الباحث : أحمد واعظي
تاريخ إضافة البحث : March / 25 / 2026
عدد زيارات البحث : 144
إن العدالة هي أمر مختلف عن خصوص «العدالة الاجتماعية». إن العدالة الاجتماعية منظومة تمّ التخطيط لها على نحو سابق من أجل تنظيم العلاقات الاجتماعية على أساس الأصول ومعايير العدالة والعمل على إصلاح المسارات والأبنية والقوانين والقواعد لغرض بسط العدالة في جميع شؤون وأبعاد الحياة الاجتماعية. لا شك في أن العدالة ـ أيًا كان تفسيرنا وفهمنا للقيَم الاجتماعية ـ تعدّ من أهم القيَم الاجتماعية؛ وإن لم يكن هناك اتفاق في الآراء حول اتصاف «العدالة الاجتماعية» بأنها ذات قيمة اجتماعية في ضوء بعض التعاريف.
إن من بين الأبحاث المهمة والحاسمة في الحكم والإدارة الاجتماعية، عبارة عن تعيين النسبة بين القيَم الاجتماعية. هل هناك في منظومة القيَم الاجتماعية سلسلة مراتب، وهل يمكن أن نعتبر بعض القيَم الاجتماعية أكثر أساسية وجوهرية من سائر القيَم الأخرى؟ وهل العدالة من أهم القيَم الاجتماعية؟ يُقرّ الجميع بأن المجتمع الأكمل والأكثر مطلوبية هو المجتمع الذي يحقق الحدّ الأقصى والعدد الأكبر من القيَم والفضائل الاجتماعية، وبمجرّد الاهتمام بقيمة أخلاقية، من قبيل: العدالة أو الحرية، لا يمكن اعتبار المجتمع مجتمعًا مطلوبًا وكاملًا، ولا يمكن اعتبار «المجتمع العادل» أو «المجتمع الحر» مرادفًا للمجتمع الكامل أو المجتمع الصالح والمنظم والمطلوب. وعلى الرغم من ذلك، فإن تعيين موقع كل قيمة اجتماعية له أهميته الخاصّة؛ لا سيّما وأن هناك في نظام المساحات الاجتماعية المختلفة ما لا يُحصى من الموارد التي يؤدّي فيها التزاحم وعدم الانسجام بين لوازم ومقتضيات القيَم الاجماعية المختلفة مع بعضها إلى خلق تحديات أمام صنع واتخاذ القرارات والإدارة السياسية والاجتماعية العامة.
إن المسألة الأصلية في هذه المقالة عبارة عن البحث في منزلة وموقع العدالة بالمقارنة إلى سائر الأمور المطلوبة والقيَم الأخرى في الحياة الاجتماعية. يمكن الاقتراب من هذه المسألة في مسارين فكريين مختلفين، وهما أولًا: المسار الذي ينظر إليه في فضاء ديني تام ومستند إلى المصادر الدينية الأصيلة؛ ونعني بذلك الكتاب والسنة، حيث يتم النظر إلى هذه النسبة المعيارية وتحديد الموقع والمنزلة من خلال الاهتمام بالمباني الاعتقادية والكلامية الإسلامية. وثانيًا: المسار الذي يتمّ فيه التأمّل حول هذه المسألة ضمن فضاء أوسع وبعيدًا عن الدلالات الدينية والإسلامية. من الطبيعي أن الاتجاه والمسار الثاني يضعنا أمام أسئلة مهمة حول القيَم الاجتماعية، ويضع إمكانية الوصول إلى نتائج عامة وشاملة حول سلسلة مراتب القيَم الاجتماعية في هالة من الغموض والمزيد من الشك والتردّد.
سوف نسعى في هذه المقالة أولًا إلى بحث المسألة في ضوء المسار والاتجاه الثاني، وسوف تكون لنا جولة وإطلالة على أهم الأبحاث ذات الصلة بهذا الشأن، وبعد ذلك سوف نتعرّض إلى المسألة الأصلية من زاوية دينية بحتة، ونبحث في النسبة بين العدالة وسائر القيَم المهمّة الأخرى في المجتمع الإسلامي.
1. ماهية ووظيفة القيَم الاجتماعية
إن تصوّر تشكيل مجتمع بشري بمعزل عن وضع القوانين والقواعد والمعايير والقيَم الاجتماعية والعمل بها، يبدو أمرًا مستحيل التحقق تقريبًا. لقد كان الاهتمام والتبعية لبعض القواعد الاجتماعية، والمعايير والقوانين والقيَم الأخلاقية والدينية والقومية والثقافية، يعدّ على الدوام هو المقوّم الأصلي للمجتمعات على طول التاريخ. على الرغم من مشاهدتنا في مسرح التاريخ للكثير من التحوّلات والتغييرات في مضمون وحجم هذه المعايير والقواعد والقيَم؛ ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن القواعد[3] في المجتمع الحديث والمعاصر أصبحت كثيرة التنوّع وعلى نطاق واسع، وأخذ الناس يتبعون مقادير واسعة ومختلفة من القواعد والقوانين التي تعمل المؤسسات العامة والخاصة على تطبيقها، وبالإضافة إلى هذا النوع من القواعد هناك مجموعة من القواعد التي ليس لها منشأ تأسيسي، وإنما هي من سنخ القواعد الاجتماعية التي يعد مجرّد قبولها بشكل عام والميل المعياري من قبل الأفراد تجاهها، هو المصدر الوحيد لاعتبار تلك القواعد[4].
لا شكّ في أن دائرة «القيَم الاجتماعية» أضيق وأكثر محدودية من المعايير والقواعد الاجتماعية، ولا يمكن على نحو القطع واليقين اعتبار الكثير من المعايير والمستلزمات والقيود والأعراف الحاكمة على المجتمع بوصفها من «القيَم الاجتماعية»؛ وإن كان البيان الدقيق والمعياري للفصل والتفكيك بين «القيَم الاجتماعية» وبين سائر المعايير والقوانين الحاكمة في المجتمع، لن يكون بالأمر السهل واليسير. في المجتمعات المختلفة نواجه طيفًا واسعًا من المعايير؛ حيث يكون لبعضها منشأ عرفيًا ومنبثقًا عن المقبولات القومية والعرقية والوطنية، وتتجلّى في إطار السنن الاجتماعية والآداب والتقاليد المتجذّرة، وبعض المعايير الأخرى لها منشأ ديني، وتستند إلى الأحكام والقيود الاجتماعية والتعاليم الدينية الحيّة والثابتة في المجتمع، والقسم الآخر من المعايير الاجتماعية يكون له وجه قانوني وحقوقي منبثق عن وضع القوانين والقواعد. إن القواعد والأحكام الأخلاقية وما يعتبره المجتمع قبيحًا أو حسنًا، تخصص لنفسها سهمًا بما يتناسب وحجم سيادة الأخلاق في المجتمع ضمن منظومة المعايير الاجتماعية.
بالنظر إلى هذا الطيف الواسع، من غير المحتمل بل ومن المستبعد عن الذهن تمامًا أن نعتبر «القيَم الاجتماعية» مرادفة ومتطابقة مع «المعايير الاجتماعية»، وأن نعدّ جميع العناصر المعيارية ـ الأعم من المعايير الحقوقية والدينية والأخلاقية والعرفية ـ من القيَم الاجتماعية لمجتمع ما. يرى كاتب السطور أن القيَم الاجتماعية أو الفضائل في المجتمع السياسي، هي تلك المجموعة من الأمور المقبولة والمطلوبة على المستوى الاجتماعي، والتي لا تكون في عرض المعايير والأحكام الحقوقية والعرفية بلحاظ الرتبة فقط، بل وتقع في الأساس مبنى ودعامة للوضع وعقد المعايير الحقوقية والقانونية، وإن المعايير المنبثقة تلقائيًا والأعراف الاجتماعية بدورها تتكون وتكتسب قوامها في بعض الأحيان متأثرة وناشئة عن هذا النوع من القيم الاجتماعية أيضًا. إن القيَم الاجتماعية مورد البحث في هذه المقالة هي في الواقع تلك الفضائل والأمور الضرورية في الحياة الاجتماعية المطلوبة والمعقولة، وإن المعقولية والمطلوبية وكمال النظم الاجتماعي الموجود، سوف يكون رهنًا بفعلية واستقرار تلك القيَم.
وعلى هذا الأساس فإن الصفة والمكوّن الأول لـ «القيَم الاجتماعية»، عبارة عن الجانب المثالي والنموذجي لها. إن القيمة الاجتماعية إنما تعدّ فضيلة ومطلبًا اجتماعيًا، حيث يعمل تحققها والاهتمام بها على جعل الحياة الاجتماعية أفضل وأكثر مطلوبية بمراتب ودرجات. وأما الخصوصية الثانية للقيَم الاجتماعية فهي عبارة عن المقبولية العامة وإقبال المجتمع عليها. إن القيَم الاجتماعية ـ خلافًا للقوانين والقواعد حيث تكون الدولة عادة هي الضمانة التنفيذية والرسمية والقانونية لها ـ تكون مطلوبة وتحظى بالمقبولية بشكل طبيعي وإرادي، وإن الاتجاه الإيجابي من قبل المجتمع نحوها، لا يكون رهنًا بمؤسسات السلطة السياسية وقوانينها الخارجية الملزمة.
وأما العنصر الثالث فهو عبارة عن أن تكون للقيَم الاجتماعية القدرة على لعب دور في الترتيب البنيوي للمجتمع؛ بمعنى أن تكون في موقع العلل الغائية والقيَم النهائية في التبلور المضموني للعلاقات الاجتماعية والمادة الداخلية للنظم الاجتماعي في مختلف الحقول، مؤثرة وتكون أساسًا لاتحاذ القرارات؛ من ذلك لو تمّ اتخاذ الحريات الفردية في المجتمع بوصفها قيمة اجتماعية ـ على سبيل المثال ـ على نحو جاد، فمن الطبيعي عندها أن تتبلور جميع الأمور، ابتداءً من الحقوق الأساسية والبنية السياسية للمجتمع وصولًا إلى حقل الاقتصاد والثقافة والتعليم وتشريع القوانين والأحكام المرتبطة بالأبنية الاجتماعية العامّة، على أساس ضمان الحريات الفردية.
وأما الخصوصية الرابعة فهي عبارة عن أن القيَم الاجتماعية تفتقر إلى الأطر المضمونية المحدّدة والثابتة والمعيّنة؛ ومن هنا فإنها تكون قابلة للتفسير والقراءة، ولا ينبغي توقع أن يكون هناك لدى الجميع إدراك مشترك وثابت ولا يقبل التغيير لهذه القيَم. في العالم المعاصر يمثل وضع السياسات والخطط وسن القوانين وتشريع الأحكام، والنظام القضائي والجزائي وما إلى ذلك من الهواجس الحصرية لنظام الحكم والدولة، وإن أمورًا من قبيل: العلاقات الاقتصادية، والثقافة والفن، والتربية والتعليم، ووسائل الارتباط وإيصال المعلومات، والتحقيقات وإنتاج العلم والتفكير، والتحزّب وممارسة السياسة، من الهواجس المشتركة ومن الحقول التي تكون فيها مؤسسات الدولة والسلطة والأفراد والمنظمات المدنية مساهمة ومؤثرة فيها. إن القيَم الاجتماعية تشكّل في العادة أساسًا للتأثير في كلا قسمي النشاط الحكومي والشعبي والمدني؛ ولكن ليس الأمر كما لو أن جميع اللاعبين يحملون تفسيرًا وفهمًا واحدًا ومشتركًا للقيَم الاجتماعية، ويكون لهم حضور ونشاط في هذه الحقول والمجالات.
والشاهد الواضح على هذه الإمكانية للتفسير، هو أننا لا نواجه حتى في داخل التراث الفكري من قبيل الليبرالية فهمًا واحدًا ومشتركًا لأهم القيَم الاجتماعية لهذا التراث، ونعني بذلك مفهوم «الحرية» أيضًا؛ وكذلك في مورد «العدالة الاجتماعية» بالنسبة إلى الذين يعتبرونها فضيلة وقيمة اجتماعية، لا يوجد تفسير وإدراك واحد لهذا المفهوم، وهناك الكثير من النظريات المطروحة في هذا الشأن.
كما تمّ بيان القيَم الاجتماعية على هامش الخصوصية الأولى، يمكن للقيَم الاجتماعية أن تندرج ضمن أهداف وغايات المجتمع، ولكن من الضروري التأكيد على أن جميع الأهداف السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا يمكن عدّها من مصاديق القيَم الاجتماعية. واليوم تعدّ الأهداف العملانية ـ في مختلف المجتمعات، ولا سيّما على مستوى الحاكمية والإدارة العامّة ـ عنصرًا حاسمًا في تنظيم العلاقات واتخاذ القرارات وتنفيذها، ولا يوجد هناك توجّه خاص يثبت أن جميع الأهداف والغايات يجب أن تكون من سنخ الغايات والأهداف القيَميّة والأخلاقية.
النقطة الأخرى هي أن القيَم الاجتماعية المنشودة لنا في هذه المقالة، عامّة وشاملة ولا تختص بحقل خاص من الحقول المتنوّعة في الحياة الاجتماعية. وفي الحقيقة يمكن أن نضع جدولًا لكل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية وبيان ما يشتمل عليه هذا الجانب من القيَم. ومن هذه الناحية تكون القيَم في حقل الاقتصاد مختلفة عن القيَم الحاكمة في حقل التربية والتعليم. كما أن القيَم الحاكمة على العلاقات الخارجية للنظام الاجتماعي، قد تكون في بعض وجوهها مختلفة عن النظام القيَمي الحاكم على السياسة الداخلية. إن القيَم الاجتماعية مورد البحث في مقالتنا هذه لا تختصّ بجانب بعينه، وإنما هي ذات جوانب عامّة، ولها الشأنية والظرفية لتكون مطلوبة بوصفها فضيلة وقيمة في جميع مجالات الحياة؛ كما هو الأمر كذلك في مورد القيَم التي هي من قبيل: العدالة والحرية والأمان؛ حيث أن قيمتها لا تنحصر بمساحة خاصة من مساحات المجتمع.
