واقعية خاصّة ولها خصائص تمتاز بها من سواها»[16].
ج. أصالة الفرد والمجتمع: يذهب هذا الرأي إلى الاعتقاد بأن أصحاب كلا الرأيين السابقين قد توصلوا إلى قسط من الحقيقة، ولكنهم عجزوا في الوقت نفسه عن تفسير بعض المسائل. وفي المقابل يذهب التيار القائل بالنزعة الاجتماعية إلى الاعتقاد بأن المجتمع شديد التأثير في في بلورة شخصية الفرد، ويلعب دورًا ملحوظًا ومحوريًا في تفعيل قابليات وإمكانات الفرد بل وحتى توجيهها أيضًا؛ بيد أن هذا الأمر ليس بحيث يعمل على إذابة وتحليل فردية الفرد بالكامل، ويضع الفرد على الدوام بوصفه شيئًا منفصلًا على نحو بحت في قبال المجتمع؛ بل إن للفرد عقلًا وإرادة، وهو يتمكن بهما من الوقوف في وجه المجتمع. وهناك ـ بطبيعة الحال ـ من يقول في قبال الرأي القائل بالنزعة الفردية بأن المجتمع ليس مجرّد اجتماع قسري للأفعال وإرادة الأفراد؛ بل إن للمجتمع بدوره شخصية لها حياة وموت أيضًا؛ وذلك لأن مصير الأفراد في المجتمع من الارتباط الوثيق بحيث يمكن الحديث عن المصير المشترك والإرادة الجماعية بوضوح. وباختصار فإن المجتمع ليس مجرّد مجموعة من الآراء والعقائد والإرادات التي تصدر عن الأشخاص فردًا فردًا؛ بل هناك كذلك حضور وتحقق لإرادة جماعية وحياة جماعية أيضًا[17].
2. مفهوم الأصالة
ربما كان المصطلح الأهم في هذا البحث هو مصطلح الأصالة. ولذلك نقول قبل كل شيء: إن المراد من الأصالة عبارة عن مبحث التحقق العيني الخارجي؛ بمعنى الواقعية التي تتجاوز اعتباراتنا الذهنية والعقدية. وفي الواقع فإن البحث يكمن في أن الفرد هل له شخصية واقعية وقائمة بذاتها، وما المجتمع سوى مفهوم اعتباري، أم أن الذي يمتلك الشخصية في الواقع هو المجتمع، وإن الفرد تكون شخصيته وهويته تابعة بشكل كامل للشخصية والوجود الجمعي للمجتمع، وبذلك يكون القول بوجود شخصية للفرد المستقل عن المجتمع أمرًا اعتباريًا، أم هناك في البين رأي ثالث يقول بأن لكل من الفرد والمجتمع شخصية واقعية وحقيقية؟
أما النقطة الثانية التي يجب الاهتمام بها في بحث الأصالة، فهي أن البحث ـ على حدّ تعبير بعض المفكرين ـ يدور حول «الأنا» للأشخاص، وليس حول «أجسام» الأشخاص[18]. لو كان المعيار هو الشخص والجسم المادي والفيزيقي له بل وحتى الجسم الحيواني للناس، فليس هناك من شك في أن الذي يكون له تحقق خارجي إنما هو الفرد، وإن المجتمع بهذا المعنى ليس سوى مجموعة اعتبارية ليس لها أيّ نصيب من الواقعية العينية والخارجية. وأما لو نقلنا البحث إلى «الأنا»، و«الشخصية» للناس، عندها يطرح هذا السؤال نفسه على نحو جاد، ويقول: هل الفرد هو الذي يصنع المجتمع، أو المجتمع هو الذي يصنع الفرد، أو هناك تأثير متبادل لكل منهما في الآخر؟ وبعبارة أدق: هل الشخصية الفردية هي التي يكون لها وجود حقيقي وعلى نحو الاستقلال، وما المجتمع سوى اعتبار ينتزع من مجموع هذه الشخصيات، أم الذي يكون له شخصية وسلوك وحقيقة من تلقاء نفسه هو المجتمع، وأما الفرد فلا يصل إلى الهوية الواقعية والشخصية الحقيقية إلا في ظل المجتمع؛ بحيث لو أخذنا الفرد بنظر الاعتبار بوصفه منفصلًا عن المجتمع، لن يبقى منه إلا صورة الهيكل الفسيولوجي، أم هناك شقّ ثالث في البين، بحيث تكون للفرد شيء من نفسه بحيث لا يكون عدمًا لو فصلناه عن المجتمع، ويكون للمجتمع في الوقت نفسه بحيث يترك تأثيره على الأشخاص فردًا فردًا؟
3. معاني (أو أقسام)[19] التركيب
إن المفهوم الآخر الذي يتصف بالضرورة لإيضاح بحثنا، هو مصطلح «التركيب». إن المجتمع على كل حال تركيب من الأفراد، وفي التقسيم الثنائي يمكن تقسيم التركيب إلى قسمين، وهما: التركيب الحقيقي، والتركيب الاعتباري. وإن كان التركيب في نظرة أعمق يمكن حمله على موارد متعدّدة، وليس من اللازم تحديد وبيان حدوده بهذين العنوانين. وعلى كل حال فإن الحدّ الأدنى في الملاك القطعي المذكور من أجل اعتبار التركيب حقيقيًا أو اعتباريًا، هو هل المجموع المركّب يكون منشأ لآثار تختلف عن مجموع آثار الأجزاء أم لا؟ وبعبارة أخرى: في هذا التركيب هل تحقق أمر أكثر من الجمع القهري والجبري بين الأجزاء أم لا؟ لو أمكن العثور على أمر وراء الأجزاء، فذلك هو المركّب والتركيب الحقيقي، وإلا فإنه يكون اعتباريًا[20]. فيما يتعلق بتركيب مجموعة من الرمال أو قطيع الأغنام يمكن القول بكل يُسر إنه تركيب اعتباري، وفي مورد تركيب الأوكسجين والهيدروجين في تكوين الماء، يمكن القول بوضوح بأنه قد حدث تركيب حقيقي، ولكن من أيّ هذين النوعين من التركيب يمكن تصنيف تركيب المجتمع؟
لو توجهنا بالنظر إلى مفهوم باسم «المجتمع» ثانية إلى مفهوم «التركيب»، فسوف نرى أنه يمكن العثور على خمسة معان للتركيب، حيث تمّ بيان تركب المجتمع بهذه المعاني الخمسة، وبالمناسبة فإن الرأيين المتقاربين اللذين يقعان بين المعنيين السابقين، هما الموضع الأصل في النزاع، وأما تلك المعاني الخمسة فهي كالآتي:
أ. النوع الأول من أنواع التركيب الذي يصدق تعبير التركيب الاعتباري في مورده بشكل قاطع، هو النوع الذي يقال عند ضمّ عدد من الأمور إلى بعضها، وهي الحالة التي لا تفقد فيها الأجزاء هويتها ولا استقلال أثرها، وإن أثر المجموع هو ذات مجموع أثر آحاد الأفراد؛ من قبيل قطيع الغنم الذي سبق ذكره، وبطبيعة الحال عندما يتمّ التدقيق في المسألة بشكل أكبر، قد يذهب الظن بحدوث أثر جديد، في حين يتضح بشكل دقيق أن هذا الأثر الجديد في الواقع هو ذات «مجموع آثار الأفراد» حيث تمّ النظر إليه مرّة واحدة وفي موضع واحد؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الغابة تحظى بمثل هذا التركيب؛ بمعنى أن وجود الغابة إذا كان له تأثير في هواء المنطقة ومائها، فإن هذا التأثير هو «مجموع تأثير الأشجار» حيث لم يكن هذا التأثير محسوسًا بالنسبة إلى العدد القليل من الأشجار. أو عندما يقال ـ مثلًا ـ إن جذع الشجرة الذي يزن خمسة أطنان يمكن لعشرة أشخاص أن يرفعوه عاليًا إذا ساعد بعضهم بعضًا، ولكن لا يمكن لأيّ واحد منهم أن يرفعه لوحده؛ فهذا لا يعني أنه إذا اجتمع هؤلاء الأفراد سوف تحصل قوّة جديدة، بل إن هذه القوّة هي ذات «مجموع قوى الأشخاص المذكورين».يبدو أن مثل هذا الرأي حول المجتمع هو أشدّ أنواع الفردانية تطرفًا.
