البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المفاهيم المعاصرة وتحدياتها بالنسبة إلى الهوية الدينية

الباحث :  السيّد مهدي سجادي
تاريخ إضافة البحث :  March / 25 / 2026
عدد زيارات البحث :  110
إن وجود التيارات الثقافية/الاجتماعية (المفاهيم) المنافسة أو مع قيَم وأصول الثقافة والهوية الإسلامية (الدينية)، وإيجاد التغييرات الجادّة في أسلوب تفكير الناس حول الدين والثورة ودور الدين في مختلف حقول الحياة والحالات الاجتماعية في المجتمع، والتحوّل في طريقة رؤية الثقافة الدينية والإسلامية وأحكامها، وظهور التحوّلات في السلوكيات الدينية والأخلاقية، وحدوث أشكال جديدة من العلاقات الاجتماعية، ومن بينها العلاقات بين الرجل والمرأة، وظهور التيار النسوي في حقل الفن والموسيقى والأدب والمجتمع، والتغيّر في طريقة نظرة الناس إلى العلم والمعرفة، ومن بينها المعرفة الدينية، والتغيير في نوع النظرة إلى الفن والموسيقى والسينما وصناعة الأفلام، وكذلك الحضور المتسارع لعلامات الموسيقى والفن الغربي وما إلى ذلك، تعدّ بأجمعها من دلالات ظهور المشاكل والأزمات، ومواجهة الشباب واليافعين في المجتمع الإسلامي للمفاهيم الثقافية والاجتماعية الحديثة والمعارضة أو المنافسة، التي تشكل تحدّيًا أمام المجتمع والهوية الدينية للمجتمع. إن شرح ودراسة التحديات الناشئة عن انتشار تلك التعاليم والمفاهيم بالنسبة إلى موضوع الهوية الدينية للشباب، من أجل العثور على الطرق المناسبة لمواجهة تلك التحديات وتقوية البُعد الديني لهوية الشباب، تعدّ من أهداف هذه المقالة.

الفصل الأول: الحداثة وتحدياتها بالنسبة إلى الهوية الدينية
إن الحداثة ـ بوصفها تيارًا اجتماعيًا/فكريًا معاصرًا ـ تعود جذورها إلى المراحل الماضية، وتقع تحت تأثير التحوّلات المرتبطة بمرحلة الحداثة وعصر النهضة، وبلغ ذروته في القرنين الأخيرين، وقد ترك ـ من خلال طرح موضوعات من قبيل: «العقلانية»[3]، و«العلمانية»[4] ـ تأثيرات عميقة في البلدان الغربية. كما يمكن رؤية هذه التداعيات في مختلف الأبعاد الاجتماعية والسياسية والفكرية والاقتصادية والصناعية والأخلاقية والماهوية بوضوح. وعلى الرغم من ازدهار هذه الرؤية في أرضيتها المناسبة التي هي الثقافة والمجتمع الغربي على نحو جيد، ولكنها من خلال التسلل إلى البلدان الشرقية وبسبب عدم تناسبها مع الأرضيات الاجتماعية والفكرية في هذه البلدان، قد أحدثت بعض التناقضات والاختلافات مع المطالبات الحداثوية، وهذا الأمر في حدّ ذاته جدير بالكثير من البحث. ومن بين الجهات التي أثرت فيها التعاليم الحداثوية، موضوع الثقافة والهوية الدينية. كما أن الحداثوية بما لها من الماهية قد أفضت إلى إحداث شرخ بين الدين ومختلف مجالات الحياة الاجتماعية للناس، وعملت على توجيه ثقافة المجتمعات إلى نوع من فصل الدين عن الهويات وعن سائر مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية. إن العلمانية أو النزعة الدنيوية التي هي واحدة من تداعيات مرحلة الحداثة والحداثوية، تمثل نوعًا من الأيديولوجيا التي يقوم المؤمنون والمعتقدون بها والداعين إليها بوعي وإدراك منهم بنبذ جميع أشكال الاعتقاد بالأمور والمفاهيم الغيبية والميتافيزيقية والنشاطات المرتبطة بها، وتعمل على دعم الأصول غير الدينية بوصفها من مباني الأخلاق الشخصية والمنظمات الاجتماعية. إن العلمنة[5] عبارة عن مسار لإزالة الدين من مسرح الحياة وتقليص تأثيره في المجتمع. وعلى كل حال فإن العلمانية من الناحية الثقافية والأخلاقية تعني أن الأخلاق تقوم على أساس المسائل الرفاهية وتحسين ظروف حياة الإنسان في هذا العالم، وعزل المسائل المنبثقة عن الله والعالم الآخر، وهذا بدوره يتحوّل إلى دين دنيوي[6]. في ضوء هذا الكلام يمكن لنا توقع أن يكون كل نوع من الأسس المعنوية/الإلهية للأخلاق والسلوك البشري سوف يكون بدوره لاغيًا ومهملًا ولا معنى له بطبيعة الحال، وإن قيام الهوية على الآليات والمفاهيم الدينية يبدو بدوره أمرًا غير معقول، وقد فرض في حدّ ذاته الكثير من التحديات أمام المجتمعات التي تحتوي على أسس للأخلاق المعنوية/الإلهية، ونتيجة لذلك فقد فرض الكثير من التحديات أمام الهوية الدينية المنشودة لها. إن العلمانية تيار لفصل الدين عن الدنيا، وفصل غير المقدّس عن المقدّس، والابتعاد عن تدخّل المذهب في مختلف الأمور[7].

ومن بين الخصائص الأخرى لمفهوم الحداثة، عبارة عن المكافحة الدائمة لجميع الأشياء البالية أو القديمة. وفي الأساس هناك تقابل ومواجهة محتدمة في المسارات الحداثوية بين المسائل الحديثة[8] وبين التقاليد القديمة، وإن هذه المواجهة آخذة بالتصاعد والاشتداد. كما أن الكثير من النظريات والآراء يتمّ نقدها وإعادة النظر فيها بسبب قدمها وعودة جذورها إلى التاريخ القديم؛ وذلك لأن الأمور القديمة والعتيقة تُعدّ مرفوضة من وجهة نظر أتباع هذا الاتجاه، ولا تعود منسجمة أو متناغمة مع التجليات الحديثة والجديدة في الحياة الاجتماعية للإنسان. إن «الحداثوية»[9] تعني الشيء الجديد بدلًا من الشيء القديم والمرفوض[10]. في ضوء هذه النقطة القائلة بأن كل شيء قديم يحكي عن الماضي التاريخي، لا يعود قادرًا على إثارة الاهتمام، وإن الهويات الأصيلة والمتجذّرة في التعاليم الدينية، والمفاهيم التي تؤدّي إلى ثبات واستمرار واستحكام السلوكيات الخاصة بدورها لن يكون لها تلك المكانة الكبيرة. بل حتى الهويات يجب تحديثها من حين لآخر، ولا يمكن لها أن تحظى بالعناصر الثابتة والدائمة. وإن هذا في حدّ ذاته يشكل أرضية للتحول المستمر وعدم الثبات الماهوي، وهذا ـ بطبيعة الحال ـ يتنافى مع الهوية الدينية ذات الصبغة الثابتة أيضًا.

إن طرح الحداثة والتنوير يؤكد على عقلانية[11] تؤدّي بدورها إلى الأمور فوق العقلية أو غير العقلانية[12]؛ ومن بينها بعض الأمور القدسية والمعنوية والدينية المرفوضة من وجهة نظر العقل. إن الطرح التنويري يرى كل شيء بطريقة عقلانية[13]. إن التنوير بوصفه توأم تيار الحداثة، يعني الاعتقاد التام بقدرة العقلانية البشرية في المواجهة مع مسائل الحياة الاجتماعية. إن نتيجة هذه الحركة ـ المطلقة وغير المقيدة بحدود ـ نحو الاعتقاد التام بقدرة العقل البشري، ليست سوى إلغاء القوى التي تفوق عقل الإنسان (الوحي والدين). وهو الحدث الذي أدّى بالتدريج إلى بلوغ موقع الدين والوحي في حياة الإنسان، وأدى تبعًا لذلك إلى جميع تجليات حياة الإنسان التي تأثرت بنحو من الأنحاء بالتعاليم الوحيانية. وأضحت الهوية منذ ذلك الحين فما بعد تحتوي على خصائص، من قبيل: الذكاء، والمهارة في الحياة، والحسابات المنطقية، والقابلية على التحوّل المنسجم مع ظروف العصر، وفقدت العناصر ـ التي هي من قبيل: العقائد الدينية، والمعرفة والإيمان القلبي بالأحكام والواجبات الدينية، وكذلك الاعتقاد بالميتافيزيقا والالتزام العملي بالواجبات والتكاليف الدينية ـ دورها بوصفها من العناصر التي تضفي هوية على أفراد البشر (كما كان يتمّ التأكيد على ذلك في العصور الوسطى). كما ذهب الكثيرون إلى القول بأن مرحلة الحداثة تعني الخروج من سلطة السرديات الكبرى الدينية[14].

إن هذا الخروج من السرديات الكبرى يعني عدم حضور الدين والإلهيات الدينية والمفاهيم الدينية في تعريف الهوية وتنظيم خصائص الهوية الدينية، ونتيجة لذلك ترويج الهويات غير الدينية على نطاق واسع. كما أن الحداثة وسائر الأيديولوجيات الأخرى في القرن التاسع عشر والقرن العشرين للميلاد كانت تبحث عن تشديد الهويات الجديدة للأفراد، وإن هذه الهوية تختلف عن الهويات التقليدية الشائعة. وإن الهوية التقليدية والأصيلة بدورها كانت تسمّى توأم وسمية الهوية الدينية، وإن كل نوع من أنواع رفض الهوية التقليدية والأصيلة تعني رفض الهوية الدينية.

ومن بين الخصائص الأخرى للتفكير الحداثوي (سواء في المراحل التاريخية القديمة أو في المراحل الراهنة في المجتمعات التي يوجد فيها حركة متسارعة نحو الحداثة)، أن الأصل يقوم على إثبات أفضلية المجتمعات الحديثة والمتقدّمة على المجتمعات التقليدية والأصيلة التي تعدّ بشكل عام من المجتمعات المتدينة. إن المجتمعات الحديثة تسمّى بالمجتمعات المتقدّمة وترى كل نوع من إمكان التقدم رهنًا بإمكان القبول بقواعد الحداثة، وعليه فإن اعتبار كل نوع من التراجع ناشئًا من تديّن المجتمع، يعدّ في حدّ ذاته دليلًا على جهود المدافعين عن الحداثة من أجل رفض حيوية وتقدّم المجتمعات الدينية. بالإضافة إلى رفض الدين بوصفه عاملًا لإنتاجية وحيوية كل شيء يرتبط بالدين، ومن ذلك أن الهوية الدينية بدورها تعدّ أمرًا غير نافع وغير ذي جدوى. وعلى هذا المبنى يتم نفي الهوية الدينية من الأساس، ولن يكون إمكانها موجودًا في إطار شخصية وسلوك الإنسان. إن هذه الهوية ليست غير لازمة فحسب، بل وسوف تكون مضرّة أيضًا؛ وذلك لأن الإنسان الذي يعمل على بلورة هويته على طبق الخصائص الدينية، فسوف يعمل ويفكر على نحو ديني قطعًا، وهذا لا ينسجم مع التقدم والازدهار والتنمية. حيث يحلّ العقل البشري محلّ الدين، ويتم إظهار العلم على أنه شيء محمود، قلما يكون هناك بعد ذلك موضع لحضور الدين في سائر الحقول الأخرى. كان «هيجل» يقول: كل ما هو عقلاني فهو واقعي، وكل ما هو واقعي فهو عقلاني[15]. إن الهوية في مثل هذا الفضاء إنما يمكن شرحها من الطريق العلمي والعقلي فقط، ويجب بيان وتعريف خصائصها بالطرق العلمية والعقلية أيضًا، لا بمساعدة التعاليم الوحيانية والدينية. وبعبارة أخرى: إن عناصر من قبيل المعرفة والإيمان وعمل الأفراد يجب أن يتمّ تعريفه في ضوء موازين العقل والعلم البشري. وعلى هذا الأساس تكون الهوية غير دينية بالكامل.

إن الهوية من الزاوية الحداثوية فردية في الغالب (ذات أصالة فردية)؛ وذلك لأن من بين تداعيات الحداثة، عبارة عن السعي من أجل تحرير الإنسان (الفرد) من جميع أنواع القيود والعقبات التي تقيّد الحرية والفردية وهوية الإنسان الفردية. إن الإنسان الحديث لا يفكر في الحياة الأخروية، وإنما ينهمك في ماهيته الاجتماعية/التاريخية، ويسعى إلى تخليص نفسه من أغلال الدين التي كبلته بها الكنيسة[16].
إن من بين الموضوعات الأخرى في الحداثة، عبارة عن القومية[17]. إن القومية في هذا المعنى تعني الانحصارية[18] والاستعلائية في كل شيء يكون بنحو وآخر من خصائص الغربيين (البلدان الغربية)؛ الأعم من الثقافة الغربية، ومن الحضارة الغربية، والعلم والأخلاق الغربية، بل وحتى العرق الغربي. وعلى هذا المبنى فإن الغربيين (البلدان المتطوّرة) أولًا يرون لأنفسهم هوية أفضل بالقياس إلى الشعوب الأخرى، ومن ناحية أخرى يسعون إلى فرض هذه الهوية على الشعوب الأخرى بالقوّة. ولهذا السبب يمكن اعتبار الهوية الغربية هوية سلطوية وفوقية وقومية. في القومية الحداثوية لا يُشكّل المعتقد والعقيدة الدينية أساسًا للهوية؛ وذلك لأنها تعتبر العقيدة الدينية مانعًا يحول دون اتحاد الهوية. حيث ارتبطت وحدة الهوية بخصائص أخرى غير العناصر الدينية. إن الدين لا يحول دون إضفاء الهوية فحسب، بل ويجب العمل على التضحية به من أجل تحقيق الوظائف الوطنية والقومية. وبعبارة أخرى: إن الهوية ذات صبغة وطنية وغير دينية فقط. وفي الحداثوية يتمّ إيجاد الهوية في ضوء التأكيد على ثقافة واحدة مهيمنة[19]. وإن هذه الثقافة المسيطرة والواحدة تستدعي نوعًا من الهوية القومية. وبطبيعة الحال فإن الهوية القومية الناظرة إنما تقبل من جهة بمجرّد نوع من الهوية المنشودة (في البلدان الغربية الحديثة)، ومن جهة أخرى تعتزم فرض هويتها النموذجية على سائر المجتمعات الأخرى.

إن الحداثة (بوصفها مهدًا وأرضية للحداثوية) إنما كانت بشكل عام تيارًا أصوليًا[20]، ومتمحورًا حول محور النظم[21]، وقد تبلور في أوروبا منذ عام 1600 م؛ حيث يذهب أغلب العلماء والمفكرين إلى اعتباره حادثة أو ما بعد عصر النهضة[22] في أوروبا الشمالية.

وبطبيعة الحال فإن الحداثة قد قطعت الكثير من الحقول المختلفة، ومن بينها الفلسفة التي ظهرت على شكل الفلسفة الحديثة، ويمكن القول بأنها قد بدأت مع رينيه ديكارت (1640 م). كما دخلت في الأدب والفن أيضًا، وتجلت بوضوح في قالب الحداثة. وكذلك فإن هناك من يرى أن الحداثة تشتمل على خصائص من قبيل: حلّ الرموز السلوكية[23]، واستبدال الحرية بالأصول والقيَم الأخلاقية[24]. ومن بين أكثر خصائص التفكير الحديثة أصالة يمكن الإشارة إلى النزعة الإنسانية (محورية الإنسان)، والعقلانية، والنزعة الأخلاقية العلمانية[25]، وكذلك النزعة الفردانية المنهجية[26]. وعلاوة على ذلك فإن خصائص من قبيل: العلمانية والقومية والليبرالية، هي الأخرى قد تبلورت في مرحلة الحداثة.
وأما مسألة الهوية في مرحلة الحداثة فهي الأخرى تعدّ من بين الأبحاث الجادة بالنسبة إلى الناقدين لمرحلة الحداثة، ولا تزال حتى الآن تُعدّ محورًا لانتقاداتهم؛ وذلك لأن توزيع الأدوار الثقافية والاجتماعية الذكورية[27] في مرحلة الحداثة ولا سيّما في المرحلة التي عُرفت بالحداثة، قد خلقت الكثير من الأزمات في الهوية الجنسية[28]؛ تمامًا كما أحدثت النهضة العنصرية في ألمانيا الحديثة، حيث وفرّت أرضية لتشويه سائر الهويات باستثناء هوية العرق الآري[29].

لقد اتخذت الأزمة الحادثة في موضوع الهوية في مرحلة الحداثة تجليات مختلفة، وقد أطهرت نفسها غالبًا في الحقول الثقافية والعلمية والاجتماعية والمهنية والسياسية والحرفية. إن الثقافة والعلم في مرحلة الحداثة يرسمان عالمًا خاليًا من النساء[30]. ومنذ عصر الحداثة كان بمقدور النساء ـ بطبيعة الحال ـ أن يتمتعن بالحرية النسبية من حيث النشاطات الدينية، وكنّ يسجلن حضورهن في الصوامع ويتعبّدن في الكنائس أيضًا، ولكن حيث فقدت الكنسية بعد ذلك دورها الديني البحت، وتحوّلت إلى مركز للنشاط العلمي، أخذت النساء يُحرمن من الدخول إلى الكنائس شيئًا فشيئًا. وكان نوبل[31] يقول أن أشخاصًا من أمثال بويل[32] ونيوتن[33] لم يكونوا متزوجين، وهذا يعدّ مؤشرًا على أن النساء بالإضافة إلى عدم حصولهن على المكانة العلمية اللازمة، كنّ يشكّلن مانعًا يحول دون حصول الرجل على العلم أيضًا. إن حرمان المرأة من العلم ـ من وجهة نظر نوبل ـ بأن كراهية المرأة وحرمانها من طلب العلم، كان يُعدّ من الخصائص الأصلية للمجتمع والثقافة العلمية الحديثة، ثم الحداثوية بعد ذلك[34].

إن الشيء الذي يُشير إليه نوبل، هو ذات النزعة الجنسية أو العنصرية والمحاباة بين المرأة والرجل[35]، والتي شاعت في مرحلة الحداثة. إن هذا الاعتقاد الذي يفضل شريحة الرجال على النساء، قد مهد الأرضية للعنف بحق المرأة، بحيث أدّى ذلك في صلب الفضاء الحداثوي الحاكم على أوروبا الشمالية والمركزية في عقد الخمسينات من القرن العشرين للميلاد فما بعد، إلى ظهور تيارات تدعو إلى القضاء على العنف ضدّ المرأة وإعادة الحقوق المتساوية والعادلة بين الجنسين، وإقرار الأدوار الاجتماعية اللازمة لهن تحت عنوان «الحركة النسوية»[36].
والسؤال الذي طرح نفسه في هذا الشأن، يقول: لماذا توجهت الحداثة والحداثوية نحو جهة يتمّ فيها تجاهل حقوق النساء ومنزلتهن ودورهن وهويتهن الحقيقية؟ ويمكن الحصول على الجواب عن هذا السؤال من خلال البحث في المباني المعرفية الأبستمولوجية[37] والأنثروبولوجية[38] الحاكمة على مرحلة الحداثة والحداثوية.