2. تعيّن القيَم الاجتماعية
إن من بين الأبحاث المرتبطة بالقيَم ـ بغض النظر عن نوعيتها القيَميّة، وما إذا كانت تتعلق بحقل المجتمع أو الأخلاق أو الفن ـ هو أن هذه القيَم هل تبدو مطلوبة وذات قيمة بالنسبة لنا لأنها ذات قيمة، أم هي من الأمور التي نحن الذين نضفي عليها الأهمية والقيمة؟ إن التحليل الذهني والموضوعي للقيَم يقول بأن الاعتقاد بالقيمة الذاتية والواقعية للأمور وعدم تدخل التوجهات الذهنية للأفراد في هذه القيَميّة، لا معنى له ولا يكون مقبولًا من الأساس. إن الذي نطلق عليه عنوان القيمة بالنسبة إلى الأمور، ليس سوى التوجهات الذهنية الإيجابية لدى البشر. يبدو أن خفض القيَميّة إلى مستوى التوجّه الذهني والترجيحات والميول الفردية، تنقيح فج للموضوعية في مورد القيَم حيث يحظى هذا الأمر بتأييد الوضعيين المنطقين والعاطفيين[5]. إن النزاع والنقاش الفكري والنظري حول القيَم والتفاسير والقراءات من قبل المنظرين بشأن كل واحد من القيَم، خير شاهد على عدم صوابية الفهم الذهني الفج للقيَميّة. إن الأمور المزاجية والذوقية المرتبطة بالترجيحات الفردية والعواطف والميول الداخلية للأشخاص بشأن الأمور والأشياء التي هي من قبيل حبّنا وبغضنا لبعض أنواع الطعام، لا يقع موضوعًا للتحديات والنزاعات الفكرية والنظرية أبدًا. نحن في العادة لا نصرّ على ترجيحاتنا وأذواقنا الشخصية، ولا نبذل جهدًا نظريًا واستدلاليًا من أجل حمل الآخرين على الاصطفاف معنا في ترجيح أذاوقنا على أذواقهم، ولكننا نهتم بشأن القيَم والمعتقدات التقييميّة، وندافع عن رؤيتنا القيَميّة بشكل جادّ على المستوى النظري والبرهاني؛ وعليه فإن التحليل الموضوعي الفج عن القيَم، لا يكون مقترنًا بالصواب[6].
إن التقرير الأكثر تعقيدًا لإبطال العينية في مساحة القيَم والأحكام الأخلاقية والقيَميّة، يمكن العثور عليه في أعمال الفيلسوف الأسترالي في القرن العشرين للميلاد، ونعني به جون لسلي ماكي[7]. وهو في حقل الأبحاث المعيارية والأخلاقية يعتبر نفسه مدافعًا عن التشكيك[8]، ويقيم نظريته الأخلاقية والقيَميّة على أساس «نظرية الخطأ»[9]؛ بمعنى أنه يرى أن توظيف اللغة القيَمية والأخلاقية وجميع القضايا التي هي من هذا القبيل تحتوي على أخطاء دائمة وتنظيمية. إن اشتمال قضايانا المعرفية على أخطاء في بعض الموارد، أمر متعارف ومألوف، وأما القول بأن جميع القضايا في حقل ما تشتمل على الخطأ وأنها كاذبة بأجمعها، فإنه يشمل ذات «نظرية الخطأ» أيضًا. يدعي ماكي أن حقل الأخلاق والأحكام القيَميّة، مشمول للخطأ التنظيمي الدائم، وإن جميع القضايا في هذا الحقل خاطئة. إن الأحكام القيَميّة والأخلاقية من قبيل حُسن العدل وقبح الظلم، وضرورة وصوابية الأفعال الأخلاقية، وعدم ضرورة وعدم صوابية بعض الأفعال غير الأخلاقية، تبدو بأجمعها توصيات وأحكام عامّة وصادقة، وإن المتسخدمين لهذه القضايا يعرضونها بوصفها حقائق عينية ومعارف صادقة ومشتملة على الحق؛ في حين أن ماكي يسعى إلى إثبات أن القيَم والخصائص الأخلاقية التي هي من قبيل الحُسن والقبح والصحة والخطأ القيَمي والضرورة وعدم الضرورة، تفتقر إلى الواقعية والعينية. إن هذا النوع من الأمور والخصائص القيَميّة والأخلاقية ـ كما كان ديفد هيوم يعتقد ذلك ـ ليس من الأمور القابلة للاكتشاف، بل هي من الأمور التي نقوم نحن بجعلها واعتبارها[10].
لقد ذهب ماكي ـ تبعًا لجان لوك ـ بالإضافة إلى الجوهر والهوية الخارجية[11]، إلى الاعتقاد بواقعية الكيفيات[12] أيضًا، وقد عمد إلى تقسيمها إلى قسمين؛ وذلك حيث ذهب إلى اعتبار الكيفيات الأولية من قبيل: الشكل والحجم والمقدار والحركة والسكون، بوصفها من الخصائص الذاتية للأشياء، وأقرّ بوجودها في عالم الخارج؛ وأما الكيفيات الثانية، من قبيل: اللون والرائحة والصوت والطعم، فهي تابعة لإدراك الشخص ويراها عرضة للتغيير وعدم الثبات، ولا وجود لها في الخارج على ذلك الشكل والمحتوى الذي يتمّ إدراكه. إن الكيفيات الثانوية ـ من وجهة نظر ماكي ـ على الرغم من كونها ليست واقعية وليست من الخصائص العينية للأشياء والأمور، إلا أنها تعمل على إيجاد الإدراك والشعور في أنفسنا، وتكون قابلة للبيان بمساعدة الكيفيات الأولية. وبذلك فإنها تعدّ عينية[13] بوجه من الوجوه؛ وإن لم تكن موجودة وعينية على شاكلة الكيفيات الأولية أبدًا.
بالنظر إلى فرضيته القائلة بأن الشيء إنما يكون عينيًا[14] حيث يكون له وجود خارجي، فإن الكلام المهم لماكي هو أن القيَم والمحمولات والأوصاف الموجودة في القضايا والأحكام الأخلاقية والقيَميّة لا تعدّ من الكيفيات الأولية ولا من الكيفيات الثانوية؛ وعليه فإنها تكون فاقدة لجميع أنواع الموجودية والواقعية الخارجية؛ وعلى هذا الأساس تكون جميع القضايا القيَمية والأخلاقية كاذبة وخاطئة؛ وذلك لأن هذه القضايا تتظاهر بأنها تقدّم أحكامًا ومعارف محكمة ومطلقة وعينية؛ هذا في حين أن الأمور القيَميّة والخلاقية ليس لها أيّ مصداق أو ما بإزاء في الخارج أبدًا، وإن جميع هذه القضايا تحتوي على إشكال معرفي، ولا تقدّم لنا أيّ معرفة بحال من الأحوال.
لقد أقام ماكي دليلين على إبطال عينيّة القيَم، وبالتالي القول بوضعها واختلاقها. وفي الدليل الأول الذي يقوم على أساس الغرابة[15]، يذهب ماكي إلى التأكيد على أن القيَم إذا أرادت أن تكون عينية، فليس هناك لتحقيق ذلك سوى ثلاث طرق؛ فإما يجب أن يكون لها ـ مثل الأشياء والأجسام الخارجية ـ هوية مستقلة[16]، وقابلة للفهم والإدراك، أو يجب أن تكون من الكيفيات[17] التي يمكن أن تكون موردًا لإدراكنا وشعورنا، أو يجب أن يكون لها موجودية غريبة للغاية[18]، بحيث لا يوجد لدينا أيّ معرفة عنها. بالنظر إلى أن القيَم لا تعدّ من الهويات الوجودية المستقلة، ولا من الكيفيات الأولية والثانوية، فإن الذي يدافع عن عينية القيَم لا مندوحة له سوى الاعتقاد بأن القيَم لها موجودية وواقعية بنحو من الأنحاء، بحيث لا شيء في العالم يضاهيها، وإن موجوديتها لا تنالها مدركاتنا[19].
إن الاستدلال الثاني لماكي في الفصل الأول من كتابه، هو استدلال من طريق النسبية[20]. إنه يلجأ إلى هذه النقطة وهي أن القيَم والمضامين الأخلاقية تكون مشمولة للنسبية الثقافية، وإن المجتمعات والثقافات المختلفة تصدر أحكامًا قيَميّة وأخلاقية متعارضة ومتهافتة، وإن الإصرار على القول بعينيّة القيَم الأخلاقية يؤدّي إلى هذه النتيجة غير المقبولة، وهي أن جميع الثقافات في باب المضامين الأخلاقية والقيَمية تعاني من الخطأ على نطاق واسع. وعليه ليس هناك من طريق لاجتناب الوصول إلى هذه النتيجة المرفوضة سوى التخلي عن القول بعينية الأخلاق والقيَم.
فيما يتعلق بما تقدم ذكره حول رؤية جون ماكي في إبطال العينية القيَميّة والأخلاقية، هناك ملاحظات نشير إليها فيما يلي على نحو الإجمال:
أ. يجب القول بوجود اختلاف ـ في الأبحاث النظرية الدقيقة ـ بين الواقعية[21] وبين العينية[22].
إن الواقعية في حقل القيَم والأخلاق، تعني أن نعتقد بوجود الأوصاف والخصائص القيَميّة والأخلاقية (محمولات القضايا المعيارية والأخلاقية) في عالم الخارج، وأن نؤمن بواقعيتها وأن لها ما بإزاء عيني وخارجي؛ إلا أن العينية تقع في قبال الموضوعية وليس في قبال الواقعية. وبعبارة أخرى: إن العينية أوسع وأكثر شمولًا من الواقعية. إن كل تفسير واقعي ـ سواء عن العالم أو عن دائرة الأخلاق والقيَم ـ سوف يكون بالضرورة عينيًا أيضًا، بيد أن عكس ذلك ليس صحيحًا؛ فقد يكون التحليل والتفسير عينيًا ولا تكون له صلة بالواقعية القائمة على الخارجية الأنطولوجية والمعرفة الوجودية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يمكن الحصول في مورد الموضوعات التي لها طبيعة ثقافية واجتماعية على قضايا توصيفية صادقة، بحيث تكون على وجه من الوجوه عينية دون أن يكون لها ما بإزاء عيني خارجي ومستقل عن الذهن، ولا يكون للواقعية الأنطولوجية والوجودية موضوعية في موردها. وهي أمور من قبيل: البطالة، والتضخّم، والازدهار الاقتصادي، وقواعد الألعاب، من قبيل قواعد لعبة الشطرنج، والاصطفافات السياسية. فهذه هي الأمور والموضوعات التي يمكن أن يكون لنا بشأنها موضوعات توصيفية ومعرفية تقبل الاتصاف بالصدق والكذب. إن جميع هذه القضايا عينية وميتافيزيقية من دون أن يكون التضخّم والبطالة والازدهار الاقتصادي وقواعد الشطرنج، من الحقائق الخارجية أو أن يكون لها وجود مستقل عن أذهاننا ومدركاتنا؛ بمعنى أنه لا وجود للواقعية الأنطولوجية والوجودية في موردها[23]. وأما العينية الميتافيزيقية فهناك طريق إليها، ويمكن للقضايا المرتبطة بها أن تتصف بالصدق والأحقية. إن تبلور حجم التضخّم وارتفاع نسبة البطالة وقواعد لعبة ما في فضاء العلاقات الإنسانية والذي يتمّ بمساعدة الوضع والجعل أحيانًا، ولا يكون لها وجود في خارج العالم الإنساني، إنما يستوجب عدم قدرتنا على الحصول على قضايا توصيفية واقعية في موردها؛ ولكن يمكن أن تكون لدينا قضايا توصيفية وعينية تقبل الصدق والكذب، ولو قلنا ـ على سبيل المثال ـ «إن القلعة في لعبة الشطرنج يمكن أن تتحرك على شكل علامة الضرب [والتي هي حركة الفيل في هذه اللعبة]»، تكون هذه قضية كاذبة وغير متطابقة مع الواقع؛ على الرغم من أن هذه القواعد وطريقة حركة الأحجار في رقعة الشطرنج إنما هي من صنع الإنسان حيث يقوم بالجعل والاعتبار، وتفتقر إلى الواقعية الخارجية.
إن الذي يسعى إليه ماكي في أدلته وبراهينه، ولا سيّما منها الاستدلال بالغرابة، هو إبطال الواقعية في حقل الأخلاق والقيَم، ولا يمكنه أن يُبطل جميع أنواع العينية وجميع التفاسير الممكنة للعينية القيَميّة والأخلاقية. وبعبارة أخرى: إن تقريره إنما بستطيع أن يُشكل تحديًا أمام التفسير الواقعي للعينية القيَميّة والأخلاقية فقط.
ب. إن الدفاع عن العينيّة الأخلاقية والقيَميّة ـ سواء بين فلاسفة الغرب أو بين المفكرين المسلمين ـ لم يكن قائمًا على أساس الواقعية أو الاعتقاد بالواقعية العينية والخارجية للأوصاف والمضامين الأخلاقية والقيَميّة. يُعدّ تقرير إيمانوئيل كانط في التراث الفكري لدى الغرب عن الأخلاقيات واعتبار الأوامر المطلقة للعقل المحض، تقريرًا عينيًا عن الأخلاقيات، دون الاستناد إلى الواقعية الأنطولوجية في مورد الأوصاف والخصائص الأخلاقية.
وقد تمّ في الفضاء الفكري الإسلامي تقديم تحليلات مختلفة عن الأمور القيَميّة والأخلاقية، وهي في عين التعلق بالعينية تعدّ النقطة المشتركة بينها عبارة عن الاعتقاد بالواقعية الخارجية واعتبار الموجودية العينية للأوصاف والمحمولات الأخلاقية والقيَميّة؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ حتى لو أخذنا مفكرًا مثل العلامة الطباطبائي ـ الذي يرى أن الأوصاف والمحمولات القيَميّة والأخلاقية من اعتباريات العقل العملي ـ فسوف نجد أنه لا يعتبرها من الاعتباريات المحضة وغير ذات صلة بالواقعية، ويرى أن فهم وإدراك العقل لدور الأفعال والموضوعات القيَميّة والأخلاقية في سعادة الفرد أو المجتمع، اساسًا ودعامة للعقل العملي في صدور الأحكام القيَميّة واعتبار هذا النوع من المفاهيم.
وقد ذهب بعض المفكرين المسلمين إلى اعتبار عينية القيَم ضمن دورها الواقعي في ضمان الأهداف والغايات المطلوبة. وفي هذا الشأن يذهب الأستاذ الشيخ مصباح اليزدي إلى الاعتقاد بأن القضايا القيَميّة إنما ترتبط بمساحة الأفعال الاختيارية للإنسان، وإن تلك الطائفة من الأفعال التي تعدّ وسيلة وأداة لتحقق الأهداف المطلوبة، تكون موردًا للحكم الإيجابي، وتعدّ الأفعال التي تبعد الإنسان عن الأهداف والغايات المطلوبة ذات قيمة سلبية. وعلى هذا الأساس يكون العنصر المهم والأساسي في القيَم هو الهدف والنتيجة العينية للأعمال والسلوكيات التي هي أمر واقعي. إن الأهداف التي تكون منشأ لخلق القيَم تحتوي على سلسلة مراتب، وإن من بين أسمى الأهداف هو الكمال النهائي للإنسان وهو المتمثل بالقرب من الله. إن كل فعل أو عمل ـ سواء أكان فرديًا أو اجتماعيًا ـ يكون في إطار ضمان الأهداف الحقيقية للإنسان، بحيث يُقرّب الإنسان من هذه الأهداف الحقيقية والغائية، تكون له قيمة؛ وعليه فإن القيَم يتمّ فهمها وانتزاعها من هذه العلاقة الواقعية[24]. وبناء على هذه الرؤية فإن القيَم لا يتمّ وضعها واعتبارها، بل إن عقلنا هو الذي يدركها، وإن منشأ إدراكها وانتزاعها عبارة عن العلاقة العينية والواقعية القائمة بين الأفعال والأمور والغايات والأهداف المترتبة عليها.