ب. النوع الآخر من التركيب هو حيث تحافظ الأجزاء المركّبة على هويتها؛ ولكنها تفقد استقلال أثرها، وتحدث أثرًا جديدًا. يمكن العثور على نموذج بارز لهذا النوع من التركيب في المركّبات الصناعية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الحافلة تنقل الأشياء من مكان إلى مكان آخر بسرعة معيّنة؛ في حين أن هذا الأثر (الانتقال) لا يتعلق بجزء خاص ولا بمجموع الأفراد في حالة الاستقلال. هناك في الحافلة تعاون وارتباط وتلاحم بين الأجزاء؛ ولكن لا يحدث محو لهوية الأجزاء في هوية الكل، بل الكل ليس له وجود مستقل عن وجود الأجزاء. إن الكل عبارة عن مجموع الأجزاء بالإضافة إلى الارتباط بينها. وهناك من يعتبر هذا ـ بسبب ولادة أثر جديد بالإضافة إلى أثر آحاد الأجزاء ـ من مصاديق التركيب الحقيقي[21]، وهناك من يذهب إلى الاعتقاد بعدم حدوث شيء جديد في البين باسم الكل حيث يكون له وجود غير وجود الأجزاء، ويعتبرون هذا الأمر من المركّب الاعتباري[22].
ج. النوع الثالث من أنواع التركيب والذي هو تركيب حقيقي على نحو القطع واليقين، هو حيث يكون للأجزاء قبل التركيب هويتها وآثارها الخاصّة، وبعد التركيب وبفعل التأثير والتأثر المتبادل فيما بينها، تتوفر الأرضية لحدوث شيء جديد له هوية جديدة وتترتب عليه آثار جديدة. والمثال البارز لهذا النوع من التركيب يمكن العثور عليه في المركبات الطبيعية. إن لكل واحد من الأوكسجين والهيدروجين قبل التركيب آثاره وهويته الخاصة، وبعد التركيب وتكوّن الماء تحدث هوية جديدة لها آثارها الجديدة.
د. النوع الرابع للتركيب والذي ذكره بعضهم، هو أن الأجزاء قبل التركيب لم يكن لها أيّ هوية من تلقاء نفسها، وإنما تكتسب الهوية والواقعية بالفعل من خلال التركيب. لقد ذكر هذا النوع من التركيب بعض علماء الاجتماع (من أمثال الفيلسوف الألماني أتواشبان) بشأن ماهية المجتمع، وقالوا بأن الفرد قبل قيام المجتمع بالقوّة المحضة، ولا يكتسب الهوية والفعلية إلا بعد انضمامه إلى المجتمع[23]. وهذا في الواقع من أكثر أنواع أصالة المجتمع تطرّفًا؛ وبطبيعة الحال يبدو أنا لو دققنا النظر من الناحية الفلسفية بشكل أكبر، فسوف نتمكن من إحالة هذا الرأي إلى الرأي السابق؛ وذلك لأن هؤلاء لا ينكرون الفرد بلحاظ الوجود الفيزيقي الخارجي، بل ينكرون الفرد وهويته بلحاظ الشخصية. وعليه يمكن القول حتى في هذا المورد مع الحفاظ على الفرضيات السابقة لهؤلاء العلماء الاجتماعيين: إن الأفراد قبل الدخول إلى المجتمع لهم هويتهم (بالمعنى الفلسفي للكلمة؛ بمعنى الوجود العيني) وآثارهم الخاصّة (وإن كانت هذه الهوية في حدّ الهوية الحيوانية)، ولكن بعد الدخول إلى المجتمع، يكتسبون هوية وآثارًا جديدة. وبعبارة أخرى: لو اعتبرنا الهوية بمعنى الشخصية الإنسانية فإن هذا الرأس سوف يكون مختلفًا عن الرأي السابق، وأما إذا اعتبرناه بالمعنى الفلسفي للموجودية، فلن يبقى هناك اختلاف بين هذين المعنيين من التركيب.
هـ. إن النوع الخامس الذي يمكن افتراضه لمعنى التركيب، هو أن الأجزاء قبل التركيب لها هويتها وآثارها الخاصة، وبعد التركيب تولد هوية وآثار جديدة، ولكن لا بحيث تمحو الهوية والآثار السابقة، بل إن هاتين الهويتين تقعان في طول[24] بعضهما بنحو من الأنحاء. في هذا المعنى تكون هناك أصالة للفرد وأصالة للمجتمع أيضًا؛ بمعنى أن للفرد هوية وآثار من نفسه، وبعد الانضمام إلى المجتمع تظهر هوية ثانوية وآثار جماعية أيضًا.
4. تقرير محل النزاع
بعد هذه المقدمات يمكن الوصول إلى فهم أفضل لرؤية هذين الفكرين مورد البحث (وهما: الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري، والأستاذ الشيخ محمّد تقي مصباح اليزدي). لقد ذهب الشيخ المطهري صراحة إلى القول بالنوع الخامس من التركيب بشأن المجتمع. وقد أوضح وجهة نظره في هذا الشأن قائلًا:
«إن هذا التركيب حيث يكون فيه للأجزاء تأثير وتأثر عيني في بعضها، ويؤديان إلى تغيير بعضهما، ويكتسبان هوية جديدة، فإنه بذلك يُشبه المركبات الطبيعية [التركيب من النوع الثالث]؛ ولكن حيث لا يكون هناك وجود للكل المركّب بوصفه واحدًا واقعيًا [مستقلًا]، فإنه يختلف عن سائر المركبات الطبيعية الأخرى. في المركبات الطبيعية تكتسب هوية الأفراد هوية أخرى، ويكون المركّب بدوره واحدًا واقعيًا؛ بمعنى أنه ليست هناك سوى هوية واحدة، وإن كثرة الأجزاء قد تحوّلت إلى وحدة الكل؛ وأما في تركيب الفرد والمجتمع فيكون التركيب تركيبًا واقعيًا؛ وذلك إذ يحدث التأثير والتأثر والفعل والانفعال الواقعي، وتكتسب الأجزاء المركّبة هوية وصورة جديدة، بيد أن الكثرة لا تتحوّل إلى وحدة بأيّ وجه من الوجوه. ليس هناك وجود للإنسان الكل بوصفه واحدًا واقعيًا تحللت فيه الكثرات، وإن الإنسان الكل هو ذات مجموع الأفراد، وله وجود اعتباري وانتزاعي»[25].