إن الذي تحقق في الحداثة كان عبارة عن المسار المعرفي في ضوء المبنائية[39] والنزعة العينية[40]. بمعنى أن ما كان يقبل العينية يكون علميًا، وما كان تعيّنه أكبر، فإنه يحظى باعتبار أكبر. وعلى هذا الأساس فإن التأكيد على الأصول الثابتة وخصائصها، من قبيل أصل الطبيعة وخصائصها، ومن بينها الطبيعة الثابتة والمختلفة بين المرأة والرجل، وكذلك الاهتمام بالنزعة العينية والمطلقة، قد عملت شيئًا فشيئًا على بلورة هذا الرأي القائل بأن آثار وخدمات الرجال في المجتمع ومن أجل التنمية تحظى بعينية وظهور أكبر، والنساء لا يقدرن على الاضطلاع بهذا الدور في حقل التطور والازدهار. ولهذت السبب أخذت الرؤية المعرفية والأبستمولوجية الحديثة تدخل شيئًا فشيئًا في حقل أحكام الأنثروبولوجيا أيضًا، وتم بيان الأحكام الأنثروبولوجية من الزاوية المعرفية غالبًا، ولم يُنظر إلى النساء بوصفهن من الكائنات اللاتي يمكن لهن الحصول على حقوق متكافئة في التنافس مع الرجال، وقد اقترنت هذه النظرة إلى النساء لاحقًا بظاهرة اسمها النزعة الذكورية[41]، ونتيجة لذلك فإن النزعة العينية في مرحلة الحداثة والحداثوية قد ظهرت وتجلّت على شكل غلبة قدرة واستعلاء طبقة على طبقة أخرى، وتغلّب إنسان على إنسان آخر[42].

إن النزعة العينية من الناحية التاريخية التي تتوافق مع النشاط الذكوري؛ مثل الأفكار والأحاسيس والمفاهيم والقيم قد وفرت الأرضية لأمور من قبيل: الغلبة والنصر والحرب والعنف ضد المرأة، كما يمكن رؤية تأثير هذه الرؤية في النظام التربوي الحداثوي بشكل واضح. إن النزعة العينية المنشودة للحداثة والحداثوية، قد أفضت لاحقًا إلى النزوع نحو تراتبية العلوم أو تبويب العلوم وتقسيمها إلى العلوم الدقيقة أو الصلبة[43]، والعلوم غير الدقيقة[44]، والعلوم الإنسانية[45]. بحيث كانت العلوم الفيزيائية على رأس العلوم، والعلوم الاجتماعية الكمية والإيجابية (مثل الاقتصاد وعلم النفس السلوكي) والعلوم الكيفية من قبيل: الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والتاريخ فتقع في المراتب اللاحقة، وبطبيعة الحال فإن هذا التبويب والترتيب للعلوم قد أحدث تغييرًا في أوضاع النساء لاحقًا، وطرح هذا السؤال الجوهري: ما هو عدد النساء اللاتي يشتغلن في هذه العلوم وفي أي حقل منها؟

إن التأثر السلبي الذي تعرّضت له هوية ودور وموقع المرأة في مسار الحداثة، يعود بجذوره في نهاية المطاف إلى هذه الحقيقة النهائية الأبستمولوجية في الحداثة، وهي أن الحداثة في الأساس بدلًا من التأكيد على القيَم المتعالية الإنسانية والتي هي أمر يفوق الواقعية العينية العلمية والتجريبية، قد أكدت على الحقائق والواقعيات والأسس الطبيعية والبيولوجية من حياة الإنسان، وفي هذا الشأن كانت الحداثة تشتمل على توجهات جبرية (الموجبية) الجنسية البيولوجية[46]، ونتيجة لذلك تمّت التضحية بالهوية الواقعية للنساء على مذبح الخصائص الجبرية/الطبيعية والبايولوجية لحياتهن؛ وهي الخصائص التي لم يكن بمقدور النساء القيام ـ من خلالها ـ بالأعمال الحرفية والفنية الصعبة والشاقة التي تعدّ من لوازم الازدهار والتنمية، وكان ذلك يعمل من تلقائه على توفير أرضية إلغاء دورهن في المجالات أعلاه[47].

لم تكن هناك أهمية في الحداثة والنزعة الحداثوية للعناية بهوية المرأة؛ كما كان الحداثيون يسوّقون لنوع من الانحصارية والقومية بشأن الثقافة والحضارة والاقتصاد والعلم والبحث والعرق والجنس. وكانوا يتصورون أن الثقافة التحررية الأفضل، والعرق والجنس الأفضل، والعلم والبحث الأفضل، إنما هو من نصيب الغرب حصرًا. وقد كانوا فيما يتعلق بموضوع الجنسية (الهوية المميّزة بين الرجل والمرأة) يرون أن الأفضلية تعود إلى جنس الرجل، وبطبيعة الحال فإن المخالفين لتفضيل الرجل على المرأة يعتبرون هذا الأمر يمثل نقطة ضعف الحداثة، وأنه يُشير إلى وجود نوع من الحالة المتناقضة[48] ماهويًا في هذه الحداثة؛ وذلك لأن الحداثة من جهة لم تكن تعتقد بما وراء الحدود، وكل ما كان في داخل الغرب (أوروبا الشمالية والمركزية) يعتبرونه أصيلًا، ولكنهم كانوا في داخلهم يدافعون عن نوع من العنصرية بين الرجل والمرأة. ولهذا السبب ظهرت الحركة النسوية بوصفها تيارًا في مقابل الحداثة، وعلى نحو أشد بوصفها تيارًا ينتمي إلى ما بعد الحداثة داخل أوروبا المركزية والشمالية. وإن من بين الانتقادات الجادّة التي تمّ إيرادها على الحداثة، بالإضافة إلى الانتقاد الثقافي والطبقي، الانتقاد المتعلق بالنزعة الجنسية[49]. [50] من وجهة نظر الحداثة لم تكن هناك هوية معتبرة ومستقلة باسم المرأة كما هي هوية الرجل، ولم يكن للنساء أهمية خاصة في الحياة الاجتماعية.

قال بومان[51] في مقالة له بعنوان «الحداثة وإبادة أو حرق النساء»: لقد كان القتل الذريع أو إحراق النساء هو الاختبار الأخير بشأن الموضوعات الاجتماعية. والحقيقة هي أن إبادة وحرق النساء كان يُعدّ أمرًا طبيعيًا. إن الحداثة من خلال قبولها بالعنصرية[52]، قد أدّت في الواقع إلى تطوير هذا المسار. وكذلك فإن الحداثة قد جعلت العنصرية أمرًا ممكنًا بل وأرادت أن تعمل على مفاقمتها؛ وذلك لأن الحداثة قد أوجدت حدودًا بين المرأة والرجل، وكانت تعتبر قيمة العمل الذي يقوم به الرجال أكبر من قيمة العمل الذي تقوم به النساء.

إن الإنسان الغربي الحداثوي قد تمكن من الانتقال من القواعد اللاهوتية إلى الأنظمة العقلانية والعلمية، بحيث أن الجدل المحتدم حول العنصرية قد اتخذ صبغة دينية حتى بشكل أكبر من الجدل القائم على أساس المعارضة مع اليهودية. وعلى الرغم من أن الفرد كان يستطيع الارتداد عن دينه واعتناق دين آخر، إلا أن هذا الفرد نفسه لم يكن يستطيع تجاوز هويته العرقية والجينية والطبيعية[53]. إن ما يقوم به الإنسان ـ من وجهة نظر بومان ـ لا يمكنه أن يعمل على تغييره، وهذا هو الجوهر الفلسفي للعنصرية التي شكّلت أساسًا للنزعة الجنسية.

إن من بين خصائص العالم الحديث الذي يمثل الروح والخصوصية والذات الثابتة له أيضًا، ليست الإمبريالية ولا العنصرية المحضة، بل هي في الغالب عبارة عن العنصرية بين الرجل والمرأة. إن الثنائية بين الجنسين (الرجل والمرأة) تعود بجذورها إلى الاجتماع العقلاني والعلمي أو قواعدنا الأبستمولوجية. وإن ظهور المنهج العلمي الحديث والنزعة العقلانية[54] قد امتزج بشكل متزامن بظهور القسم العنيف من التطور العلمي الساحر لتاريخ الحداثة. وبعبارة أخرى: إن الحداثة زاخرة بالامتزاجات شبه المتناقضة؛ ومن بينها امتزاج العقلانية التجريبة بالنزعة الجنسية غير العقلانية؛ وذلك لأن التطورات العلمية الساحرة، كانت ظاهرة جنسية محورية بشكل عميق، بحيث أن التطوّر في العلوم الطبية، كان تطوّرًا يتمحور حول الرجل، وقد أدّى إلى أن يقوم الرجل حتى بالأدوار الخاصة بالنساء مثل الحضانة والأمومة أيضًا. والدور الوحيد الذي بقي للنساء هو السحر والتبصير والشعوذة، وهو بدوره أمر غير علمي وغير عقلاني. وكانت مكافحة السحر تعدّ بدورها أصلًا علميًا، ولهذا السبب كانت مكافحة المرأة ـ بوصفها مظهرًا للسحر ـ تعدّ أمرًا ضروريًا. وفي مرحلة الحداثة كانت المرأة تُعرف بثلاثة أشياء، وهي: الطفل، والكنيسة، والمطبخ[55]. وبالنظر إلى مسارات العنصرية والجنسانية[56]، يمكن أن نعقد مقارنة بين قتل النساء وكراهية المرأة وبين الحداثة[57].

وربما كان من أشهر الانتقادات التي تمّ توجيهها إلى الحداثة أو بعبارة أخرى: مرحلة التنوير[58]، هو انتقاد هورخايمر[59] وأدورنو[60]. إن الذين يعتبرون التقدّم في عصر التنوير بمنزلة اتساع شعاع الشمس التي لا تشع على موضع إلا وحلت به المصائب، لا يزالون يعتقدون بأن الأفكار العقلانية بوصفها المصدر المعرفي الوحيد، ووجود مجتمع منضبط وحقيقي، والانتشاء بانتصارات عصر التنوير على العصور الوسطى، تشكل ركائز لمجتمعنا في القرن العشرين للميلاد[61].

وهناك من يعتقد ـ بطبيعة الحال ـ بأن عصر التنوير يمكن أن يشمل خمسة قرون؛ من بيكون إلى هابرماس. وبطبيعة الحال كان هورخايمر وأدورنو يسميان هذه المراحل بمرحلة التنوير، بينما كان هابرماس يسميها بمرحلة الحداثة. ومن وجهة نظر الكثيرين تعدّ الحداثة مرحلة تاريخية جديدة نسبيًا، وتستمر من إيمانوئيل كانط إلى الثورة الأمريكية والفرنسية، بل وقد تصل إلى القرن العشرين أيضًا. وكان يتمّ التأكيد في هذه المرحلة على قدرة العقل العالمي للإنسان[62]. وكانت المبنائية[63] المعرفية والعلمية تعدّ من خصائص مرحلة الحداثة أو التنوير. وفي هذا الاتجاه هناك أسس تعمل على تنظيم كل شيء. وبعبارة أخرى: إن الحداثة مصطلح يرتبط بعصر التنوير الذي يؤدّي إلى تحضير مباني[64] التقدم العلمي والاجتماعي. إن هذه المباني بطبيعة الحال تشتمل من جهة على بُعد معرفي وأبستمولوجي، وتتعرّض في الغالب إلى موضوع التأصيل الذاتي[65]، ومن جهة أخرى تشتمل على بُعد سياسي يرتبط بموضوع الإظهار الذاتي[66]. إن الانتقادات التي تم توجيهها لاحقًا من قبل ما بعد الحداثة إلى عصر التنوير، يتمّ توجيهها إلى البُعد السياسي لمباني الحداثة، كما يتمّ توجيهها إلى البُعد الاجتماعي لها أيضًا.

إن الهوية بدورها ـ من وجهة نظر الحداثة، وبالنظر إلى توجه عصر التنوير بشأن المباني المعرفية والسياسية ـ تعدّ أمرًا مبنائيًا وإدراكيًا[67]، والتي قد تأثرت في حدّ ذاتها بأسس من قبيل العقلانية والطبيعة والتجربة، وإن جميع هذه الأسس تعدّ أمرًا مفروضًا[68]. وعلى هذا الأساس فإن هوية الرجل والمرأة، والاختلاف بينهما وأفضلية الرجل على المرأة، أمر مفروض قدمته العقلانية والعرق والجنسية والطبيعة والتجربة العلمية[69].
وفي الواقع فإن الحداثة ـ من وجهة نظر جانيت[70]، ومن خلال التأكيد على المباني المتعالية والاستعلائية[71] والعينيات[72] المفروضة[73] ـ تضع النساء ضمن طبقة خاصة. لقد تمّ عدّ النزعة الجنسية في الحداثة بوصفها ظاهرة طبيعية لا ضرورة إلى شرحها وبيانها. ومن هنا فإن علم الاجتماع الحداثوي يُعدّ حقلًا ذكوريًا.
وكذلك فإن جانيت تذهب إلى الاعتقاد والقول: «إن المرأة في المجتمع الحداثوي ينظر إليها من منظار الرجل، لا من خلال منظارها هي. وفي الحداثة يتم أخذ هوية المرأة ولا سيّما هويتها الجنسية بوصفها أمرًا طبيعيًا ولا يقبل التغيير، وكان هذا الأمر يقتضي حدوث عدم المساواة الاجتماعية، ويؤدي إلى تنازعها واختلافها مع الرجل في حقول الأدوار الاجتماعية والعلمية»[74].

الحداثة وتحدّياتها الهويّاتية
عناصر الحداثة

الهوية من زاوية الحداثة

تحديات الحداثة بالنسبة إلى الهوية الدينية

1. العلمانية أو النزعة الدنيوية.

1. إن الهوية تتبلور على أساس الآراء الرفاهية وتحسين الحياة ونفي الأسس الميتافيزيقية ‏التي تقوم على القواعد الاجتماعية /الشخصية.‏

‏1. إضعاف الآراء اللاهوتية الميتافيزيقية في تعريف عناصر الهوية (الأعم من عنصر ‏المعرفة والاعتقاد والعمل).‏
2. النزعة التجديدية الدائمة، والاختلاف مع كل ما له جذور تربطه بالماضي ويكون له ثبات وسابقة تاريخية
‏2. إن الهوية أمر سيّال ومتغيّر وغير دائم. ويجب على الهوية أن تكون متناسبة مع ‏التجليات الحديثة والجديدة في الحياة الاجتماعية.‏
‏2. اضمحلال الهويات بسبب رجوع جذورها إلى الدين والتعاليم الكونية الدينية ‏الدائمة والثابتة، والتي تحتوي على خصائص ثابتة ودائمة، وبالتالي اتضاح عدم ثبات ‏الهوية عند الإنسان.‏
3. العـــقلانـــــية والاعـــتقاد بكـفاية العـــقـــل البــشري والخــــروج مـــــن السرديات الكبرى.‏
‏3. إن عناصر الهوية هي ذات الذكاء البشري، وامتلاك المهارة في الأمور، ‏والحسابات المنطقية /التجريبية في الأمور، والعقلانية المحضة في قواعد العقل ‏البشري.‏
‏3. إضعاف جميع أنواع عناصر المعرفة الدينية، والإيمان القلبي والداخلي بالواجبات ‏الدينية بوصفها من خصائص الهوية الدينية للإنسان، وقلة الاهتمام بجميع أنواع ‏العناصر سردية كبرى المؤثرة في التعريف وبلورة السلوك والهوية الإنسانية.‏
4. تفضيل المجتمعات الحـــــداثــوية على المجتمعات التقليدية والدينية.
‏4. إن الهوية المترقية هوية متناغمة ومتطابقة مع تطوّرات الحداثة، وتمثل حياة ‏حديثة، وإن تجلي الهوية الواقعية إنما يكون ممكنًا من خلال الاقتران بخصائص ‏الحداثة فقط.‏
‏4. عدم الاهتمام بالهويات التقليدية والأصيلة المرتبطة عمومًا بالدين أيضًا، وذلك ‏بسبب اعتبار تخلف المجتمعات التقليدية وغير المتطورة (المتطورة بالملاكات ‏الخاصة)، والاعتقاد بعدم إمكان تبلور الهوية البنّاءة على أساس الملاكات الدينية /‏التقليدية.‏
5. النزعة العلمية والتأكيد على نظرية المعرفة العلمية.
‏5. إن الهوية يجب تعريفها وبيانها على نحو علمي (إن المباني العلمية هي الأعم من ‏علم النفس، وعلم الاجتماع، والبيئة وما إلى ذلك). وإن جميع الأفعال التي تشكل ‏هوية الإنسان، يجب أن تستند إلى دليل علمي.‏
‏5. إضعاف التجلي الديني/الشهودي والقدسي للسلوك الماهوي، ورفض الأبعاد ‏المعنوية/الإلهية لهوية الإنسان، وهي الأبعاد التي لا تقبل التبرير بواسطة الطرق ‏العلمية، والقول بعدم ضرورة بل وضرر الهويات الدينية.‏
6. الـــــــقومـــية والاستـــــعلاء على الثقافات والمجتمعات الأخرى.
‏6. إن الهوية الحداثوية، والهوية الانحصارية (الغربية)، هوية استعلائية وسلطوية، ‏وهي تسعى ـ من خلال التأكيد على عنصر الوطنية ـ إلى توسيع رقعتها الجغرافية.‏
‏6. إضعاف الدين بوصفه عنصرًا لتوحيد الهوية والمسيطرة على السلوكيات ‏الماهوية.‏
7. إضعاف حضور الديـــــن ودوره في المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية في المجتمع.
‏7. إن للهوية في الغالب صبغة ثقافية واجتماعية وحرفية، ومنفصلة عن الدين.‏
‏7. اضمحلال الهوية القائمة على المعرفة الدينية والسلوك الديني.‏

الفصل الثاني: الليبرالية وتحدياتها بالنسبة إلى الهوية الدينية
إن منشأ الليبرالية ـ بوصفها فلسفة سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة في العالم الغربي ـ يعود إلى القرن السادس عشر والسابع عشر للميلاد. وهي في المعنى الأوسع للكلمة عبارة عن الإيمان بحرية الإنسان وتركه مطلق العنان في حدود الإمكان[75]. وربما صدر مفهوم الليبرالية وانطلق نداء الحرية أول مرّة على ألسنة المصلحين الأوروبيين، ونعني بهم البروتستانت والتي ظهرت بوصفها حركة للتحرر من أغلال المؤسسات الدينية والاجتماعية[76].

إن الليبراليين من أشد أنصار الدعوة إلى فصل الدين عن السياسة والأمور الأخرى. إنهم ليسوا ضدّ الدين بالضرورة، ولكنهم لا يريدون أن يفسحوا المجال للدين بأن يستحوذ على السياسة والاقتصاد. ولهذا السبب تخلو التوجهات في المناهج الدراسية (الحكومية) بشكل عام في بعض البلدان الغربية ـ مثل الولايات المتحدة الأمريكية ـ من المسائل الدينية. وعلى كل حال فإن نشر المفاهيم الليبرالية في المجتمعات الإسلامية، ومن بينها المجتمع الإيراني، إذ شهدت اتساعًا في المرحلة الأخيرة، حيث أنها تؤدّي إلى تراجع حضور الدين في مختلف المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية، فإنه يُشكّل تحديًا أمام تبلور الهوية الدينية. كما أن التيارات ذات التوجهات التحررية والتنويرية والتي ظهرت في العقود والقرون الأخيرة في إيران، قد وفّرت الأرضية ـ بقصد أو بغير قصد ـ لتراجع عناصر ومواد التفكير الديني والثقافة والهوية الدينية في مختلف المجالات، وقد شكّلت هذه الانحرافات ـ بطبيعة الحال ـ سببًا في فشل هذه التيارات[77].
إن الأبحاث الأخلاقية والميتافيزيقية ـ في الليبرالية ـ تلتزم الحياد تجاه مختلف الأمور في الحياة الاجتماعية والسياسية[78]، ولا يُتوقع منها المشاركة في الأمور المختلفة، ومن بينها التربية والتعليم وتبلور شخصية الإنسان وهويته.