إن نقطة الضعف الأساسية التي يعاني منها رأي جون ماكي في إبطال عينيّة القيَم، عبارة عن إهماله لجميع هذه الأنواع من التقريرات عن عينية القيَم التي لا تقوم على الواقعية الأنطولوجية للقيَم، ويعمل على نفي وإنكار مجرّد العينيّة الواقعية التي لا يدافع عنها الكثير من الذين يدافعون عن العينيّة القيَميّة، حتى في التراث الفكري للغرب؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ عندما يتحدّث إميل دوركهايم عن عينيّة القيَم، فإن مراده هو أنماط الحكم المشتركة والاجتماعية المسيطرة؛ بمعنى الأصول المشتركة والأخلاق المشتركة والمعايير المقبولة في المجتمع والتي يتمّ إصدار الأحكام على أساسها، ويتمّ في ضوئها تشخيص حُسن وقبح الأمور، وإن هذا الفهم للعينية يُثبت أن المطلوب وغير المطلوب، والقبيح والحسن، والجيّد وغير الجيّد، يُعدّ من الأمور غير الشخصية وإن المعايير العامّة الراسخة في الوجدان العام للمجتمع، هي المبنى لهذه الأحكام القيَميّة[25].
ج. إن جهود بعض المنتقدين لماكي ـ من أمثال جون ماك داول ـ في الدفاع عن العينية الواقعيّة للقيَم، غير منتجة ولا يمكن الدفاع عنها. وقد سعى في مقالته المشهورة تحت عنوان «القيَم والكيفيات الثانوية»[26] ـ ضمن هذا الفضاء العيني الأنطولوجي للقيَم والذي قام جون ماكي برسمه ـ إلى إثبات أن القيَم مثل الكيفيات الثانوية ـ من قبيل الألوان ـ ليس لها وجود خارجي، ولا حاجة إلى أن نعتبر وجود القيَم من جنس الهويات العجيبة والغريبة التي لا يمتلك الإنسان أيّ إدراك أو شعور بشأنها. إن الألوان وإن لم تكن مثل الكيفيات الأولية التي لا يكون لها وجود خارجي بشكل مستقل عن إدراكنا وشعورنا، إلا أن تبعيتها لمعرفتنا وعلمنا بها لا يتنافى مع عينية الألوان؛ وذلك لأن الأبعاد العينية عن واقعية الأشياء هي التي تستوجب أن يرى كل شيء في منظومتنا الإدراكية بلونه الخاص، وإذا كانت ألوان الأشياء مختلفة في معرفتنا وإدراكنا الحسّي، فيعود السبب في ذلك إلى وجود اختلافات عينية في واقعيتها الخارجية حيث تكون منشأ لكيفية ثانوية مختلفة باسم اللون.
إن هذا التصوير للقيَم واحتوائها على الكيفية الثانوية بالنسبة إلى الأفعال والأعمال الفردية والاجتماعية شديد التكلّف، وسوف يكون مضللًا لو أردنا أن نعتبر القيَم مثل الرائحة والطعم واللون والصوت، مجرّد صدى إحساسي وإدراكي لطريقة الوجود خارج الأمور والموضوعات القيَميّة والأخلاقية. وكما سبق أن أشرنا لا ينبغي تفسير وبيان العينيّة القيَميّة في فضاء الواقعية الأنطولوجية والوجود الخارجية للقيَم.
د. إن نسبية القيَم، لن تكون نافية لعينيتها. وإن المفاهيم التي هي من قبيل «المنفعة»، و«التأثير»، و«الجدوائية»، والكثير من الأوصاف الأخرى التي ننسبها إلى الأمور والأشياء، هي نسبية، وتكون في الوقت نفسه شيئًا مفيدًا أو مؤثرًا أو مجديًا حقًا. قد يكون القيام بفعل أو امتلاك أداة أو توظيف طريقة في بعض الحالات والظروف مفيدًا ومؤثرًا، ولكن في ظروف وأحوال أخرى لا يكون فاقدًا للجدوائية والتأثير فحسب، بل ويكون مضرًّا وغير نافع من الناحية العملية. وفي كلتا الحالتين تكون المضامين التي هي من قبيل المفيد والمؤثر والمجدي، من الأمور العينية وغير الموضوعية.
وهكذا الأمر في مورد القيَم. وفي الأساس فإن القيَم إنما يكون لها أرضية وموضوعية في حقل الحياة الإنسانية والأفعال والعلاقات الفردية والاجتماعية بين الناس، ولا يتمّ بحثها في مورد الأشياء والنباتات والكثير من الموجودات. يُضاف إلى ذلك أن بعض المضامين القيَميّة إنما تكتسب أرضيتها ومصداقها في فضاء القياس والنسبية؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن المحاباة والانحياز، تشبه الأوصاف التي هي من قبيل الأطول والأقصر؛ حيث إذا لم يكن هناك مقارنة أو نسبة في البين، لا تحصل على مصداقها أو موردها؛ إن المحاباة والانحياز الذي ينطوي على قيمة سلبية، هو مثل الأطول والأقصر، ليس صفة عينية بحيث يقع في حدّ ذاته وصفًا للأمور. إن الشجرة في حدّ ذاتها لا تكون طويلة ولا قصيرة، ولكن عندما نقارنها بشجرة أخرى، فسوف تتصف بالطول أو القصر. وعندما نقارن بين سلوك شخصين، يتجلى هناك مصداق للمحاباة والانحياز؛ وذلك إذا كان ذلك السلوك في الظروف والحالات المتحدة مختلفًا.
والنقطة الأخرى أنه في الاستدلال من طريق النسبية، يذهب جون ماكي ـ بالنظر إلى النسبية الثقافية للقيَم ـ إلى ترتيب هذه النتيجة وهي أن الإصرار على عينية القيَم يؤدّي إلى نسبة الخطأ على نطاق أوسع إلى أكثر الناس، وهذه النتيجة لا يمكن أن تكون مقبولة. فهو يغفل عن هذه النقطة، وهي أن هذه النتيجة ـ وهي خطأ الناس على نطاق واسع ـ لا ربط لها بالاعتقاد بالعينيّة القيَميّة؛ وذلك لأننا لو كنا معتقدين بالرأي المقابل، ونعني به الموضوعية القيَميّة أيضًا، فسوف تترتب هذه النتيجة أيضًا؛ مع هذا الفارق وهو أنه على أساس العينية يكون خطأ الأشخاص في مختلف المجتمعات في المضامين المضمونية للقيَم؛ حيث ترى كل ثقافة أن حكمها القيَمي هو الحق وهو الصادق، وفي ضوء القبول برأي جون ماكي، بمعنى الموضوعية الأخلاقية والقيَميّة، يكون خطأ الأفراد في مختلف الثقافات عبارة عن أنها فيما يتعلق بالقيَم والأخلاقيات ـ التي ليس لها أيّ موجودية وواقعية في عالم الخارج ـ تعمل خطأ على بيان قضايا معرفية متعارضة ومتهافتة فيما بينها؛ وعليه فإن العينية والذهنية القيَميّة في كلتا الحالتين، بالنظر إلى تحليل ومبنى جون ماكي بشأن القيَم، ينشغل جميع الأفراد في المجتمعات والثقافات المختلفة بإصدار الأحكام الخاطئة، وإن الاختلاف الوحيد يكمن في سنخ الخطأ وبيان سبب ارتكاب الأشخاص للخطأ. وعلى هذا الأساس فإن النسبية القيَميّة في ضوء تقرير جون ماكي، تعمل في كلتا الحالتين تعلى وصف الأحكام الأخلاقية والقيَميّة للمجتمعات البشرية بالخطأ على نطاق واسع، ولا يمكن أن نستنتج من هذا الاستدلال نفي خصوص النزعة العينيّة[27].
ومن الجدير التذكير بهذه النقطة، وهي أن جون ماكي يبالغ في النسبية القيَميّة والأخلاقية. والحق هو أن جميع التعارضات الأخلاقية لا تعود إلى النسبية في الأخلاق والنسبية الثقافية، بل يكون الاختلاف في بعض الأحيان في المصاديق؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الاختلاف في الجواز الأخلاقي للإجهاض، لا يعود إلى الاختلاف الأخلاقي في قبح قتل النفس، بل النزاع في البحث هنا صغروي وهو هل الإجهاض وإسقاط الجنين يُعدّ قتلًا للإنسان، أو أن الجنين لا يعتبر إنسانًا، وعليه لا يكون هناك في عملية الإجهاض قتل لإنسان؛ وعلى هذا الأساس لو وضعنا الاختلاف في إنسانية أو عدم إنسانية الجنين جانبًا، فإن كلا الطرفين يتفق على أن «قتل النفس» يتنافى مع القيَم ولا يُعدّ أخلاقيًا. إن التعارضات الأخلاقية والقيَميّة ينشأ في بعض الأحيان من الاختلاف في المباني والرؤية العقائدية وبعض المعتقدات الأساسية، ولا ربط له بنسبية المعتقدات الأخلاقية. في فضاء المعتقدات الدينية يتمّ فتح الأبواب لتقبّل بعض القيَم، وفي المجتمع غير المؤمن بتلك العقائد الدينية، لا يُكتب التبلور لهذا النوع من القيَم. إن منشأ هذا الاختلاف في نظام القيَم لا يكمن في التعارض حول المعتقدات الأخلاقية أو نسبية العقائد الأخلاقية، بل إن الاختلاف في المعتقدات الجوهرية غير الأخلاقية، يكون هو السبب في تلك التعدّدية وعدم التناغم المضموني للقيَم.
إن التعددية والتشتت في النظام القيَمي للمجتمع، حقيقة لا يمكن إنكارها. وإن الاختلاف في محتوى القيَم الاجتماعية للمجتمعات ـ بغض النظر عن سبب ومنشأ هذه الاختلافات ـ يخلق هذا التصوّر والظن الذي يحملنا على اعتبار الأحكام الأخلاقية والقيَم الاجتماعية «غير قابلة للتقييم»[28]، وأن نعترف رسميًا بنسبيّة القيَم[29]. إن بعض الآراء الحداثوية التي تذهب في الأساس إلى جعل القيَم في ضوء «الأبنية الثقافية» والعقلانية الكامنة وراء الأنظمة القيَميّة غير قابلة للنقد، تشدّد من هذا التصوّر والظن. ومن ناحية أخرى فإن التقريرات العينيّة للقيَم والأحكام القيَميّة، تبشّر بوجود متسع للتقييم والحكم بين مختلف المنظومات القيَمية، ويمكن البحث والحديث بشأن التفاسير والأفهام المختلفة عن القيَم الاجتماعية، والعمل على اختبار المعارف التي يتمّ جمعها حول الفضائل والقيَم الاجتماعية للمجتمعات البشرية وإصدار الأحكام المضمونية بشأنها.
إن تلك الطائفة من التفسيرات العينية من القيَم ـ التي تجعل من المشتركات الذاتية بين البشر والخيرات المشتركة أو السعادة والغايات الكمالية أو الفضائل الإنسانية أساسًا للأخلاق والقيَم والعقلانية الاجتماعية والثقافية[30] ـ تنجح في إظهار الأخلاق والقيَم بوصفها معقولة، كما تجعل الثقافات موضوعًا للنقد والحكم، وكذلك تعمل على إنقاذ العقلانية الاجتماعية والتعددية الثقافية من استحالة التقييم. إن هذا المحور من البحث واسع ومتشعّب للغاية، وإن البحث التفصيلي في الآراء والنظريات المخالفة ـ ولا سيّما في الطيف الواسع من الفلاسفة والمفكرين في الحقل الاجتماعي الحديث ـ يبعدنا عن غاية وموضوع هذه المقالة إلى حدّ كبير.
3. إمكان القيَم المطلقة وما وراء التاريخية
في المجتمع الإسلامي والنظام السياسي المخلص والوفي للأصول والقيَم الإسلامية، سوف يضطر الأساس القيَمي والأخلاقي للمجتمع السياسي إلى التأثر والانبثاق عن الأصول والقيَم الدينية؛ وحتى لو قبلنا بأن جميع عناصر هذه الأسس القيَميّة والأخلاقية، لا تستند إلى التعاليم الدينية، وهناك متسع للعقل والتجارب العقلائية المتراكمة لكي تلعب دورًا في تنظيم محتوى هذه الأسس القيَميّة والأخلاقية.
من الواضح أن هذا الأساس القيَمي والأخلاقي يقوم على مبانيه الخاصّة، ويحظى بعقلانيته المتناسبة معه بوصفها دعامة للمعقولية والمقبولية والتوجيه؛ وعلى هذا الأساس فإن التعدّدية الثقافية وحتى الإصرار على استحالة تقييم العقلانيات الاجتماعية والقيَميّة، لا تحدث خللًا فيها؛ وذلك لأن المعقولية والقبول بهذا الأساس القيَمي والأخلاقي تحتوي على مبانيها ومستنداتها الدينية والعقلانية، وإن الاعتقاد بإمكانية نقد الثقافات أو إمكان تقييم العقلانية القيَميّة والعملية، ليس من مقدماتها ولا من مقوّماتها. بيد أن النقطة المهمّة في البين هي حيث أن سنخ هذا الأساس الأخلاقي والقيَمي الحاكم على المجتمع والنظام الإسلامي يختلف تمامًا عن سنخ وجنس الأساس الأخلاقي والقيَمي للمجتمعات الليبرالية. وفي الأساس ليس في الإسلام فحسب، بل وحتى في الكثير من الأديان الأخرى ـ ولا سيّما الأديان التوحيدية منها ـ تعدّ الأصول القيَمية والأخلاقية من الحقائق الدينية والأخلاقية، وإن التعهد والالتزام بها يكون من باب التعهد بالحقيقة والالتزام بالقيَم والأصول المطلقة والتي لا يمكن تجاوزها؛ في حين أن الأمر ليس كذلك في دائرة التفكير الليبرالي.
هناك اختلاف جاد في وجهات النظر حول ماهية الأساس القيَمي والأخلاقي للمجتمعات الليبرالية. فهناك رأي يميل إليه الناقدون الثقافيون لليبرالية، وهو أنه بسبب غلبة النزعة الفردانية والاختيار الفردي ـ بوصفه قيمة مهيمنة في ثقافة المجتمعات الليبرالية ـ لا يبقى هناك متسع لتعقّب «القيَم الجماعية»[31] في هذه المجتمعات؛ وعلى هذا الأساس فإن «الخير المشترك والجمعي» في الفضاء الليبرالي لا يمكن أن يكون صارخًا، بل يجب ـ كما يؤكد تشارلز لامور ـ أن يكون الحدّ من الفهم الأخلاقي[32] هو المبنى والإطار الأخلاقي للمجتمع، كي يتمكن المواطنون على اختلاف أفهامهم ومشاربهم المتعارضة حول أسلوب الحياة، من تقبّل هذا المبنى والإطار الأخلاقي في حدّه الأدنى[33].