رأي الأستاذ مصباح اليزدي، هو المعنى الثاني من التركيب؛ فهو يرى للتركيب قسمين فقط، وهما: التركيب الحقيقي، والتركيب الاعتباري. وفي البداية قال بأن ملاك التركيب الحقيقي هو أنه بالإضافة إلى الأجزاء المكوّنة للكل، يجب أن يكون هناك موجود حقيقي آخر بحيث يلقي بظلاله على جميع الأجزاء، ويكون منشأ لآثار أخرى غير مجموع آثار الأجزاء؛ وأما في المركّب الاعتباري فيكون للأجزاء المركّبة وجودات مستقلة وآثارها المنفصلة، وإن الآثار التي تنشأ من المركّب، ليست سوى مجموع آثار آحاد الأجزاء[26]. وبهذا المقدار من التوضيح يجب اعتباره من القائلين بالرأي الأول في معنى التركيب؛ وأما المزيد من توضيحه فيعود إلى الرأي الثاني صراحة؛ إذ يقول:
«إن أفراد المجتمع ـ بطبيعة الحال ـ ليسوا مثل حبات الرمل الموجودة في التلة الرملية؛ بل إنهم على علم بوجود بعضهم كما أنهم يقيمون علاقات متبادلة فيما بينهم، وهناك تأثير وتأثر متبادل فيما بينهم، وكذلك فأنهم لا يكونون على مرتبة واحدة؛ ومن هنا فإن تلة الرمل ليست أسمى وأكثر من تراكم حبات الرمل بأي وجه من الوجوه، هذا في حين أن المجتمع هو حاصل جمع كافة أفراده، بالإضافة إلى ضم مجموع العلاقات والروابط القائمة بينهم. بيد أن المهم في البين هو أن تركيب الأفراد والتأثير والتأثر بينهم ليس تركيبًا حقيقيًا، حتى نتمكن من اعتبار المجتمع واحدًا حقيقيًا ... إن المجتمع ليس سوى الأفراد وأشكال العلاقات القائمة بينهم ... إن الفردانية لا تعتبر الأفعال والانفعالات التي تحدث بين الناس شيئًا غير واقعي؛ ولكنه يعتبرها قائمة بذات الأفراد ومن آثارهم. إن هذا الاتجاه لا يعتبر المجتمع ـ الذي هو حاصل تجمّع أفراد الإنسان وكذلك جميع العلاقات والتعاملات القائمة بينهم ـ مركبًا واقعيًا وواحدًا حقيقيًا، وبناء على هذا لا يراها ذات آثار ومزايا خاصّة، ويعتبر جميع الظواهر الاجتماعية قابلة للتبرير والتفسير النفسي»[27].
إلى هنا قد يذهب الظن ببعضهم إلى القول بأن الاختلاف بين هذين المفكرين، إنما هو اختلاف لفظي؛ وذلك لأن الشهيد المطهري قد ذهب في موضع إلى اعتبار «الكل بمعنى مجموع الأجزاء بالإضافة إلى الارتباط بينها» مركبًا حقيقيًا[28]. فعلى الرغم من قوله بأصالة الفرد، أفتى كذلك ـ بنحو من الأنحاء ـ بأصالة المجتمع أيضًا. في حين أن الأستاذ مصباح اليزدي قد صرّح في العبارات السابقة باعتبار هذا مركبًا اعتباريًا؛ ومن هنا فقد ذهب إلى الاعتقاد بأصالة الفرد. بيد أن الحقيقة هي: أننا من خلال المعاني الخمسة التي ذكرناها للتركيب، نجد أن رأي الأستاذ مصباح اليزدي عبارة عن الرأي الثاني، وأن رأي الشهيد مرتضى المطهري هو الرأي الخامس، ولا يزال الاختلاف بينهما قائمًا. ولكي نحكم بين هاتين الرؤيتين بشكل أفضل، من المناسب أن نشير إلى مواطن الاشتراك والافتراق بين هذين الرأيين:
أ. نقاط الاشتراك بين هذين الرأيين
1. إن كلتا الرؤيتين تذهب إلى القول بأصالة الفرد على نحو الإجمال؛ بمعنى أنهما يذهبان إلى الاعتقاد بوجود المواهب الفطرية في وجود الإنسان؛ حيث يمتلك كل إنسان هذه الفطرة قبل تشكيل المجتمع ومتقدمة على الحياة الاجتماعية؛ بحيث أن انخراط الفرد في المجتمع لا يخضع هذا الفرد للتأثير مئة مئة، ويبقى هناك حيّز للعقل والإرادة الشخصية لدى الفرد.
2. إن كلتا الرؤيتين تقرّ بوجود العلاقات بين الناس والتأثير والتأثر المتبادل بين أفراد المجتمع، حيث يؤمن هذان المفكران بإمكان تأثير وتأثر الأشخاص في بعضهم.
3. إن كلتا الرؤيتين تنكر وجود المجتمع في موقع الإنسان الكل، وبهذا المعنى يعتبرانه وجودًا اعتباريًا وانتزاعيًا، وليس وجودًا عينيًا وحقيقيًا؛ بمعنى أن كلا الرأيين يذهبان إلى إنكار وجود المجتمع في موقع الواحد الحقيقي الذي تحللت فيه التكثرات والتعدديات.
ب. نقاط الافتراق
إن نقطة الافتراق الأصلية تكمن في السؤال القائل: هل يكتسب الأفراد بعد انخراطهم في المجتمع هوية واقعية جديدة؛ بحيث يمكن الحديث عن الأنا الجماعية للفرد بالإضافة إلى الأنا الفردية؟ وهل يمكن الحديث عن آثار الجتمع بما هو مجتمع؟ أو إرجاع جميع آثار المجتمع إلى آثار أفراد المجتمع (أي: آثار المجتمع بما هو أفراد)؟ وبعبارة أخرى: هل يمكن الإقرار بعلم الاجتماع بشكل مستقل عن أبحاث علم النفس أيضًا أم لا؟ (وبطبيعة الحال فإن الشهيد المطهري بدوره يقول بتقدّم علم النفس على علم الاجتماع أيضًا، بمعنى أن علم النفس في تحليل السلوكيات البشرية يتقدّم على علم الاجتماع[29]. ولكن لا بمعنى أن جميع أبحاث علم الاجتماع يمكن بيانها ضمن أبحاث علم النفس[30].
القسم الثاني: مناقشة أدلة الطرفين
إن البحث السابق ربما كان تفصيليًا إلى حدّ ما، ولكنه يبدو ضروريًا لإيضاح صورة المسألة، والآن يمكن لنا بعد امتلاك صورة واضحة عن المسألة أن ننتقل إلى مناقشة الأدلة في هذا الشأن؛ إذ اتضح الآن ما هو الشيء الذي يجب إثباته أو ردّه. وحيث أن هذه الأبحاث قد تمّ تناولها بالبحث أولًا في أعمال الشهيد المطهري، ثم قام الأستاذ مصباح اليزدي بذكر أبحاثه بالنظر إلى آراء الشهيد المطهري، فسوف نعمل بدورنا على بيان آراء الشهيد المطهري أولًا، ثم ننتقل بعد ذلك إلى بيان نقد وأجوبة الأستاذ مصباح اليزدي، وبعد ذلك نقوم بالنقد والحكم بينهما. وكما سبق أن ذكرنا فإننا سوف ننظم البحث ضمن محورين، وهما: محور الأدلة الفلسفية، ومحور الأدلة القرآنية:
1.الأدلة الفلسفية
إن الدليل الفلسفي الأهم في مورد البحث عبارة عن قانونية المجتمع والتاريخ. يذهب الشهيد مرتضى المطهري إلى الاعتقاد قائلًا: «إذا لم يكن للمجمع أصالة بشكل مستقل عن الأفراد، فلن يكون هناك سوى الأفراد والقوانين الحاكمة عليهم، ونتيجة لذلك فإن علم التاريخ (وعلم الاجتماع) ـ الذي هو العلم بالقواعد والسنن الحاكمة على المجتمعات؛ حيث الأول يبحث في قوانين «صيرورة» المجتمعات، والثاني يبحث في قوانين «كينونة» المجتمعات»[31] ـ سوف يكون بلا موضوع. وأما الأستاذ مصباح اليزدي فقد ذهب إلى الادعاء بعدم وجود تلازم بين قانونية المجتمع وأصالته الفلسفية، و«يمكن أن لا نؤمن بالوجود الحقيقي للمجتمع، ونقول في الوقت نفسه بوجود القوانين الاجتماعية بمعنى القوانين الحاكمة على العلاقات المتبادلة بين مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية في المجتمع، والسرّ في ذلك يكمن في أن المجتمع وإن لم يكن له وجود حقيقي، وإن مفهوم «المجتمع» مفهوم اعتباري وانتزاعي، بيد أن لمنشأ انتزاع هذا المفهوم وجود عيني خارجي، وباعتبار هذا المنشأ للانتزاع الموجود في الخارج، تكون القوانين الاجتماعية حقيقية وعينية»[32].