ومن ناحية أخرى فإن للقيم في الليبرالية بُعدًا «نسبيًا[79]»[80]. ولهذا السبب لا نستطيع الحديث عن القيَم المطلقة التي تشتمل في الأساس على القيَم الدينية. إن تبلور شخصية وهوية الفرد أو تعريف هوية الإنسان على أساس القيَم المطلقة والدينية، تعدّ في الليبرالية أمرًا خاطئًا، لا سيّما إذا أردنا أن نعمل على نقل وتعليم هذه القيَم في النظام التربوي على نحو جازم وشامل. إن الهوية في هذه الرؤية تعدّ بدورها أمرًا غير ديني أيضًا (بمعنى أنه لا يمكن تعريف عناصرها التي هي من قبيل: المعرفة والإيمان والعمل على طبق القيَم الدينية المطلقة)، كما أنه أمر نسبي وتابع للظروف والحالات الزمانية والمكانية، وإن الحديث عن السلوكيات الدينية والأخلاقية الثابتة أو المعتقدات القلبية والالتزام الدائم بالتعاليم الدينية بوصفها من عناصر الهوية، لا يُعد أمرًا عقلانيًا أيضًا.

وكذلك فإن معيار تشخيص الأخلاق والأخلاقيات في الليبرالية (من الخير والشر والحسن والقبح وما إلى ذلك) عبارة عن الحكم الشخصي للأفراد، وإن الأفراد بالنظر إلى الظروف التي يعيشونها هم الذين يحكمون بشأن الأمور الأخلاقية. إن الهوية في الليبرالية في ظل هذه الظروف تعدّ أمرًا فرديًا وشخصيًا، ويتم تعريفها وإعادة صياغتها على نحو منفرد. في حين أن الهوية الدينية (بالنظر إلى الخصائص التي هي من قبيل: المعرفة الدينية، والاعتقاد الديني، والالتزام العملي بالأحكام الدينية) هي في الغالب أمر جمعي وشامل وعالمي؛ وإن النواة الأصلية لليبرالية عبارة عن تقدم الفرد على الجمع[81]. إن الفرد يعمل بحرية وبشكل متناغم مع الشرائط والظروف المحيطة به. وعلى هذا الأساس فإن العناصر المكوّنة لهويته يتمّ تعريفها تبعًا لمصالحه الفردية أيضًا. وبطبيعة الحال فقد تمّت تسمية هذه النزعة الفردية أو التمحور حول الفرد بالفردانية الملكية أيضًا. بمعنى أن الفرد ملك نفسه وأن حياته ملك له، وليست ملكًا لله سبحانه وتعالى. وإن هذه الفردانية التي تمّ اعتبارها بوصفها نوعًا من الفردانية الأخلاقية أيضًا، تؤدّي بدورها إلى النفعية الفردية[82].

إن العقائد في الليبرالية، ذات بُعد فردي وشخصي فقط، وإن هوية الإنسان تكمن في الحرية والرغبات الفردية، لا في تفكيره وعقائده. ومن خلال نفي عنصر العقيدة والإيمان الداخلي والأيديولوجي عن موضوع هوية وشخصية الإنسان، يتمّ في الواقع إيجاد فضاء مناسب لاتضاح الرغبات والمطالب الداخلية والفردية للإنسان والتي تحتوي في الأساس على ماهية فردية وشخصية أيضًا، ولا يعود بعد ذلك من الممكن الحديث كثيرًا عن هوية جماعية موحّدة على أساس المفاهيم الدينية. وبعبارة أخرى: إن الهوية أمر فردي وداخلي تحدوه الرغبة وليس العقيدة.

إن التسامح في الهوية يعدّ بدوره واحدًا من أنواع التسامح الليبرالي أيضًا؛ بمعنى التسامح بالنسبة إلى الخصائص غير الأخلاقية للإنسان، من قبيل: الانتماء الوطني، والجنس، والعرق، والطبقة. وإن نتيجة هذه الخصوصية الليبرالية بدورها لن تكون شيئًا آخر غير تبلور هوية حيادية لا غاية لها. وهي هوية لا تدعو إلى التقابل مع سائر أنواع الهويات الأخرى ولا ترغب في أمر آخر. إن الإنسان الذي يحتوي على مثل هذه الهوية، لا يمتلك حتى الثبات اللازم في خصائصه السلوكية أيضًا. إن هذه الخصوصية في الهوية الليبرالية، تتقابل على نحو جاد مع خصائص الهوية الإسلامية التي تؤكد على إظهار ردّة الفعل تجاه الحسنات والسيئات السائدة في المجتمع (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
إن أصل المداراة الليبرالي يعني أن أفراد المجتمع والدولة لا ينبغي أن يتدخلوا في النشاطات أو معتقدات الآخرين، أو أن يعملوا على إظهار المشاعر الأخلاقية والاعتقادية في قبال أفعال وأفكار الآخرين؛ مهما كانت تلك الأفعال والأفكار ـ من وجهة نظرهم ـ خاطئة وغير أخلاقية ومضللة[83].

في ضوء ما تقدّم بيانه يمكن القول بأن العناصر المكوّنة للهوية في الليبرالية، هي أولًا: فردية وصناعية[84]؛ بحيث يقوم كل فرد بصياغة وصناعة نفسه، ولا يمكن لنا أن نرصد رقيبًا خارجيًا على الأفراد. وثانيًا: إن هذه الهوية لا يمكن في الأساس أن تكون دينية؛ وذلك إذ في الهوية الدينية بالإضافة إلى السيطرة الذاتية للأفراد، يتمّ الاهتمام بضبط أفعال الآخرين والسيطرة عليها أيضًا. إن هذه الخصائص الليبرالية للهوية تقوم من وجهة النظر المعرفية (المعرفة بوصفها واحدة من خصائص الهوية) على أساس العقل المحض للإنسان، وتقوم من وجهة النظر الداخلية (الاعتقاد الداخلي بوصفه خصوصية أخرى للهوية) بدورها على أساس المطالب الشخصية، ومن زاوية النشاط والالتزام العملي (بوصفه من الخصائص الأخرى للهوية) أيضًا، أمر حيادي حيث تقع جميع هذه الخصائص مع عناصر الهوية الدينية بدورها في اختلاف واضح، وتفرض تحدّيًا عليها.

الليبرالية وتحدياتها الماهوية
العناصر الليبرالية
الهوية من الزاوية الليبرالية
التحديات الليبرالية الماثلة أمام الهوية الدينية

‏1. حـــــرية الإنــسان وتوسيع دائرة اختياره في حدود الإمكان.‏
‏1. إن معيار تقييم الحالة الماهوية للأفراد، هي مقياس حريتهم في تنفيذ الأمور.‏
‏1. إن الهوية الدينية لا تنسجم مع الحرية المطلقة للإنسان، بل إن المعرفة والاعتقاد وعمل ‏الإنسان بوصفه من عناصر الهوية الدينية تابع لحدود قام الدين بتعيينها. إن الهوية الليبرالية ‏ناقضة لهذه الحدود.‏

‏2. فصل الدين عن جميع مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.‏
‏2. إن الهوية أمر غير ديني، ولكن يمكن أن تحتوي على بعد اجتماعي وسياسي ‏أيضًا.‏
‏2. إن الهوية الدينية ناظرة إلى تأثير الدين في مختلف الحقول، ومن بينها المعرفة والاعتقاد ‏وعمل الأفراد، بيد أن الهوية الليبرالية تسلب الدين هذه القدرة على التأثير.‏

‏3. حــــيادية الأخلاق والميتــافيزيقــــا وعدم أدلجتها.‏
‏3. إن الهوية وخصائصها في الأساس ليست أيديولوجية وليست ميتافيزيقية، وتتخذ ‏في الغالب صبغة أبستمولوجية وأنثروبولوجية محضة.‏
‏3. إن الليبرالية تضفي إلى عناصر ومضمون الهوية (المعرفة والإيمان والعمل) صبغة غير ‏دينية وغير إلهية، وهذا الأمر في الأساس لا ينسجم مع الهوية الدينية (إن الهوية تكتسب ‏صبغة إنسانية واجتماعية بحتة).‏

‏4. نسبية القيَم.‏
‏4. إن الإنسان الليبرالي من الناحية المعرفية قائل بالنسبية، ومن حيث المعتقدات ‏الداخلية شكاك وغير مؤمن، ومن حيث السلوكيات العملية يفكر في نسبية القيَم.‏

‏4. في الهوية الدينية بالنظر إلى التعاليم الدينية، يكون للمعرفة والاعتقاد والعمل بوصفها ‏من العناصر الدينية صبغة مطلقة وثابتة وملزمة (وجوبية)، وليست نسبية. وإن الليبرالية تهدد ‏هذا الإطلاق والثبات والالتزام العملي.‏

‏5. الأحكام الشخصية بوصفها معيارًا وملاكًا لتشخيص الأخلاقيات.‏
5. معيار تعريف الشخصيّة، والسلوك والهوية الإنسانيّة، هو حكم الإنسان على نفسه، لا المصدر الخارجي.
‏5. إن الليبرالية تنفي المصدر الخارجي للحكم بشأن هوية وشخصية الأفراد وصوابية وعدم ‏صوابية أعمالهم. إن هذا المصدر الخارجي هو الدين.‏

‏6. الفردانية الملكية.‏
‏6. إن الإنسان يصنع هويته بنفسه. فهو مالك لهويته، ولا يضع قياده في يد شخص ‏آخر. ويعمل على تغيير هويته كما يشاء (إن السيطرة الذاتية على الهوية أمر فردي ‏وليست أمرًا جمعيًا).‏
‏6. إن الهوية الدينية بالإضافة إلى بُعد السيطرة الذاتية، تحتوي على بُعد السيطرة الخارجية ‏أيضًا. إن الليبرالية ـ بوصفها عاملًا كميًا وكيفيًا ـ تعمل على إضعاف هوية الإنسان. كما أن ‏للهوية الدينية بُعدًا جمعيًا أيضًا.‏

‏7. التساهل والمداراة
‏7. إن الهوية أمر حيادي ومن دون جهة (من دون جهة دينية). إن امتلاك هوية لا ‏يعني سلب الهويات الأخرى أو المواجهة مع الهويات الأخرى. إن الأفعال ذات ‏الهوية والسلوكيات المختلفة متنوّعة ومتكثّرة.‏
‏7. لا يمكن لأحد ـ في الليبرالية ـ أن يحول دون تحقق خصوصية من خصوصيات الهوية، ‏أو أن يوجدها لدى شخص آخر. إن اكتساب الإنسان للهوية لا يكون من خلال الأمر ‏والنهي. يجب إبداء المداراة في قبال جميع السلوكيات الأخرى. في حين أن هذه ‏الخصوصية لا تنسجم مع الهوية الدينية.‏

الفصل الثالث: التعددية الثقافية وتحدياتها للهوية الدينية
إن التعددية الثقافية نهضة ثقافية تحمل في صلبها نبرة انتقادية، وهي تسعى إلى إزالة الأيديولوجيات الانحصارية والغالبة. إن هذه الرؤية تعتبر الثقافة أرضية للمواجهة بين المقالات المتخاصمة والمتنافسة بشأن المجتمع والعناصر المكوّنة للثقافة، ومن بينها اللغة والأدبيات والفن والعلم والأخلاق. إن مباني التعددية الثقافية تحتوي على بُعد علمي وأنثروبولوجي. وبعبارة أخرى: إن المباني الأبستمولوجية ذات منطق داخلي يرى أولًا: أن الإنسان كائن حيوي. وثانيًا: إن فرضية الإنسان الأمثل[85] بدورها ليس لها مكانة سامية في هذا الاتجاه الثقافي. إن حركة الإنسان التقدمية هي في الغالب حركة أفقية تقع بين الإنسان والإنسان، وحتى لو افترضنا حركة عمودية للإنسان، فإن هذه الحركة يتمّ تعريفها بين الإنسان وبين أسلافه، ولا تعود هناك أهمية لحركة الإنسان الاستعلائية[86].

إن التعددية الثقافية تسعى إلى إيجاد مجتمع يُسمح للناس فيه ـ بالنظر إلى البنية والاتجاه الثقافي المتنوّع ـ إن أرادوا التعبير عن نمط حياتهم في رقعة ثقافية منفصلة، وأن يهتموا بذلك في مساحة اجتماعية عامّة بوصفهم أشخاصًا يتمتعون بالمساواة[87]. إن التعدّدية الثقافية بصدد العمل على إيجاد أرضية بحيث يمكن فيها لجميع خصائص الهوية والثقافة أن تؤدّي مهامها بعيدًا عن الرؤية الأحادية واجتناب النزعة الانحصارية أيضًا. وكذلك فإن الشخص القائل بالتعددية لا يقيّد نفسه بأيّ تعهّد خاص من أجل حفظ وحماية الأبنية الثقافية[88].
في ضوء ما عددناه حتى الآن عن التعددية الثقافية، لا يمكن للهويات ـ (ولا سيّما منها الهوية الثقافية) ـ أن تمتلك بعدًا أيديولوجيًا؛ وذلك لأن الهوية الأيديولوجية هوية انحصارية، وتؤدّي إلى الاستعلاء على الهويات الأخرى. بل إن الهوية في الغالب ذات بعد تنظيري وأنثروبولوجي. إن الفهم الأنثروبولوجي لموضوع الهوية يعني نفي الأبعاد الاستعلائية والمثالية (الكمالية) من حياة الإنسان. في هذا المسار يتمّ تعريف علاقة الإنسان بالآخرين على نحو أفقي (عرضي)، وإن جميع الأشخاص مهما كانت هويتهم يقفون جنبًا إلى جنب وفي عرض واحد، ونتيجة لذلك لا يمكن لأيّ شخص أن يمتلك هذا المقام الذي يضعه في موقع القيادة أو يكون نموذجًا يحتذي به الآخرون، وهذا الأمر يتنافى تمامًا مع التعاليم الوحيانية والدينية الإسلامية التي تقوم على أساس التأسّي بأصحاب الهويات العليا، ومن بينهم الأنبياء والأولياء والراسخون في العلم. بالإضافة إلى عدم قبول انحصارية الهوية، كذلك فإنها تخالف تأكيد الإسلام على كمال بعض الأشخاص الذين يتمتعون بالكمالات الماهوية الخاصّة التي تجعلهم يتفوّقون على الأشخاص الآخرين، من قبيل: أفضلية العالم على الجاهل، والتقي على الشقي، والمجاهد على القاعد وهكذا. الأمر الذي يُشير إلى اتصاف هؤلاء الأشخاص بخصائص الماهوية الخاصة والممتازة أيضًا. إن نظرية المساواة بين جميع الأشخاص والثقافات والهويات الموجودة في التعددية الثقافية، هي في حدّ ذاتها نظرية مثيرة للجدل؛ إذ أن وضع جميع الناس ـ مع ما يتصفون به من الخصائص المتفاوتة والمتنوّعة والكثيرة ـ جنبًا إلى جنب والتعامل معهم على طبق المساواة، هي الأخرى تتنافى مع رؤية الدين وعدم القول بالتساوي بين المحسن والمسيء، وبين العالم والجاهل، وهكذا مما يُشير بأجمعه إلى امتلاك كل واحد منهم هوية خاصّة.
إن خفض مقام الإنسان، وعدم القبول بالإنسان الأمثل، يعني بدوره التنزل بهوية الإنسان إلى المستوى العادي والمادي، ونفي المقام الملكوتي للإنسان. وإن مقام الملكوت بدوره يمثل تعريفًا للهوية الدينية للإنسان أيضًا.

إن الهوية وخصائصها ـ في التعددية الثقافية ـ بالإضافة إلى اشتمالها على البُعد ما بعد الوطني، لا يمكن أن تكون قد تمّ تعريفها مسبقًا، بل إن البشر يعملون على صنع هويتهم بفعل التعامل مع البيئة المحيطة بهم وتعاملهم مع سائر الناس والثقافات. ولربما بفعل هذا التعامل يتجاوز هويته السابقة (والتي هي بشكل عام حصيلة البيئة والوراثة وتأثير التربية والتعليم) ويكتسب هوية جديدة. إن الهوية في التعددية الثقافية يتمّ إنتاجها وإعادة تعريفها على الدوام، وهذا الأمر بدوره يتمّ من طريق أسلوب الجذب والتطابق المستمر والدائم أيضًا. إن هذا التحوّل الدائم في هوية الأفراد يحول في الواقع دون إيجاد أيّ نوع من أنواع الهويات المتماهية والمتحدة. وهذه هي الهوية التي تسمى في النصوص الدينية بـ «الأمّة الواحدة». إن الأمّة الواحدة في الواقع تطلق في الواقع على مجموعة من الأفراد الذين يمتلكون خصائص واحدة من حيث الهوية؛ بحيث أن سلوكياتهم وأفعالهم تكون متشابهة ومتحدة.
إن القائلين بالتعددية ما بعد الحداثوية، من أجل رفض جميع أنواع الوحدة في السلوك والهوية والخصائص الشخصية لأفراد المجتمع، يرفضون السرديات الكبرى[89] حيث هي أولًا: تشتمل على إمكانية صدور الحكم، وثانيًا: أن تكون أحكامهم سارية على جميع أفراد المجتمع. إن السرديات الكبرى هذه ليست سوى الأحكام الدينية /المعنوية. يذهب الظن ببعض القائلين بالتعددية ما بعد الحداثوية إلى القول بأن السرديات الكبرى إنما هي في الحقيقة غسيل مخ لأفراد مجتمع ما يدعو إلى الانخراط في هوية واحدة. إن إلغاء السرديات الكبرى يعني إلغاء الأساس الديني لهوية الإنسان. وهو الأساس الذي يعمل على توجيه خصائص هوية الإنسان (المعرفة والاعتقاد والعمل) بشكل خاص على ما ينظر إليه الدين.

إن الهوية من وجهة نظر التعددية الثقافية مقولة تنافسية وليست أمرًا ثابتًا. إن الهوية مقرونة بتغييرات بحيث لا يمكن الحديث ـ في ضوء ذلك ـ عن هوية ثابتة ومستقرّة ودائمة، أو لا يمكن أخذ الخصائص الماهوية على نحو ثابت ودائم (بحيث تكون راسخة في الفرد وأن تصبح ملَكة له) بنظر الاعتبار، وهذا ـ بطبيعة الحال ـ يتنافى بوضوح مع ما نسعى إليه في هويتنا الدينية؛ وذلك لأن الصفات والخصائص الماهوية للفرد في الهوية الدينية يجب أن تكون راسخة على شكل ملَكة لدى الفرد، كي نتمكن من التعرّف على هويته الدينية وتمييزها من سائر الهويات الأخرى. وفي الواقع فإن مبنى تنوّع وعدم ثبات الهوية في التعددية الثقافية يجب اعتبارها في رفض جميع أنواع الاعتقاد الثابت في هذه الرؤية[90].
إن ذات الاختلاف والتنوّع ـ من وجهة نظر التعددية الثقافية ـ والترويج لهذه الاختلافات والتنوّعات، يُعدّ مصدرًا للإبداع[91]. إن هوية الإنسان يجب أن تكون على الدوام في حالة تجدد، وهذا بدوره إنما يمكن من خلال الارتباط بسائر الثقافات والقبول المقرون بالاحترام بجميع الثقافات وكل ما يطلق عليه عنوان الثقافة (الثقافي). ليس هناك في التعددية الثقافية معيار محدّد على نحو سابق بحيث يمكنه أن يحكم بشأن صوابية أو عدم صوابية الثقافات والسلوكيات والهوية الثقافية. ولهذا السبب لا يوجد إمكان المواجهة الإلغائية أو التعديلية والرقابية في الموضوعات الثقافية. إذ لا يمكن لأيّ ثقافة أن تواجه ثقافة أخرى. توجد هناك في الثقافات والهويات الدينية ملاكات متعيّنة بشكل مسبق (تعاليم دينية) تتعرّض إلى فصل الأمور الثقافية والهويات الواقعية عن الهويات الخاطئة. إن التعددية الثقافية تخالف هذه الملاكات المفترضة (الدينية /الميتافيزيقية) والتي تتعرّض مسبقًا إلى بحث صوابية أو عدم صوابية ثقافة أو هوية ما.