أما الرأي الآخر فهو أن المجتمع الليبرالي في الأساس بدلًا من هاجس الأهداف الجماعية المشتركة والقيمة والخير[34]، يجب أن يحمل هاجس «الحقوق»[35]؛ وعلى هذا الأساس يجب على الدولة الليبرالية أن تكون حيادية من الناحية الأخلاقية، وأن لا تتبنّى الدفاع عن أي فهم أخلاقي بعينه؛ وبذلك تصبح السياسة والدولة متمحورة حول القانون[36]؛ حيث يكون هاجسها الرئيس عبارة عن الحقوق والقانون، بدلًا من أن تتمحور حول «محورية الغاية»[37] وناظرة إلى مجموعة من الأهداف والخيرات الاجتماعية المشتركة. إن الاتجاه الاجتماعي[38] في التراث الليبرالي قد تطوّر وازدهر في قبال هذه الرؤية، وهي بصدد إظهار الأهداف والقيَم الجماعية بالإضافة إلى الاهتمام البحت بالحقوق والقوانين[39].
إن المدافعين عن النزعة الشكية والنسبية القيَميّة والمعرفية يذهبون إلى القول بعدم وجود أيّ دليل أو مبنى ذهني مشترك ومقنع للدفاع من منطلق فهم خاص عن الأخلاق والنظام القيَمي؛ وعلى هذا الأساس لا يمكن إقامة النظام الليبرالي على أساس البناء الأخلاقي والقيَمي. وعليه لا يجب اعتبار الليبرالية على أساس البناء الأخلاقي لها، بل يجب اعتبارها موجّهة ومقبولة بسبب «آلية التماهي»[40]. إن الليبرالية تجيز للأفراد والجماعات في نظام سياسي يحتوي على إطار منضبط، بأن يتمكنوا بحذر وبقوّة قانونية متساوية من التعاون والتنافس والمماكسة حول مصالحهم. وبعبارة أخرى: إن مبنى اعتبار وتوجيه هذا النظام السياسي والاجتماعي، ليس هو بناء أخلاقي وقيَمي جامع وخاص، بل هو ـ كما يقول جون رالز في كتاباته المتأخرة[41] ـ عبارة عن أن الليبرالية «أسلوب حياة»[42]، حيث يجعل التعاون الاجتماعي المستمر في المجتمعات الليبرالية المتعددة إلى حدّ كبير، سهلًا وميسورًا.
وبطبيعة الحال كما ينوّه ريموند بلانت، فإن هذه الرؤية التشكيكية إلى الأخلاق والقيَم، وكذلك النظرة السياسية الكاملة لجون رالز إلى الليبراليةـ يمكن أن تسهّل الرضوخ للنظام الليبرالي بالنسبة إلى أنصار التشكيك الأخلاقي والمدافعين عن نظرية جون رالز. بيد أن الذين يعتقدون على نحو جاد بالأخلاق والقيَم، وكذلك الجماعات المذهبية والدينية، لا يطيقون هذا الفهم عن الليبرالية؛ وذلك لأن الأخلاق والقيَم ـ من وجهة نظرهم ـ حقائق[43] لا يمكن تجاهلها، وإن الإصرار على هذا النوع من الليبرالية، يُعدّ من مصاديق «الأصولية التشكيكية»[44].
في تلك المجموعة من المذاهب الدينية والفلسفية التي تبدي تعهدًا والتزامًا بالأسس الأخلاقية والقيَميّة في الحياة الاجتماعية للناس، من الواضح أنها لا تعتبر النظام القيَمي والمعتقدات الأخلاقية الحاكمة على النظام السياسي والاجتماعي موازية وفي مرتبة النظام الحقوقي والتقنيني، وإن الأساس الأخلاقي للمجتمع من حيث الرتبة متقدّم على النظام الحقوقي والقوانين، كما أنه يحظى بالثبات والإطلاق أيضًا. إن النظام الحقوقي ومجموعة القوانين والمقررات المدنية والاجتماعية لا يمكنها تجاهل التغييرات الاجتماعية بالمرّة، وأن تعمل دون أيّ مرونة وتغيير على فرض محتوى صلب وموحّد على جميع أنواع الشرائط والظروف الاجتماعية. إن الانفعال والانعطاف المعقول والمتعارف، أمر مطلوب في النظام الحقوقي والتشريعي، ومن المناسب للنظام الحقوقي في مسار الاعتدال أن يتحرّك بين الانعطاف والانفعال المحض وبين التصلّب والجمود، وأن يعترف بواقعية المتغيّرت الاجتماعية في الموارد التي تحتاج إلى ردّة فعل حقوقية وتشريعية مناسبة؛ ولكن ما هي نسبة الأبنية الأخلاقية والقيَمية للمجتمع في قبال المتغيرات الاجتماعية، وما الذي يحدث فيها؟
إن القيَم الاجتماعية حتى إذا كانت على أساس «البنية الثقافية»، تعدّ في رؤية وتفكير قاطبة المجتمع والمدافعين عن تلك القيَم، حقائق أخلاقية وقيَميّة عينية، وإن إيمانهم بهذه الأسس القيَميّة، بحيث لا يمكنهم التخلي عن تلك العناصر القيَميّة بسهولة ولمجرّد بعض التغييرات الاجتماعية، بل يبدو أنه يتمّ الحفاظ عليها والتعهّد بها من طريقين ويتمّ السعي إلى صيانة ثباتها وإطلاقها.
الطريق الأول، إعادة تفسير تلك القيَم. كما تقدّم في بحث التطوّر التاريخي للعدالة فإن التغييرات الاجتماعية والثقافية لم تؤدّ إلى أن تعمل قيَم العدالة الأساسية طوال التاريخ على التخلي عن مكانها لصالح قيَم أخرى، وأن تغادر الدائرة الأخلاقية للمجتمع البشري، بل تشكلت أفهام جديدة عن العدالة التوزيعية، أو حلّت التفاسير الاجتماعية/السياسية للعدالة محلّ الفهم الأخلاقي/السياسي عن العدالة.
وأما المسار والطريق الثاني لصيانة ثبات القيَم الاجتماعية، فهو عبارة عن حدوث ردّة الفعل تجاه التغييرات الاجتماعية بواسطة تغيير القانون والانفعال في النظام الحقوقي، ولا يكون هناك تحوّل وتغيير في النظام القيَمي والأخلاقي الذي يُشكل دعامة ومبنى للنظام الحقوقي في المجتمع بشكل مباشر.
وفي فضاء الفكر الإسلامي حيث البناء الأخلاقي والنظم الحقوقي كلاهما مستظهر ومدين للتعاليم الوحيانية، يكتسب ثبات وإطلاق القيَم الاجتماعية استحكامًا أكبر. تعدّ الشريعة والتعاليم القيَميّة والأخلاقية للدين في دائرة أنواع العلاقات الاجتماعية أمورًا فوق العصر وتفوق التاريخ، وسوف تكون ـ بطبيعة الحال ـ بمساعدة الاجتهاد ومن خلال مسار الإدراك العلمي ومن الناحية الحكمية والموضوعية ورصد التغييرات الاجتماعية، قابلة للتفسير وإعادة التفكير المتطابق مع الشرائط الزمانية والمكانية.
إن الدفاع عن الإطلاق وما فوق تاريخية القيَم الاجتماعية في الفضاء ما وراء الديني والإقناع الذهني بالغ الصعوبة والتعقيد؛ لاسيّما إذا تمّ الإصرار على تفسير خاص عن قيمة اجتماعية بعينها. والحق أنه في بعض القيم التي هي من قبيل العدل، يمكن الاعتقاد في المستوى الارتكازي والفهم الصوري له باشتراك الفهم ما فوق العصري لهذا الإدراك؛ على الرغم من أن الفهم المضموني للعدالة الذي يعود إلى تفاسيره المتنوّعة، لا يرتضي الثبات واشتراك النظر أبدًا، وإن تاريخ التفكير زاخر بالنظريات والأفهام المختلفة عن العدالة.
4. نسبة القيَم الاجتماعية إلى الخير الفردي
إن من بين الأبحاث التمهيدية حول القيَم والأخلاقيات الاجتماعية، عبارة عن بحث علاقتها بالخيرات الفردية أو القيَم والمطلوبيات الناظرة إلى آحاد أفراد المجتمع. أليس لما يعرف بوصفه من الأمور المطلوبة وفضائل المجتمع والخيرات والقيَم الاجتماعية، وصفًا لحالة المجتمع والنظم الاجتماعية والعلاقات والأبنية الاجتماعية القائمة، بحيث لا يكون للخيرات الفردية وما يرتبط بمساحة الأمور المطلوبة والقيَم الناظرة إلى أفراد المجتمع أي دور في ذلك؟ أم أن مقولة الأخلاقيات والقيَم الاجتماعية، ليست مستقلة وأجنبية عن القيَم والخيرات الفردية، وإن اتصاف المجتمع بمجموعة من الخيرات والقيَم الاجتماعية بواسطة ضمان الخيرات والقيَم الفردية ومن طريق تأثير النظم الاجتماعي في دائرة الخير الفردي لآحاد المجتمع، بحيث أنه بغض النظر عن أخذ الحالة الاجتماعية والكمالية لآحاد أفراد المجتمع بنظر الاعتبار، لا يمكن إصدار الأحكام على نحو الاستقلال بشأن الأمور المطلوبة والكمالات والقيَم في مجتمع ما؟ وفي الواقع فإن البحث في مسألة تعيين الأساس القيَمي والأخلاقي لمجتمع ما وفهرسة الفضائل والكمالات والقيَم الاجتماعية، هل تكون الأصالة للمجتمع وعلاقاته البنيوية أم الأصالة تكون للأفراد والقيَم والأمور الفردية المطلوبة؟
في التفكير الفلسفي التقليدي تكون الغلبة لأصالة الفرد. من خلال إلقاء نظرة عابرة إلى أعمال وآثار فلاسفة من أمثال أرسطو والفارابي والشيخ نصير الدين الطوسي، ندرك جيدًا أن مدينتهم الفاضلة ومطلوبية وقيَميّة النظم المنبثق عن هذه المدينة، إنما تكون بسبب وتبعية ضمان الغايات والسعادة الفردية لآحاد المجتمع؛ وكأنه من دون أخذ السعادة والأخلاقيات الفردية وتطوير الكمالات والخيرات الفردية بنظر الاعتبار، لايبقى هناك متسع لاتصاف المجتمع بالخير والفضيلة والقيمة. إن الشاهد على هذا المدّعى هو أن وصول الأفراد إلى السعادة والكمال الإنساني يعدّ ـ من وجهة نظر هؤلاء الفلاسفة ـ هو العلة الغائية لتشكيل المجتمع السياسي، وإن سرّ الحاجة إلى الحكومة والمجتمع السياسي والتعاون الاجتماعي يكمن في أنه بمعزل عن المجتمع البشري والتعاون الاجتماعي وإقامة المجتمع السياسي وعلاقاته، لا يمكن للسعادة الحقيقية والشاملة للبشر أن تتحقق، وإذا اتصفت الدولة والمجتمع بوصف المجتمع والنظام السياسي الفاضل، فذلك لأنها توفر الأرضية لوصول الأفراد إلى السعادة الحقيقية. يقول الفارابي: «إن رئاسة تمكّن الأفعال والسنن والملَكات الإرادية التي شأنها أن ينال بها ما هو في الحقيقة سعادة، وهي الرئاسة الفاضلة، والمدن والأمم المنقادة لهذه الرئاسة هي المدن الفاضلة»[45].
إن سعادة الأفراد هي «العلّة الغائية» لتشكيل المجتمع السياسي، وإن وجود الرئيس الأول والفرد المناسب، لقيادة وتوجيه الأفراد نحو الحصول على السعادة هو «العلة الفاعلية» لتحقيق المجتمع السياسي الفاضل. وإن تشريع القوانيين المناسبة وتعليم الفضائل وتعويد المواطنين على الفضائل المدنية من طريق إقناعهم وتأديبهم وترغيبهم، من مهام الرئيس الأول[46].
من وجهة نظر الحكماء والفلاسفة المسلمين نحن لا نواجه نظامين قيَميين وأخلاقيين في عرض بعضهما، وإن الخيرات والقيَم الاجتماعية ليست مستقلة وفي عرض الخيرات والسعادات والقيَم والكمالات الفردية، بل الأصح هو أن نقول إن ما هو خير وسعادة بالأصالة إنما هو وصول الأفراد إلى الكمالات والخيرات الذاتية والتي يتمّ التعبير عنها بـ «السعادة». إن سعادة الإنسان رهن بالحصول على «الفضائل». إن لهذه الفضائل أقسامًا[47] بعضها تابع للجهود الفردية للأشخاص إلى حدّ كبير؛ من قبيل الحصول على الفضائل الأخلاقية التي يتمّ الحصول عليها بواسطة القوى الداخلية للإنسان واعتدال القوى واجتناب الإفراط والتفريط في قوى النفس، وكذلك بعض الفضائل التابعة لتحصيل العلوم النظرية واكتساب المعلومات والتي بدورها يكون البُعد الفردي فيها قوي جدًا؛ وإن كان الحصول على هذه الفضائل لا يتوقف من الناحية المنطقية على تأسيس المدينة الفاضلة، إلا أن الحصول على هذا القسم من الفضائل يتمّ تسهيل وتمهيد الأمور له في فضاء المدينة الفاضلة ورئاسة الرئيس الأول؛ بيد أن بعض الفضائل لا يكون لها أرضية للتحقق من دون المدينة الفاضلة أساسًا. وإن الفضائل العملية هي من هذا الصنف حيث تحظى كل طبقة وفئة اجتماعية بهذه الخيرات والمصالح التي يتمّ التعرّف عليها من طريق «العلم المدني»، وإن الحصول على هذه العلوم المدنية وتعليمها لطبقات المجتمع والعمل بها، يشكل مادّة لتحصيل السعادة[48]. وفي الأساس فإن الأمور التي هي من قبيل الوحي والنبوّة والحكمة المدنية والعلوم المدنية التي تستعمل بأجمعها في المجتمع الفاضل، إنما هي من الأسباب والعوامل الخارجية لتحقيق السعادة والكمال الذاتي للأفراد. وعليه فإن كل شيء في فضاء الفلاسفة والحكماء الإسلاميين إنما يكون في خدمة السعادة الفردية للإنسان، وإن المجتمع الفاضل والمطلوب إنما يكون فاضلًا ومطلوبًا من حيث أنه يصبّ في الخدمة والسعادة الفردية للأفراد، وبمعزل عن ذلك لا يمكن تصوّر المطلوبية والقيمة الاجتماعية.