نقد ومناقشة
في بحث ومناقشة هذا المطلب، لا بدّ من أخذ نقطتين بنظر الاعتبار، وهما أولًا: ما هو المراد من موجودية المجتمع؟ وثانيًا: على أيّ نحو من الأنحاء يدلّ وجود القوانين الاجتماعية على وجود المجتمع؟
فيما يتعلق بالنقطة الأولى، فإن الأستاذ مصباح اليزدي ـ على ما سبق أن ذكرنا ـ يقول بأن المجتمع ليس له ما بإزاء خارجي؛ بيد أن له منشأ انتزاع عيني وخارجي، ويجب أن نتساءل: وهل كان موضع البحث شيئًا آخر؟ وفي الواقع يبدو أن الأستاذ مصباح اليزدي حيث يتعرّض بالنقد لأصالة المجتمع بالتحديد، يعمل على تفسير المجتمع بالتحديد بأنه أمر اعتباري بالكامل (بمعنى أنه أمر تعاقدي) بل ويصرّح قائلًا: «نحن نعمل على اعتبار الوحدة، لا أنهم يكونون متحدين في الواقع»[33]. بيد أنه قال بأن اعتبارية المجتمع هنا بمعنى المعقول الثاني الفلسفي الذي له منشأ انتزاع خارجي، وكما سبق أن ذكرنا فإن رأي الشهيد مرتضى المطهري بشأن واقعية المجتمع لم يكن بالضرورة بمعنى المعقول الأولي (أن يكون له ما بإزاء عيني)، وقد صرّح بأننا لو اعتبرناه بمعنى المعقول الأولي (الإنسان الكل) فسوف يكون ذلك من الخطأ، وبهذا المعنى يكون للمجتمع مجرد وجود انتزاعي واعتباري (إن الضم والوضع الانتزاعي والاعتباري، يثبت أن المراد من الاعتبار ليس هو الوضع، بل هو المعقول الثاني الفلسفي). وفي الواقع يبدو أنه في أبحاث الأستاذ مصباح اليزدي لا يتمّ التفكيك اللازم بين الواقعية وبين المعقولية الأولية، وهذه هي المعضلة الموجودة في أفكار النزعة الفردية الغربية.
إذ لا وجود في الفلسفات الغربية أمر على شكل المعقول الثاني الفلسفي، ولو تمّ نفي أمر ما بإزاء العينية؛ فإن ذلك الأمر سوف يتمّ فهمه على أنه أمر وضعي وغير واقعي، في حين أنه يتمّ في الفلسفة الإسلامية إثبات أن ذلك الأمر أمرًا تعاقديًا وغير واقعي، في حين أنه يتمّ في الفلسفة الإسلامية إثبات أن الواقعية أعم من وجود ما بإزاء عيني. والمثال البارز على ذلك هو العلية التي ليس لها ما بإزاء؛ ولكنه واقعي وأن الشهيد مرتضى المطهري يأخذه بهذا المعنى عند دفاعه عن أصالة المجتمع. من المناسب أن نعيد الالتفات إلى عبارة الشهيد مرتضى المطهري بهذا الشأن:
«إن التركيب في المجتمع والفرد تركيب واقعي، وتكتسب الأجزاء المركّبة ـ التي هي عبارة عن أفراد المجتمع ـ هوية وصورة جديدة، بيد أن الكثرة لا تتحوّل إلى وحدة بأيّ وجه من الوجوه. وليس هناك وجود لـ «الإنسان الكل» بوصفه واحدًا واقعيًا تحللت فيه الكثرات، وإن الإنسان الكل هو ذات مجموع الأفراد، وله وجود اعتباري وانتزاعي»[34].
النقطة الثانية أن القوانين الاجتماعية إنما تدلّ على وجود المجتمع حيث يمكن العثور على قوانين خاصة بالمجتمع غير القوانين الفردية. وهذه هي النقطة التي التفت لها الأستاذ مصباح اليزدي، وقال في هذا الشأن:
«إنما يمكن القول بوجود القوانين الاجتماعية الحقيقية، حيث يتمّ إثبات قوانين أخرى حاكمة على الأفراد غير تلك القوانين الفردية أيضًا، بحيث يكتسب ذلك مصداقًا عندما يقبل الأفراد بعضوية الجماعات والطبقات»[35].
ثم أوضح قائلًا: «لقد سبق أن أشرنا إلى جواب هذه المسألة وقلنا هناك: إن كل شخص من أفراد البشر لديه طائفتان من النفسانيات، إحداهما: النفسانيات الفردية بالكامل؛ بحيث لو لم يكن هناك شخص آخر لكان واجدًا لها، من قبيل: الذاكرة. والأخرى: هي النفسانيات التي إذا كان هناك أشخاص آخرون، فإنهم سوف يمتلكونها، من قبيل: اللغة حيث تسمّى القوانين المرتبطة بها اصطلاحًا بقوانين علم النفس الاجتماعي»[36].
ولو أنه قد ختم المطلب عند هذا الحد، واكتفى بذلك البحث الذي كان في أبحاث نفي أصالة المجتمع، لاتضح أن جميع القوانين المرتبطة بالمجتمع إنما هي ـ من وجهة نظره ـ من القوانين الناظرة إلى أفراد الإنسان، وحيث أن المجتمع بما هو مجتمع ليس له قوانين، فإن قانونية المجتمع بالمعنى الذي يستلزم أصالة المجتمع، لن تكون قابلة للدفاع، ولكن الذي يدعو إلى العجب التام أنه يقول في بيان أدلة العبارات السابقة: «ولكن لو غضضنا الطرف كذلك عن الأحكام النفسية ـ الأعم من الفردية والاجتماعية ـ أيضًا، سوف نواجه أحكامًا أخرى أيضًا، بحيث تكون حاكمة على جماعات وطبقات تتبلور داخل كل مجتمع من المجتمعات»[37].