إن التحرر من القوة المعروفة تلقائيًا والثابتة والمفترضة (التي ترى خصوصيتها بشكل عام في المطالب الدينية) يُعدّ ـ من وجهة نظر التعددية الثقافية ـ واحدًا من الرسائل الأساسية. ولهذا السبب فإن الهوية بدلًا من أن تكون ذات نزعة أحادية[92]، فهي ذات خصائص من قبيل: التعددية[93]، والاختلاف[94]، والتفاوت[95]، والتنوّع[96].
إن القائلين بالتعددية، من أمثال الليبراليين يقبلون بالتسامح في الهوية؛ وذلك لأن مبنى هذا التسامح هو القبول بأصول من قبيل: التعدد والتنوّع والاختلاف في الثقافة والهوية. في التسامح الماهوي بالإضافة إلى أن الهويات ـ أيًا كانت خصائصها ـ تعدّ محترمة وجديرة بالثناء، تقع بين الهويات علاقة عرَضية وأفقية أيضًا، ولا يمكن لأيّ هوية أن تعمل على رفض الهوية الأخرى أو تقوم بإضعاف الهويات الأخرى. إن تنظيم العلاقة العمودية بين الهويات (العلاقة من الأعلى إلى الأسفل والرقابية)، تقوم في الغالب على أساس القواعد الاعتقادية؛ وذلك لأن القبول بالثنائية بين الأمور (الحسنة والقبيحة، والصحيحة والخاطئة، والقبيحة والجميلة وما إلى ذلك)، إنما ينشأ في الغالب عن القبول بالقواعد والأصول الدينية، وأما في التعددية فيجب أن لا يتم القبول بهذه القواعد الاعتقادية أو أن لا تكون مجدية في الحدّ الأدنى. وفي غير هذه الحالة، بدلًا من التسامح والمداراة الماهوية، سوف تكون هناك في البين مواجهة وتضاد على أساس الهوية.
إن النسبية بدورها تعدّ من الخصائص الأخرى للتعددية الثقافية، حيث ينتج عنها القبول بنسبية الثقافة والعناصر المؤلفة لهوية الإنسان. وعلى هذا الأساس لا يعود هناك إمكان للحديث عن ثبات الخصائص البشرية وعن أفكار وأفهام الناس ومعتقداتهم.

وعلى كل حال فإننا نشاهد اليوم ظهورًا واسعًا للمطالبة بالتنوّع بين الناس، وإن هذه المطالبة بالتنوّع والمنشودة من قبل الناس، هي الأخرى تتجلى في حقل أسلوب الحياة والنشاطات الاجتماعية والمسائل الثقافية أيضًا. وإثر ذلك يجب الاهتمام بمسألة الهوية أيضًا. ونعلم أن الناس حاليًا يتبعون الثقافة الغالبة دون قيد أو شرط، وإن هذا الفضاء العالمي الغالب ـ بغض النظر عن صوابيته ومطلوبيته أو عدم صوابيته وعدم مطلوبيته ـ قد تأثر بثلاثة متغيّرات مهمة قد أحاطت اليوم بالعالم المعاصر؛ حيث يمكن التعبير عنها ضمن العناوين الآتية: الانتشار السريع للمعلومات، واتساع رقعة وسائل التواصل، والتطوّر المتسارع للتكنولوجيا. ويجب اعتبار أكثر آثار التحوّلات المذكورة أعلاه جوهرية في حقل الثقافة وفي الهوية الفردية والجماعية للبشر. واليوم مع ظهور التحوّلات التي ذكرناها، قد برز اتجاه جديد باسم التعددية الثقافية، حيث سينطوي في ذاته على تداعيات وتبعات أيضًا، ومن بينها مسألة الهوية.
إن التعددية تمثّل في الأساس النقطة المقابلة للوحدة أو الواحدية[97]، وقد كان بعض الفلاسفة في الغالب في الجواب عن أسئلة حول عدد الأنواع أو الأشياء (أسئلة من قبيل: كم هو عدد أنواع الأشياء الموجودة في العالم؟ أو كم هي الأشياء الموجودة في العالم)، يستعملون الاصطلاح الناظر إلى الواحدية. وبطبيعة الحال فإن هذه الأسئلة حيث تستعمل في إطار علم الاجتماع، فإنها تكون قابلة للطرح على النحو الآتي: «ما هو عدد الثقافات التي يمكن أن توجد إلى جوار بعضها في مجتمع واحد؟». وأما المراد من الثقافة فهو جانب من البيئة التي يخلقها الإنسان بنفسه، ولا تشمل القسم المادي من البيئة (الثقافة المادية) فقط، بل يشمل حتى إدراك وكيفية مواجهة الإنسان للبيئة المعنوية (الثقافة الفكرية) أيضًا. وعلى هذا الأساس ـ من الطبيعي ـ أن نؤمن بوجود الاختلاف بين ثقافات الناس، وذلك بحسب الاختلافات الاجتماعية والنفسية والعرقية والاعتقادية[98].

إن الاتجاه الثقافي الأحادي يُظهر نفسه في موضوعات التعليم وطريقة وأسلوب التدريس أيضًا. كما أن الأنظمة التعليمية حول الدرس الديني أو تعليم الدين، تهتم بالدين المنشود للسلطة، ولا تلتفت إلى الأديان الأخرى. وفيما يتعلق بدروس من قبيل التاريخ يقوم السعي على إظهار المرحلة التاريخية الوطنية بوصفها مشرقة وراقية، ولا يتم الالتفات إلى سائر التواريخ الأخرى (الغربية أو الشرقية). وحتى بشأن الجغرافيا يتم السعي على أن يتمّ إظهار توجه خاص حول المواقع البيئية والوطنية لها أيضًا. وعلى كل حال فإن التوجهات في التربية والتعليم الأحادي الثقافة (الذي لا يمكن اجتنابه بسبب الاهتمام بالمجتمع الموجود فيه) تنطوي على بعض التبعات والتداعيات، حيث يمكن الإشارة إلى موارد من قبيل: تقييد النمو الإبداعي، وحب الاستطلاع والفضول والثقة بالنفس لدى الأطفال الذي يمتلكون ثقافة جزئية (الثقافة غير الغالبة)، وإيجاد حالة الرضا الذاتي الذهني والأخلاقي لدى الأطفال الذين ينتمون إلى الثقافة الغالبة. كما أن انخفاض التعاطف الأخلاقي والاجتماعي والوطني، وضياع الهوية، والاغتراب عن الذات، والخوف من الانفصال عن الجذور الواقعية للذات، تعدّ من التداعيات الأخرى المترتبة على نزعة الثقافة الأحادية[99].

بيد أن الكثير من الناقدين للاتجاه التربوي قد انتقدوا التعدد الثقافي على الرغم من توفر الفضاءات الواسعة والمطلوبة. وإن المحافظين يعتبرون من أهم المخالفين للاتجاه التربوي المتعدد الثقافات، وهي تخالف التربية والتعليم المتعدد الثقافات من ثلاث جهات:

1. إن النظام التعليمي المتعدد الثقافات، يُصاب بالخلل عند الارتباط بمطالب ورغبات الأقليات العرقية.
2. إن النظام التعليمي المتعدد الثقافات لا يتناغم مع الأهداف والغايات الأساسية للتربية والتعليم، ومن ذلك توجيه وإرشاد المواطنين إلى ثقافة وطنية مشتركة لا يمكن للمجتمع من دونها أن يحصل على الاتحاد والانسجام التام والكامل.
3. إن النظام التعليمي المتعدد الثقافات يؤدّي إلى تجزئة المجتمع وتفككه؛ وذلك لأنه يؤكد على الوعي الذاتي للأقليات العرقية، ويحول دون توحيدها[100].

إن القائلين باتجاه التعددية الثقافية في الجواب عن الإشكال الأول، يذهبون إلى الاعتقاد بأن التربية والتعليم المتعدد الثقافات لا يقتصر على مجرّد حضور أبناء الأقليات العرقية في المدارس فقط. بل إن الداعي إلى مطلوبية هذا النوع من الأنظمة هو أن يكون مناسبًا لجميع الأولاد (سواء منهم البيض أو السود). وعلاوة على ذلك فإنه يقول في معرض الجواب عن الإشكال الثاني: إن الغرض من التربية والتعليم يفوق إرشاد التلاميذ نحو الثقافة الوطنية. فلو كان هذا هو الغرض الوحيد، فسوف يكون هذا في حدّ ذاته نوعًا من تعليم الثقافة. إن الدفاع عن التربية والتعليم المتعدد الثقافات ليس من قبيل إنكار عدم الحاجة إلى الهدف الوطني المشترك، بل هو أن هذا الهدف المشترك يجب أن يشتمل على عصبية أقل. وفيما يتعلق بالإشكال الثالث ليس هناك ما يثبت أن ارتقاء الوعي والإدراك الذاتي لدى الأقلية العرقية يشكّل مانعًا من الاتحاد والوئام.
كما قام اليسار بنقد التربية والتعليم المتعدد الثقافات أيضًا. إذ يرون أن هذا النوع من التربية والتعليم لا يمكنه الوصول إلى غايته المتمثلة بالقضاء على العنصرية. فبدلًا من التربية والتعليم المتعدد الثقافات، يجب التوجّه إلى التربية والتعليم المناهض للعنصرية. «وذلك لأن التربية والتعليم المتعدد الثقافات من خلال تقريب الجماعات العرقية المختلفة إلى بعضها، والرفع الظاهري للخلافات فيما بينها، تعمل على إيجاد نوع من الرضا الزائف لديهم. وبالتالي فإن هذا النوع من التربية والتعليم يعتبر العنصرية توجهًا بسيطًا، ويسعى إلى اجتثاثه من الجذور السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في حين أن العنصرية تمثل نوعًا من التفكير العقائدي الضارب بجذوره في القول بتفوق الإنسان الأبيض»[101].
وعلى كل حال فإن مسألتنا الأساسية عبارة عن النسبة بين الهوية وبين التعددية الثقافية. إن التعددية الثقافية ـ على ما أسلفنا سابقًا بشكل مقتضب ـ عبارة عن نهضة اجتماعية واتجاه سياسي وفلسفي يُعنى بمسائل من قبيل: العرق والجنس والطبقة بالإضافة إلى الهوية أيضًا. إن الهوية ـ من وجهة نظر التعددية ـ عبارة عن خصوصية يتمّ الحصول عليها من خلال مجموعة من التقاليد والسلوكيات، والتراث الخالد، والفئات الاجتماعية المحددة، ومجموع التجارب الخاصة والمشتركة. كما أن مسألة الهوية ـ من وجهة نظر التعددية الثقافية ـ ترتبط بمسألة القوّة والسلطة أيضًا. ومع ذلك فإن الهوية الوطنية ـ (التي تمثّل أهم أشكال التلاحم والاتحاد المناطقي، ويعود أساسها إلى رؤية الدولة الوطنية الواحدة، والتجربة، والشعور بحب الوطن، والتراث الثقافي المشترك) ـ ليست خصوصية ثابتة تعمل على توجيه المواطنين في عملية الاختيار والانتخاب. إن الهويات تتبلور في مسار من التقابل والتنازع وتحمل تفسيرات متعددة.

التعددية الثقافية والتحديات الخاصة بهويتها
عناصر التعددية الثقافية
الهوية في التعددية الثقافية
تحديات التعددية الثقافية بالنسبة على الهوية الدينية

1. رفــض الأيديولوجيات الحصرية.
1. إن الهوية أمر غير عقائدي، وغير حصري.
1. نفي العناصر الدينية في الهوية بسبب نفي الأيديولوجيا.

2. عدم تعـــــهد الأفراد بحفظ وحماية البنية الثقافية الخاصة.
2. إن الهوية أمر متأرجح بين قبول وردّ الخصائص الشخصية الخاصّة.
2. إن الأشخاص ليسوا ملزمين برعاية الاتصاف بالخصائص التي يعمل الدين على تعيينها وتعريفها.

3. النظرة الأنثروبولوجية والأبستمولوجــية البحتة إلى حياة الإنسان. كما أن الإنسان ليس مثاليًا أو إنسانًا على شاكلة (Max).
3. إن الهوية لا تعني الاشتمال على الأبعاد الاستعلائية والأولوية الحاكمة لتلك الأبعاد على سلوك وشخصية الإنسان. بل هي موضوع معرفي وإنساني.
3. نفي جميع أنواع الخصائص الشخصية والمتعلقة بالهوية والتي تبحث في الاستعلاء وفي البُعد المثالي من حياة الإنسان. إن الهوية موضوع إنساني ودنيوي.

4. نــــفي النـــموذج أو النموذجيه ‏ في موضوع الثقافة والهوية.
4. لا يمكن لأيّ ثقافة أو هوية أن تكون لها الأفضلية على سائر الهويات الأخرى. إن جميع الهويات في عرض بعضها ومتساوية فيما بينها.
4. إنكار أو إضعاف الخصوصية الاستعلائية للهوية الدينية على سائر الهويات الأخرى، وإلغاء النموذجيه ‏ في حقل اكتساب الهوية وأيّ برنامج آخر (تعليمي أو إرشادي) يخوض في تفضيل نوع من أنواع التأسي بهوية على سائر الهويات الأخرى. وتساوي واتحاد جميع الناس بجميع خصائصهم.

5. الــــتراجـــــع الثقافي والتعددية والتنوع الثقافي.
5. إن الهوية ذات بعد غير متحد (تعددي)، وإن كل سعي من أجل توحيد خصائص الهوية وتوحيد التعاريف والخصائص السلوكية والشخصية للإنسان، يُعدّ سعيًا خاطئًا.
5. إضعاف الهوية الدينية، من طريق نفي أبعاد توحيد الهوية؛ وذلك لأن الدين بالإضافة إلى احترام وحدة الهوية، يفكر في توحيد خصائص الهوية أيضًا.

6. صـــناعية الثــــقافة والدلالات الثقافية ونفي التعريف المفترض للثقافة والهوية.
6. إن الهوية لا يمكن أن تكون قد تمّ تعريفها من ذي قبل، بل إن الناس هم الذين يصنعون هذه الهوية ويعملون على تغييرها. إن ملاك هذا التحوّل والتغيير يعمل بدوره على تنويع وتحوّل علاقة الإنسان مع محيطه. ليس هناك أيّ ملاك من خارج الإنسان يؤثر في صنع هويته.
6. من خلال التأكيد على صناعية الثقافة والهوية، لا يعود بالإمكان الحديث عن الخصائص المتعلقة بالهوية بحيث تكون تابعة للأحكام الدينية الملزمة، ولا الناشئة عن التأثيرات البيئية. إن الدين ملاك خارجي لتعريف الهوية، وهو في حدّ ذاته أمر يفوق التقعيد من قبل الإنسان نفسه. إن الهوية الدينية ذات بُعد انكشافي(Fond) ومفترض(Given).

7. نفي السرديات الكبرى الحاكمة.
7. إن الهوية لا يمكن أن تكون نتيجة للأحكام الدينية و سردية كبرى؛ وذلك لأن الهوية ـ في مثل هذه الحالة ـ سوف تكون ذات بُعد عام ومتسق ومتشابه، وهذا الأمر لا ينسجم مع أصل التعدد في الهوية والثقافة.
7. من خلال نفي السرديات الكبرى، التي هي ـ بزعم القائلين بالتعددية ـ ليست سوى غسل لأدمغة الناس، تصبح الهوية الدينية بدورها مرتبطة بالسرديات الكبرى أيضًا.

8. التســـامح والتساهل الثقافي.
8. يجب تحمّل جميع الثقافات والهويات، ولا ينبغي السعي من أجل نفي أيّ واحد منها. إن كل ما يطلق عليه عنوان الثقافة أو الهوية، يكون موضع تقدير واحترام.
8. إلغاء خصوصية التفريق والتقييم الديني في مواجهة موضوع الهوية، وخفض الهوية الدينية إلى مستوى المساواة مع سائر الهويات الأخرى، وحذف قوّة الدفع الديني في مواجهة الثقافات والهويات الخاطئة؛ وذلك إذ لا يمكن الحديث ـ من وجهة نظر القائلين بالتعددية ـ عن صحة أو عدم صحة تلك الهوية.

9. المـــــساواة بين جميع الثــقافات.
9. إن جميع الثقافات والهويات ـ في التعددية ـ وجميع ما يحمل عنوان الثقافة، واحدة وذات قيَم وجودية متماثلة.
9. من وجهة النظر الدينية لا تكون جميع الثقافات والهويات واحدة وذات قيمة متساوية ومتكافئة، بل هي تتفاوت وتختلف فيما بينها من حيث الرتبة والأهمية. وإن أصحاب الهوية الدينية وعناصر الهوية الدينية (المعرفة، والإيمان، والعمل الديني) يتربّعون على مستوى أرفع بالقياس إلى الآخرين. إن التعددية الثقافية تعمل ـ من خلال القول بمساواة جميع الهويات ـ على توفر الأرضية لزعزعة المقام الإلهي والهوية الدينية العليا.

الفصل الرابع: التعددية الدينية وتحدياتها بالنسبة إلى الهوية الدينية
هناك الكثير من الأبحاث التي تمّ تداولها بشأن مفهوم التعددية، بيد أن الذي يعدّ أصلًا وأساسًا للبحث في هذه المقالة، عبارة عن التداعيات المثيرة للجدل في التعددية الدينية بالنسبة إلى الهوية الدينية. إن التعددية[102] تعني مذهب الكثرة أو النزعة التعددية التي لها استعمالات متعددة في مختلف الحقول؛ كما في الفلسفة والدين والأخلاق والحقوق والسياسة، والحدّ المشترك بينها هو الاعتراف بالتعددية في قبال الوحدة[103].
إن التعددية الدينية بحث فلسفي حول البيان الأبستمولوجي للتعددية الحالية بالنسبة إلى أديان العالم. فيما يتعلق بتنوّع الأديان يتمّ في فلسفة الدين طرح هذا السؤال القائل: كيف يمكن تفسير وبيان تنوّع أشكال التديّن لدى الناس في الثقافات الدينية المختلفة؟

ليست هناك ـ من وجهة نظر القائلين بالتعددية ـ أيّ معرفة دينية بوصفها معرفة نهائية وكاملة، وإن طريق الوصول إلى الحقيقة بدوره ليس طريقًا واحدًا[104]. من الطبيعي بعد القول بالتعددية أن لا يعود من الممكن الحديث عن الهوية الدينية الواحدة حيث يتحدث عنها أنصار الحصرية الدينية (هناك دين واحد هو الدين الحق وهو الدين الأعلى والأفضل فقط). وبعبارة أخرى: إن التعددية الدينية والإيمان بها تعني القول بهذا الأصل وهو أنه لا يعود بالإمكام اعتبار الإنسان في الإسلام صاحب هوية واحدة، واعتباره وحدويًا وفردًا خاصًا، وإن الهوية العالمية المنشودة لأنصار القول بعالمية الإسلام لن تكون مطروحة بعد ذلك أيضًا. وعلى هذا الأساس سوف يكون حتى تقييم سلوك الأشخاص وكذلك البحث حول عقوبة أو مكافأة الأشخاص ـ (بسبب امتلاكهم لهويتهم الدينية الخاصة) ـ مختلفًا أيضًا. وحقًا ما هو نوع السلوك الديني الذي يمكن اعتباره ـ بوصفه هوية ـ هو الأساس؟ وما هو الأصل الماهوي الذي يمكن العمل على طبقه؟ وذلك لأن الهوية الدينية عبارة عن اعتماد الفرد على نظام واحد أو على قاعدة اعتقادية محددة وخاصة حيث تكون مؤثرة في توجّه الفرد في مختلف المجالات. وفي الواقع يمكن القول إن الهوية الدينية تشكل فلسفة حياة الفرد. وبعبارة أخرى: إن الشاب الذي يمتلك هوية دينية، إنما يرى عظمته وبقاءه واستمراره في الدين والمذهب. كما يجب تعليم العقائد الدينية للشباب بشكل قطعي وأصولي ومورث لليقين؛ بحيث لا يبقى لديهم أدنى شك في أحقيتها وصدقها واعتبارها، ولا يبقى لديهم أدنى تردد في أحقية دينهم.