بغض النظر عن رؤية الفلاسفة المشائين تجاه مسألة أصالة القيَم الاجتماعية والقول بتبعية هذه القيَم والفضائل بالنسبة إلى السعادة والخيرات الفردية، يجب بحث الفرضيات المتصوّرة حول نسبة الخير الاجتماعي والخير الفردي أو نسبة الأساس القيَمي والأخلاقي للمجتمع إلى الخيرات والمطلوبيات المتوجّهة إلى آحاد الأفراد، ليتضح ما هو سهم الخير الفردي في الخيرات الاجتماعية، وهل ما يُعدّ قيمة وخيرًا اجتماعيًا يجب أن يصبّ بالضرورة في الخير الفردي للمواطنين؟
إن الافتراض الأول هو أن نميل في رؤية فردية قيَميّة بحتة إلى هذا المبنى، وهو أن الشيء إنما يُعدّ قيمة اجتماعية أو يحتوي على مطلوبيات في المجتمع السياسي، فيما لو أمكنت مشاهدة وإدراك تأثيره الإيجابي والمطلوب في حياة الأفراد واحدًا واحدًا بشكل مستقل ومحسوس من قبل الأفراد أنفسهم؛ وعلى هذا الأساس فإن اللذة أو الشعور بالرضا من قبل آحاد أفراد المجتمع ـ والذي هو أمر شخصي وأنفسي (موضوعي) ـ هو المعيار الوحيد بشأن كيفية الترتيبات الاجتماعية والسياسية في المجتمع وتحديد مقدار قيمته. إن قائمة الفضائل والمطلوبيات المنسوبة إلى النظم الاجتماعي والسياسي ـ في ضوء هذا الافتراض ـ تتجاوز مسار الإدراك الشخصي للأفراد للآثار والنتائج الإيجابية للعلاقات القائمة في ذلك النظم الاجتماعي والسياسي.
الافتراض الثاني أن يكون تأييد وتصديق آحاد أفراد المجتمع لخير أو فضيلة اجتماعية هو المعيار في اعتباره أمرًا قيّمًا. إن الحُسن والخير الاجتماعي هو ذلك الشيء الذي يعتبره الناس حسنًا وذا قيمة؛ حتى إذا لم يكن له تأثير ملحوظ في حياتهم الشخصية ولم يكن ينطوي على متعة أو لذة. إن هذا الافتراض الثاني بالقياس إلى الافتراض الأول يسعى إلى تحقيق فردانية أكثر رقّة، وبدلًا من اللذة والإدراك الفردي الموضوعي، يحل الرأي والتصديق والترجيح الفردي بوصفه معيارًا لقيمة العلاقات والمناسبات الاجتماعية. إن القيَم الاجتماعية وفضائل المجتمع السياسي ـ طبقًا للافتراض الثالث ـ يمكن أن تكون متحرّكة ومتغيّرة؛ وذلك إذ يمكن للترجيحات والآراء الصادرة عن أكثرية أفراد المجتمع حول الخيرات الاجتماعية أن تتغيّر على مرّ الزمان. وعليه فإن المعيار إنما هو تشخيص وحكم أكثرية أفراد المجتمع بشأن المطلوبيات الاجتماعية.
الافتراض الثالث أن نعتقد بأن الحياة الاجتماعية للبشر وحقل الحياة الجماعية تحتوي على مصالح ومطلوبيات وخيرات يمكن إدراكها وتصديقها. وإن وجود هذه المصالح والخيرات ليس رهنًا بتشخيص الأفراد أو الشعور والإدراك الشخصي والفردي من قبل آحاد المواطنين. وعلى هذا الأساس يمكن لبعض الأمور أن تكون من «خير الناس» أو «مصلحة المجتمع»، أو تكون مادة للحصول على السعادة والرفاه، وأن تكون لهذا السبب قيّمة وتشكل أساسًا لتحسين واستحسان النظم الاجتماعي والسياسي المستفيد من هذه الأمور، دون أن يكون لها تأثير مباشر في الحياة الفردية لآحاد أفراد المجتمع، أو أن نلتزم بشدّة بأن الآثار الإيجابية لها في متناول الإدراك الشخصي للأفراد وأن يستمتعوا بها.
يذهب كاتب السطور إلى الاعتقاد بأن هذا الافتراض الثالث يمكن الدفاع عنه. ليس هناك من دليل يثبت أن الفضائل والأبعاد الإيجابية الخاصّ ببنية النظم الاجتماعي والسياسي وما تكون مصلحة وخير المجتمع رهن بهويته الجماعية، ينتقل إلى عدد أفراد المجتمع على نحو الشمول والعموم الاستغراقي. ناهيك عن أن نعتبر الصدى والتأثير الملموس لها في الحياة الفردية والإدراك الفردي للأشخاص عن التأثيرات الإيجابية لها شرطًا في قيَميّتها. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن أمورًا من قبيل: عدالة القوانين، ومكافحة الفساد الاقتصادي والإداري، والاتحاد والتوافق الاجتماعي، والتعايش السلمي مع مختلف الأعراق في المجتمع، والحفاظ على الأصالة الثقافية في المجتمع، ودولة القانون، هي من الأمور الحسنة والصالحة والتي تشكل على نحو القطع واليقين مادّة للارتقاء الكيفي الجمعي ومادة لتحسين المستوى المعيشي لأفراد المجتمع، دون أن نتمكن من طرف واحد وبشكل محسوس من تتبع تأثير هذه القيَم الاجتماعية واحدة واحدة في الحياة الشخصية لآحاد الأفراد فردًا فردًا. فقد يكون أمر ما في الواقع خيرًا ومصلحة للناس، ولكن هذا الخير وهذه المصلحة لا تصل إلى إدراكهم وفهمهم، أو لا تؤدّي إلى نتيجة مباشرة بالنسبة إلى بعض الأفراد. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن وجود القوانين والموازين العادلة التي تؤدّي إلى وصول الأشخاص إلى حقوقهم وامتيازاتهم؛ هي قطعًا من الخيرات والقيَم الاجتماعية؛ ولكن ليس الأمر كما لو كان جميع أفراد المجتمع يمتلكون في كل حقل ومورد امتيازًا وحقًا، لكي تكون مطلوبية وقيمة العدالة عائدة إلى أن يصل الجميع إلى سهم وامتياز في كل حقل ومورد. وبطبيعة الحال فإن تلك المجموعة الخاصّة من الأفراد ـ لهم حق وامتياز في مورد من الموارد ـ يحصلون على تلك الحقوق والمزايا. إن المجتمع في مجمله وعلى نحو جماعي يمتلك بعض المصالح والخيرات التي يمكن للاهتمام بها واستقرارها في العلاقات الاجتماعية أن يجعل المجتمع مشتملًا على أسس قيَميّة وأخلاقية أكثر اتقانًا، وأن يزيد من فضائلها ومطلوبياتها بالقياس إلى المجتمعات الأخرى. إن القيَم الاجتماعية أمور عينية وإن موجوديتها ليست رهنًا باستحسان وترجيح وإحساس الأفراد.
5. فضائل المجتمع الإسلامي
قبل العمل في هذا العنوان على جرد قائمة بالفضائل والقيَم الأساسية في المجتمع الإسلامي، يجب التأكيد على بعض النقاط، وهي أولًا: إن القيَم الاجتماعية في الإسلام تشمل طيفًا واسعًا من القيَم الأخلاقية والسلوكية والارتباطية؛ ومن هنا فإن عنوان «الفضائل الاجتماعية» المقصودة في هذه الفقرة، أخص من مطلق القيَم الاجتماعية في الإسلام. إن فضائل المجتمع السياسي مورد البحث إنما تنظر إلى تلك المجموعة من القيَم الاجتماعية التي يمكن أن يكون لها دور وأداء مباشر ومؤثر في تنظيم العلاقات والأبنية العامة في الحياة الاجتماعية، وفي ترتيب أمور من قبيل تنظيم القوانين والتشريعات، والحكم وأسلوب إدارة المجتمع، وبلورة العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية بحسب حجم الاهتمام بهذا البُعد من القيَم الاجتماعية وما هي الأمور التي تعدّ من الفضائل والقيَم الأساسية في المجتمع، سوف تكون مختلفة ومتمايزة من بعضها. وبعبارة أخرى: إن فضائل المجتمع السياسي هي تلك المجموعة من الأمور القيَميّة التي تمتلك القابلية لتكون أساسًا لتوجيه الإدارة العامة للمجتمع وبلورة العلاقات الاجتماعية وركنًا وأصلًا لاتخاذ القرارات الإدارية والحكومية.
وعلى هذا الأساس لا يمكن اعتبار القيَم ـ التي هي من قبيل: المحبّة والإخاء والإيثار والإنفاق والبِشر والعطف، وغيرها العشرات من القيَم الأخلاقية والاجتماعية من هذا القبيل ـ من «فضائل المجتمع السياسي» بالمعنى المصطلح والمنشود لنا؛ على الرغم من أن تحقيق هذه القيَم في صلب المجتمع يؤدّي بوضوح إلى تحسّن الحياة الاجتماعية. إن بعض هذا النوع من القيَم قد وردت في كلمات علمائنا السابقين بوصفها من خصائص ومواصفات «المدينة الفاضلة»، بيد أن هذا الأمر لا يستوجب أن يكون هذا النوع من القيَم في موقع «فضائل المجتمع السياسي» المنشود لنا. يقول ابن باجة الأندلسي في كتابه تدبير المتوحّد في مورد «المحبّة»: «ولما كانت المدينة الفاضلة تختصّ بعدم صناعة الطبّ وصناعة القضاء؛ وذلك أن المحبّة بينهم أجمع فلا تشاكس بينهم أصلًا، فلذلك إذا عري جزء منها من المحبّة، ووقع التشاكس احتيج إلى وضع العدل واحتيج ضرورة إلى من يقول به، وهو القاضي»[49].
يذهب ابن باجة إلى التأكيد على أن سريان المحبّة في علاقات الأفراد في المدينة الفاضلة يؤدّي إلى أن لا تكون هناك حاجة إلى إقامة العدل أو إلى وجود القائمين على تطبيق العدالة، وإلى القضاة الذين يحكمون بالعدل؛ وذلك لأن منشأ الحاجة إلى العدل هو انتشار الأفعال القبيحة بين الناس (التشاكس)، وإذا كانت المحبّة هي الحاكمة بين أفراد المجتمع، لما مسّت الحاجة إلى العدل والقضاء والقضاة العدول. من الواضح تمامًا أن هذا المفهوم والتصوّر عن «المحبّة» بوصفه صفة وخصوصية للمدينة الفاضلة، تحتوي على مسافة مفهومية عن فهمنا لـ «فضائل المجتمع السياسي». إن فضائل المجتمع السياسي هي العلة الغائية لإقامة المجتمع السياسي؛ بمعنى أنها داخل الأهداف والغايات والمطلوبيات الاجتماعية، ولهذا السبب فإنها تقع مبنى وأساسًا للأفعال والنشاطات الإدارية وحاكمية المجتمع السياسي؛ وعلى هذا الأساس فإن أمورًا من قبيل المحبّة والإيثار والسلوك الحَسن والفداء ـ ممّا يرتبط بالاختيار الفردي لآحاد المجتمع ـ ووجودها وانتشارها بين الأفراد، يؤدّي قطعًا إلى التعالي الأخلاقي في المجتمع، هي خارج دائرة الفضائل والقيَم التي يمكن أن تكون مبنى لتنظيم العلاقات الاجتماعية وإدارة المجتمع على نطاق واسع.
النقطة الأخرى هي أن هذه الفضائل مورد البحث أخص من مطلق الوظائف والمسؤوليات الحاكمة وحكومة المجتمع الإسلامي. لقد وردت في المصادر الدينية ـ وكذلك في كلمات الفقهاء الإسلاميين ـ قائمة متنوّعة بالوظائف الملقاة على عاتق الدولة والحاكم الإسلامي. ولا يمكن عدّها بأجمعها من «فضائل المجتمع الإسلامي» حقًا. ولكي تتضح هذه النقطة من المناسب أن نلقي نظرة عابرة وإجمالية على هذه الوظائف.
إن جانبًا من الوظائف الحكومية يرتبط بحقل الدين والتديّن، وهي تشمل طيفًا من الأمور التي هي من قبيل الحفاظ على الدين، وتسهيل وإشاعة القيام بالفرائض الدينية وتقوية النهي عن المنكر والمساعدة على نشر المعروف وإقامة الحدود الإلهية وإقامة أعلام الدين في المجتمع الإسلامي. والدليل على هذا الجانب من الوظائف عبارة عن الآيات والروايات الكثيرة التي نشير فيما يلي إلى بعضها:
ـ قوله تعالى:﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾(الحج: 41).
ـ وعن الإمام الصادق أنه قال بشأن الإمام وخصائصه ووظائفه: «وَ قَلَّدَهُ دِينَهُ وَ جَعَلَهُ الْحُجَّةَ عَلَى عِبَادِهِ وَ قَيِّمَهُ فِي بِلَادِه ...وَ اسْتَرْعَاهُ لِدِينِهِ وَ انْتَدَبَهُ لِعَظِيمِ أَمْرِهِ وَ أَحْيَا بِهِ مَنَاهِجَ سَبِيلِهِ وَ فَرَائِضَهُ وَ حُدُودَه»[50].
وفي رواية صحيحة عن الإمام الصادق أنه يجب على الحاكم والوالي في المجتمع الإسلامي أن يجبر المسلمين على أداء فريضة الحج، وإذا لم تكن له مقدرة مالية، أعطاهم من بيت المال كي يتمكنوا من الذهاب إلى الحج:
ـ «لَوْ أَنَّ النَّاسَ تَرَكُوا الْحَجَّ لَكَانَ عَلَى الْوَالِي أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَ عَلَى الْمُقَامِ عِنْدَهُ وَ لَوْ تَرَكُوا زِيَارَةَ النَّبِيِّ لَكَانَ عَلَى الْوَالِي أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَ عَلَى الْمُقَامِ عِنْدَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمْوَالٌ أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِين»[51].
إن بعض وظائف الحاكم الإسلامي تنظر إلى انتظام أمر القضاة، ولا سيّما فيما يتعلق بأمر خطير من قبيل تطبيق الحدود الإلهية وعقوبات من قبيل القصاص. تؤكد الروايات على أن تطبيق الحدود الإلهية من شؤون الحاكم الشرعي. نكتفي ـ على سبيل المثال ـ بالرواية أدناه:
ـ حفص عن غياث، عن الإمام الصادق قال سألته: من يُقيم الحدود، السلطان أو القاضي؟ فقال: «إِقَامَةُ الْحُدُودِ إِلَى مَنْ إِلَيْهِ الْحُكْم»[52].
وهناك طائفة أخرى من وظائف الدولة ترتبط بوجوب مداراة الناس وحسن التعامل معهم واكتساب مرضاتهم؛ ومن بين الأدلة على هذه الوظيفة والمهمّة، قوله سبحانه وتعالى:﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾(الشعراء: 215).
وفي عهد الإمام علي إلى مالك الأشتر، والروايات الخاصة بكيفية أخذ الزكاة، هناك أمثلة واضحة عن إيجاب مداراة الناس والاعتماد عليه وعدم القسوة عليهم في القيام بالوظائف الحكومية[53].