وقد عدّ أمثلة عن هذا النوع من القوانين، من قبيل: «لو أن أكثر أفراد المجتمع قاموا بعمل خاص، فإن الآثار الحسنة أو القبيحة لذلك العمل سوف تعمّ جميع الأفراد»[38]. أو قوله: «ليس هناك حركة أو تغيير سياسي لا يواجه بعض الموانع والعقبات، ولا يؤدّي إلى أي نتيجة غير مطلوبة»[39]. والأعجب من ذلك أنه يذكر بعض الموارد التي تنقض رأيه صراحة، وفي الوقت نفسه يقول:
«إن هذا القانون المذكور في الوقت الذي لا يحمل أيّ دلالة على الوجود والوحدة والشخصية الحقيقية للمجتمع، فإنه يثبت ارتباطًا حقيقيًا وتكوينيًا وليس اعتباريًا وتعاقديًا. يجب اعتبار هذا القانون قانونًا اجتماعيًا ... والخلاصة هي أن هناك ما لا يُحصى من الواقعيات الإنسانية التي لا تقبل البيان سواء بالقوانين النفسية الفردية ولا بواسطة القوانين النفسية الاجتماعية، بل تندرج ضمن حدود دراسات وأبحاث علم الاجتماع»[40].
غاية ما هنالك أنه لم يبينّ في موضع ما سبب «عدم وجود أيّ دلالة على وجود الوحدة والشخصية الحقيقية للمجتمع». بل هناك مثل هذه الدلالة من خلال التوضيحات السابقة. يُضاف إلى ذلك أنه عند نفي أصالة المجتمع، يقول صراحة «إن جميع الظواهر الاجتماعية (مسائل علم الاجتماع) قابلة للبيان والتبرير النفسي»[41]. بيد أنه يُصرح في العبارات السابقة أن هناك في علم الاجتماع لا يمكن بحثها في علم النفس.
2. الأدلة القرآنية
يذهب الشهيد مرتضى المطهري ـ تبعًا للعلامة الطباطبائي ـ إلى الاعتقاد بأن القرآن الكريم يؤيّد نظريته؛ وذلك لأن القرآن الكريم يرى مصيرًا مشتركًا للأمم (المجتمعات)، ويرى لهم جدول أعمال مشتركة، وفهمًا وشعورًا وعملًا وطاعة وعصيانًا. فلو لم تكن للمجتمع واقعية، لما كان هناك معنى لأن يكون له مصير وفهم وشعور وإطاعة وعصيان، وهذا الأمر يُشكل دليلًا على أن القرآن الكريم يقول بنوع من الحياة، وهي الحياة الجمعية والاجتماعية[42]. وإن آيات من قبيل:
ـ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾(الأعراف: 34).
ـ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾(الجاثية: 28).
ـ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾(الأنعام: 108).
ـ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾(غافر: 5).
تدل على أن الأمّة لها حياة واحدة وموت واحد وشعور واحد وبرنامج عمل واحد ومعايير خاصة، ونمط تفكير خاص.
في الآية الأخيرة هناك كلام عن قرار واحد وعن إرادة وعمل اجتماعي غير صالح، ولا معنى للعمل الجمعي والثواب والعقاب الجماعي معنى إلا إذا كان للحياة والوجدان الجمعي وجود حقيقي. وكذلك هناك في القرآن الكريم موارد ينسب فيها عمل شخص واحد إلى جميع المجتمع أو عمل جيل واحد إلى الأجيال اللاحقة[43]. ويعود السبب في ذلك إلى أنهم يمثلون ـ من وجهة نظر القرآن ـ امتدادًا لهم، بل هم من زاوية الروح الجامعية عينهم[44]. لقد صرّح القرآن الكريم بأن للأمم والمجتمعات من حيث كونها أمم ومجتمعات (وليس مجرّد أفرادها) سنن وقوانين ولهم صعود وانحطاط على طبق تلك السنن والقوانين[45]. إن المصير المشترك يعني وجود سنة مشتركة، ولا سيّما جملة:﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾(الإسراء: 8) خطابًا لبني إسرائيل (بالنظر إلى أن المخاطب في هذه العبارة هم القوم والأمة، وليس خصوص الفرد)، يفهم منه تعميم وكلية السنن والقوانين الحاكمة على المجتمع. وإن وجود السنة من لوازم الوجود الحقيقي للمجتمع[46].
يذهب الأستاذ مصباح اليزدي في الجواب عن هذه الأدلة إلى الاعتقاد، قائلًا:
أولًا: إن الدليل الأهم على أن الأمّة (في هذه الآيات) ليس لها وجود عيني وخارجي، هو أن جميع الأفعال في هذه الآيات المذكورة أعلاه، قد نُسبَت إلى فواعل من الجمع المذكر، دون الفواعل من الأفراد أو الإناث، وهذا دليل على أن الأفعال إنما تصدر على آحاد الأفراد، وليس ذات الأمّة[47].
ثانيًا: في جميع الموارد الآنف ذكرها يمكن تفسير الأمة بالأفراد، من ذلك مثلًا:
ـ «حيث قيل: إن للأمم موت وأجل، يمكن أن يكون المراد منه هو عذاب الاجتثاث والاستئصال؛ حيث يتمّ القضاء على جميع أفراد المجتمع بالعذاب الإلهي، وفي الموارد التي لم يمت فيها جميع الأفراد الذكور (كما هو الحال في قصص بني إسرائيل)، يمكن أن يكون المراد هو فناء شوكتهم وهيبتهم واقتدارهم وسطوتهم؛ حيث يكون اتحادهم أمرًا اعتباريًا؛ بمعنى أن موت الأمّة يعني انحلال نظامها وانهيار عقدها الاجتماعي والسياسي، لا أن تكون الأمة وحدة حقيقة، وأنها كما ولدت في العالم يومًا ما سوف تنحسر في يوم آخر»[48].
ـ «أو لا يمكن أن نستنتج من امتلاك الأمة لكتاب، الوجود العيني والواقعي الخارجي لتلك الأمة؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنه قد تمّ الحديث في سورة المطففين عن «كتاب الفجّار» وعن «كتاب الأبرار»؛ وعليه هل يظهر من ذلك موجود عيني وخارجي باسم «مجتمع الصالحين» و«مجتمع الطالحين»؟»[49]
ـ إن الآية التي تقول:﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾(الأنعام: 108). إنما تدلّ على أن جميع أعضاء أمّة يقبلون بقيَم حقوقية أخلاقية وجمالية ومعرفية واحدة؛ وذلك لأنهم يخضعون لتربية مماثلة، لا أنه ينشأ من ذلك موجود حقيقي واحد باسم الأمّة[50].
ـ أو في مورد الآية الخامسة من سورة غافر، يجب القول: «هل يمكن القبول بأنه ما لم تنحل فردية الأفراد ولم يتمّ دمج الجميع في بعضهم، فإن الله سبحانه وتعالى لن يبعث لهم نبيًا، وإن كل مجتمع بُعث فيه نبي، سبق له أن حظي باتحاد حقيقي»[51].
ـ ثالثًا: فيما يتعلق بخصوص الموارد التي يسري فيها عمل شخص إلى كل المجتمع، أو نسبة عمل جيل إلى الأجيال اللاحقة، قال في شرح ذلك:
«في مقام الردّ على هذا الاستدلال نقول على سبيل الإجمال: هناك في الدين الإسلامي محكمات ومتشابهات، وفي تفسير المتشابهات علينا أن لا نغفل عن المحكمات. ومن بين المحكمات أنه لا يقوم أيّ شخص بحمل أوزار الآخرين في عنقه[52]. وعليه فإن سبب نزول العذاب عليهم يعود إما لأنهم كانوا يشجعون المذنبين، أو كانوا يتركون واجب النهي عن المنكر وهذا في حدّ ذاته من كبائر الذنوب، أو أنهم كانوا فرحين بذلك العمل، ولا شك في أن الرضا بالذنب يعدّ واحدًا من الذنوب الجوانحية. يُضاف إلى ذلك أن القرآن الكريم قد ذكر في الكثير من الآيات أن الناهين عن المنكر يكتب لهم الخلاص والنجاة، وبذلك يتضج أن الأمّة لم تكن أمّة واحدة بالكامل.