إن الهوية الدينية مسار يعمد فيه الأفراد ضمن مجموعة ما ـ من خلال الانتماء إلى دين والحصول على تعاليم دينية مشتركة ـ إلى الحفاظ على تمسّكهم بالدين، ومن خلال رغبتهم وشوقهم إلى امتثالهم للعبادات الدينية يعملون على بلورة الدين وتحكيم أركانه. إن هذا النوع من الهوية بالإضافة إلى اعتباره من الناحية الوظيفية عاملًا مهمًّا في العلاقات الاجتماعية، يستوجب النشاط والحيوية والشوق العام. وكذلك يجب القول: إن الدين في المفهوم الاجتماعي ـ من خلال التأكيد على البُعد الخارجي ـ قد امتزج في الكثير من الموارد بسائر المسائل، ومن بينها الدولة والتاريخ والتراث الثقافي. يمكن مشاهدة هذا النوع من الهوية في التمسّك بجوهر الدين والقيَم الدينية الأساسية، وشمولية القيَم والتعلقات العامّة بالتعاليم والمنظومات الدينية والإيمان بالمفاهيم الدينية والمذهبية.
وعلى كل حال فإن الالتزام الكامل بالقوانين والأحكام والتكاليف الدينية بالنسبة إلى الفرد المؤمن والشخص المعتقد، يحتاج إلى أن يكون ذلك الشخص على يقين بصوابية وصحة تلك الأحكام، وهذا الأمر لا ينسجم كثيرًا مع مفهوم التعددية الدينية. وعليه كيف يمكن الحديث عن سلوك ذي هوية دينية بشكل محكم؟ ولهذا السبب هناك من يذهب إلى الاعتقاد بأن الأصولية الدينية هي وحدها التي تستطيع إقامة هوية محكمة، وإن الهوية الدينية الثابتة إنما ستكون ممكنة من خلال الإيمان بالأصولية الدينية. إن التعددية الدينية تؤدّي إلى عدم القبول بالهوية الدينية وإضعاف عناصر الهوية الدينية؛ وذلك لأن تجارب الأشخاص تختلف، وسوف تكون أساليب تديّنهم متنوّعة أيضًا، في حين أنها بأجمعها سوف تكون حقيقية أيضًا[105]. إن هذه الحقيقة في التعددية الدينية سوف تنطوي ـ بطبيعة الحال ـ على نتيجة مهمة أيضًا، وهي عبارة عن تجاهل الأنواع المختلفة للسلوك ذي الهوية الدينية، وعدم معرفة ما هو السلوك الماهوي الأصح والأكمل. ولن يؤدّي هذا الشيء لغير الاضطراب في السلوكيات وتقييماتها.

ومن ناحية أخرى فإن الهوية الدينية تقوم على أساس الدين الأدبي أو على الآداب الدينية؛ وذلك لأن الدين الأدبي يعدّ بدوره شكليًا أيضًا (على الرغم من كونه ذا مضمون ومحتوى أيضًا)؛ بمعنى أن شكلًا خاصًا من الآداب الدينية يؤدّي إلى نتائج أخروية. إن الشكلية الدينية ترى أن النتائج العملية وآداب الدين عبارة عن جانبها المختلف عن سائر أتباع الأديان الأخرى. في حين أن التعددية الدينية تعمل على إضعاف الجانب الأدبي للهوية الدينية أو سلوكيات الهوية الدينية، إلى الحدّ الذي لا يكون معه الأتيان أو عدم الإتيان ببعض الآداب الدينية ـ هو الآخر ـ أمرًا جديرًا بالاهتمام. وبعبارة أخرى: إن التديّن يقترن بعدم الالتزام بتنفيذ بعض الآداب الدينية.
إن دليل هذه الحالة بدوره يكمن في هذا الأصل التعددي أيضًا، وهو أن الأشخاص في عالم الواقع يمتلكون ذهنيات متفاوتة، ويرومون التعرّف على الواقع بهذه الذهنية المتفاوتة. إن هذا التغيير يشكل أساسًا لمعرفة التعددية الدينية. يمكن اعتبار جوهر الدين أو التجربة الدينية أمرًا واحدًا ومشتركًا، ولكن عندما يريد المتدينون تعريف هذا الجوهر، فإن جميع تعريفهم سوف يعمل قهرًا على إظهار تجليات ذلك الواقع بالنسبة إليهم. وذلك لأن الأرضية المعرفية والثقافية والاجتماعية في السنن الدينية مختلفة وكذلك هي بالنسبة إلى المتدينين متفاوتة أيضًا. وعليه فإن بيانهم حول ذلك الجوهر المجرّب سوف يكون بدوره متنوّعًا ومتعددًا أيضًا.

ومن ناحية أخرى فإن التعددية الدينية تؤدّي إلى النسبية التشكيكية؛ وذلك لأنها لا ترى إمكان الوصول إلى الواقعية النهائية وليس هناك شخص يعرف شيئًا عنها، ولا يمكن الإخبار عن صحتها أو عدم صحتها. لا أحد يعلم ما إذا كانت معتقداته الدينية صحيحة أم لا. ولهذا السبب فإن التعددية الدينية لا تنسجم مع الإيمان واليقين. وإن قولنا بأن بحث التعددية لا صلة له بالحق والباطل، لا يحل مشكلة. إن التعددية الدينية لا يمكنها أن تعتبر دينًا ما حقًا أو باطلًا. وإن عدم إمكان فصل الحق عن الباطل، يعدّ من اللوازم المنطقية للتعددية الدينية. إن المعنى الأصلي للتعددية الدينية عبارة عن النسبية المطلقة في حقول المعرفة[106]. بالنظر إلى هذه المطالب لن تعود أيّ هوية ذات قيمة نهائية ويمكن الاعتماد عليها؛ وذلك لأن التعددية سوف تستتبع نتائج من قبيل الضياع في القبول والالتزام بدين خاص، والتقليل من أهمية ودور التديّن في حياة الأشخاص، وانخفاض الغيرة الدينية لدى الأفراد، وهذا الأمر يعني انعدام الهوية الناشئ عن التعددية الدينية.
ومن ناحية أخرى فإن اختيار الدين والمذهب ـ (بوصفه واحدًا من خصائص البحث عن الهوية لدى الشباب)، وذلك على أساس الحوار والمقارنة العقلانية والانتقادية لتعاليم الأديان في سنوات الطفولة والصغر وحتى في بداية البلوغ والتكليف ـ يكون مشكلًا، وذلك لأن الكثير من العقائد والآداب الدينية وسلوكياته الدينية في سنوات دراسته الابتدائية بل وحتى قبل ذلك، إنما يحصل عليه ويتلقاه من والديه[107].
وعلى هذا الأساس، يجب الإذعان بأن نماء الهوية الدينية في ضوء التعددية الدينية في هذه الأعوام لن يكون أمرًا ممكنًا، في حين أن هذا كان في تبلور هذه الهوية وإن من خلال الإتيان بالأفعال التي يؤتى بها على سبيل العادة (العادة بوصفها جزءًا من الهوية الدينية).

عندما لا يكون هناك فرق بين الأديان في امتلاك الحق، ولا يكون لأيّ واحد منها أفضلية على الأديان الأخرى، فإن الإرادة الداخلية للأفراد من أجل الحصول على الكمالات المنشودة للدين، وكذلك البحث والتحقيق حول سائر الأديان الأخرى سوف ينخفض ويتراجع، وسوف يكون كل شخص راضيًا عن الدين الذي يعتنقه؛ إذ لا يدور في خلده أن هناك حقيقة في سائر الأديان لم يحصل عليها[108]. وعلى هذا الأساس فإن ذلك البحث عن الكمال لا يعود له معنى.

إن البحث عن الكمال الماهوي واكتساب الهوية الدينية يحتاج من الفرد أن يكون لديه إيمان واعتقاد قلبي قوي بالنسبة إلى دينه. لو لم يكن لدى الفرد يقين بأفضلية دينه وحول قيمته، لن يصل أبدًا من هوية الذات المحورية إلى الهوية الإلهية المحورية؛ وذلك لأن التعددية الدينية تضعف الأسس الدينية والاعتقاد والإيمان الديني، ولا تبدي اهتمامًا بظاهر الأعمال. ونتيجة لذلك يتجه الأفراد نحو الالتقاط [وعبادة الله على حرف] وهذا في حدّ ذاته يؤدّي إلى أزمة الهوية، واستبدل الهوية آنًا بعد آن (الاضطراب في الهوية). إن السعي من أجل تعلم جميع الأديان لن يوصلنا إلى نتيجة غير ترك تعلمها بأجمعها[109].
هناك تأثير للكثير من العناصر في تبلور مختلف أبعاد شخصية الأفراد ـ ومن بينها الهوية الدينية ـ من قبيل: الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والمذهبية. إن المشكلة التي تعرض في هذا الشأن، هي أنه من الممكن للفرد في كل واحد من هذه الأمكنة أن يواجه أسلوبًا خاصًا لتنمية الهوية الدينية. لو أن كل واحد منها لا يقبل برؤية التعددية الدينية وأساليب ومحتويات التنمية وتقوية الهوية الدينية التعددية، ويبدي ردّة فعل تجاهها، فسوف تحدث المشكلة. ليست المسألة في أن الأسرة أو المؤسسات الدينية يحق لها العمل على تقوية الهوية الدينية المنشودة لها، بل المسألة تكمن في وجود احتمال كبير أن لا تكون المؤسسات المذكورة في كل مجتمع غير مقرونة بالآراء التعددية فحسب، بل وقد تخالفها أيضًا. لو قامت هذه المؤسسات بتبليغ عقائدها الدينية، وعملت في حقلها على التربية وإيجاد الهوية الدينية لدى الأفراد، ربما تحققت بذلك رغبة القائلين بالتعددية، ولكن لو أنهم خالفوا أصل التعددية، فإنهم سوف يحدثون اضطرابًا أكبر، لا سيّما بين الناس العاديين، ونتيجة لذلك سوف يحدث بلحاظ الهوية نوع من الشرخ السلوكي لدى الأفراد.
وفي المجتمع الإسلامي ـ بطبيعة الحال ـ حيث الظروف والشرائط الخاصّة به ـ من قبل: انتماء أغلب المواطنين إلى الإسلام، والإعلان عن الإسلام بوصفه الدين الرسمي للبلاد، مع وجود بعض المعتقدات الإسلامية، مثل القول بعالمية الإسلام، وانتظار ظهور الإمام المهدي؟عج؟ من أجل إقامة هذه الدولة العالمية على أساس الدين الإسلامي الحنيف، والمرجعية الدينية، والكثير من الأحكام الدينية والاجتماعية الموجودة في الرسائل العملية ـ يمكن لفكرة التعددية الدينية أن تعمل على إيجاد الكثير من التحديات والتداعيات الجادّة، ومن بينها ما نراه في حقل العمل على تقوية وإيجاد وترسيخ عناصر الهوية الدينية. وكذلك لا يعود بالإمكان الإشارة والتأكيد بشكل محدد على مجموعة محددة من المعرفة والاعتقاد الخاص أو السلوكيات والآداب الخاصة بوصفها من عناصر الهوية الدينية؛ وذلك لأن الهوية الدينية تحتاج إلى الأمور الآتية:

أولًا: إن الشخص الذي يسعى من أجل الحصول على الهوية الدينية، يجب أن يكون صاحب عقيدة ومعرفة خاصة بشأن العالم والظواهر والدين وعن الله سبحانه وتعالى.
وثانيًا: يجب أن يمتلك تجارب وحالات داخلية معيّنة أو أن يمتلك عقيدة خاصة.
وثالثًا: يجب عليه أن يقوم بسلسلة من الأعمال والآداب الدينية.
إن تبلور الحالات الداخلية للفرد المتديّن، والإتيان بالأعمال الدينية، يجب أن ترجع إلى نظامه الاعتقادي والمعرفي، وإلا فإن الإتيان بالأعمال الدينية دون أن تكون مستندة إلى أيّ عقيدة، لا يُعد تديّنًا أو مشتملًا على هوية دينية أبدًا.
التعددية الدينية وتحدايتها الماهوية

الفصل الخامس: المجتمع المدني وتحدياته الماهوية
إن المجتمع المدني (كما سبق أن تحدّثنا عن خصائصه في الفصل الثاني بالتفصيل)، بدوره مثل سائر المفاهيم النظرية فإنه وإن كانت جذوره تعود إلى الماضي السحيق، بيد أنه من خلال التعاريف والمفاهيم الجديدة قد دخل في المرحلة الراهنة إلى دائرة الأفكار الاجتماعية والفلسفية أيضًا، الأمر الذي ترتبت عليه بعض التداعيات سواء الإيجابية أو السلبية منها في سائر الحقول الاجتماعية. إن نظرية المجتمع المدني بالنسبة إلى موضوع الهوية كذلك قد ترتّبت عليه ـ بطبيعة الحال ـ بعض التداعيات الإيجابية أو السلبية أيضًا، حيث سنشير إلى نماذج منها بوصفها من تحديات للهوية.

في المجتمع المدني، كي يقوم الناس بالدفاع عن حقوقهم المدنية في مواجهة الذين يسعون إلى نقض هذه الحقوق بنحو من الأنحاء، ينهضون بأعباء المواجهة بشكل منظم وبهوية تحمل صبغة الدفاع المشترك والعام. إن هذا الدفاع المشترك ينشأ بدوره من طبيعة نشاط المجتمع المدني. إن التنظيم الصنفي للناس من أجل الدفاع عن حقوقهم المدنية في مواجهة عدوان الآخرين، يُعدّ من امتيازات المجتمع المدني[110]. إن المجتمع المدني في الواقع عبارة عن مجموعات تتظاهر فيما بينها من أجل الدفاع عن الحقوق المدنية لأفراد المجتمع؛ وهم الأفراد الذين يمتلكون بدورهم هويات فردية خاصّة. ولكن في المجتمع المدني تتبلور هوية جماعية أيضًا. وبعبارة أخرى: إن الهوية في المجتمع المدني يتمّ بيانها وتفسيرها في الغالب على شكل جماعي؛ وإن كان هذا المجتمع يتقبل الهوية الفردية أيضًا. وبعبارة أخرى: إن الهوية في المجتمع المدني عبارة عن موضوع صنفي وجماعي. وإن المشاركة في المصير الجماعي وارتباط جميع أفراد المجتمع بذلك، تعدّ من خصائص المجتمع المدني؛ وذلك لأن المجتمع المدني مجتمع قانوني حيث يتمتع المواطنون فيه بإرادة حرّة ويشتركون في تقرير مصيرهم[111].

إن هوية الأشخاص في المجتمع المدني والتي تُسمّى بالهوية المدنية، ترتبط فيما بينها وإن أفضلية الإنسان رهن بمواطنته[112]. إن المجتمع المدني عبارة عن مساحة انكشاف الاتحاد الأخلاقي من خلال النظم الطبيعي. وإن الهوية في مثل هذا المجتمع هوية جماعية مشتركة. وبطبيعة الحال فإن من بين خصائص المجتمع المدني ـ بالإضافة إلى أن الهوية الفردية تهدي إلى الهوية الجماعية ـ هي أنها تحوّل الإنسان الطبيعي ـ الذي هو شخص أناني ويرى أهمية لمصالحه الفردية ـ إلى إنسان مدني يفكر في المصلحة الجماعية[113].
وعلى هذا الأساس يمكن القول: إن الفرد وطبيعة الإنسان في المجتمع المدني إنما يكون محترمًا حيث لا يخالف التوافق الاجتماعي والجمعي أو الإرادة الجماعية. وفي غير هذه الحالة لن تكون هناك طبيعة وفرد وهوية طبيعية وفردية؛ وذلك لأن ملاك عمل جميع الناس في المجتمع المدني عبارة عن رضا وإرادة أغلب الأشخاص. وبعبارة أخرى: إن الهوية تقوم على أساس الإرادة الجماعية والانصياع لمرضاة الجميع. والآن يتم طرح هذا السؤال القائل: هل يمكن إقامة جميع عناصر وخصائص الهوية على أساس المرضاة الجماعية؟ في حين أن الاستناد إلى رأي الأغلبية، في الكثير في المضامين الإسلامية يُعد مرفوضًا في الكثير من الموارد، ولا يمكن إقامة الهوية على أساس هوية الأكثرية؟

إن الإرادة الجماعية التي تشكل في المجتمع المدني محورًا لتقييم الأعمال والسلوكيات الماهوية، لا يمكن أن تعدّ على الدوام وفي جميع المواطن محورًا للهوية. وبطبيعة الحال فإن مسار الحركة والتحول الماهوي في المجتمع المدني، أو نموّ الهوية لدى أفراد المجتمع، عبارة عن الانتقال من هوية الأسرة (بوصفها النواة الأولى لصنع الهوية) نحو الهوية الاجتماعية (المجتمع بوصفه النواة الثانية لصنع الهوية)، وبعد ذلك نحو الهوية الوطنية أو الحكومية. إن لهذه الهوية بدورها بُعدًا قطريًا أيضًا، ويتعيّن على الأفراد في نهاية المطاف أن يصلوا إليها؛ بحيث تقع الهويات الأخرى تحتها.

كما أن المجتمع المدني ـ من وجهة نظر هيجل ـ يُعدّ منشأ لظهور أو إيجاد الحياة الأخلاقية. إذ يقول: إن الحياة الأخلاقي تظهر ضمن ثلاث مراحل، وهي: الأسرة، والمجتمع المدني، والحكم أو الدولة[114].
إن الإنسان ـ من وجهة نظر كارل ماركس ـ كان اجتماعي[115]. كما يذهب غرامشي بدوره إلى الاعتقاد بأن المجتمع المدني عبارة عن حقل التوافق في الرأي والترغيب والمشروعية والتعلم[116]. وقد ذهب الفارابي بدوره إلى تعريف المجتمع المدني بأنه عبارة عن حاجة الإنسان؛ وذلك لأنه يرى أن الإنسان في ذاته مدني بالطبع؛ حيث يمكن تلبية احتياجاته من خلال الانخراط في المجتمع[117]. وعلى كل حال يجب التأكيد على هذه النقطة وهي أن الهوية في المجتمع المدني ـ بالنظر إلى هذه النظريات ـ أمر جماعي وتقع موردًا للحاجة وتتمحور حول القانون؛ فهي جماعية حيث يكون للجمع أهمية كبيرة؛ وهي مورد للحاجة لأن الإنسان من خلال امتلاكه لهوية خاصة ومحددة يمكنه أن يدخل ضمن المجتمع، كما أنها تتمحور حول القانون، وذلك لأن المجتمع يقوم على أساس القانون، وإن قانونية السلوك واحدة من أصول حياة وخلود المجتمع المدني.

وبالإضافة إلى احترام القانون، يُعدّ التعلّق بالمسائل والأهداف العامة، والاهتمام بحرية حق الاختيار[118]، والتأكيد على الحريات الفردية، وكذلك حرية إثبات الوجود، وحرية الارتباط[119]، هي الأخرى من الخصائص المهمة للمجتمع المدني أيضًا. إن الإنسان في المجتمع المدني ـ وإن كان صاحب هوية مقبولة ـ هو الشخص الذي يحمل خصائص من قبيل الاهتمام بمصالح الجماعة والإرادة والمصير العام، ولكن يجب أن يكون متصفًا بالحرية اللازمة والقانونية أيضًا. وعليه فإن جزءًا من هوية الإنسان يعمل على تشكيل خصائصه الفردية والشخصية كما يقوم بتكوين فرديته أيضًا. ولهذا السبب يكون الإنسان في المجتمع المدني مسؤولًا عن تصرفاته وأفعاله، وإن تجلي الأفعال الماهوية بدورها إلى حدّ ما عبارة عن أحوال الإنسان المحددة.