إن من بين الوظائف الأساسية وغير القابلة للصفح في الحكم الإسلامي، عبارة عن الالتزام بالشريعة والأحكام الإسلامية. وتصل أهمية هذه الوظيفة والمسؤولية الحكومية إلى حيث وردت آيات قرآنية متوالية تعدّ عدم الاهتمام بتلك الأحكام التي أنزلها الله سبحانه وتعالى، كفرًا وظلمًا وفسقًا:
ـ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾(المائدة: 44).
ـ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(المائدة: 45).
ـ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾(المائدة: 47).
ـ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾(المائدة: 49).
إن إقامة العدل ودفع الظلم والجور، من الوظائف والمسؤوليات الواضحة الأخرى الملقاة على عاتق الدولة والمجتمع الإسلامي. وبالإضافة إلى الكثير من الآيات والروايات التي تدعو المجتمع الإسلامي وحكامه إلى إقامة القسط والعدل، تمّ عدّ إقامة العدل بوصفه غاية وهدفًا اجتماعيًا لإرسال الأنبياء ونزول الوحي:
ـ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾(الحديد: 25).
وقد اعتبر أمير المؤمنين محاربة الظالمين والدفاع عن المظلومين عهدًا إلهيًا أخذه على المؤمنين، وإن الالتزام بهذا العهد هو علّة القبول بالخلافة؛ حيث قال:
ـ «لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَ قِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَ لَا سَغَبِ مَظْلُومٍ لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا»[54].
إن إقامة الأمن والحفاظ على حدود وثغور المجتمع الإسلامي، من الوظائف والمسؤوليات الأخرى الملقاة على عاتق الدولة الإسلامية، كما أن إقامة الاتحاد والإخاء والوفاق بين أفراد المجتمع الإسلامي على المستوى الداخلي ـ بالنظر إلى قوله تعالى﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾(الحجرات: 10) ـ تُعدّ من واجبات مسؤولي النظام الإسلامي.
إن القضاء على الفقر والاهتمام بحاجة المحرومين وإن كان يندرج في بعض جهاته ضمن وجوب بسط العدل ومكافحة الظلم والجور، فقد ورد التأكيد عليه في الروايات الإسلامية بشكل خاص. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن النبي الأعظم في خطبة له أخبر فيها الأصحاب عن قرب وفاته، وأوصى الولاة والحكام بعده بحماية المسلمين من الوقوع في براثن الفقر؛ فيؤدّي بهم ذلك إلى الكفر وعدم الإيمان، ولا يغلقوا طريق التواصل بينهم وبين الناس كي لا يتمكن الأقوياء من بسط سيطرتهم على الضعفاء.
ـ «أُذَكِّرُ اللَّهَ الْوَالِيَ مِنْ بَعْدِي عَلَى أُمَّتِي أَلَّا يَرْحَمُ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَأَجَلَّ كَبِيرَهُمْ وَ رَحِمَ ضَعِيفَهُمْ وَ وَقَّرَ عَالِمَهُمْ وَ لَمْ يُضِرَّ بِهِمْ فَيُذِلَّهُمْ وَ لَمْ يُفْقِرْهُمْ فَيُكْفِرَهُمْ وَ لَمْ يُغْلِقْ بَابَهُ دُونَهُمْ فَيَأْكُلَ قَوِيُّهُمْ ضَعِيفَهُم»[55].
إن بعض الوظائف والمسؤوليات الأخرى من سنخ الأمور المالية، وجباية وتوزيع الضرائب الإسلامية؛ من قبيل الأبحاث التي يقوم بها الفقهاء من الشيعة والسنة حول الزكاة والصدقات والفيء وكيفية تقسيم هذه الأموال بين المستحقين لها من الفقراء والمساكين وغيرهم، والتصدّي للأمور العامة في هذا الشأن، تعدّ من الوظائف والمسؤوليات الملقاة على عاتق الدولة[56].
إن ما تقدّم وإن كان لا يمكن اعتباره فهرسة جامعة بهذه الوظائف، ولكنه يُشير بوضوح إلى أن بعض الوظائف الحكومية الملقاة على عاتق المسؤولين في المجتمع الإسلامي، لا يمكن عدّه من سنخ فضائل وقيَم المجتمع الإسلامي بأيّ حال من الأحوال. فإن أمورًا من قبيل إقامة الأمن وحراسة الحدود والثغور وجمع الضرائب وتوزيعها بالشكل الصحيح والمناسب، والتصدّي لأمر القضاء والحكم والفصل بين النزاعات، ومعاقبة الخاطئين والمجرمين، وإن كان واجبًا وضروريًا، ولكنه لا يُعدّ من مصاديق الأخلاق الاجتماعية وفضائل المجتمع السياسي.
يبدو أنه في الفضاء الثقافي الإسلامي وبالنظر إلى الرؤية التي توليها المصادر الإسلامية الأصيلة إلى الإنسان وإلى الحياة الاجتماعية المطلوبة، يمكن تقديم القائمة أدناه بوصفها من أجزاء منظومة القيَم الاجتماعية وفضائل المجتمع الإسلامي:
أ. إقامة العدل ونفي الظلم والعنصرية.
ب. الالتزام بأصول وأحكام الشريعة في العلاقات الاجتماعية والحكم.
ج. مكافحة الفقر، والاهتمام بالمحرومين والمستضعفين.
د. مداراة الناس وضمان رضا العامّة.
هـ. احترام حقوق وكرامة الأفراد.
و. صيانة الأخلاق والمعنويات الإسلامية.
ز. انتخاب الأصلح في إدارة المسؤوليات والاختيارات.
ح. إقامة الاتحاد والانسجام في المجتمع الإسلامي.
وكما نلاحظ فإن هذه القائمة ذات الثمانية عناوين، أخص وأكثر محدودية من مطلق القيَم الفردية والاجتماعية من زاوية الآيات والروايات، وناظرة إلى خصوص الفضائل والقيَم التي تستطيع توجيه وهداية تبويب العلاقات الاجتماعية ومحتوى الحكم في المجتمع الإسلامي. كما أن هذه المجموعة من الفضائل الاجتماعية أخص من مطلق الوظائف والمسؤوليات التي تلقى على عاتق الحكومة والمسؤولين في المجتمع الإسلامي.
إن بعض مهمّات الدولة قد تبدو شديدة الأهمية، ولكن لا يمكن عدّها بوصفها فضيلة وقيمة اجتماعية؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن توفير الأمن ومواجهة تهديدات الأعداء والحفاظ على الحدود من العدوان العسكري الذي قد يشنّه العدو على أرض الوطن، يعدّ من المهام والمسؤوليات الأصلية لكل دولة؛ ومع ذلك يصعب اعتبار ذلك جزءًا من فضائل المجتمع السياسي أو عدّه من الأخلاق والقيَم الاجتماعية في المجتمع.
إن فضائل المجتمع السياسي ـ كما سبق أن أشرنا ـ عبارة عن تلك المجموعة من الأمور المطلوبة والغايات التي يؤدّي وجودها وتحققها في المجتمع إلى اعتباره أكثر قيمة من المجتمعات الأخرى، وتكون لها شأنية تحقيق أسلوب ومحتوى الحكم ونوع من تنظيم العلاقات الاجتماعية والتركيبة العامّة للمجتمع على محور هذه الفضائل والقيَم.
إن منشأ ومبدأ اعتبار هذه الفضائل الثمانية ليس واحدًا؛ فهناك منها ما يعود بجذوره إلى الميول الفطرية والطبيعة الإنسانية، وقد ارتبطت قيمتها بالمطالب والحاجات الداخلية والفطرية للإنسان. وإن بعضها الآخر تكون قيمته وفضيلته الاجتماعية رهن بتأكيد المصادر الدينية والإسلامية عليها. ويرى كاتب السطور أن قيمة وحُسن العدل وقبح الظلم والجور، لها جذور فطرية، وأنها من المصاديق البارزة لقوله تعالى:﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾(الشمس: 7 ـ 8). وكما تقدّم في الفصل الأول فإن الإدراك الارتكازي للعدل والظلم مشترك بين الناس؛ على الرغم من أن الآراء والعناصر الثقافية والاعتقادية تلعب دورًا في المستوى المضموني للعدل والظلم وهنا اختلاف في الآراء حول هذه الموارد. وعلى هذا الأساس فإن دليل ومستند اعتبار وقيمة هذه الفضيلة الاجتماعية في المجتمع الإسلامي، لا يمكن أن يكون هو خصوص الآيات والروايات الناظرة إلى العدالة ونفي الظلم والجور. وسوف نأتي في الفقرة القادمة على مزيد من التوضيح بشأن القيمة الذاتية للعدالة.
كما يمكن اعتبار المعنوية والأخلاق الإسلامية ـ التي تقوم على محور التوحيد والقرب من الله والإيمان بالمعاد وازدهار الأنا المتعالية والفطرة الأخلاقية للإنسان ـ فضيلة منبثقة عن إرادة ورغبة فطرية. إن الفطرة التوحيدية للإنسان التي وردت الإشارة إليها في النصوص الدينية وفي الآيات القرآنية، كما في قوله تعالى:﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾(الروم: 30)، لا تنحصر في المعرفة الفطرية واللاهوت الحصولي أو الحضوري للإنسان فقط، بل تشمل حتى الميل الفطري والتوحيد في العبادة أيضًا[57]، وحيث أن المعنوية الإسلامية والأخلاق الإسلامية تقوم على أساس التوحيد ومحورية الله؛ إذن يمكن لقيمتها وفضيلتها أن تقوم على أساس الفطرة.
وإذا تجاوزنا هاتين الفضيلتين، يبدو الأمر وكأن سائر الفضائل والقيَم الثمانية تعود بجذورها إلى الثقافة والتعاليم الإسلامية. إن الثقافة الإسلامية المقتبسة عن التعاليم الوحيانية وروايات الأئمة المعصومين تصحح القيمة والاعتبار الاجتماعي لهذا النوع من الفضائل؛ وحيث أشرنا باختصار إلى بعض من المستندات النقلية لعدد من هذه القيَم، لا نرى هنا ضرورة إلى الدخول بالتفصيل في الأدلة والمستندات الدينية لكل واحدة من هذه الفضائل الاجتماعية.
إن ارتباط القيَم الاجتماعية في المجتمع الإسلامي بجذور المعتقدات والتعاليم الإسلامية، يمثّل شاهدًا واضحًا على هذا الادعاء القائل بأن الثقافة السياسية في المجتمع تتأثر وتتماهى مع الثقافة العامة لذلك المجتمع، وإذا كانت ثقافة المجتمع منبثقة أو متأثرة على نحو عميق بدين أو مذهب خاص، فلا مندوحة من تمحور الثقافة السياسية لذلك المجتمع حول محور تعاليم ومعتقدات ذلك الدين والمذهب بالضرورة.
ومن هنا فإن الأخلاق الاجتماعية والقيم والفضائل في المجتمع السياسي الإسلامي سوف تكون بلحاظ الجوهر والمحتوى منسجمة مع النظام القيَمي الاجتماعي الذي يرد التأكيد عليه في الآيات والروايات، ونتيجة لذلك يمكن للتغيير والتحوّل في تفسير وفهم هذه المصادر الدينية وإعادة قراءتها الحديثة أن تؤدي إلى أفهام جديدة عن القيَم والفضائل الاجتماعية؛ كما أخذنا في الفقه الشيعي المعاصر في القرنين الأخيرين وبعد المواجهة مع الحداثة نشاهد أفهامًا جديدة في الفكر والفقه السياسي، وأخذت الثقافة السياسية في مجتمعنا منذ عصر الثورة الدستورية (المشروطة) حتى الآن، تمنح دورًا بارزًا للقيَم الناظرة إلى حقوق الناس ومشاركتهم وتأثيرهم في الحياة السياسية والاجتماعية في المجتمع.
وعلى هذا الأساس فإن الفضائل والقيَم في المجتمع الإسلامي قابلة للتفسير، كما أن مكانة ومنزلة بعضها تتعرّض عبر الزمن وفي ظلّ التأملات الفقهية والاجتماعية الحديثة لإعادة التشكّل والتغيير، وتقع في بؤرة الاهتمام أكثر من ذي قبل.
6. العدالة بوصفها من أسمى القيَم الاجتماعية
إن تعدديّة القيَم الاجتماعية وتكثرها يُعدّ حقيقة ثابتة في جميع المجتمعات البشرية، وإن هذه القيَم على نحو طبيعي لا تحتوي على أهمية واعتبار واحد، وإن وجود سلسلة المراتب بين القيَم الاجتماعية في المجتمعات أمر لا محيص عنه. ومن هنا نجد أن الحريات الفردية في المجتمعات الليبرالية ـ على سبيل المثال ـ تحظى بقيمة جوهرية وتكون مقدّمة على سائر القيَم الأخرى المقبولة في تلك المجتمعات. إن توقع أن تكون مجموعة القيَم الاجتماعية في مجتمع ما في عرض بعضها ودون أن يكون هناك إي تدرّج بينها في الأهمية، يؤدّي من الناحية العملية إلى توجيه الإدارة العامّة في المجتمع نحو طريق مسدود؛ إذ لا مندوحة من الاختيار في المستويات المختلفة من إدارة المجتمع ابتداءً من التقنين ووضع القواعد وصولًا إلى تحديد الأولويات، ولا يمكن تجاهل مقتضيات ولوازم جميع القيَم الاجتماعية والتزاحم والتعارض المحتمل بينها.
إن السؤال الأصلي لهذه الفقرة هو: ما هي الأدلة والمستندات على القول بأن العدالة من أفضل القيَم الاجتماعية في نظام الحكم في الإسلام؟ وكيف يمكن إثبات هذا التقدّم والأفضليّة؟ يذهب كاتب السطور إلى الاعتقاد بإمكان إثبات هذا التقديم وهذه الأفضلية من خلال ثلاثة أدلة.
الدليل الأول: القيمة الذاتية للعدالة. هناك بين المفكرين الإسلاميين من يُصطلح عليهم بالعدلية يذهبون إلى القول بأمور حول حُسن العدل وقبح الظلم، بحيث لا يمكن العثور على مثيل له في أيّ قيمة اجتماعية أخرى. على الرغم من إمكان تقرير الاعتقاد بذاتية وعقلية حُسن العدل على أنحاء وتفسيرات متعددة، وتمييز اختلاف كل واحد من هذه الأمور عن الآخر، إلا أن هذه التقريرات بأجمعها تشير إلى الموقع والمنزلة الخاصّة للعدالة؛ حيث لا يمكن تصوير هذا المستوى من الحُسن والقيمة المطلقة وغير المقيّدة وغير المشرطة لسائر القيَم الاجتماعية الأخرى.
هناك فيما يتعلق بقضية حُسن العدل من يذهب إلى الاعتقاد بالشهود العقلي والقول بأن العدل من البديهيات الأولية. ويُعد آية الله الشيخ جعفر السبحاني من المدافعين عن هذا الرأي؛ إذ يقول: «إن للحكم بحسن العدل وقبح الظلم جذورًا فطرية، وإنها من المسائل الوجدانية. وليست هي بديهية فحسب، بل وحتى بداهتها هي الأخرى بديهية وظاهرة أيضًا. سواء أكان الإنسان ملتفتًا إلى المصالح والمفاسد الاجتماعية أو كان غافلًا عنها»[58].
إن مراد سماحته من البداهة هو البديهيات الأولية في المنطق؛ حيث يكفي نفس تصوّر القضية في الإذعان بالنسبة والتصديق بمضمونها. وعليه لا تكون هناك حاجة إلى الاستدلال، كما لا حاجة في تحصيل الإذعان والتصديق به إلى أمر من خارج حدود تلك القضية، من قبيل المصالح والمفاسد الاجتماعية[59].
إن الشهيد مرتضى المطهري وإن كان يأخذ مسافة عن هذه النزعة الشهودية، ولا يعتقد بالبداهة الأولية لقضية حُسن العدل وقبح الظلم، إلا أن الحُسن والقبح بالنسبة إلى العدل والظلم، يعدّ ـ من وجهة نظره ـ ذاتيًا وعقليًا.
إن معنى ذاتية العدالة هو أن العدل أمر واقعي وموضوعي، ولا يكون تابعًا لتوجهات وميول وأذواق الأفراد، كما أنه ليس تابعًا لحكم الشرع والأمر والفعل الإلهي أيضًا. وعلى هذا الأساس يذهب الشهيد مرتضى المطهري إلى التأكيد قائلًا: حيث يكون الشيء عادلًا، فإن الله سبحانه وتعالى يحكم على طبقه، خلافًا لرأي غير العدلية الذين يقولون بأن الله عزّ وجَلّ حيث يحكم بشيء، يكون ذلك الشيء حسنًا وعدلًا حتمًا[60]. يذهب الشهيد المطهري في كتاباته الكثيرة إلى الإصرار على هذا الرأي القائل بوجود طريق إثباتي لدى الإنسان من أجل تشخيص الحُسن والقُبح الواقعي والذاتي لبعض الأفعال والأمور، وهو المسار الإثباتي لإدراك التناسب والانسجام أو عدم التناسب وتنافر تلك الأفعال والأمور مع الأنا العلوية والواقعية الوجودية والكمالية والمتعالية للإنسان. إن الإنسان كائن ذو بُعدين، وهو في الوقت الذي يحظى بالأنا الطبيعية والحيوانية، يحظى كذلك بالأنا المتعالية والعلويّة، وإن الذي ينسجم ويتناسب مع هذه الأنا الشريفة وكمالاتها، يعدّه خيرًا وحسنًا ومطلوبًا، وإن الذي يكون معارضًا وغير متناغم مع هذه الأنا العلوية وكمالاتها، يراه قبيحًا وغير حسن ولا مرغوب به، وحيث أن هذه الكمالات والشرف أمر واقعي وذاتي، فإن القضايا المرتبطة بحُسن وقبح الأمور مثل العدل والظلم، سوف تكون ثابتة ودائمة وخالدة أيضًا[61].
من الواضح أن هناك اختلافًا ظاهرًا بين هذا الرأي وبين الشهود العقلي والبداهة الأولية للقضايا المرتبطة بالعدل والظلم وسائر القضايا الأخلاقية الأخرى التي هي من فروع حُسن العدل وقبح الظلم. إن الشهيد مرتضى المطهري يعتبر هذه القضايا القيَميّة من إنشاء العقل العملي والمنظومة الإدراكية للإنسان، ولكنه إنشاء يكون مبدؤه ومنشؤه هو إدراك العلاقة الواقعية والذاتية بين تلك الأفعال والكمالات الواقعية وبين الأنا العلوية للإنسان[62].
وقد عمد العلامة الطباطبائي بدوره إلى شرح دوام وثبات حُسن العدل وقبح الظلم ببيان خاص، دون أن يعدّه من البديهيات العقلية. فهو يرى أن مبدأ تبلور مفهومي الحُسن والقبح عبارة عن مشاهدة الإنسان للجمال والاعتدال في الخلق وتناسب أعضاء الكائنات. بمعنى أن الحُسن والقبح يعود إلى إدراك ملاءمة وموافقة كل شيء مع ما كان هو المقصود من نوعه وطبيعته. وعليه فإن الإنسان يجرّ هذا المعنى من الحُسن والقبح إلى دائرة الأفعال والمجتمع، وكل فعل يكون موافقًا وملائمًا للغرض الاجتماعي أو سعادة الحياة الإنسانية، سوف يعتبره حسنًا. وفي المقابل فإن كل فعل أو عنوان يخالف المصالح والغايات الاجتماعية والسعادة الإنسانية سوف يعدّه قبيحًا؛ ومن هنا يكون العدل ـ بسبب ملاءمته وموافقته لسعادة الإنسان ـ قيّمًا وحسنًا وجميلًا، ويكون الظلم ـ بسبب تعارضه مع سعادة الإنسان واستفادته التامّة من فوائد المجتمع ـ قبيحًا. وعليه حيث تكون هذه الموافقة مع الكمال والسعادة بالنسبة إلى العدل، والمخالفة والمعارضة مع السعادة بالنسبة إلى الظلم دائمة وثابتة، فسوف يكون حُسن العدل وقبح الظلم أمرًا دائمًا وثابتًا[63].
إن بحث هذه المسألة بالتفصيل يخرج عن هدفنا وغايتنا في هذه الفقرة. وإنما المهم في البين هو المنزلة الرفيعة لقيمة حُسن العدل وقبح الظلم بالقياس إلى سائر القيَم الاجتماعية الأخرى. ليس هناك أيّ قيمة اجتماعية ترقى إلى هذه المرتبة بحيث تأخذ هذا الحيّز الكبير من الاهتمام حتى يصل الأمر بشأنها إلى ادعاء بداهتها الأولية أو يُستدل على ثباتها وديمومتها وخلودها وقيمتها المطلقة بمختلف البيانات والتقريرات؛ إلا إذا تمّ اعتبارها بشكل وآخر من متفرعات حُسن العدل وقبح الظلم؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن قيمة باسم صيانة حقوق الأفراد وعدم تضييع وانتهاك الحق الثابت للأفراد، يُعدّ من مصاديق وفروع حُسن العدل وقبح الظلم.
الدليل الثاني: إطلاق وشمولية فضيلة العدل. إن الكثير من القيَم والفضائل الاجتماعية ليست مطلقة وغير مشروطة أو مقيّدة، بل هي مقيّدة ببعض القيود والشروط، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن مفهوم الحرية بوصفه قيمة وفضيلة اجتماعية مهمّة وأساسية، لا يُعد في المجتمعات الغربية والليبرالية بوصفه قيمة وفضيلة مطلقة. إن الحريات الفردية يتمّ تقييدها بقيود من قبيل: عدم سلب الحرية من الآخرين، أو عدم الإضرار بالآخرين، أو عدم الإخلال بالأمن العام، ويكون للدولة وأصحاب القرار في المناصب الرسمية الحق في التدخل وتقييد الحريات الفردية بموجب هذا النوع من القيود، والعمل على تحديد حرية الأفراد على المستوى القانوني والرسمي. وأما في مورد العدل فلا يمكن تصوّر حالة يمكن فيها تصوّر سلوك أو قرار عادل، ولكن يمكن انتهاك هذه العدالة بسبب عروض أمر طارئ، واستبداله بفعل أو سلوك ظالم وجائر، ويكون هذا الظلم والجور سائغًا ومبرّرًا.
وقد يتمّ طرح هذا الإشكال والقول بأن الكلام إنما هو في العدل الاجتماعي دون أصل العدل؛ ومن هنا فإن فضيلة مطلق العدل لا تشكّل دعامة لإثبات تفوّق وأفضلية العدل الاجتماعي بالقياس إلى سائر القيَم الاجتماعية الأخرى.
إن الجواب عن هذا الإشكال ينقلنا إلى دائرة أخرى من خصائص العدل، ونعني بذلك شمولية العدل. يذهب كاتب السطور إلى الاعتقاد بأن العدل فضيلة وقيمة شاملة؛ بمعنى أنه كلما كان هناك مورد ومصداق للعدل وعدم العدل في مساحة ما، فإن ذلك المورد والمصداق سوف يحتوي على قيمته المُلزمة أيضًا؛ وعلى هذا الأساس لن يختلف الأمر فيما لو كان العدل وعدم العدل متعلقًا بسلوك فردي أو بالقوانين والمقررات الاجتماعية أو توزيع الثروات والإمكانات أو كان متعلقًا بالامتيازات والاختيارات وأسلوب توزيع المناصب والمواقع الاجتماعية أو أيّ أمر آخر يمكن تصوّره.
إن هذه الشمولية العامّة إنما هي من خصائص العدل وعدم العدل، ولا نعهد أي قيمة أو فضيلة أخرى تنطوي على مثل هذه الشمولية والسعة، بحيث تحتوي على كافة الأبعاد ابتداءً من دائرة السلوكيات الفردية وصولًا إلى جميع الشؤون الاجتماعية ومختلف الطبقات الإدارية والحكومية، ويتعلق هذا الوصف بالأحوال والسلوكيات والقرارات والقوانين والعلاقات والوظائف والاختيارات، لكي يمكن بفضل هذه الشمولية الحكم على طائفة واسعة من الأمور والمسائل بميزان العدل وعدم العدل.
لا شك في أن إطلاق العدل وشموله، يضعه في منزلة متقدمة على سائر القيَم الاجتماعية الأخرى، إلا أن هذا لا يعني أبدًا أن نعتبر كل تصوّر أو فهم وتفسير للعدل وعدم العدل، موجّهًا وسائغًا ومُلزمًا. سبق أن ذكرنا أنه قد يمكن في ضوء الآراء والمباني الأنثروبولوجية والاجتماعية وشبكة المعتقدات أن تتبلور آراء متمايزة ومختلفة عن العدالة المضمونية، ولا يمكن اعتبار جميع هذه التفاسير والأفهام ـ بنظرة تسامحية ونسبية ـ مقبولة على درجة واحدة. إن الكلام يقع في أن المجتمعات البشرية لا يمكن أن تتجاهل العدل بحكم قيمته وفضيلته المطلقة؛ على الرغم من إمكان أن تختلف آراؤها في تفسير العدالة ومصاديقها، بل وحتى يمكن للثقافة العامّة في مجتمع أن تعتبر بعض العلاقات الاجتماعية عادلة، بينما يذهب مجتمع آخر إلى الاعتقاد بأن هذا النوع من العلاقات الاجتماعية ليس عادلًا أبدًا.
وعلى هذا الأساس فإنه على المستوى النظري والانتزاعي للبحث، تقع هذه القيمة والفضيلة الاجتماعية في المجتمع الإسلامي ـ بالنظر إلى إطلاق العدالة وشموليتها ـ في مقدّمة القيَم الأخرى، وليس هناك مناص من لوازمها الأخلاقية؛ رغم أن هناك بحث متشعّب وتفصيلي واسع حول ما هو المرجع لتشخيص مصاديق عدالة أو عدم عدالة الأمور والعلاقات على مستوى المجتمع، وهل المعيار في ذلك هو الفهم العرفي للأشخاص أم هو فهم النُخَب والخبراء وذوي الاختصاص في كل حقل من الحقول أو هو فهم وتفسير الفقهاء وعلماء الدين؟ من الواضح أن صعوبة الأبحاث الخاصة بالعدالة الاجتماعية في بعض الموارد لا تشكّل مانعًا يحول دون وضع العدل على رأس الغايات والمقاصد الاجتماعية. لا يمكن أبدًا بحجّة أن العدل يقع موضوعًا للاختلافات الفكرية والنظرية، أن يتمّ تجاهل ونبذ الاهتمام باستقرار العدل ورعايته في مختلف الشؤون والعلاقات الاجتماعية.
الدليل الثالث: الأدلة القرآنية. لا شك في أنه ليس هناك قيمة أو فضيلة اجتماعية ورد التصريح المباشر والتأكيد عليها في القرآن الكريم بوصفها متعلقًا لأمره، كما ورد التصريح في ذلك بشأن العدل أبدًا، وفيما يلي نذكر بعض هذه الآيات على سبيل الاختصار والإشارة دون الحصر:
ـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾(المائدة: 8).
ـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾(النساء: 135).
إن هذه الآية الكريمة تدعو المؤمنين ليقيموا القسط والعدل، وإن استعمال هذه الآية لصيغة المبالغة في عبارة «قوّامين بالقسط» يعني الدوام والاستمرار في رعاية العدل والقسط، كما أشار الشيخ الطبرسي في تفسير (مجمع البيان) إلى ذلك بقوله: «قوّامين بالقسط، أي: دائمين على القيام بالعدل، ومعناه ولتكن عادتكم القيام بالعدل في القول والفعل»[64].
ـ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾(المائدة: 42).
ـ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾(الأنعام: 152).
ـ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾(الأعراف: 29).
إن القسط في جميع الآيات التي تقدّم ذكرها، يعني العدل[65]، وبسبب سعة وشمولية العدل، فإن الآيات ذات الصلة ناظرة إلى مساحات وأبعاد مختلفة من العدل، تشمل بداية من أداء الشهادة والقضاء والحكم، وصولًا إلى التعامل مع الأعداء، والمعاملات والتداولات الاقتصادية ومطلق الشؤون السلوكية في الحياة.
ومن بين آيات القرآن الكريم تعدّ الآية الخامسة والعشرين من سورة الحديد هي الأكثر صراحة في بيان الأهمّية والتقدّم القيَمي للعدل في حقل المجتمع بالقياس إلى أيّ فضيلة أخرى؛ وذلك لأنها تقول بأن إقامة العدل هو الهدف والغاية الاجتماعية الأهم في إرسال الرُسل وإنزال الكتب والوحي:﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾(الحديد: 25).
ومن الجدير ذكره أيضًا أنه بالإضافة إلى العدل ونفي الظلم، ورد التأكيد كذلك في المصادر الإسلامية على مفهوم الحق ورعاية حقوق الأفراد وموقع الحقوق في حقل الحكم وإدارة الدولة أيضًا؛ ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أن الاهتمام بالحقوق وصيانتها لا يُعدّ قيمة في عرض العدل، بل هو من فروع الاهتمام بالعدالة؛ وعليه لا يقع في منزلة في عرض أو فوق فضيلة العدل. إن ضرورة الالتزام بالعدل ونفي الظلم والجور تقتضي رعاية واحترام حقوق آحاد أفراد المجتمع في جميع المجالات، وأن لا يكون هناك أي تضييع أو انتهاك لأيّ حق من حقوق الآخرين؛ وذلك لأن إعطاء كل ذي حق حقّه يعدّ من المصاديق الواضحة لتعريف العدل، وإن تجاهل وتضييع حق صاحب الحق يُعدّ من أبرز مصاديق الظلم وانعدام العدل.