وفي موارد نسبة الأعمال الطالحة ـ التي اقترفتها الأجيال السابقة من بني إسرائيل ـ إلى معاشر اليهود المعاصرين للنبي الأكرم، فإنما ذلك في مقام إحباط أكاذيب وتفاخر اليهود في صدر الإسلام، وليقول لهم في الواقع: إذا كان لآبائكم وأسلافكم بعض الفضائل، فإن لهم في الوقت نفسه الكثير من الرذائل والمساوئ الخطيرة. ومن هنا يجب عليكم إما الكفّ عن هذا النوع من التفاخر أو أن تعترفوا بأعمالهم الطالحة أيضًا. وفي الواقع لا الأعمال الصالحة للآباء والأسلاف تجلب الفخر للأجيال اللاحقة، ولا أعمالهم الطالحة تدعو إلى الحياء والخجل»[53].
نقد ومناقشة
في خصوص المطلب الأول (النقد اللفظي)، يجب القول: إن هذا الجواب ليس وجيها؛ وذلك أولًا: لأن هناك آيات تحتوي على إشارة إلى ضمير الفاعل المفرد المؤنث، كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾(الجاثية: 28). وثانيًا: إن الأسماء التي يرد استعمالها في اللغة العربية بصيغة «اسم الجمع»، تأتي تارة على شكل المفرد وتارة أخرى على شكل الجمع، وحتى إذا كان الضمير العائد إلى هذا النوع من الكلمات جمعًا، فإنه لا يدل على الكثرة وعدم وجود أيّ نوع من أنواع الوحدة؛ إذ أن استعمال مفردة الواحد والمفرد في الأصل لمفهوم الجمع (وهي الميزة الأصلية لأسماء الجمع) إنما يدلّ ـ على كل حال ـ على نوع من الاتحاد (وإن كان على سبيل الوحدة الاعتبارية)؛ في حين أنه لو كان استدلاله تامًّا، فإنه لا ينبغي في هذه الموارد رعاية حتى الوحدة الاعتبارية أيضًا. وثالثًا: وهو الأهم هو أنه لا يمكن إلقاء أعباء الحكم في باب البحث الفلسفي العميق على عاتق البحث اللفظي.
وفي خصوص المطلب الثاني، نجد في الحقيقة أن جميع توجيهاته إنما تكون في الحدّ الأقصى مقنعة في هذه الحدود، وهي أن لا يكون لدينا اعتقاد بموجود عيني خارجي مستقل باسم المجتمع وفي عرض آحاد الأفراد؛ في حين أن هذا ليس هو محل بحثنا، وإنما موضع البحث هو هل للمجتمع نوع من الواقعية بحيث يوجّه مصيرًا مشتركًا وعقابًا واحدًا وثوابًا مشتركًا نحو الأفراد أم لا؟ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنه في خصوص الآية الأولى، يقول: «إن موت الأمّة يعني انفراط العقد الاجتماعي والسياسي لتلك الأمّة، لا أن تكون الأمة كائنًا واحدًا حقيقيًا ...»، وبالمناسبة فإن هذا النظام والعقد الاجتماعي هو موضع البحث. وفي الواقع فإن المسألة هي: هل نقبل بأن الناس بالإضافة إلى الهوية الفردية يمتلكون هوية جماعية أيضًا، بحيث ينخرطون بسببها في المصائر المشتركة أيضًا، وإن لهذه الهوية الجمعية والنظام والعقد الاجتماعي موت وحياة وما إلى ذلك؟ لا بد من الالتفات إلى أنه بالنظر إلى تعبير الشهيد المطهري: «إن الوحدة الاجتماعية للمجتمع البشري هي وحدة ثقافية، وبفعل التعاطي الثقافي تتحقق في الواقع شخصية واحدة حقيقية»[54].
والمسألة هي: هل هذه الوحدة الثقافية تتحقق في الواقع أم لا؟ إن جميع الآيات التي ورد ذكرها صريحة في تحقق وتبلور هذه الثقافة الواحدة وهذه الشخصية الاجتماعية الواحدة في المجتمع.
وفي خصوص المطلب الثالث، يجب القول أولًا: إن المراد من الشخصية الاجتماعية الواحدة إنما هو وجود هذه الشخصية في الأفراد المنسجمين من الناحية الفكرية، وليس في خصوص الأفراد الذين يعيشون ضمن رقعة جغرافية واحدة؛ وعليه فإن القول بأن الذين ينهون عن المنكر سوف ينجون من العذاب الجمعي، يؤيّد كلام الشهيد المطهري، لا أنه يبطله وينفيه. وثانيًا: وهو الأهم إن جميع الموارد التي عمل سماحته بشكل وآخر على توجيهها وتأويلها في كيفية شمول تبعات الأعمال الطالحة للآخرين، تؤيد بأجمعها أبحاث الشهيد المطهري. وفي الواقع فإن جميع تلك التوجيهات تثبت أن الفرد لم يترك في فرديته، بل إن التداعيات الاجتماعية لعمله، وهويته الجمعية سوف تشمله أيضًا.
ولو أردنا أن ننظر إلى المسألة من زاوية أوسع، يجب علينا أن نتساءل: هل يمكن في الواقع الدفاع عن التكاليف بغير القبول بنمط من الواقعية الاجتماعية؟ إن التكاليف الاجتماعية في منطق الإسلام تقوم على سلسلة من المصالح الاجتماعية، وإن هذه المصالح ليست تعاقدية، وإنما تقوم على سسلة من الأمور الواقعية في الخارج، وهذه الأمور تدل على قول الإسلام بنوع من الأصالة الواقعية بالنسبة إلى المجتمع، وقد صرّح الأستاذ مصباح اليزدي نفسه بهذا المطلب وقال بأن المفاهيم الحقوقية والقيَمية (والتكاليف الدينية من طريق أولى) لها واقعية وعينية في الإسلام، وهي من سنخ المسائل الحقيقية والفلسفية[55].
النتيجة
لو اعتبرنا فلسفة رينيه ديكارت ذروة مبنى الفردانية (وذلك لأنه في تحليله الفلسفي إنما يهتم بالجواهر فقط، ولا يهتم بالتعلقات والروابط أبدًا)، ولو اعتبرنا فلسفة هيجل ذروة مبنى النزعة الاجتماعية (إذ يهتم بالروابط فقط ولا يعترف بالجواهر المستقلة عن الروابط)، فإن سائر الآراء التي ترى اعتبارًا للفرد والتي تعتبر الروابط بين الأفراد أمرًا واقعيًا أيضًا، لا يمكن أن تكون قائلة بالأصالة الفردية تمامًا، ولا أن تكون قائلة بالأصالة الجمعية تمامًا. ومع ذلك فإن من بين المفكرين المسلمين يذهب الأستاذ مصباح اليزدي إلى القول بأصالة الفرد ونفي وجود أيّ أصالة فلسفية للمجتمع، في حين يسعى الشهيد المطهري إلى بيان رؤية يمكن تسميتها بأصالة الفرد والجمع.
لقد بحثنا في هذه المقالة ـ بعد مناقشة المبادئ التصورية للمسألة بالإضافة إلى وجوه الشبه بين الرأيين ـ نقطة التمايز بين رأي الشهيد المطهري والأستاذ مصباح اليزدي؛ حيث يذهب الأول إلى القول بأن الفرد في المجتمع بالإضافة إلى آثار آحاد أفراده، له كذلك آثار بما هو مجتمع أيضًا، وهذا ما كان ينكره الأستاذ مصباح اليزدي. ومن خلال مناقشة أدلة كلا الطرفين، يبدو أن أدلة الأستاذ مصباح اليزدي في الحدّ الأقصى إنما تنفي الوجود العيني الخارجي المستقل للمجتمع، لا أنها تنفي جميع أنواع الهوية الواقعية بالنسبة إلى المجتمع، لا سيّما وأن الأستاذ مصباح اليزدي لم يقدّم جوابًا مقنعًا ومناسبًا عن الدليل الفلسفي الأهم في البحث، والذي كان هو قانونية التاريخ والمجتمع فحسب، بل وقدّم شواهد تعمل على تأييد القول بواقعية المجتمع أيضًا[56]، وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى الأبحاث القرآنية عند الجانبين.
لقد تعرّضنا في هذه المقالة في الغالب إلى بحث المبادئ التصورية والتصديقية لهذا البحث؛ بيد أن لهذا الأمر لوازم وآثار مهمة في تحليل المسائل الاجتماعية أيضًا، من قبيل البحث عن نظرية التكامل الاجتماعي للإنسان والمهدوية، والقول باعتبار (أو عدم اعتبار) الإنسان مدني بالطبع، والقبول بالفطرة الفردي والجمعية بالنسبة إلى الإنسان، والقبول بالغاية الواقعية للمجتمع وتبعًا لذلك البيان الفلسفي لمسألة الإمامة والحكومة الدينية وما إلى ذلك، حيث يستدعي البحث حولها مقالة أخرى.
المصادر
استنفورد، مايكل، درآمدي بر فلسفه تاريخ، الترجمة: أحمد گُل محمّدي، طهران، نشر ني، 1382ش.
باتومور، تي. بي، جامعهشناسي، الترجمة: سيّد حسن منصور وسيّد حسن حسيني كلجاهي، طهران، شركت سهامي كتابهاي جيبي، 1357ش.
بوخنسكي، م.، مقدمهاي بر فلسفه، الترجمة: محمّد رضا باطني، طهران، نشر نو، 1361ش.
دوركيم، اميل، قواعد روش جامعهشناسي، الترجمة: عليمحمّد كاردان، طهران، دانشگاه تهران، 1355ش.
دوورژه، موريس، روشهاي علوم اجتماعي، الترجمة: خسرو أسدي، طهران، انتشارات أمير كبير، 1366ش.
روسك، جوزف و رولند دارن، مقدمهاي بر جامعهشناسي، الترجمة: بهروز نبوي وأحد كريمي، طهران، كتابخانه فروردين، 1355ش.
سروش، عبد الكريم، فلسفة تاريخ، طهران، انتشارات حكمت، 1357ش.
سوزنچي، حسين، بررسي انتقادي نظريه تشكيك وجود در حكمت متعاليه، أطروحة على مستوى الدكتوراه من جامعة تربيت مدرس، 1384ش.
شاله، فيليسين، شناخت روش علوم يا فلسفه علمي، الترجمة: يحيى مهدوي، طهران، دانشگاه تهران، 1350ش.
الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1422هـ.
عبوديت، عبد الرسول، نظام حكمت صدرائي (2) تشكيك وجود، قم، مؤسسة آموزشي و پژوهشي امام خميني، 1383ش.
فروند، ژولين، جامعهشناسي ماكس وبر، الترجمة: عبدالحسين نيك گهر، طهران، انتشارات نيکان، 1362ش.
كار، أي. إچ، تاريخ چيست؟، الترجمة: حسن كامشاد، طهران، شركت سهامي انتشار، [د.ت.].
مصباح اليزدي، محمّدتقي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، طهران، سازمان تبليغات اسلامي، 1368ش.
المطهّري، مرتضى، فلسفه تاريخ، ج1، طهران، انتشارات صدرا، 1369ش.
ـــــــــــــــ، فلسفه تاريخ، ج3، طهران، انتشارات صدرا، 1382ش.
--------------------------------------------------------------------
[1]. المصدر: مقالة بعنوان: « اصالت فرد، جامعه یا هر دو، بررسي تطبیقي آرای استاد مطهري و استاد مصباح یزدي»، قبسات، شتاء 1385، عدد 42، الصفحات 41 إلی 60.
تعريب: حسن علي مطر
[2]. عضو اللجنة العلميَّة في جامعة باقر العلوم.
[3]. لقد تمّ استعمال عنوان «فلسفة التاريخ» في الأدبيات السائدة في معنيين، وهما أولًا: فلسفة التاريخ المتمحورة حول الواقعية أو فلسفة التاريخ النظري، وثانيًا: فلسفة التاريخ التحليلي أو الانتقادي (انظر: استنفورد، درآمدي بر فلسفه تاريخ، 22). أو بعبارة أخرى: الفلسفة النظرية للتاريخ أو فلسفة علم التاريخ (انظر: سروش، فلسفة تاريخ). إن هذا التمايز يقترن بالمعنيين المختلفين للتاريخ. إن التاريخ ينظر تارة إلى مسار الأحداث التي تحدث في الواقع، وتارة أخرى ينظر إلى ما نعتقده بشأن هذه الأحداث، ونكتب: إن هذه الأمور تسمى على التوالي بـ «التاريخ بمنزلة الحدث» (التاريخ 1)، و«التاريخ بمنزلة التقرير» (التاريخ 2). قبل القرن العشرين للميلاد كان مصطلح فلسفة التاريخ يطلق عادة على التأملات النظرية حول مجموع مسار الأحداث (التاريخ 1)، ولكن الاتجاه الشائع في القرن العشرين للميلاد انتقل بالتدريج بدلًا من التنظير الشامل والعام، إلى النشاط «على المستوى الثاني» وهو طرح الأسئلة ونقد أساليب عمل المؤرخين، وهذا هو المعنى الثاني لفلسفة التاريخ. (انظر: استنفورد، درآمدي بر فلسفه تاريخ، 22).
[4]. المطهّري، جامعه وتاريخ، 79.
[5]. م. ن، 75 و79.
[6]. الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 4: 97 ـ 100.
[7]. مصباح اليزدي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، 54.
[8]. كار، تاريخ چيست؟، 46.
[9]. باتومور، جامعهشناسي، 46.
[10]. شاله، شناخت روش علوم يا فلسفه علمي، 198.
[11]. فروند، جامعهشناسي ماكس وبر، 121.
[12]. مصباح اليزدي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، 58.
[13]. بوخنسكي، مقدمهاي بر فلسفه، 124.
[14]. دوورژه، روشهاي علوم اجتماعي، 18.
[15]. روسك ودارن، مقدمهاي بر جامعهشناسي، 333.
[16]. دوركيم، قواعد روش جامعهشناسي، 130.
[17]. المطهّري، جامعه و تاريخ، 52 ـ 56.
[18]. المطهّري، فلسفه تاريخ، 1: 140.
[19]. إن الاختلاف بين «معاني» مفردة ما وبين «أقسام» تلك المفردة، يكمن في أننا عندما نتحدّث عن الأقسام، فإنها حيث تكون بأجمعها مشتركة في معنى واحد؛ وأما عندما نتحدّث عن المعاني فيكون ذلك حيث يتم حمل تلك المفردة على عدد من الموارد على نحو الاشتراك اللفظي، ولا يمكن العثور على معنى حقيقي واحد يجمع بين أولئك الأفراد الذين لهم صلة بالموضوع. وفيما يتعلق بالموارد التي يُستعمل فيها مصطلح التركيب ليس من الواضج جدًا ما إذا كان لها مفهوم المجتمع في الواقع أم لا؛ ولا سيما إذا كان هناك في الحقيقة والواقع معنى مشترك بين التركيب الحقيقي والتركيب الاعتباري أم لا. وحيث أن هذا البحث في حدّ ذاته بحث لفظي خارج عن حدود هذه المقالة فإننا لن نخوض في هذا البحث، ونكتفي بمجرّد الإشارة إلى أن استعمال عبارة «المعاني المختلفة للتركيب»، أو «الأقسام المختلفة للتركيب» في هذه المقالة، لا يعني بالضرورة اتخاذ موقف في باب البحث المتقدّم.
[20]. مصباح اليزدي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، 35؛ المطهّري، جامعه وتاريخ، 24.
[21]. المطهّري، جامعه و تاريخ، 25.
[22]. مصباح اليزدي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، 36.
[23]. دوورژه، روشهاي علوم اجتماعي، 18.
[24]. تعتبر الطولية في الفهم العام بمعنى العلاقة العلية والإيجادية البحتة، في حين يمكن الحديث عن العلاقة الطولية غير العلية أيضًا، والمراد هنا هو هذا النوع من المفهوم. للوقوف على هذا المفهوم، انظر: عبوديت، نظام حكمت صدرائي (2) تشكيك وجود، 27 ـ 28؛ سوزنچي، بررسي انتقادي نظريه تشكيك وجود در حكمت متعاليه، 73.
[25]. المطهّري، جامعه و تاريخ، 26 ـ 27.
[26]. مصباح اليزدي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، 35 ـ 36.
[27]. مصباح اليزدي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، 54 ـ 55. يجب القول بتعجب تام: إن الأستاذ مصباح اليزدي حيث يتحدّث عن نفي أصالة المجتمع، فإن له كلامًا آخر لا ينسجم مع المعنى الذي يذهب إليه. فإنه هناك بعد الفصل والتفكيك بين أصالة الحقوق والأصالة الفلسفية، أعلن عن أن الأصالة الحقوقية في المجتمع لا تتمخّض عنها الأصالة الفلسفية، وأقام لذلك دليلين، وهما أولًا: إن تقدّم مصالح المجتمع إنما يعني تقدّم مصالح أكثر الأفراد على مصالح الأقلية من الأفراد. وثانيًا: إن هذا البحث حقوقي وتشريعي، وليس فلسفيًا وتكوينيًا (انظر: مصباح اليزدي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، 42). هذا في حين أولًا: أنه في الانتقادات العميقة التي أوردها على الديمقراطية الغربية، قد أثبت أن الأكثرية بما هي أكثرية لا تحدث حقًا أبدًا، وإن تقدّم الأكثرية على الأقلية بسبب الكثرة العددية لا تمكن الدفاع الفلسفي عنه أبدًا. وعليه ليس من الواضح كيف يتم هنا تفسير المصالح الاجتماعية بمصلحة الأكثرية. وثانيًا: إنه في تلك العبارة التي نقلناها عنه في المتن أعلاه، قد صرّح بأن المسائل الحقوقية والتشريعية في الإسلام تقوم على أساس المسائل الواقعية والفلسفية. وفي الواقع لو أردنا التدقيق جيدًا، فإن ذات هذا البحث (الأصالة الحقوقية للمجتمع وتلازم الأصالة الحقوقية مع الأصالة الفلسفية) يمكن له أن يكون واحدًا من الأدلة الفلسفة على أصالة المجتمع.
[28]. المطهّري، جامعه و تاريخ، 25.
[29]. المطهّري، جامعه و تاريخ، 106 ـ 107.
[30]. مصباح اليزدي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، 55.
[31]. المطهّري، جامعه و تاريخ، 76 و35 ـ 39.
[32]. مصباح اليزدي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، 127.
[33]. م. ن، 36.
[34]. المطهّري، جامعه و تاريخ، 27.
[35]. مصباح اليزدي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، 128.
[36]. م. ن.
[37]. م. ن.
[38]. م. ن، 128.
[39]. م. ن، 129.
[40]. م. ن.
[41]. م. ن، 55.
[42]. المطهري، جامعه و تاريخ، 30.
[43]. انظر على سبيل المثال: البقرة: 79؛ آل عمران: 112.
[44]. المطهّري، جامعه و تاريخ، 30 ـ 34.
[45]. انظر على سبيل المثال: الإسراء: 4 ـ 8.
[46]. المطهّري، جامعه و تاريخ، 35.
[47]. مصباح اليزدي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، 92 ـ 96.
[48]. م. ن، 96.
[49]. م. ن، 97.
[50]. مصباح اليزدي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، 93.
[51]. م. ن، 94.
[52]. النجم: 38؛ الأنعام: 164؛ الإسراء: 15؛ فاطر: 18؛ الزمر: 7.
[53]. مصباح اليزدي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، 102 ـ 109.
[54]. المطهّري، فلسفه تاريخ، 3: 95.
[55]. مصباح اليزدي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، 166.
[56]. يبدو أن جذور الاختلاف الرئيس بين هذين المفكرين يمكن العثور عليها في بحث تشكيك الوجود ومسألة الوحدة في عين الكثرة والكثرة في عين الوحدة. حيث يذهب الشهيد مرتضى المطهري إلى الإصرار على أن حلّ مسألة أصالة الفرد وأصالة المجتمع إنما هي في الواقع مصداق من رؤية الوحدة في عين الكثرة والكثرة في عين الوحدة (المطهّري، جامعه و تاريخ، 43). وفي المقابل يذهب الأستاذ مصباح اليزدي في أعماله ومؤلفاته إلى التصريح بأنه إنما يقبل بتشكيك الوجود بمعنى قبوله بمجرّد التشكيك العلّي الطولي، لا بمعنى عينية الوحدة والكثرة (مصباح اليزدي، تعليقه علي نهاية الحكمة، 52). وهكذا فإن الاختلاف بين هذين المفكرين شبيه بالاختلاف بين الفلاسفة المشائين وأتباع فلسفة صدر المتألهين في تعيين العلاقة والصلة بين النفس وبين قوى النفس؛ حيث يذهب الفلاسفة المشاؤون إلى اعتبار النفس أمرًا لا تتغيّر ذاته بفعل التغيير والتحوّل وتعلم العلم والمعرفة وما إلى ذلك، وإنما هناك مجرّد عوارض تأتي وتذهب. وأما أنصار فلسفة صدر المتألهين فيقولون بالحركة الجوهرية في النفس. كما أن الأستاذ مصباح اليزدي بدوره يعتبر الفرد الإنساني حقيقة أصلية في صلب المجتمع؛ حيث المجتمع يترك تأثيره عليه في بعض الحالات العارضة؛ يعني أنه إنسان وروابطه وعلاقاته (بمعنى الأعراض). وأما الشهيد المطهري فيعتبر الفرد الإنساني واقعية أصيلة، حيث يتحوّل في المجتمع إلى هيئة أمر أصيل آخر، ويحتوي على كلتا الهويتين في آن واحد، دون أن تكون كثرته هذه نافية لوحدته.