وهناك من يذهب ـ بطبيعة الحال ـ إلى الاعتقاد بأن تأكيد المجتمع المدني على الهوية الفردية أو التسامح والتساهل الذي يؤدّي إلى احترام سائر الثقافات والهويات، يعمل على توفير أرضيات عدد من النزعات الثقافية[120]، والتي تؤدّي بدورها إلى هويات متعددة. ولكن هناك من يذهب إلى الاعتقاد بأن هذا التأكيد على الفردية القانونية يعني إمكان وجود القيَم العامة في حقل الثقافة والهوية؛ وذلك لأن التأكيد على الحرية الفردية يؤدّي إلى إضعاف الهوية المشتركة[121] وإخفاق المجتمع المدني؛ وذلك لأن هذه المسألة تؤدّي بالجماعات العرقية والثقافية إلى الدفاع عن مواقفها من منطلق العصبية، وترفض الهوية المشتركة[122].
وهناك من يذهب إلى الاعتقاد بدوره إلى أن بناء الأسر الجديدة، وعزلة المسنين، وفقدان الشباب للمشاعر، والإحباط من المؤسسات الاجتماعية، والتحرر من قيود الأسرة، تضع أسئلة مشككة حول المدنية وتربية المواطنة. وعلاوة على ذلك فإن المجتمع المدني ينطوي على تناقضات داخلية أيضًا. إن التعددية ـ التي سبق أن أشرنا إليها بوصفها واحدة من خصائص المجتمع المدني ـ تعرّض الهوية الوطنية والثقافية والشعور بالانتماء الوطني إلى الخطر. إن إكراه الناس على إطاعة القانون يخدش الحريات الفردية، وإن غياب التوازن والتعادل بين الهويات الثقافية والوطنية والعالمية، يمثل تحديًا أساسيًا أمام الهوية في المجتمع المدني[123].

إن المجتمع المدني، مجتمع يقوم على أساس الأفكار العامة في المجتمع. ومن هنا يمكن للمجتمع المدني أن يكون مجتمعًا متدينًا أيضًا؛ وذلك لأن حقيقة المجتمع المدني لا تقف في وجه الدين أو الهويات الدينية. بيد أن هذه الهوية الدينية إذا كانت تعني التمرّد على رأي الأكثرية، عندها تقع الهوية الدينية تحت إشراف قوانين الأكثرية؛ وذلك لأن المجتمع المدني ـ في ضوء النظرية الليبرالية ـ حيادي بالنسبة إلى كل شيء. ولكن هل يمكن لنا أن نكون ـ من وجهة نظر الدين ـ حياديين تجاه كل شيء؟

المجتمع المدني وتحدياته الماهوية
الفصل السادس: عولمة الثقافة وتحدياتها بالنسبة إلى الهوية الدينية
إنما نتحدّث عن عولمة الثقافة حيث يتم تداول البضائع والمحاصيل الثقافية على المستوى العالمي. وهناك من اعتبر هذه الظاهرة نقطة بداية في مسار إقامة عالم حرّ ومتحد يتشكل على أساس ثقافة عالمية، وتؤدّي ـ على حدّ تعبير مارشال مك لوهان ـ إلى إقامة القرية العالمية الصغيرة. وهناك من يرى أن هذا الأمر إنما هو ثمرة ضياع الهوية الوطنية[124]. وعلى الرغم من أن مسار العولمة ينطلق بسرعة متزايدة ويترك تأثيره في ثقافات الشعوب الأخرى، بيد أن عولمة الثقافة تؤدّي إلى تهميش الثقافات الوطنية وعزلها. إن كل فرد سوف يشهد في مجتمعه زوال القيَم والثقافات المحلية والوطنية، والاتجاه نحو ثقافة هي من الناحية الفكرية والأخلاقية والروحية من صنع الثقافات الأخرى. وهناك من يرى أن هذه الحالة تخلق أرضية للفوضى والهرج والمرج، وفقدان الثقة والانهيار الثقافي والذي سوف يؤدّي بدوره إلى إثارة حرب ثقافية[125].

إن ظهور أزمات الهوية والثقافة في المجتمعات الوطنية وقبول الاستقلال الثقافي لسائر الشعوب الأخرى يُعد من آثار عولمة الثقافة، حيث يجب العمل على محاربتها من طريق الأنظمة التعليمية الوطنية والمحلية. إن العولمة تعمل ـ بطبيعة الحال ـ من أجل إيجاد الاستحالة الثقافية الناجحة ومنح الهوية إلى أفراد مختلف المجتمعات وتوجيههم نحو الاتحاد الثقافي، تذهب قبل كل شيء إلى الأنظمة التعليمية في هذه المجتمعات، ومن خلال إحداث التغيير في البنية والمحتوى وفي أهداف الأنظمة التعليمية، تصل هذه المجتمعات إلى أهدافها فيما يتعلق بالعولمة الثقافية. إن العولمة بالإضافة إلى إحداث التغيير في الأنظمة التعليمية، تعمل على تغيير الأجواء والمحيط الذي تنتشر فيه تلك الأنظمة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن مقاطع اليوتوب والإنترنيت والتلفزيون والبرامج التي ترسل عبر الأقمار الصناعية ووسائل التواصل الاجتماعي ـ تعدّ بأجمعها من مظاهر وأدوات العولمة التي تعمل رغم إرادة الآباء والأمهات والأنظمة التعليمية. إن هذه الأداة تعمل على سلب الوالدين والأنظمة التعليمية مهمة الإشراف على التعليم والمحتوى الذي يراد تعليمه لأبنائهم، وتحيل هذه المهمة إلى الشركات المتعددة الجنسية التي تعمل على إنتاج البرامج على أساس العولمة. وعلى هذا الأساس يمكن لنا التأكيد على هذه الحقيقة وهي أن العولمة (بشكل عام)، والعولمة في حقل الثقافة من خلال إظهار التداعيات، تفرض تحديًا أمام التنمية الثقافية بشكل عام والتنمية في الثقافة الدينية (بشكل خاص). ويمكن بيان هذه التداعيات المثيرة للتحدّي على النحو الآتي:

1. من خلال ظهور وسائل الإعلام المتطوّرة والتقنية الحديثة (التي تعدّ من أدوات العولمة)، يتراجع حجم إشراف الآباء والأمهات والأنظمة التعليمية على كيفية التعليم الثقافي (الأخلاقي والقيَمي) أو يختفي تمامًا، الأمر الذي يُعدّ في حدّ ذاته تحديًا فيما يتعلق بتوسيع المساحة الثقافية.
2. إن العولمة الثقافية بسبب إهمال القدرات وشرائط القيَم والمعايير المحلية والوطنية وبيان النظام القيَمي العالمي الواحد، يوفّر الأرضية لإضعاف الأنظمة القيَمية والثقافية المحلية والوطنية، الأمر الذي يؤدّي في حدّ ذاته إلى ضياع الهوية المحلية والوطنية، وهذه المسألة تمثّل تحديًا في طريق التنمية الثقافية.
3. إن تصويرية أساليب إرسال المعلومات وإضعاف أساليب التعليم على أساس النصوص المكتوبة (التي هي من نتائج العولمة في حقل إيصال المعلومات والارتباطات) تمهد الأرضية لإيصال الخطابات الثقافية المتناسبة مع نظرية العولمة بشكل أسهل، وتخرج إمكانية الإشراف والرقابة على الخطابات من يد العاملين المحليين والوطنيين.
4. بسبب الإيصال الناجح للمطالب والأهداف إلى مختلف الشعوب، وتطبيق الأهداف الثقافية القائمة على النظريات الإمبريالية، سوف تفقد الأنظمة التعليمية (التربية والتعليم، والتعليم العالي) ـ المسؤولة عن التعليم والتنمية الثقافية في المجتمع ـ قدرتها على الإشراف والحكم القيَمي والأخلاقي الوطني والمحلي، ولن يكون هناك في الأساس وجود لأنظمة الحكم الوطني والمحلي أصلًا.

5. بسبب الهيمنة الشاملة ووضع السيطرة على أدوات السلطة (تقنية التواصل وامتلاك وسائل الإعلام)، ومسار العولمة، تراجعت القدرة على اتخاذ القرار، والإشراف وتنفيذ برامج التنمية الثقافية في يد أصحاب القرار والقائمين على النشاط الرقابي والسلطات التنفيذية، وفرضت الشك في إمكانيته أيضًا؛ بحيث أخذ أصحاب القرار والإشراف والتنفيذ لخطط ومشاريع التنمية الثقافية يؤمنون بأنهم لا يمتلكون القدرة والاختيار اللازم في هذه الحقول، وأن عليهم مجرّد التبعية للقرارات العالمية. إن بيان هذا النمط من التفكير يعدّ بدوره تحديًا جادًا في برامج التخطيط والتنمية الثقافية ولاسيّما منها التنمية الثقافية الدينية أيضًا. وعلى كل حال فإن الذي سعينا إليه في هذه المقالة، هو بيان وتقييم التحديات الماثلة أمام التنمية الثقافية الدينية، وتم السعي من خلال بيان التحديات المنشودة إلى تقديم أرضية وصورة أوضح للتحديات الراهنة. إن التحديات التي عددناها في هذه المقالة، تنطلق من الحواضن الفكرية والاجتماعية الخاصة التي ذكرناها في المقالة تحت عنوان التعاليم الحداثوية وما بعد الحداثة والعولة، حيث يعمل كل واحد منها على إيجاد تحدياته الخاصة.

إن العولمة الثقافية ـ بالنظر إلى خصائصها ـ مفهوم مناهض للتراث والأصالة، ويؤدّي إلى اتساع رقعة الهويات إلى ما هو أبعد من الحدود الوطنية[126]. إن الهويات التقليدية تضعف في هذا المسار تلقائيًا، ولا يمكن لها أن تدخل في تنافس بين الهويات. إن العولمة تعني تفضيل الثقافة والهوية الثقافية، ولكنها تحتوي على النفوذ في سائر الهويات الأخرى أيضًا. وعلى الرغم من أن هذا النفوذ ليس من اللازم أن يكون كامنًا في ذات الهويات الغربية، ولكن حيث أن الغلبة الإعلامية والتكنولوجية من نصيب الغربيين، فمن الطبيعي أن يكون النفوذ بدوره من نصيبهم أيضًا، وعليه فإن العولمة مع عدم المحافظة على الموازنة بين الذات وسائر الثقافات الأخرى والحفاظ على أفضليتها على الآخرين بأيّ طريق ممكن، سوف تؤدّي إلى نفوذ الهويات الغربية على سائر الهويات الأخرى. إن ظهور نوع من الثقافة العالمية إنما يحدث على أساس بعض العناصر العالمية، من قبيل: اللغة والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والمتغيّرات الثقافية من قبيل الإذاعة والتلفزيون والأقمار الصناعية، وإن العولمة الثقافية ـ من خلال توظيف هذه العناصر ـ تؤدّي إلى إحداث تغييرات واسعة في سائر الثقافات والهويات الأخرى.
في العولمة الثقافية تتعرّض التبعية للأسرة والطبقة الاجتماعية والقوم والحضارة ـ التي هي من خصائص هوية الفرد ـ إلى خطر جاد. وبعبارة أخرى: إن العولمة الثقافية تهدد جميع أنواع الهويات، ومن بينها الهوية الأسرية والاجتماعية والقومية والحضارية؛ وذلك لأن الهوية عبارة عن فصل وتمييز الذات من الآخر، وإن العولمة الثقافية تحوّل هذه المسألة إلى الاتحاد[127].

هناك ارتباط بين الهوية والثقافة. كما وهناك ارتباط بين العولمة والثقافة أيضًا. وإن الثقافة تؤدّي إلى الهوية، وإن الأفراد من خلال القبول بثقافة ما يعملون على صنع هويتهم. في إطار عولمة الحاضنة الثقافية يزدهر الحراك الاجتماعي، وتتسع العلوم والرياضة البشرية، وتزداد شبكات التواصل والارتباط، وتكون هناك إمكانية متزايدة للتعاطي بين الآراء، وإدراك الثقافات، وتكثر القيَم الذهنية المشتركة والشعور بانتماء الأفراد إلى المجتمع العالمي[128]. إن الإقليمية[129] الثقافية والماهوية تعدّ بدورها من الآثار الأخرى للعولمة أيضًا، بيد أن فرض الثقافة الغربية، واغتراب الهوية عن الذات، وتوحيد الثقافة والهوية وظهور الفرَق الأصيلة بين الثقافات إلى الحدّ الذي يؤدّي إلى حرب الثقافات[130]، يعدّ من الآثار السلبية للعولمة.
إن وسائل الإعلام الإلكترونية الجديدة ـ بشكل عام ـ تضع الهويات بفعل التغييرات التي تحدثها في أفهام الإنسان المعاصر في حالة جديدة بالكامل؛ حيث تختلف عن هويات الجيل الأول من وسائل الإعلام أو العصر الحديث. ومع ذلك فإن الهويات في الجيل الثاني من وسائل الإعلام تتجه في مسار الاستحالة ما بعد الوطنية[131]. إن وسائل الإعلام الإلكترونية من خلال الذهنيات التي تعمل على إيجادها تخلق نوعًا جديدًا من العلاقات الاجتماعية؛ وإن الإنترنيت ووسائل الإعلام الجديدة توفر أنواعًا جديدة من الأفعال والممارسات الاجتماعية المتقابلة؛ إن أفراد المجتمع الإلكتروني الجديد سوف يكونون أعضاء لمجتمع غير مستقر، وسوف تكون لهم هوية غير مستقرة؛ وتصبح الهويات ذات رموز، ويتمّ فك الرموز من الهويات الأخرى، وتتضج الهويات. إن الدين في حقل العولمة يخرج من الحالة التأسيسية والتنظيمية، ويتحول إلى حالة فردية ومتعددة. إن الدين يصبح عالميًا على ثلاثة أشكال: تعدد الوطنية، والتعدد الشبكي، والتخلي عن الدولة[132]. إن التعاليم والأعمال الدينية سوف تتغيّر وتصبح الهوية الدينية ـ في المجموع ـ هوية غير مستقرة وفردية وقابلة للتحديث؛ إذ حتى التعاليم والآداب الدينية بدورها سوف تكون في حالة من التغيير؛ وذلك لأن العولمة والعالمية الثقافية في ذاتها طاردة للقداسة ومحطّمة للمقاومات القيَمية والعقائدية. إن كل هوية دينية تدفع نحو المقاومة وتقوم على أساس القيَم والعقائد الدينية الثابتة، سوف تكون عرضة للتغيير. وذلك لأن الهوية في العالم الحديث والمعاصر إنما يتمّ الحصول عليها من حيث يتمّ توفير المنتجات الثقافية، ويحصل كل فرد على بضاعته الثقافية من هناك[133].

إن مسار العولمة يُعدّ عنصرًا أصليًا للخاصية الثقافية. إن هذه العلاقة العلية تقوم على هذه الشاكلة، حيث يعمل مسار العولمة ـ من خلال تغيير الشرائط والأطر التقليدية لصناعة الهوية وإضعاف وتخريب العناصر والمصادر التقليدية للهوية ـ على تعقيد مسار صنع الهوية في العالم الراهن. إن هذا الوضع المعقد يُشكل أرضية للكثير من الخصائص الثقافية. ولإيضاح المدّعى المنشود بشكل أفضل، وشرح العلاقة العلية بين العولمة والتخصيص الثقافي، وكذلك تحديد الشرائط والعناصر ومصادر صنع الهوية التقليدية، سوف نبحث التأثير التأزيمي لمسار العولمة فيها.
إن الهويات يتمّ صنعها بأجمعها، وعلى الرغم من أنها تبدو طبيعية، ولكنها في الواقع ليست طبيعية ولا ذاتية. إن القوى المهيمنة تعمل على الدوام على صنع الهوية، وتسعى إلى الحفاظ على هذه الهويات. وعليه فإن الهويات إذا كان يتمّ صنعها، فيجب أن تكون المصادر والمواد الإنشائية لصنعها متوفرة. وبعبارة أخرى: إن كل مجتمع يجب عليه أن يوفر لأعضائه مصادر اكتساب الهوية والمعنى. وإن الشرائط والأطر اللازمة لإعادة تعريف المصادر المانحة للهوية يتمّ توفيرها من قبل المجتمع والخطابات المهيمنة.

إن مسار العولمة ـ من خلال ضرب الموقع والعلاقة بين المكان والفضاء ـ يخلّ بالآلية الخاصة بصنع هوية المكان. لا شك في أن الفرق الأول الذي يبدو في مسار المقارنة بين المكان والفضاء، عبارة عن مستوى إدراك هذين المفهومين. إن كل إنسان يمتلك عقلًا سليمًا يدرك المكان على نحو أسهل من الفضاء، وفي المقارنة مع الفضاء يشعر بضرورة المكان من أجل الحياة الفردية والاجتماعية بسهولة. إنهم يدركون حتى الفضاء بمساعدة من المكان، ويعتبرون الفضاء المنفصل عن المكان غير قابل للتصوّر. إن هذا التفاوت في إدراك المكان والفضاء يأتي من حيث أن الفضاء في الواقع أكثر انتزاعية من المكان.
إن شدّة ذهنية الفضاء بالنسبة إلى المكان قابلة للحوار من أبعاد وجوانب أخرى أيضًا. إن الفضاء عبارة عن كل مكان، بيد أن المكان موضع معيّن، ولا شك في أن تصور جميع الأمكنة يجب أن يكون أكثر تعقيدًا من تصوّر المكان المعيّن. إن المكان له محتوى، وأما الفضاء فهو نوع من الخلأ، وإن الفضاء الخالي بمثابة المفهوم الهندسي يمكن تصوّره بسهولة. إن المكان ذو بُعدين، في حين أن الفضاء ثلاثي الأبعاد. والنقطة الأخرى هي أن المكان يقبل التحديد بشكل أيسر بكثير من الفضاء، في حين أن الفضاء ليس له حدود وهو يميل إلى عدم النهاية.

إن الشعور بالفرق والاختلاف (عن الآخرين)، بوصفه جزءًا لا يقبل الانفصال عن الهوية، يحتاج إلى وجود حدود ثابتة وغير نافذة بشكل وآخر. وكلما تمّ بيان هذه الحدود والفوارق في ضوئها على نحو أكثر شفافية ودقة، فسوف تتمّ تلبية الحاجة إلى الاختلاف عن الآخرين بشكل جيد، ولا يلحق ضرر كبير بهوية الأفراد والجماعات. وذلك لأن تشخيص هذا النوع من الحدود والاختلافات في المساحة المكانية وإعادة إنتاجها وحفظها في الخطاب المهيمن يكون أيسر، ويصبح المكان على شكل حاضنة أنسب بكثير لصنع الهوية واستمرارها وبقائها.
وعليه يمكن بشكل عام اختصار الدور المحوري للمكان والفضاء المتحيّز في صنع الهوية والحفاظ عليها وإعادة إنتاجها على النحو الآتي: إن الهوية في الدرجة الأولى عبارة عن الاختلاف عن الأفراد أو الجماعات الأخرى، والشعور بالاستمرار والثبات في طول الزمان والشعور بالتبعية إلى الجماعة. وعلى هذا الأساس فإن كل نوع من أنواع اكتساب الهوية أو صنع الهوية يحتاج إلى إيجاد الحدود والاقتران بالمرجعيات الثابتة والمستقرة، وإن المكان الثابت والقابل للتحديد يُعدّ هذه الاحتياجات على نحو جيّد. وبعبارة أخرى: إن المكان يوفر للأفراد والجماعات عالمًا صغيرًا نسبيًا وثابتًا ومعروفًا.