المصادر
ابن باجة، أبو بكر محمّد بن يحيى، تدبير المتوحّد، التحقيق: معن زيادة، تونس، سراس للنشر، 1994 م.
الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، التحقيق: عبد الرحيم الرباني الشيرازي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط5، 1403هـ.
الحكيمي، محمّد رضا ومحمّد الحكيمي وعلي الحكيمي، الحياة، طهران، دفتر نشر فرهنگ اسلامي، 1360ش.
دوركيم، إميل، فلسفه وجامعهشناسي (الفلسفة وعلم الاجتماع)، الترجمة: فرحناز خمسهاي، طهران، انتشارات مركز ايراني مطالعه فرهنگها، 1360ش.
سبحاني، جعفر، حسن وقبح عقلي (الحسن والقبح العقليان)، إعداد: علي رباني گلپايگاني، طهران، پژوهشگاه علوم انساني ومطالعات فرهنگي، 1377ش.
الصدوق، محمّد بن علي(ابن بابويه)، من لا يحضره الفقيه، التحقيق: علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1404هـ.
الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1396هـ.
الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي، التحقيق والتصحيح: علي أكبر الغفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1363ش.
المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1403هـ.
مصباح اليزدي، محمّد تقي، آموزش فلسفه (تعليم الفلسفة)، طهران، انتشارات سازمان تبليغات اسلامى، 1378 هـ ش.
المطهّري، مرتضى، «جاودانگي واخلاق» (الخلود والأخلاق)، في: يادنامه استاد شهيد مطهري، طهران، سازمان انتشارات وآموزش انقلاب اسلامى، 1360ش.
ـــــــــــــــ، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، طهران، انتشارات صدرا، 1371ش.
واعظي، أحمد، انسان از ديدگاه اسلام (الإنسان في المنظور الإسلامي)، طهران، انتشارات سمت، 1377 هـ ش.
Berlin, Isaiah. “The Pursuit of the Ideal.” In The Proper Study of Mankind, edited by Henry Hardy and Roger Hausheer. London: Chatto & Windus, 1997.
Blackburn, Simon. “Errors and the Phenomenology of Value.” In Morality and Objectivity: A Tribute to J. L. Mackie, edited by Ted Honderich. London: Routledge & Kegan Paul, 1985.
Dummett, Michael. The Interpretation of Frege’s Philosophy. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1981.
Larmore, Charles. The Morals of Modernity. Cambridge: Cambridge University Press, 1996.
Mackie, J. L. (John Leslie). Ethics: Inventing Right and Wrong. London: Penguin Books, 1977.
Mackie, J. L. (John Leslie). “The Subjectivity of Values.” In Essays on Moral Realism, edited by Geoffrey Sayre-McCord. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1988.
Marmor, Andrei. Positive Law and Objective Values. Oxford: Oxford University Press, 2001.
McDowell, John. “Values and Secondary Qualities.” In Morality and Objectivity: A Tribute to J. L. Mackie, edited by Ted Honderich. London: Routledge & Kegan Paul, 1985.
Plant, Raymond. Politics, Theology and History. Cambridge: Cambridge University Press, 2001.
Rawls, John. Political Liberalism. New York: Columbia University Press, 1996.
------------------------------------------
[1]. المصدر: المقالة بعنوان «نسبت عدالت با دیگر ارزشهای اجتماعی»، فصلٌ من کتاب بازاندیشي عدالت اجتماعي، قم، منشورات بوستان كتاب، 1401، الصفحات 165 إلى 211.
تعريب: حسن علي مطر
[2]. أستاذ في جامعة باقرالعلوم.
[3]. Rules
[4]. إن من بين الشواهد على سعة وتنوّع القواعد في حياة الإنسان المعاصر، ما يمكن مشاهدته من خلال الرجوع إلى كتاب مفهوم القانون، لمؤلفه هربرت هارت. وهو في هذا الكتاب يعتبر ماهية وتحليل القانون "" Law في الارتباط مع القواعد "Rules". وقد ذهب إلى الاعتقاد بأن القواعد المنتجة للتكليف "Duty - Imposing Rules" في النظام الحقوقي الحديث، تختلف عن القواعد الناشئة عن المصالح "Power - Conferring Rules". إن وجود القواعد التي تفرز الصلاحيات في الحقوق الحديثة والتي تمنح السلطة للأفراد وكذلك لأصحاب بعض المناصب، قد أدت إلى ارتقاء ماهية القانون في العصر الحديث. كما يذهب هربرت هارت إلى القول بوجود أنواع وأقسام للقواعد الاجتماعية "Social Rules": ومن بين أقسام وأنواع هذه القواعد، قاعدة التشخيص "Rules of Recognition". إن قواعد التشخيص تعمل على تحديد وتشخيص طرق بحيث لو اندرج كل معيار أو قاعدة اجتماعية ضمن إطار هذه الطرق والقواعد المعرفية، فسوف تحظى بالقبول والحماية من قبل المجتمع، ويتحوّل ذلك المعيار والقاعدة إلى قانون. وفي دائرة الحقوق الحديثة هناك ـ بالإضافة إلى القواعد الآنف ذكرها ـ قواعد التغيير "Rules of Change" أيضًا؛ حيث تجيز للفرد أو الجماعة وتمنحهم هذا الاختيار، الذي يمكنهم من إبطال القواعد والقوانين القديمة أو العمل على إصلاحها؛ كما توجد هناك «قواعد الحكم والقضاء» أيضًا، وهي نوع من القواعد الثانوية، وتمنح المؤسسة سلطة الحكم والقضاء بشأن نقصان أو عدم نقصان القواعد والقوانين القديمة.
إن هذا المثال البسيط يكشف عن الحجم الكبير من القواعد المستخدمة في دائرة النظام الحقوقي وحدها، وهو مجرّد حقل واحد من حقول الحياة الاجتماعية، فما ظنك بجميع حقول المجتمع الحديث.
[5]. Emotivism
[6]. Marmor, Positive Law and Objective Values, 160 – 161.
[7]. لقد شرح ماكي مدعاه في الكتابين أدناه بوضوح:
- Mackie, “Ethics: Inventing Right and Wrong”.
- Mackie, “The Subjectivity of Values, 95 – 118.
[8]. Moral Sceptic
[9]. Error Theory
[10]. Blackburn, “Errors and the Phenomenology of Value”, 1 – 2.
[11]. Entity
[12]. Qualities
[13]. Objectivity
[14]. Objective
[15]. Argument from queerness
[16]. Entity
[17]. Qualities
[18]. Strange
[19]. Mackie, Ethics: Inventing Right and Wrong, 38.
[20]. Argument from Relativity
[21]. Realism
[22]. Objectivism
[23]. وقد عرّف مايكل دامت الواقعية على النحو الآتي: «إن المفهوم الأصلي للواقعية ـ على ما يبدو من تطابق مجموعة من الفرضيات والقضايا ـ هو أن صدق أو عدم صدق كل قضية من هذه المجموعة، يكون مستقلًا عن معرفتنا، ويتمّ تعيينه بواسطة العينية حيث تكون طبيعة تلك الواقعية بدورها مستقلة عن معرفتنا وإدراكنا أيضًا».
(Dummet; The Interpretation of Frege’s Philosophy, 434).
[24]. مصباح اليزدي، آموزش فلسفه، 1: 261 ـ 264.
[25]. دوركيم، فلسفه وجامعهشناسي، 54.
[26]. لقد طبعت هذه المقالة في العديد من الكتب. وقد راجع كاتب الصدور المصدر أدناه، والذي تمّ إعداده ونشره تكريمًا لجون ماكي:
McDowell, “Values and Secondary Qualities”, 98 – 110.
[27]. Marmor, Positive Law and Objective Values, 124.
[28]. Incommensurable
[29]. إن النسبية القيَميّة إذا امتزجت بالموضوعية القيَميّة والأخلاقية، فسوف تشدد من مسألة استحالة النقد وعدم إمكان التقييم؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن [الفيلسوف والمنظّر الاجتماعي الروسي/البريطاني] إشعيا برلين في مقالة له بعنوان «المتابعة المثالية» يقول بأن المسائل القيَميّة والأخلاقية تتعلق بالاختيار الفردي للأشخاص. وعلى هذا الأساس فإن هاجس القيَم والأنظار الأخلاقية، تفتقر إلى أيّ نوع من أنواع المعايير والمباني التقييميّة. إن التحديات والاختلافات القيَميّة، يعود في نهاية المطاف إلى المماكسة بين الأفراد والجماعات في خصوص الموقف القيَمي والأخلاقي. وعلى هذا الأساس فإن القيَم غير قابلة للمقارنة والتقييم؛ وعليه لا مندوحة في فضاء القيَم من الاختيار، وليس هناك متسع للنقد العقلاني ولا يوجد معيار منطقي في البين. يمكن لهذا الاختيار أن يكون تراجيديًا "tragic" أو مثيرًا للبحث والنقاش "Agonistic"، ومع كل اختيار وانتخاب يتمّ تهميش بعض الخيرات المهمّة.
Berlin, “The pursuit of the ideal”.
[30]. تندرج في هذه الطائفة تقريرات متنوّعة عن الأخلاق والقيَم والعقلانية الثقافية، من قبيل تقرير أرسطو، وأفلاطون، والفلاسفة المشائين الإسلاميين، والفلاسفة المعاصرين من أمثال ألسدير مكين تاير (في أعماله ولا سيّما منها كتابه في البحث عن الفضيلة)، والشهوديين من أمثال ماكس شيللر (الذي يعتبر أن القيَم الاجتماعية والأخلاقية لا يمكن إدراكها إلا من طريق الشهود والإحساس القلبي فقط)، وعلماء الأنثروبولوجيا وعلم النفس من أمثال أوبيسكير (Obeyesekere) (في كتاب تقديس القبطان كوك حيث يعمد فيه إلى نقد النسبية الثقافية، ويعتبر الماهية الأحيائية المشتركة بين الناس مادة لوجود العقلانية الاجتماعية والثقافية العالمية الشاملة). إن الفلاسفة الإسلاميين من المعاصرين الذين يستندون إلى بحث الفطرة أو السعادة والخيرات والغايات الإنسانية المشتركة في تفسير وبيان القيَم والأخلاق، بمن فيهم أمثال العلامة الطباطبائي والشهيد مرتضى المطهري، يعتبرون القضايا القيميّة والأخلاقية من اعتبارات العقل العملي؛ حيث يتمّ جعلها واعتبارها على أساس الإدراك النظري للعلاقة الواقعية بين الأفعال والخيرات والكمالات الفردية والاجتماعية للإنسان، يبتعدون بأجمعهم عن القول بالنسبية الأخلاقية والقيَميّة، ويعتبرون العقلانية الثقافية التعددية في المجتمعات قابلة للنقد والتقييم.
[31]. Collective Values
[32]. Minimal Moral Conception
[33]. Lamore, The Morals of Modernity, 123.
[34]. Good
[35]. Rights
[36]. Nomocratic
[37]. Telocratic
[38]. Communitarianism
[39]. Plant,"Politics, Theology and History", 7-8.
[40]. Coping Mechanism
[41]. Rawls, Political Liberalism, 146.
[42]. Modus Vivendi
[43]. Truths
[44]. Plant, "Politics, Theology and History", 13.
[45]. الفارابي، إحصاء العلوم، 107.
هناك من يذهب في الأساس إلى الاعتقاد بأن المسألة المهمة والمحورية في فكر الفارابي عبارة عن غاية المجتمع السياسي؛ بمعنى وصول الأفراد إلى مرحلة السعادة. قال دانلوب المترجم الإنجليزي لكتاب الفصول المدنية للفارابي في مقدمة الكتاب: «يتعرّض الفارابي في هذا الكتاب وأعماله وآثاره الأخرى الأهم مثل تحصيل السعادة، وسياسة المدينة، وآراء أهل المدينة الفاضلة، لبحث مسألة واقعية، والتي هي من وجهة نظره مسألة محورية في الفلسفة، ونعني بذلك (غاية المجتمع السياسي). والشاهد على ذلك أنه يعود إلى هذه المسألة مرارًا وتكرارًا. وقد صرّح في هذه الآثار ـ بتأثير من أفلاطون ـ بأن غاية المجتمع السياسي هي الخير (Good)، بمعنى الفضائل أو الحياة السعيدة التي تتحقق تحت لواء حاكم (رئيس) يتصف بالخير والفضائل، وهو الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يجعل التابعين والمطيعين له حائزين على هذا الخير وعلى تلك السعادة والفضيلة». (Al- farabi, fusul Al – madani, 8).
[46]. الفارابي، تحصيل السعادة، 78 ـ 80.
[47]. لقد قسّم الفارابي الفضائل في الصفحة التاسعة والأربعين من كتاب تحصيل السعادة إلى أربعة أقسام، وهي: الفضائل النظرية، والفضائل الفكرية، والفضائل الخُلقية، والفضائل العملية. للوقوف على المزيد من التوضيح في هذا الشأن، انظر: يوسفي راد، مباني فلسفه سياسي مشاء، 303 ـ 308.
[48]. إن الفارابي يُسمي العلم الذي يبين ماهية وكيفية السعادة في الحياة الاجتماعية بـ «العلم المدني». وإن العلم المدني بصدد إحلال الفضائل في نفوس الأفراد المدنيين. انظر: الفارابي، الفصول المنتزعة، 30.
[49]. ابن باجة، تدبير المتوحّد، 10.
[50]. الكليني، الكافي، ج 1، باب «نادر جامع في فضل الإمام وصفاته»، 204، ح: 2.
[51]. الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، 11: 24، أبواب وجوب الحج، الباب الخامس، ح: 2.
[52]. الصدوق، من لا يحضره الفقيه، باب نوادر الحدود، ح: 1.
[53]. الحكيمي وآخرون، الحياة، 2: 436 ـ 439.
[54]. نهج البلاغة، الخطبة رقم: 3.
[55]. الكليني، الكافي، 2: 263؛ المجلسي، بحار الأنوار، 22: 495.
[56]. إن الكتب المتكفلة بفهرسة وظائف الدولة الإسلامية تشير عادة إلى هذه الوظائف المالية أيضًا، انظر على سبيل المثال: القاضي أبو يُعلى، الأحكام السلطانية، 15.
[57]. للوقوف على المزيد من التوضيح في هذا الشأن، انظر: واعظي، انسان از ديدگاه اسلام، 91 ـ 105.
[58]. سبحاني، حسن وقبح عقلي، 66.
[59]. م. ن، 64.
[60]. المطهّري، مجموعه آثار، 4: 812 ـ 813، و19: 138.
[61]. المطهّري، «جاودانگي واخلاق»، 414 ـ 418.
[62]. المطهّري، مجموعه آثار، 13: 725.
[63]. الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 5: 6.
[64]. الطبرسي، مجمع البيان، 3: 189.
[65]. قال الآلوسي في تفسير روح المعاني: «والقسط ـ على ما قال غير واحد ـ العدل، وهو الوسط من كل شيء، المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط. وقال الراغب: هو النصيب بالعدل». (الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن، 4: 346).