يمكن إدراك مكانية الحياة الاجتماعية في المجتمعات التقليدية من خلال دراسة العلاقة بين المكان والفضاء في هذا النوع من المجتمعات بسهولة. خلافًا للمجتمعات الحديثة والمتأثرة بمسار العولمة، حيث يكون الفضاء في المجتمعات التقليدية تابعًا للمكان وخاضعًا لسلطته بالكامل. ومن هنا فإن الفضاء التقليدي كان متماهيًا مع المساحة المكانية، وكان يتمّ ملؤه بعلامات المكان. وإن الأفعال التي كانت تملأ هذا المكان كانت مكانية بأجمعها. إن هذا الفضاء كان محدودًا للعيش في إطاره وليس من أجل الحركة في مساحته. كما بيّن غيدنز هذا الأمر بشكل جميل، في ظل هذه المجتمعات لم يكن الفضاء منفصلًا عن المكان، وكان الزمان والفضاء يرتبطان ببعضهما في دائرة المكان[134].
لقد كان هذا الارتباط الوثيق بين الفضاء والزمان والمكان يضيّق من مساحة العلاقات الاجتماعية إلى حدّ كبير ويجعلها محدودة للغاية، وكان يُشكّل أرضية لتكوين الوحدات الاجتماعية الأصغر حجمًا، من قبيل: المنطقة والمحلة والقبيلة. إن جميع العلاقات والممارسات الاجتماعية في هذه المجتمعات كانت تقع تحت سلطة الحضور والوجه الأسمى للعلاقات الاجتماعية والارتباطات المباشرة وجهًا لوجه.

إن الدور المحوري للمكان في تنظيم الفضاء والزمان، وعليه في تنظيم الحياة الاجتماعية في المجتمعات التقليدية، وإن كان يعمل على تضييق مساحة العلاقات الاجتماعية إلى حدّ كبير، ولكنه كان يقلل إمكانية وأرضية أزمة الهوية إلى الحدّ الأدنى من حدود الإمكان. في هذه الظروف لم تكن الحدود الجغرافية محددة ومشخصة ومعيّنة فحسب، بل وإن الفضاء الاجتماعي بدوره يمتلك حدودًا غير قابلة للنفوذ بشكل وآخر، وكان حجم التلاحم والانسجام الاجتماعي بدوره كبيرًا جدًا. وفي الواقع فإن المجتمعات التقليدية كانت عبارة عن عوالم مصغرة ومتناغمة؛ حيث تقوم جميع العناصر والمصادر المكوّنة للهوية بمساعدة المكان على بلورة الآلية الخاصة لصنع الهوية بشكل جيّد. وعلى هذا الأساس فإن كل عنصر يخلّ بالآليات الخاصّة بصنع هوية المكان، كان بلا شك يوفر الأرضية لأزمة الهوية.

على هذا الأساس وبالنظر إلى هذه النقاط، يمكن القول: إن الإزالة الجغرافية الناشئة عن مسار العولمة، تخلق نوعًا من أزمة الهوية؛ وذلك لأنها تقضي على إمكانية صنع هوية المكان، وتحوّل الموضع إلى فضاء ثقافي معقّد. بفعل مسار العولمة يتحوّل الفضاء ـ الذي هو لا مكان ـ إلى حاضنة للحياة الاجتماعية، وتنهار العلاقة المباشرة والبسيطة بين المكان والثقافة والهوية. وإن الذي يحل محل هذه العلاقة المباشرة والبسيطة، عبارة عن علاقة معقدة وديالكتيكية بين الهوية والفضاء. لا شك في أن الفضاء المنفلت من عقال الثبات والنزعة الكلية، لن يوفّر أرضية آمنة لصناعة الهوية.

العولمة الثقافية وتحدياتها الماهوية
عناصر العولمة الثقافية
الهوية من زاوية العولمة الثقافية
تحديات العولمة الثقافية للهوية الدينية

1. إيجاد ثقافة عالمية متحدة.
1. إن الهوية موضوع واحد ومنسجم ومتحد.
1. نفي وجوه تعددية الهوية الدينية بما يتطابق مع تعدّد وكثرة الأديان.

2. إعلامية مسار التحوّلات القائمة على العولمة الثقافية.
2. إن الهوية منفصلة عن عنصر المكان وسوف تكون أمرًا لا مكانيًا.
2. تراجع دور الأمكنة، ولا سيّما منها الأمكنة المقدسة والدينية في صنع الهوية الدينية للأفراد (نفي المكان).

3. عدم الالتفات إلى القدرات والشرائط القيَميّة والوطنية والمحلية.
3. إن الهوية موضوع عابر للوطنية وغير وطني.
3. إلغاء حدود الهوية الناشئة عن التبعية لأيديولوجية أو دين خاص.

4. تصويرية إرسال المعلومات الثقافية.
4. إن الهوية مقرونة بصناعة الصور الذهنية، وهي موضوع رقمي.
4. تراجع دون النصوص[135]، ولا سيّما منها النصوص الدينية في صنع الهوية الدينية.

5. السلطة والهيمنة الإعلامية والآلية للغرب على التعاطي الثقافي العالمي.
5. إن الهوية الغربية أمر أحادي الاتجاه، فهي هوية استعلائية في قبال سائر الهويات الأخرى.
5. إن تداعيات العولمة الثقافية الغربية تُعدّ منافسًا جادًّا لدعوى عولمة الهوية الدينية (الإسلامية)، التي تفرض تحديات أمام القرارات والخطط والمشاريع لتوسيع الهوية الدينية، ومن بينها: تعريف الهوية الدينية وخصائصها وأبعادها.

6. تحويل الفوارق والاختلافات إلى المساواة، والمساواة بدورها تعني الاتحاد وحل سائر الثقافات والهويات في ثقافة وهوية واحدة.
6. إن الهوية الممتازة تتحوّل إلى هوية غير ممتازة؛ وذلك لأن العولمة الثقافية تعمل على تحويل الهويات الممتازة إلى هويات غير ممتازة. وإن هذا التحويل ـ بطبيعة الحال ـ يكون مقرونًا بحلّ الهويات ضمن الهوية الغربية الغالبة.
6. إن الهوية الأفضل هي الهوية الدينية المتمايزة، ومن خلال تبديل الهويات المتمايزة (ومن بينها الهوية الدينية) إلى الهويات غير المتمايزة، تتعرّض مكانة الهوية الدينية بوصفها هوية أعلى إلى الخطر.

7. إن العولمة الثقافية في حدّ ذاتها مسار طارد للنزعة التقليدية وغير أيديولوجية.
7. إن الهويات لا يمكن أن تكون تقليدية وتراثية وأيديولوجية (دينية). وذلك لأن الهويات الدينية هي في حدّ ذاتها هويات تقليدية وقيَميّة وتراثية.
7. تغيير الهوية الدينية من خلال إحداث التغيير في المعنى وحدود وأعمال الآداب الدينية، وإظهار الهوية الدينية بوصفها هوية متحرّكة. ويتم القضاء على كل هوية تبدي مقاومة من ذاتها، بما في ذلك الهوية الدينية.

الفصل السابع: ما بعد البنيوية وتحدياتها الماهوية
إن ما بعد البنيوية بوصفها واحدة من التعاليم المعاصرة والحديثة جدًا ـ والتي تقتبس بدورها من المسارات الآخذة بالنموّ الفكري لما بعد الحداثة ـ تترك في حدّ ذاتها ـ من خلال التأكيد على الخصائص وبعض الأصول ـ تداعيات على الكثير من الحقول الاجتماعية والثقافية والسياسية والتربوية. ومن بين الحقول الأخرى يمكن الإشارة إلى تأثيرها في حقل الهوية أيضًا. حيث أن الهوية الدينية بدورها تحتوي على السهم الأكبر من التأثر بهذا المفهوم.
إن ما بعد البنيوية ـ من خلال نقد الأبنية[136] والأسس[137] المفترضة والفرضيات التي تقع موردًا لقبول الإنسان، تترك آثارًا كثيرة في الحقول التي تتمسّك بهذه الأبنية والفرضيات. يذهب ما بعد الحداثويين إلى الظن بأن الاعتقاد بالميتافيزيقا وما وراء الطبيعة يؤدّي إلى الثنائية في جميع المجالات، ويتم فيها نسيان وتجاهل «الغيرية[138]»[139]. وعلى هذا الأساس لا يمكن للهوية أن تقوم على الأسس، ولا يمكن العمل على طبق الأصول التي ينبغي أن تكسر؛ إن الأصول التي هي من قبيل الدين والحقائق المفترضة فيه، لا يمكن أن تكون ملاكًا لعمل السلوك القائم على الهوية. وإن الأبنية أو أيّ نوع من أنواع المنطق وجميع أنواع الفرضيات والآراء السائدة بشأن الظواهر، يجب أن تتغيّر. لا ينبغي البحث عن الأفكار (كما يظن فوكو) في المعادلات النظرية فقط، من قبيل: معادلة الفلسفة والعلم. ويمكن بحثها في جميع أساليب الكلام والعمل أو السلوك الذي يظهر فيه الفرد عالمًا بنفسه والآخرين ويعمل على نحو أخلاقي أو حقوقي أو موضوعي[140]. إن العلاقات الاجتماعية متأثرة باللغة[141]، وإن عنصر اللغة هو الذي يحدّد مفهوم كل شيء بما في ذلك مفهوم الثقافة والهوية أيضًا[142]. إن تبلور الهوية لا يقوم على أساس الأصول المفترضة (ومن بينها الدين) أو السنن وما إلى ذلك، وإنما يقوم على أساس الاستفادة من اللغة.
وعلى هذا الأساس لا يعود هناك من وجود لذلك الإنسان بمعنى الفاعل المعرفي والذي يمتلك تلك الخصائص العقلية وما إلى ذلك؛ لأن العقل أو الدين أو أيّ أصل آخر يكون له حكم الدال الذي يستتبع في حدّ ذاته مدلاليل ولادة، ومن أجل الحيلولة دون القبول بهذا الدال ثم مداليله اللاحقة، يجب الإشارة ـ ضمن نفيها ـ إلى اللغة بوصفها أمرًا صانعًا للدال ومن ثم الصانع للمدلول بعد ذلك.

إن اللغة المنشودة لما بعد البنيويين، ليست لغة الحداثة والبنيوية ذات المعنى الواحد والمباشر، بل هناك عدد من اللغات والكثير من المعاني. إن هذه اللغات والمعاني المتعددة، سوف تستتبع التعددية؛ وذلك لأن الدال لا نهاية له، بل الدال سوف يستتبع دوال أخرى أيضًا. وعليه فإن كل هاد ومرشد يمكن أن يُشير إلى عدد كبير من الهداة والمرشدين الآخرين، وإن وجود هذه الدوال يساعد على اتساع وانتشار المعنى، وإن المعنى يصبح في هذه الحالة لا مركزيًا[143]. إن الهوية ـ في ضوء ما بعد البنيوية ـ لا يمكن أن تتبلور على أساس الدوال العقلية والدينية والتقليدية الواحدة والمفترضة والمقبولة، وفي الحقيقة فإننا لا نمتلك هوية ثابتة.
إن وجود فلسفة الحضور[144] الميتافيزيقي، يؤدّي ـ من وجهة نظر ما بعد الحداثويين ـ إلى إيجاد ثنائية بين الوجود والعدم، وإثر ذلك تحدث ثنائيات يغلب الحضور في كل واحد منها على الغيبة. في هذه الميتافيزيقا التي تتمحور حول العقل هناك فاعل معرفي؛ حيث يفكر بمساعدة عقله وذكائه التنويري بشأن الظواهر. إن الهوية في ما بعد البنيوية أمر غير ميتافيزيقي؛ بمعنى أنه لا يقوم على التعاريف المفترضة مسبقًا. إن الفلسفة ما بعد البنيوية بدلًا من التأكيد على منطق التماهي، تؤكد على منطق «هذا ليس ذاك». إن هذا المنطق يؤدّي إلى القبول بالتقابلات والأضداد والتنوعات[145]. وفي منطق التماهي يقوم نوع بطرد نوع آخر من الوجود، في حين أنه في منطق هذا ليس ذاك يحصل كلا الأمرين على إمكانية الوجود.

إن نفي السرديات الكبرى وأنه لا تكون هناك أيّ أفضلية في ما وراء اللغة والتفكير، يُعدّ واحدًا من الخصائص الأخرى لما بعد البنيوية؛ وذلك لأن السرديات الكبرى تحافظ على بعض الهويات وتلغي بعضها الآخر. إن السرديات الكبرى هذه لها قدرة استبدادية تؤثر في كل شيء. إن القبول بالسرديات الكبرى أو الأيديولوجيات، يعني القبول بالاتحاد والتلاحم بين الهويات. إن الأيديولوجيات تسعى إلى تعريف وإيجاد هوية واحدة وثابتة للحيلولة دون المخالفات[146]. إنها تحتوي على وجود مادي وعلى تطبيقات تؤدّي إلى الطاعة والانصياع وبناء الموضوعات. لا وجود للأيديولوجيات أو السرديات الكبرى لوحدها، بل إنها تتبلور في ظلّ الارتباط مع بعضها، وتعمل في داخلها على التعريف بالقوانين[147].
إن الهوية المصنوعة على أساس السرديات الكبرى (الأحكام والتعاليم الدينية والروحية)، بسبب هيمنتها وشموليتها، لا تستطيع ـ من وجهة نظر ما بعد البنيوية ـ أن تقبل بسائر الهويات الأخرى وتعتبرها مشروعة، بل إنها تسعى من أجل نفي الهويات الأخرى.

يذهب القائلون بما بعد البنيوية إلى الادعاء بأن الأيديولوجيات المختلفة في القرن العشرين ـ ومن بينها: الشيوعية، والفاشية، والليبرالية، والعقائد المذهبية والدينية ـ تسعى إلى تشديد الهويات أو تشكيل هويات جديدة للأفراد، وقد فسّرت الإنسان تحت رؤاها، وتؤكد على دور المؤسسات ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في إطار إيجاد هوية ثابتة وموحّدة[148]. في ضوء التعاليم ما بعد البنيوية، تعدّ الهوية الدينية ـ التي تقع تحت تأثير الهوية الدينية الأيديولوجية ـ موضوعًا منظمًا وغير متحرّك، ولا يمتلك الانسجام والتماهي اللازم مع التحولات العالمية المستجدة، ونتيجة لذلك لا يمتلك الأفراد مثل هذه الهوية إلا إذا كانوا يرزحون بأنفسهم في عزلة وحرمان مفروض عليهم من بيئتهم ومجتمعاتهم. وعليه بدلًا من التأكيد على الأيديولوجيات، يجب التأكيد على الخطاب والحوار[149] بوصفه حجر الأساس لتبلور أفراد المجتمع؛ وذلك لأن الخطابات تمثل أطرًا تعيّن حدود إمكان التفكير والعمل في كل مساحة خاصّة. إن الخطاب تابع للثقافة والمجتمع؛ إذ أن المجتمع يعتريه التغيّر، والخطابات بدورها تتغيّر أيضًا[150]. بفعل تأثير الخطاب على جميع أركان الحياة وسلوك الناس والمجتمعات، تتأثر الهوية بدورها بالخطاب والحوار الذي هو أمر لغوي. ومن ناحية أخرى فإن المشاكل التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة، من قبيل: العنصرية العرقية والجنسية، والتصنيفات الاجتماعية والسياسية على أساس ملاكات من قبيل: الأسود والأبيض، والذكر والأنثى، والنخبة والدهماء، وسائر الملاكات الأخرى، مأخوذة من هذه الأفكار وميتافيزيقا الحضور. في ثنائية الحضور يعمل نوع على طرد نوع آخر من دائرة الوجود. ونتيجة لذلك فإن الهوية الدينية سوف تكون أمرًا بارزًا واستعلائيًا، بحيث تروم إظهار سائر الهويات الأخرى على أنها هويات غير شرعية وغير مقبولة. وتعمل السرديات الكبرى على حفظ بعض الهويات وإلغاء بعض الروايات الأخرى[151].
إن الهوية في ما بعد البنيوية ليست موضوعًا تراتبيًا؛ وذلك لأن واحدًا من خصائص الأبنية التراتبية، عبارة عن أن هذه العلاقات تكون جافة وعمودية، وتأخذ لكل فرد آلية محددة بنظر الاعتبار. إن ارتباط الهويات ببعضها ارتباط أفقي، وفي هذه الحالة تقع بأجمعها ضمن مرتبة واحدة، ولا يكون هناك معنى للتفاضل والاستعلاء على أساس الهوية.

إن الجذمور[152] ـ (ساق تحت أرضية ينمو كجذر لبعض النباتات بشكل أفقي ويضمن بقاءها ووفرة ثمارها) ـ يمثل عنصرًا للارتباط وطرد الآخر، ويعمل على توفير إمكانية لإيجاد شبكة لا أمد لنهايتها. في هذه الشبكة تكون كل نقطة متصلة بعدّة نقاط أخرى، ولا يمكن تعيين بداية أو نهاية لها. إن الجذمور حتى إذا تمّ قطعه أو فصله يبقى يواصل حياته. ويقوم التصوّر على أننا قد دخلنا بدورنا بلا محور ومتفرّق وعلى نحو جذموري[153].
يسعى القائلون بما بعد الحداثة إلى تحليل الأحكام الفلسفية المسبقة، والعمل على تقويض مفاهيم من قبيل وحدة الهوية، وسلسلة المراتب والمباني الثابتة، واستبدالها بمفاهيم أخرى من قبيل التعدد والكثرة. إن الموضوع والهوية الواحدة والمتناغمة في البنيوية، ليس سوى أسطورة. إن الهويات ليست متعددة فحسب، بل وحتى إنتاجها بدوره يتحقق من طريق اللغة والنظام الرمزي أيضًا. لقد تعرّضت الأيديولوجيات للأزمات وهي في طريقها نحو الانهيار، ولا يمكن لنا أن نأخذ للناس هوية وبنية واحدة بنظر الاعتبار[154].

إن الهوية في ما بعد البنيوية لا يمكن أن تكون موضوعًا قائمًا على أساس النموذج أو أن يدور حول محور النموذج[155]؛ وذلك لأن مرحلة ما بعد الحداثة هي نهاية مرحلة سيادة الأبوة[156]؛ إذ لو تمّ فرض علاقة الآخر بوصفها قيمة عليا على الآخرين، فإن إرادة الأجزاء والأعضاء المنضوية تحت المجموعة سوف يتمّ تجاهلها أيضًا، وهذا الأمر يؤدّي ـ من وجهة نظر ما بعد البنيوية ـ إلى الثنائية وعدم الانسجام في الهوية.
يجب أخذ القيَم المرتبطة بجميع الفئات والأعضاء بنظر الاعتبار أيضًا. إن النصوص العلمية ليس لها أيّ أفضلية على النصوص الأخرى. وإن النصوص العلمية والأخلاقية والدينية والسياسية وسائر النصوص الأخرى، يجب ضمّها إلى بعضها واعتبارها ذات قيمة واحدة.
إن النصوص الدينية بسبب عقائديتها وكونها تفوق اللغة، تكون منفصلة عن صلب حياة الناس، وعلى هذا الأساس يجب أن تردّ ويتمّ رفضها. ومن هنا فإن كل تعريف للهوية وخصائصها لا يمكن أن تكون مقبولة على أساس النصوص الدينية؛ وذلك لبعدها عن واقعيات وحقائق حياة الإنسان.
ما بعد البنيوية وتحدياتها الماهوية
عناصر ما بعد البنيوية
الهوية من وجهة نظر ما بعد البنيوية
تحديات ما بعد البنيوية بالنسبة إلى الهوية الدينية

1. نفي الأبنية والفرضيات الميتافيزيقية.
1. لا يمكن للهوية أن تقوم على أساس الأبنية والفرضيات الميتافيزيقية.
1. إن نفي الهوية الدينية يقوم على أساس التعاليم الدينية الأساسية والهوية المعرّفة مسبقًا.

2. التأكيد على اللغة والخطاب بوصفهما أساسًا للوصول إلى الحقيقة.
2. إن الهوية وتعريفها حصيلة الروابط والعلاقات الخطابية واللغوية في المجتمع.
2. إن الهوية ـ ومعنى الهوية الذي هو أمر يفوق الخطاب واللغة (ديني) ـ ليست هوية حقيقية؛ لأن الهوية حصيلة الخطاب واللغة.

3. إن الإنسان ليس مطروحًا بوصفه فاعلًا معرفيًا يتمحور حول العقل.
3. لا يمكن للهوية أن يتمّ تعريفها وتفسيرها من طريق العقلانية التي تقوم في ماهيتها على الفرضيات السابقة والقابلة للتفسير والتوجيه.
3. لا يمكن للهوية الدينية أن تكون تابعة للخصائص المعرفية والعقلية (المدركات والمعارف الدينية العقلانية)، أو أن تقوم على أساس الدلالات الدينية.

4. نفي السرديات الكبرى والأيديولوجيات الميتافيزيقية.
4. إن الهوية أمر غير اعتقادي ولا تتأثر بالسرديات الكبرى.
4. لا يمكن للدين ـ بمثابة سردية كبرى ـ أن يلعب دورًا أساسيًا في تعيين عناصر الهوية (المعرفة والإيمان والعمل)؛ وذلك لأن هذه الهوية سوف تكون في ماهيتها (استعلائية) وسلطوية.

5. إن الخطاب واللغة أساس لكل شيء، وإن الخطاب واللغة من الأمور المتحرّكة وهما في حالة من التغيّر؛ لأن المجتمع بدوره في حالة تغيّر.
5. إن الهوية أمر حركي وقابل للتحديث اليومي، فهي غير ثابتة وفي حالة صيرورة مستمرة.
5. إن الهوية الدينية أمر ثابت ومستمر ودائم وأبدي، وإن الفرد الذي يحمل هوية دينية يتصف بالثبات في السلوك والتفكير والعمل، وأما ما بعد البنيوية فلا تتقبّل مثل هذه الهوية.

6. ليس هناك من وجود لأيّ علاقة تراتبية عمودية وأفضلية بين الأمور. فإن جميع الأمور تقع في عرض بعضها وضمن أفق واحد.
6. لا وجود للهوية الأفضل والممتازة والخاصة والنموذجية. وإن جميع الهويات على مستوى واحد وفي عرض واحد.
6. إن الهوية الدينية هوية أفضل وأكثر دفعًا نحو النجاة، ومن خلال اتساع توجه ما بعد البنيوية بشأن الهوية، لن يكون هناك ـ بعد ذلك ـ من وجود للبُعد النموذجي والتراتبي على أساس الهوية الدينية (نفي الهوية النموذجية بمحورية الدين).

7. لا يجوز تعليم النصوص الدينية لكونها تندرج ضمن سردية كبرى.
7. لا يمكن لتبلور الهوية أن يكون متأثرًا بتعلّم النصوص الدينية (السرديات الكبرى الدينية).
7. لا وجود لإمكان بلورة الهوية الدينية بمحورية النص الديني (بمحورية النصوص الدينية)، وتعليم ونقل القيَم الدينية من أجل بلورة السلوك والعمل والمعرفة والاعتقاد الديني، الذي هو في حدّ ذاته من عناصر الهوية الدينية، في الفضاء ما بعد البنيوي.

المصادر
أحمدي، بابك، مدرنيته وانديشه انتقادي، طهران، نشر مركز، 1373 هـ ‏ش.
آذرنگ، عبد الحسين، «مدرنيته وپست مدرنيته وتمدن غرب»، مجلة نگاه نو، العدد: 35، 1376ش.
آربلاستر، آنتوني، ظهور وسقوط ليبراليسم در غرب، الترجمة: عباس مخبر، طهران، نشر مركز، 1377ش.
أرسطو، سياست، الترجمة: حميد عنايت، طهران، انتشارات أمير‌‌كبير، ‏ط4، 1364ش.
افروغ، عماد، «جامعه مدني، پيشين شرط‌ها وموقعيت آن در ايران»، في: مجموعة مقالات اولین همایش جامعه مدني واندیشه دیني، شيراز، 1376ش.
آقاجري، سيّد هاشم، نسبت دين وجامعه مدني (سلسلة مقالات)، طهران، انتشارات ‏ذكر، 1378ش.
إيازي، سيّدمحمّدعلي، «نسبت جامعه مدني ودين»، في: تحقق جامعه مدني ‏در انقلاب اسلامي ايران (سلسلة مقالات)، طهران، سازمان مدارك فرهنگي انقلاب ‏اسلامي، 1376ش.
اينشتاين، ويليام وإدوين فاكلسان، مكاتب سياسي معاصر، الترجمة: حسين علي نوذري، طهران، نشر گروه، 1366ش.
برتز، إريك، ميشل فوكو، الترجمة: بابك أحمدي، طهران، انتشارات ‏نسل قلم، 1373ش.
بشيريه، حسين، نظريات فرهنگي در قرن بيستم، طهران، نشر طلوع آزادي، ط 1، ‏1379ش.
بنتهام، ديويد وكوين بويل، دموكراسي چيست؟، الترجمة: ‏شهرام نقش تبريزي، طهران، انتشارات ققنوس، 1379ش.
پازارگاد، بهاء الدين، مكتب‌هاي سياسي، طهران، انتشارات إقبال، 1372 هـ ‏ش.
پاستر، مارك، عصر دوم رسانه‌ها، الترجمة: غلام حسين ‏صالح‌يار، طهران، انتشارات مؤسسة إيران، 1377ش.
پهلوان، چنگيز، «جهاني‌شدن فرهنگ»، مجلة انديشه جامعه، العدد: 9، (بهمن 1378 هـ ش).
ـــــــــــــــ، فرهنگ‌شناسي، طهران، نشر سارنگ، 1377ش.
داكوبرت، دريفوس، فرهنگ مكتب‌هاي فلسفي، الترجمة: ‏أحمد رادوباري، طهران، نشر معرفت، ط2، 1365ش.
دانل، مك، نظريه‌هاي گفتمان: تعاريف وكارويژه‌ها، الترجمة: حسين علي نوذري، طهران، نشر نظر، 1379ش.
دهشيري، محمّد رضا، «جهاني‌شدن وهويت ملي»، فصل‌نامه مطالعات ‏ملي، السنة الثانية، العدد: 5، (1379 هـ ش)، ص 32.
رجبي، فاطمة، ليبراليسم، طهران، انتشارات كتاب صبح، 1375ش.
روزنا، جيمز، «پيچيدگي‌ها وتناقضات جهاني‌شدن»، الترجمة: ‏أحمد صادقي، فصل‌نامه سياست، العدد: 13، (1378 هـ ش).
زرشناس، شهريار، اشاراتي درباره ليبراليسم در ايران، طهران، انتشارات كيهان، ‏1378ش.
شايگان، داريوش، افسون‌زدگي جديد، هويت چهل‌تكه وتفکر سيار، طهران، نشر فرزان، ‏‏1380ش.
ضيمران، محمّد، انديشه‌هاي فلسفي در پايان هزاره دوم، طهران، انتشارات هرمس، ‏ط 1، 1380ش.
علمداري، كاظم، «جامعه‌شناسي ايران»، مجلة ايران فردا، العدد: 28، (1376 هـ ‏ش).
غليون، برهان، جهاني‌سازي وگفتگوي تمدن‌ها، الترجمة: ‏باقري، طهران، نشر مركز، 1378ش.
كديور، محسن، مناظره درباره پلوراليسم ديني، طهران، نشر سلام، ط2، ‏1378ش.
كوال، استينار، پست مدرنيسم، الترجمة: حسين علي نوذري، ‏طهران، نشر نظر، 1380ش.
گلپايگاني، علي، تحليل ونقد پلوراليسم ديني، قم، انتشارات دانش وانديشه ‏معاصر، ط1، 1378ش.
گيدنز، آنتوني، پي‌آمدهاي مدرنيته، الترجمة: محسن ثلاثي، طهران، نشر ‏مركز، ط 1، 1377ش.
لچت، جان، پنجاه متفكر بزرگ معاصر: از ساختارگرايي تا پسامدرنيته، الترجمة: محسن حكيمي، ‏طهران، انتشارات خجسته، 1378ش.
لطف‌آبادي، حسين، روانشناسي رشد (2): نوجوان، جوان وبزرگسالي، ‏طهران، انتشارات سمت، ط 1، 1378ش.
ماهروزاده، طيبة، سكولاريسم وتأثير آن بر آموزش وپرورش، أطروحة ماجستير، جامعة تربيت مدرس، 1376ش.
مشايخي‌راد، شهاب الدين، «روان‌شناسي تربيتي»، مجلة حوزه ودانشگاه، ‏العدد: 4، 1374ش.
منوچهري، عباس، «مباني نظري /ديني جامعه مدني»، في: تحقق جامعه مدني ‏در انقلاب اسلامي (سلسلة مقالات)، طهران، سازمان مدارك فرهنگي انقلاب اسلامي ‏ايران، 1376ش.
نراقي، أحمد، رساله دين‌شناسي، طهران، انتشارات طرح نو، ط1، 1378 هـ ‏ش.
نقيب‌زاده، مير‌عبد‌الحسين، نگاهي به فلسفه آموزش وپرورش، طهران، انتشارات ‏کتابخانه طهوري، ط8، 1376ش.
نوذري، حسين علي، مدرنيته ومدرنيسم، طهران، انتشارات نقش جهان، ط1، ‏‏1379ش.
واترز، مالكوم، جهاني‌شدن، الترجمة: إسماعيل مرداني ‏گيوي وسياوش مريدي، طهران، نشر سازمان مديريت صنعتي، 1379ش.
واعظي، أحمد، «دين وجامعه مدني»، مجلة كتاب نقد، العدد: 9 /10، ‏1377ش.
هلد، ديويد، مدل‌هاي دموكراسي، الترجمة: عباس مخبر، ‏طهران، انتشارات روشنگران، 1369ش.
هيك، جان، مباحث پلوراليسم ديني، الترجمة: عبد الرحيم ‏گواهي، طهران، انتشارات تبيان، ط 1، 1378ش.
Acker, Joan. “Making Gender Visible.” In Feminism and Sociological Theory. edited by Ruth A. Wallace. London: Sage Publications. 1989.
Adorno, Theodor W. and Max Horkheimer. Dialectic of Enlightenment. Stanford: Stanford University Press. 2002.
Ashenden, Samantha. The Boundaries of Gender: Feminism beyond Identity Politics. London: University of London Press. 1999.
Bakata, Inona. Information Age and The Globalization of Religion. London: 2001.
Bauman, Zygmunt. Modernity and the Holocaust. Ithaca: NY, Cornell University Press. 1989.
Beck, Clive. Philosophy of Education Today. New York: Wiley. 2001.
Bleich, David. Sexism in Academic Styles of Learning. New York: University of Rochester Press. 1950.
Coulby, David. and Crispin Jones. “Post-modernity, education and European Identity.” Comparative Education 32. no. 2. 1996: pp. 171-184.
Harris, J. “A Paradox of Multicultural Societies.” Journal of Philosophy of Education 42. no. 4.
Horvath, A. “Globalization and Education.” Interchange 26. no. 2. 1999.
Huntington, Samuel P. “The West: Unique, Not Universal.” Foreign Affairs 75. no. 6. November/December 1996: pp. 28-46.
Janet, C. Feminist Sociology: An Overview of Contemporary Theory. New York: 2001.
Le Rider, Jacques. Modernity and the Crisis of Identity. New York: Continuum. 1994.
Modgil, Sohan. and Celia Modgil. eds. Multicultural Education: The Interminable Debate, London: Falmer Press. 1988.
Feinberg, Walters. The Goals of Multicultural Education: A Critical Re-evaluation. London: Routledge. 1996.
Jencks, G. The Postmodern Agenda‎. ing. Jencks(ed). The Postmodern Reader. London: Academy press & N, Y: ST. Martin Press. 1992.
Gutmann, Amy.‎ Democratic Education: Revised Edition. Princeton: Princeton. University Press. 1987.
Banks, James A. ‎"Citizenship Education and Diversity: Implications for Teacher Education". Journal of Teacher Education. Volume 52 Issue 1. January 2001.
Huntington, Samuel P. ‎"The West Unique, Not Universal". Foreign Affairs. Vol. 75. No. 6. Nov. - Dec.. 1996: pp. 28-46.

------------------------------------
[1]. المصدر: المقالة بعنوان «آموزه‌های معاصر وچالش‌های آن برای هويت ديني»، فصلٌ من کتاب هويت ديني وآموزه‌های چالش‌برانگيز‏، قم، منشورات شركت چاپ ونشر بين الملل، ط1، 1391 هـ.ش، الصفحات 321 إلى 387‏‎.‎
تعريب: حسن علي مطر
[2]. أستاذ في جامعة تربيت مدرس.‏
[3]. Rationalism
[4]. Secularism
[5]. Secularization
[6]. Coulby, Postmodernism, Education and European Identity, 32: 173.
[7]. رجبي، ليبراليسم، 23.
[8]. Modern
[9]. Modernus
[10]. آذرنگ، مدرنيته وپست مدرنيته وتمدن غرب، 45 ـ 59.
[11]. Rationality
[12]. Non – Rational
[13]. م. ن، 42.
[14]. بشيريه، نظريات فرهنگي در قرن بيستم، 92.
[15]. برتز، ميشل فوكو، 227.
[16]. ماهروزاده، سكولاريسم وتأثير آن بر آموزش وپرورش، 8.
[17]. Nationalism
[18]. Exclusivism
[19]. باقري، تعليم وتربيت در منظر پست مدرنيسم، 6.
[20]. Rule – based
[21]. Discipline – based
[22]. Post Renaissance
[23]. Decoding of Behavior
[24]. Moral Values
[25]. Secular Moralism
[26]. Methodological Individualism
[27]. Masculine
[28]. Gender Identity
[29]. Le Rider, Modernity and Crises of Identity, 18.
[30]. World Without Women
[31]. Noble
[32]. Boyle
[33]. Newton
[34]. Bleich, Sexism in Academic Styles of Learning, 132.
[35]. Sexism
[36]. Feminism
[37]. Epistemological
[38]. Anthropological
[39]. Foundationalism
[40]. Objectivism
[41]. Masculinity
[42]. Bleich, Sexism in Academic Styles of Learning, 3.
[43]. Hard
[44]. Soft
[45]. Human Sciences
[46]. Biological Sexual Determinism
[47]. Acker, Making Gender visible, 4: 202.
[48]. Paradoxical
[49]. Sexism
[50]. Goulby, and Jones, Post-modernity, Education and European Identities, 173.
[51]. Bauman
[52]. Racism
[53]. Bauman, Modernity and the Holocaust, 42.
[54]. Rationalism
[55]. Children, Church, Kitchen.
[56]. Racism, Sexism.
[57]. Bauman, Modernity and the Holocaust, 125.
[58]. Enlightenment
[59]. Horkheimer
[60]. Adorno
[61]. Adorno and Horkheimer, Dialectic of Enlightenment, 125.
[62]. Universal Human Reason
[63]. Foundationalism
[64]. Foundation
[65]. Self – Foundation
[66]. Self – Assertion
[67]. Perceptive
[68]. Given
[69]. Ashenden, The Boundaries of Gender, Feminism Beyond Identity, 302.
[70]. Janet
[71]. Transcendental Foundation
[72]. objectivity
[73]. Given
[74]. Janet, Feminist Sociology an Overview of Contemporary Theory, 19.
[75]. پازارگاد، مكتب هاي سياسي، 11.
[76]. ماهروزاده، سكولاريسم وتأثير آن بر آموزش وپرورش، 92.
[77]. داكوبرت، فرهنگ مكتب‌هاي فلسفي، 88.
[78]. واعظي، «دين وجامعه مدني»، 273.
[79]. Relative
[80]. زرشناس، اشاراتي درباره ليبراليسم در ايران، 18.
[81]. آربلاستر، ظهور وسقوط ليبراليسم در غرب، 50.
[82]. م. ن، 58.
[83]. نقيب‌زاده، نگاهي به فلسفه آموزش وپرورش، 116.
[84]. Made
[85]. Max
[86]. Transcendental
[87]. Feinberg, The Goals of Multicultural Education, 1.
[88]. Jenks, The Postmodern Agenda, 6.
[89]. Metanarratives
[90]. پهلوان، فرهنگ‌شناسي، 526.
[91]. لطف‌آبادي، روان‌شناسي رشد (2)، نوجوان، جوان وبزرگسالي، 3.
[92]. Monistic
[93]. Plural
[94]. Diversity
[95]. Difference
[96]. Variety
[97]. Monism
[98]. Modgil, Multicultural Education, 78.
[99]. Horrath, Globalization and Education Chance, 33.
[100]. Harris, A Paradox of Multicultural Societies, 53.
[101]. Ibid, 240.
[102]. Pluralism
[103]. گلپايگاني، تحليل ونقد پلوراليسم ديني، 19.
[104]. هيك، مباحث پلوراليسم ديني، 64.
[105]. نراقي، رساله دين‌شناسي، 59.
[106]. كديور، مناظره درباره پلوراليسم ديني، 50.
[107]. مشايخي‌راد، روان‌شناسي تربيتي، 29.
[108]. باقري، تربيت ديني در قرن بيست ويكم، 59.
[109]. مشايخي‌راد، روان‌شناسي تربيتي، 80.
[110]. علمداري، جامعه‌شناسي ايران، 19.
[111]. أرسطو، سياست، 138.
[112]. منوچهري، مباني نظري- ديني جامعه مدني، 79.
[113]. آقاجري، نسبت دين وجامعه مدني (سلسلة مقالات)، 26.
[114]. افروغ، جامعه مدني، پيشين شرط‌ها وموقعيت آن در ايران (سلسلة مقالات)، 20.
[115]. هلد، مدل‌هاي دموكراسي، 99.
[116]. جهان‌بگلو، سير تكوين فلسفي جامعه مدني، 23.
[117]. إيازي، نسبت جامعه مدني ودين، تحقق جامعه مدني در انقلاب اسلامي ايران، 162.
[118]. اينشتاين وفاكلسان، مكاتب سياسي معاصر، 241.
[119]. بنتهام وبويل، دموكراسي چيست؟، 124.
[120]. Multi – Culturalism
[121]. Common Identity
[122]. Guttman, Democratic Education, 91.
[123]. Banks, ‎Citizenship Education and Diversity‎, 63.
[124]. پهلوان، جهاني‌شدن فرهنگ، 29.
[125]. غليون، جهاني‌سازي وگفتگوي تمدن‌ها، 30.
[126]. واترز، جهاني‌شدن، 12.
[127]. روزنا، «پيچيدگي‌ها وتناقضات جهاني‌شدن»، 59.
[128]. دهشيري، جهاني‌شدن وهويت ملي، 32.
[129]. Localism
[130]. Hungtington, The West Unique, not Universal, 122.
[131]. پاستر، عصر دوم رسانه‌ها، 13.
[132]. Bakata, Information Age and The Globalization of Religion, 35.
[133]. پهلوان، جهاني‌شدن فرهنگ، 11.
[134]. گيدنز، پي‌آمدهاي مدرنيست، 82.
[135]. Text
[136]. Structures
[137]. Foundations
[138]. Otherness
[139]. ضيمران، انديشه‌هاي فلسفي در پايان هزاره دوم، 28.
[140]. لچت، پنجاه متفكر بزرگ، 175.
[141]. بشيريه، نظريات فرهنگي در قرن بيستم، 88.
[142]. دانل، نظريه‌هاي گفتمان: تعاريف وكار ويژه‌ها، 69.
[143]. أحمدي، مدرنيته وانديشه انتقادي، 273.
[144]. Presence
[145]. برتز، ميشل فوكو، 182.
[146]. داش، پست مدرنيته وپست مدرنيسم، 69.
[147]. بشيريه، نظريات فرهنگي در قرن بيستم، 87.
[148]. كوال، پست مدرنيسم، 79.
[149]. Discourse
[150]. دانل، نظريه‌هاي گفتمان: تعاريف وكارويژه‌ها، 25.
[151]. شايگان، افسون‌زدگي جديد، هويت چهل‌تكه، 148.
[152]. Rhizome
[153]. نوذري، مدرنيته ومدرنيسم، 187.
[154]. Beck, philosophy of Education, 112.
[155]. Model – Based
[156]. Paternalism
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف