البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المجتمع الديني؛ المباني والأهداف والآليات التنفيذية

الباحث :  عبد الرضا ضرابي
تاريخ إضافة البحث :  March / 25 / 2026
عدد زيارات البحث :  142
إن الإسلام والدولة الإسلامية ظاهرة إلهية، نضمن بواسطة تطبيقها وتنفيذها على أرض الواقع السعادة لأولادنا في الدنيا والآخرة على أفضل الوجوه. وقد وعدنا الله سبحانه وتعالى بإقامة المجتع الإسلامي، إذ قال في محكم كتابه الكريم: ‏﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾(النحل: 97). إن المجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي تتحقق فيه المُثُل والأهداف الإسلامية، بالإضافة إلى الآمال الكبيرة التي رسمها الإسلام للإنسان؛ وهو المجتمع العادل والذي يتصف بالقسط، والمجتمع الحرّ، والذي يسهم المواطنون فيه في إدارة الدولة، ويكون لهم دور مؤثر في رسم مستقبل بلادهم، وأن يكون لهم تأثير في تطويره وازدهاره، وإن المجتمع الذي يتمتع بالكرامة الوطنية والاستغناء الوطني، وهو المجتمع الذي يحتوي على الرفاه وينعدم فيه الفقر والجوع، والمجتمع الذي يحتوي على الإزدهار الشامل ـ على المستوى العلمي والاقتصادي والسياسي ـ وباختصار: هو المجتمع الذي لا يعاني من الركود والسكون والتوقف، والذي يكون في تقدّم مستمر، هو ذلك المجتمع الذي نسعى إلى تحقيقه. وبطبيعة الحال فإن هذا المجتمع لم يتحقق، ولكننا نسعى إلى تحقيقه دون كلل[3].

تاريخ المجتمع الديني وماهيته
قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم:﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾(النور: 55).

قال العلامة الطباطبائي ـ في تفسير الميزان ـ في خصوص تفسير هذه الآية: «إن هذه الآية ـ على هذا ـ وعد جميل للذين آمنوا وعملوا الصالحات أن الله تعالى سيجعل لهم مجتمعًا صالحًا يخص بهم؛ فيستخلفهم في الأرض، ويمكّن لهم دينهم ويبدلهم من بعد خوفهم أمنًا لا يخافون كيد منافق ولا صدّ كافر يعبدونه لا يشركون به شيئًا»[4].
فقوله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، كلمة «من» فيه تبعيضية لا بيانية والخطاب لعامة المسلمين وفيهم المنافق والمؤمن وفي المؤمنين منهم من يعمل الصالحات ومن لا يعمل الصالحات. والوعد خاص بالذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات محضًا.
والمراد من استخلافهم في الأرض نظير استخلاف أسلافهم والأمم السابقة، حيث يقيم مجتمعًا صالحًا منهم يرثون الأرض، كما ورثها الصالحون والأمم السالفة من أصحاب القوّة والشوكة. والمراد من قوله: وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، تمكين الشيء إقراره في مكان وهو كناية عن ثبات الشيء من غير زوال واضطراب وتزلزل بحيث يؤثر أثره من غير مانع ولا حاجز؛ فتمكن الدين هو كونه معمولًا به في المجتمع من غير كفر به واستهانة بأمره. والمراد من تبديل خوفهم أمنًا انبساط الأمن والسلام على مجتمعهم بحيث لا يخافون عدوًا في داخل مجتمعهم أو خارجه متجاهرًا أو مستخفيًا على دينهم أو دنياهم.
والمراد بكونهم يعبدون الله لا يشركون به شيئًا ما يعطيه حقيقة معنى اللفظ وهو عموم إخلاص العبادة وانهدام بنيان كل كرامة إلا كرامة التقوى[5].

تشير الأبحاث والدراسات إلى أشخاص سعوا منذ الأزمنة البعيدة إلى إقامة المجتمع المثالي والمدينة الفاضلة. وكان اسم أفلاطون هو الأشهر من بين هؤلاء الأشخاص. فقد عمد ـ في جميع مواضع كتاب الجمهورية وفي مواضع من رسالة ثيماؤوس وكريتياس ـ إلى رسم أبعاد المدينة الفاضلة[6]. وبعده كان هناك الكثير من العلماء والمفكرين في العالم الإسلامي من الذين رسموا أبعاد المجتمع الفاضل ومدينتهم الفاضلة والمثالية، من أمثال الفارابي في كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة، وأبي الحسن العامري في كتاب السعادة والإسعاد، والنظامي الكنجوي في كتابه اسكندرنامه. كما قام الكثير من الكتاب في العالم المسيحي بهذا الأمر، ومن بينهم القديس أوغسطين في كتابه مدينة الله، وتوماس مور في اللامكان (أو مدينة العدم)، وفرانسيس بيكون[7] ـ المفكر الإنجليزي وفيلسوف العلم (1561 ـ 1626 م) في كتابه أتلانتيس نو، وتوماسو كامبانلا[8] الفيلسوف والمفكر الاجتماعي الإيطالي (1568 ـ 1639 م) في كتابه مدينة الشمس (أو خورشهر)[9].وأما ما يتمّ الحديث عنه تحت عنوان المجتمع الإسلامي المثالي أو المجتمع الديني بشكل عام، فهو المجتمع الذي أكد عليه مصدر الوحي الإلهي.

لقد رسم الله تعالى في القرآن الكريم مجتمعًا للإنسان بحيث يقرّ كل مفكر بأفضليته على سائر الخطط والمشاريع القائمة على أساس الإنسانية الحقيقية، بيد أن المهم في البين إنما هو البيان الصحيح للمجتمع المطلوب من قبل الله سبحانه وتعالى؛ بحيث يكون بعيدًا عن الانحراف وعدم التدبير، وأن يعمل الجميع بهذه القوانين والتشريعات الإلهية، ويضعون العدالة على جدول أعمالهم؛ وذلك لأن الذي وضع هذه التشريعات مدبّر حكيم وعالم من منطلق حبّه للإنسان. إن لازم التعرّف الكامل على هذا المجتمع عبارة عن البحث والدراسة الشاملة لجميع تعاليم القرآن الكريم والسنّة المطهّرة بشأن الإنسان، والمجتمع، والسعادة، والدنيا والآخرة، والرذائل والفضائل، والقيَم وأضدادها، والكمال والارتقاء، والسقوط والانحطاط، وباختصار: دراسة جميع الأنظمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية القائمة على أساس التعاليم والمفاهيم الإسلامية التي تدعو الناس إلى ما يحييهم.
من الواضح بداهة أن تحقق واستمرار المجتمع الإسلامي المطلوب في شكله الكامل رهن بالوصول إلى جميع الفضائل والقيَم الإنسانية المطلوبة. ولا شك في أن هذا الأمر ـ بالنظر إلى تزاحم العلل والأسباب المختلفة والمحدوديات والقيود الطبيعية في الحياة الدنيا ـ لن يحدث مرّة واحدة وبشكل كامل في الحياة الدنيا. ومع ذلك فإن تحقق المجتمع الإسلامي المثالي ـ في ضوء الإرادة والسنن الإلهية ـ في هذه الدنيا، بالنسبة إلى المؤمنين والصالحين، يقترن ببعض النواقص والصعوبات، حيث تستدعي التحلي بالصبر والصمود ومواجهة المشاكل وتجاوز بعض القيَم في قبال القيَم الأسمى (على أساس المعايير الإسلامية). وعلى هذا الأساس كلما كانت المجتمعات البشرية أكثر تمسّكًا بالأصول والأهداف التي تمّ التعريف بها في التعاليم الإلهية، وساروا في طريق الأهداف المحدّدة، سوف يكونون أقرب إلى إقامة هذا المجتمع والعيش في رحابه.

إن المجتمع الديني هو المجتمع الذي تنتظم فيه شبكة العلاقات الاجتماعية ـ الأعم من العلاقات الاقتصادية السياسية والحقوقية والأخلاقية والثقافية ـ على أساس الدين وتعاليمه. وعلى هذا الأساس فإن اجتماع الأشخاص المتدينين، ما داموا لم ينظموا علاقاتهم الاجتماعية على أساس الدين، ولم يعملوا على تقييم علاقاتهم الاجتماعية في ضوء الدين، لن يؤدّي ذلك إلى تبلور المجتمع الديني[10].
إن المجتمع الديني يحمل هاجس الدين. إن هذا الهاجس والحاجة إلى التناغم مع الدين، لا يقتصر على الأمور الفردية والعبادات والأخلاق الفردية، بل لا بدّ من تقييم النسبة بين الدين وجميع الأمور والعلاقات الاجتماعية، والانصياع إلى حكم الدين في جميع شبكة العلاقات الاجتماعية. إن هذا الكلام لا يعني أن المجتمع الديني يأخذ ويقتبس كل شيء من الدين، ولا يحتاج إلى أيّ مصادر أخرى من قبيل العقل والعلوم البشرية، بل المقصود هو أنه في بعض الموارد حيث يكون للدين رؤية خاصّة في حقل من حقول العلاقات الاجتماعية، لا ينبغي الغفلة عنها، ويجب لتلك العلاقة أن تكون منسجمة مع التعاليم الدينية[11].

المقارنة بين المجتمع الديني وغير الديني
فيما يتعلق بالمقارنة بين المجتمع الديني والمجتمع غير الديني، سوف نأتي على ذكر بعض النقاط على نحو الاختصار. إن الحكومة الدينية تختلف عن الأنظمة العلمانية[12] واللادينية[13] وغير المهتمة بالدين، وإن بعض هذه الاختلافات عبارة عن:

1. الاختلاف في الأهداف: إن الهدف والغاية الأهم للأنظمة التي لا تقوم على الدين، إنما هو ضمان الحاجات الدنيوية للإنسان، ولا تنشد هدفًا أو غاية أخرى وراء ذلك. وأما الغاية القصوى للنظام الديني فهي عبارة عن وصول الإنسان إلى كماله المطلوب المتمثّل بالقرب من الله سبحانه وتعالى، وفي ذلك يقول الله في محكم كتابه:﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾(الانشقاق: 6). وإن نتيجة الوصول إلى القرب من الله عبارة عن الفلاح، وهو قوله سبحانه وهو قوله تعالى: ‏﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(البقرة: 5؛ لقمان: 5)، والفوز، إذ يقول الله تعالى: ‏‏﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾(الأحزاب: 71)، والسعادة، على ما ورد في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾(هود: 108).

2. الاختلاف في وظائف الدولة: إن وظائف الأنظمة غير الدينية ـ في الحدّ الأقصى ـ عبارة عن ضمان الصحة، والتعليم، والأمن، والرفاه، والتنمية المادية. وفي المقابل فإن الحكومة الدينية تحمل على عاتقها وظائف ومسؤوليات أكبر؛ بمعنى أنها بالإضافة إلى وجوب تقديم الخدمات أعلاه، يجب أن تهتم بالتخطيط الصحيح والسعي من أجل توجيه المجتمع نحو التربية الدينية والمعنوية، والازدهار وتطوير الفضائل والكمالات الإنسانية العالية، وترسيخ التقوى، وقيادة المجتمع نحو السعادة الثابتة والتي لا تقبل الفناء. وبعبارة أخرى: إن الحكومة غير الدينية تتولى مجرّد دور إدارة المجتمع، بيد أن الحكومة الدينية والولائية بالإضافة إلى ذلك تضطلع بدور التربية المعنوية والدينية.

3. الاختلاف في المناهج: إن الأساليب التنفيذية للأنظمة العلمانية والدينية تختلف في بعض الموارد. إن الاختلاف في الأهداف والوظائف يؤثر في اختيار الأساليب. وبعبارة أخرى: في الأنظمة التي لا تهتم بالدين، يُعدّ الشعار القائل: «إن الغاية تبرّر الوسيلة» شعارًا مقبولًا، وتعدّ الوسيلة العقلانية[14] هي آخر المرجعيات في اتخاذ القرارات؛ وأما في الحكومة الدينية فلا يُسمح بالاستفادة من الأساليب التي تتعارض مع الكرامة الإلهية، والقيَم الأخلاقية العالية، وتلك الأساليب التي تقضي على السعادة البشرية الخالدة. وعلى هذا الأساس فإن العقل الآلي ينشط جنبًا إلى جنب مع القوانين الإلهية وأحكام العقل التوحيدي وما وراء الآلي.

4. الاختلاف في منشأ القانون: إن منشأ القانون في الأنظمة غيرالدينية ليس شيئًا آخر غير ميول ومطالب ورغبات وتوجهات الأشخاص ـ الأعم من رغبات الفرد والجماعة والحزب الحاكم أو الرغبات والميول العامة ـ وأما في الحكومة الدينية، يكون الله سبحانه وتعالى هو المنشأ الأصلي للقانون، ولا يكون القانون رسميًا إلا إذا كان مجعولًا من قبل الله عزّ وجَلّ، أو أن تكون منسجمة في الحدّ الأدنى مع الأصول والقواعد العامة والكلية المقبولة من قبل الشارع المقدّس. وعلى هذا الأساس فإن آلية التشريع والتقنين في هذا النوع من الأنظمة إنما هو اكتشاف واستنباط القوانين والأحكام الإلهية وتطبيقها على الاحتياجات المعاصرة.

5. الاختلاف في أسس المشروعية: إن كل واحد من الأنظمة السياسية يقوم على واحد من مصادر الشرعية، وهي من قبيل: التوريث، والقهر والغلبة، والعقد الاجتماعي وما إلى ذلك. وأما أساس شرعية النظام الديني في عصر الحضور فهو ولاية الإمام المعصوم من قبل الله سبحانه وتعالى، وفي عصر الغيبة فهي ولاية الفقيه بإذن المعصوم. إن هذه الولاية هي الأساس في النظام السياسي في عصر الغيبة؛ حيث يُعتبر الفقهاء هم الخلفاء للإمام، ويكونون هم الحكام على الإطلاق في تنفيذ السياسات وإدارة شؤون الحكم وسائر صلاحيات الإمام المعصوم (باستثناء الجهاد الابتدائي)[15]. إن صفات الولي الفقيه والحاكم الإسلامي ـ من قبيل: العدالة والتقوى وما إلى ذلك ـ تمنعه من الزلل والوقوع في الاستبداد بالرأي[16]. وعلى هذا الأساس يتعيّن على الناس ـ في ضوء هذا الرأي ـ في عصر غيبة الإمام المعصوم، وفي ظل عدم تعيين نائب من قبله، أن يختاروا للحكم فقيهًا جامعًا للشرائط.

6. الاختلاف في القادة والمسؤولين: في الأنظمة الإلحادية والعلمانية[17]، لا تتوفر الظروف عادة لتعيين القيادة الاجتماعية، وإذا توفرت مثل هذه الظروف في البين، لا تكون الظروف في العادة أكثر من القدرة النسبية للإدارة الاجتماعية العامّة؛ وأما في النظام الإسلام، فيجب أن تكون هناك ظروف وشرائط أكبر، ومن بين أهمّها الصلاحية العلمية والأخلاقية. والحدّ الأعلى في هذه الأمور هي العصمة، والمرتبة الأدنى منها ولاية الفقيه.

تعريف المجتمع الديني
إن الإسلام يرى أن الأصل عبارة عن بناء المجتمع والاتحاد والوفاق على أساس الدين، وينهى عن التفرقة والعدوان، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(الأنعام: 153). وقال أيضًا: ‏‏﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾(آل عمران: 64).

إن القرآن الكريم يدعو الناس إلى التسليم لله الواحد، ويرى أن المجتمع الديني هو وحده المعتبر من بين المجتمعات الأخرى، ويتمّ نبذ المجتمعات الأخرى التي يذهب كل واحد منها إلى اتخاذ شريك لله[18].
في الإشارة إلى المجتمع الديني، يرد استعمال مصطلحات من قبيل: المجتمع الإسلامي، والمجتمع التوحيدي، والمجتمع المعنوي والروحي أيضًا. إن المجتمع الروحي والمعنوي هو المجتمع الذي يهتم بالأصول والمعارف الدينية، ويستند إلى الغايات الإلهية ويستهدف الوصول إلى الآخرة من طريق الدنيا، وعدم الاستغراق في الظواهر المادية والمحدودة. وكذلك فإن المجتمع التوحيدي هو المجتمع الذي يظهر فيه النبي ويسعى إلى تغييره وبناء نظام أفضل منه. إن جميع هذه المصطلحات تشير إلى المجتمع الذي يقوم في التفكير الديني على أساس المباني القيَميّة والاعتقادية، والذي جعل الله سبحانه وتعالى تحقيقه من أهداف المؤمنين.

إن المجتمع الديني هو المجتمع الذي يكون الله هو الحاكم الأول فيه. وتكون قوانين ذلك المجتمع قوانين إلهية، والذي يتم فيه تطبيق الحدود الإلهية، والذي يقوم بالعزل والتنصيب فيه هو الله سبحانه وتعالى. وفي الهرم الاجتماعي لو أخذنا المجتمع على شكل هرم ـ كما هو معهود من قبل بعض علماء الاجتماع ـ فسوف يكون الله سبحانه وتعالى على رأس هذا الهرم، وفي الأسفل منه تقع جميع الإنسانية وجميع الناس. إن دين الله سبحانه وتعالى هو الذي يوجد الترتيبات، وإن القرارات الإلهية هي التي تعقد بنود السلم والحرب، وإن دين الله هو الذي يبيّن حدود العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والحكم والحقوق وما إلى ذلك، ويقوم على تطبيقها ودعمها، وهذه هي حدود المجتمع الديني.

إن العناصر الأساسية في هذا التعريف عبارة عن:
1. الحاكمية الإلهية
2. القوانين الإلهية
3. تطبيق الحدود الإلهية
4. العلاقات السياسية والاجتماعية والثقافية الناشئة عن الدين
5. الأبنية والأسس القائمة على الدين.
6. تعيين الحقوق الفردية والاجتماعية على أساس الدين.

إن البنية الأصلية للمجتمع الديني وكذلك ثقافة الناس فيه، تقوم على أساس تعاليم الدين. وقد تمّ التعريف بالأسس الأساسية في ضوء التربية الدينية وعلى أساس الأحكام والقوانين الشرعية. كما تم بناء أسلوب حياة الناس في المجتمع الديني على أساس التربية والهداية الدينية، كما أنهم بالإضافة إلى رعاية الأصول والأحكام والأخلاق الفردية المقبولة في المجتمع، يتمسكون بتعهداتهم ومسؤولياتهم الشرعية في العلاقات الاجتماعية المتبادلة أيضًا. في المجتمع المنشود من وجهة نظر الإسلام لا يكون الأفراد موحدون فقط، بل حتى المنظمات والمؤسسات في هذا المجتمع تقوم علاقاتها العامة على أساس التوحيد والتقوى أيضًا. إن القيَم والأفكار والتعاليم في هذا المجتمع يتمّ إرسالها من قبل مصدر غير بشري (إلهي) لغرض تنظيم بنية النظام الإنساني/الاجتماعي، وفي بُعد الحكم نجد أن النظام القائم على شكل معيّن، إنما هو نظام الحكم الإلهي الذي يكون عموديًا (من الأعلى إلى الأسفل)؛ بمعنى أن له ناحية تفوق البشرية، وتسير العقول الإنسانية في طريق فهمها واكتشافها. إن لآراء وأفكار الناس في هذا المجتمع بعدًا كشفيًا؛ بمعنى أن الناس يعملون على اكتشاف المنظومة الحقوقية والحكومية القضائية من صلب القواعد الكلية، لا أن تكون آراؤهم هي المحور والمعيار في تشخيص الحق. في ظل هذا المجتمع يحمل الناس هاجس الدين، وفي هرم هذا المجتمع يكون ولي الله هو الحاكم. وهو الذي يُعرف بوصفه وليًا في ضوء المعايير المقدسة والمتطابقة مع أسس الشريعة في كل مرحلة وعصر من العصور، سواء أكان هذا الولي معصومًا ـ كما هو الحال بالنسبة إلى أئمة الشيعة ـ أو كان وليًا عادلًا مثل الولي الفقيه الذي يمثل القطب والمحور وعنصر ربط المجتمع بالدين وبالله عزّ وجَلّ. إن المجتمع الديني ليس مجرّد عقيدة فقط، بل هو نهج لتعالي الإنسان حيث يفتح آفاقًا جديدة أمام البشر. إن المجتمع الديني يعني اختيار أفضل الأساليب وتوفير أفضل السُبُل للوصول إلى مستقبل أفضل من الوضع الراهن. إن بناة هذا المجتمع هم الأشخاص المؤمنون الذين يتطلعون شوقًا إلى إسعاد الناس. في هذا المجتمع هناك ثلاثة عناصر ممتازة في حياة الإنسان، وهي على النحو الآتي:

1. الهدف؛ 2. المشروع؛ 3. أفضل الطرق. إن هذه العناصر الثلاثة يتمّ تعريفها في ضوء دولة وحكومة تقوم على أسس التوحيد والتقوى والإمامة (الولاية).
الهدف: ليس للإنسان في حياته من هدف سوى السعادة والهناء، وإنه يبذل كل ما بوسعه من أجل تحقيق هذه الغاية.
المشروع: من الواضح بداهة أن نشاط الإنسان طوال الحياة لا يكون من دون خطّة أو مشروع، وإذا لم يتمّ الإفصاح في بعض الأحيان عن هذا المشروع، فذلك إنما يكون بسبب شدّة وضوحه. إن النشاطات الاجتماعية في المجتمع بدورها مثل النشاطات الفردية يجب أن تتبع نوعًا من القوانين والآداب والتقاليد المقبولة من قبل أكثر أفراد المجتمع؛ وإلا فإن أجزاء المجتمع سوف تتلاشى وتكون نهبًا للفوضى والهرج والمرج وتنهار في أقرب فرصة.
أفضل الطرق: إن الطريق الأفضل والأكثر ثباتًا في الحياة هو الطريق الذي يرسمه الله تعالى للإنسان ويهديه إليه، وليس ذلك الذي ينبثق عن مشاعر وعواطف الفرد أو المجتمع. إن لكل واحد من أجزاء الخلق غاية في وجوده، وهو يتجه نحوها منذ اليوم الأول من خلقه، وهي من أنسب وأقرب الطرق التي تؤدّي إلى الهدف. ولا يُعد الإنسان استثناء من هذه القاعدة. قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾(الروم: 30).

إن نتيجة هذه العناصر الثلاثة على النحو الآتي: إن الذي يُفهم من هذه الآية وغيرها من الآيات التي تحمل ذات المضمون، هو أن الطريق الحقيقي للإنسان في مسار الحياة هو ذلك الذي اختطه له خلقه الخاص ويدعوه إليه، ويجب على الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية أن يتبع القوانين التي تهدي إليها طبيعة الإنسان الفطري والطبيعي، دون أولئك الذين يحيط بهم دنس الأهواء، ويستسلمون للنزوات والشهوات المادية والحسيّة.
إن المجتمع الديني يتطابق مع الفطرة. إن تشريع الأحكام إنما يكون من قبل الله وحده، ولا يمتلك أحد غيره صلاحية تشريع القوانين ووضع الأحكام وجعل المفاهيم؛ وذلك لأن القوانين والأحكام الوحيدة التي تنفع الإنسان في هذه الحياة، هي تلك التي يحددها له الخالق فقط. وبعبارة أخرى: إنها تلك الأمور التي تعمل العلل والعوامل الداخلية والخارجية على دعوة الإنسان إلى القيام بها وتقتضيها؛ بمعنى أن الله سبحانه وتعالى قد أرادها[19].

أسس المجتمع الديني
إن المجتمع الديني المنبثق عن الإسلام يحتوي على قواعد وأسس نظرية؛ حيث يكون بها قوامه. وإن المباني الجوهرية والأصلية للمجتمع الديني عبارة عن:
1. التوحيد
إن المجتمع الديني يقوم قبل كل شيء على أساس التوحيد. وإن التوحيد يعني القول بأن الله واحد، وهو الأصل الاعتقادي الأهم في الإسلام، كما هو أهم شعار في الإسلام. إن المفهوم الأول الذي بيّنه النبي الأكرم للناس هو مفهوم الاعتقاد بوحدانية الله سبحانه وتعالى، والذي يتمّ بيانه بعبارة «لا إله إلا الله». وإن جميع التعاليم الاعتقادية والتربوية والأخلاقية والفقهية للإسلام تعود إلى التوحيد[20]. وقد بيّن الله سبحانه وتعالى أهمية التوحيد للناس في القرآن الكريم، بقوله: ‏﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾(الأنعام: 102). ثم أمر الله نبيّه ورسوله، قائلًا:‏﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾(الأنعام: 106).
إن التوحيد في المجتمع الديني يكون منشأ لأكبر التحوّلات الروحية والأخلاقية، كما يجعل الفرد مستعدًا للتحوّل الشامل في مختلف الحقول الاجتماعية. وإن الوفاء بكل أمر من الأمور الفردية والاجتماعية في هذا المجتمع إنما يكتسب القيمة والفضيلة حول محور التوحيد فقط. إن محورية التوحيد تعني القول بأن العالم قد وجد من إرادة حكيمة، وأن نظام الوجود يقوم على الخير والرحمة وإيصال الموجودات إلى الكمال الذي يناسبها. إن العالم من وجهة نظر المجتمع التوحيدي أحادي القطب والمحور، وله مسار يبدأ من الله «إنا لله»، وينتهي إليه «وإنا إليه راجعون». إن الموجودات في العالم تتكامل في ظل نظام منسجم نحو طرف واحد ومركز واحد. إن خلق كل موجود ليس عبثًا وبلا هدف[21].
إن التوحيد بالإضافة إلى كونه مقولة ميتافيزيقية بشأن ذات الأمر المطلق، هو كذلك أسلوب اتحاد وانسجام ووسيلة للتحوّل إلى «كل» وتحقيق وحدة جميع الوجود أيضًا، وفي المرتبة الاجتماعية يتجلى التوحيد في اتحاد وانسجام المجتمع البشري[22].

إن الاعتقاد بمحورية التوحيد في المجتمع تمنح الحياة المعنى والروح والهدف؛ وذلك لأن مسار حركة الناس في المجتمع الإسلامي إنما يكون في اتجاه التقرّب من الله سبحانه وتعالى، إلى الحدّ الذي يكون معه أقرب إليهم من حبل الوريد[23]. إنهم يبحثون عن التقرّب من الله سبحانه وتعالى بواسطة التقوى، وتقديم الخدمات المفيدة للخلق، ويؤمنون بأن الله عزّ وجَلّ هو المالك لكل شيء بما في ذلك نفسه وماله وحياته، ويرون أنفسهم أمناء الله على ودائعه عندهم. وإن مرضاته تشكل مبنى لأعمالهم وتصرفاتهم، وإن غضبه أساسًا لترك المحظورات. ومن هنا فإن الواجبات والمستحبات التي تعني الأعمال التي تستوجب مرضاة الله سبحانه وتعالى معمول بها، وإن المحرّمات والمكروهات تكون متروكة؛ وذلك لأن ملاك الفعل والترك فيها هو إرادة الله ومرضاته، وكلما زلّت بهم القدم أو ارتكبوا خطيئة بقصد أو بغير قصد، لا يستولي عليهم اليأس والقنوط، ويرجعون إليه تائبين والندم يعمر قلوبهم على المستوى العملي، ويستدركون أخطاءهم، ويكون التسليم والتوكّل واليقين من الخصائص التقدمية في تحسين وتطوير حياتهم.

2. العدل والإحسان
إن المرشد الأبرز للإنسان في طريق التكامل، هو الاعتقاد بالعدل الإلهي؛ بمعنى الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى يحكم بالحق والعدل سواء في نظام التكوين والخلق أو في نظام التشريع والأحكام، ولا يصدر عنه الظلم والجور أبدًا. إن الآثار الاجتماعية لهذه العقيدة عبارة عن تقوية الشعور نحو المطالبة بالعدل والحق، والدعوة في نهاية المطاف إلى بسط العدالة الاجتماعية، الأمر الذي يستوجب حركة الإنسان في مسار التكامل. وعليه فإن العدالة في الرؤية الكونية والاعتقادية للإسلام غاية وقيمة، كما هي وسيلة وشرط من شروط تكامل الإنسان أيضًا، قال الله تعالى: ‏﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾(الحديد: 25). إن المجتمع الديني مجتمع يقوم على أساس العدل وإقامة القسط؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى قد خلق الوجود وأقامه على أساس الحق والعدل، وفي ذلك روي عن النبي الأكرم، أنه قال: «بِالْعَدْلِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْض»[24]. كما كان هدف جميع الأنبياءفي البُعد الاجتماعي هو إقامة العدل الشامل في المجتمعات البشرية. وإن محاربة ظلم وجور الحكام الجائرين وتطبيق العدل، من أصول جميع الأنبياء. إن تطبيق العدل هو السبب في بقاء أحكام الدين في الحياة. وإن الأجهزة التنفيذية تعمل ـ من خلال الاتحاد والانسجام ـ على تحقيق العلاقات العادلة والروابط السليمة في المجتمع، وتمهيد الأرضية من أجل الوصول إلى الهدف النهائي من الحياة، ويسعون حثيثًا في تنفيذ تعهداتهم ومسؤولياتهم الإدارية[25].
إن العدالة تجري في مختلف الحقول الفردية والاجتماعية. ويمكن بيان حقول العدالة على الترتيب الآتي ابتداءً من الأنا[26]، والأسرة[27]، والأقارب[28]، وصولًا إلى الأمة الإسلامية[29]، والإنسانية جمعاء[30].

إن العدالة بشكل عام نظام تعاملي يتمخض عنه مفهوم المسؤولية المشتركة، وفي ذلك روي عن رسول الله، أنه قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَ كُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، وقال أيضًا: «أَحْسِنُوا إِلَى رَعِيَّتِكُمْ فَإِنَّهَا أُسَارَاكُم»، وقيل: «الْمُلْكُ يَبْقَى بِالْعَدْلِ مَعَ الْكُفْرِ وَ لَا يَبْقَى الْجَوْرُ مَعَ الْإِيمَانِ»[31]. إن هذه المسؤولية المشتركة التي تؤدّي إلى تحقق العدالة، أمر يمكن اقتفاء أثره في النصوص الإسلامية بشكل مباشر أو غير مباشر. وإن أهم الإشارات إلى هذا الأمر نراه في الآية الآنف ذكرها في سورة الحديد. إن إقامة العدالة الاجتماعية بين جميع طبقات الناس تقوم على أصلين عامين، وهما: «التعاون» و«التوازن الاجتماعي». وفي ضوء أصل التعاون يتمّ تقسيم المسؤوليات الاجتماعية بين الأفراد بما يتناسب مع قابلياتهم وقدراتهم. ومن ناحية أخرى فإن التوازن الاجتماعي يستوجب أن يكون كل شخص في موقعه المناسب على أساس كفاءاته وصلاحياته. إن ذروة الكمال الإنساني من وجهة نظر القرآن تكمن في التقوى، وإن العدالة تمهّد الطريق للوصول إلى التقوى.

وقد استعمل «الإحسان» في هذه المعاني: إيصال النفع الحسن والجدير بالمدح إلى الآخر، والقيام بفعل حسن عن إدراك والذي يستحق الثواب على زيادة وتفضل، أو القيام بعمل صالح أو إيصال منفعة إلى آخر بدافع إلهي[32].
إن المجتمع الإسلامي بالإضافة إلى العدل، هو مجتمع محسن أيضًا. إن الإحسان هو الصلة الطبيعية بين الناس، وحيث لا يكون هناك عدوان واختلاف، فإن الإحسان يشكّل همزة الوصل التي تربط الأفراد ببعضهم، قال الله تعالى: ‏﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾(البقرة: 83).
إن الإحسان والعدل يرد ذكرهما متقارنين في القرآن الكريم؛ الأمر الذي يثبت أن النظام الاعتقادي الأخلاقي والاجتماعي في الإسلام إنما يحظى بتكامله اللازم من خلال التمسّك بالعدل والإحسان. وفي ظل العدل والإحسان تتوفر أرضية تطوير القيَم الاجتماعية والسلوكية والأخلاقية في المجتمع الديني والإسلامي.
والإحسان بدوره ـ مثل العدل ـ يجري في حقول مختلفة. وإن حقول الإحسان عبارة عن: الإحسان إلى الإنسان[33]، والإحسان إلى الأسرة والإحسان إلى الأقربين[34]، والإحسان إلى الإخوة في الدين[35]، والإحسان في مواجهة الصعاب[36]، والإحسان في الحوارات الفكرية والعلاقات الثقافية[37]، والإحسان في الخصومات والخلافات[38].

3. محورية الإمام (محورية الولاية)
إن المجتمع الإسلامي مجتمع متمحور حول الولاية. إن محورية الإمامة والتأكيد على إطاعة الإمام يعدّ من أهم الواجبات الدينية؛ بحيث ورد في النصوص الدينية أنه من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. إن هذا المجتمع الذي يتبلور تحت قيادة وإمامة مباشرة من شخص معصوم ومنصوب من قبل الله عزّ وجَلّ، يُدار في عصر الغيبة ـ من طريق الاجتهاد على أساس الكتاب والسنة ـ على يد الفقهاء المستجمعين للشروط وهداية قائد مجتهد عادل تقي، عالم بمسائل عصره، وشجاع ومدير ومدبّر (الولي الفقيه)[39]. إن محورية ومبنائية الإمامة والولاية في حركات المجتمع الديني (الإسلامي)، سوف تكون سببًا لاقتدار وعظمة وتوجيه جميع الأعمال والحركات، قال الله تعالى: ‏‏﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(المائدة: 57).
إن القبول بمثل هذه الولاية يقوم على فلسفة جوهرية تعمل على بلورة السيادة والحاكمية التوحيدية. في ظلّ هذه العقيدة لا يوجد أيّ فرض لمعتقد على أحد أو سلب حرية عن أحد، بل إن المجتمع الديني يختار ذلك على أساس القبول الضمني والاعتقادي بولاية الولي على نحو حرّ وبشوق ورغبة وإرادة. في دائرة وحدود الشريعة حيث نجد جميع أنواع الحرية الأعم من حرية العقيدة وحرية البيان والعمل، يتمّ توفير مساحة للنشاط والحيوية لأعضاء المجتمع الولائي والديني، الأمر الذي يجعلهم ممتازين من سائر الجماهير البشرية والمجتمعات الأخرى.

4. محورية الأخلاق
إن أفراد المجتمع الإسلامي المثالي يسعون على الدوام إلى اكتساب الفضائل والمناقب الأخلاقية، ويحجمون عن ظلم أنفسهم؛ ويسلكون بالجدّ والعمل والخدمة والحياة على أساس كرامة النفس والعزّة وعلوّ الطبع والهمّة وتصفية الداخل من أنواع الأدران وكذلك التحلي بالفضائل والقيَم الإلهية، مسار التخلّق بالأخلاق الإلهية؛ فهم يحاسبون أنفسهم يوميًا ويبسطون سيطرتهم عليها ويفرضون الرقابة الصارمة عليها، ويعملون طوال حياتهم على تقييم أعمالهم وسلوكياتهم وأقوالهم وأفكارهم. إن السيطرة على النفس وتعديل القوى الغضبية والشهوية ورعاية الاعتدال في جميع الاستعدادات واجتناب الإفراط والتفريط مشهودة وملموسة عند الأكثرية القاطعة منهم.

5. محورية الحق
إن الأساس الآخر في المجتمع الديني هو محورية الحق؛ بحيث يجب أن تكون جميع شؤون المجتمع موضعًا لتجلّي الحق والروحانية والمعنوية. إن الإسلام يعتبر مسار التاريخ وحركة الإنسان والوجود متطابقًا مع ميزان الحق. إن الحق لا يكون رهنًا بآراء الناس، بل الحق يمتلك أصالة ذاتية حتى خارج وجود الإنسان. هناك معايير مقدّسة وذاتية وثابتة وأبدية؛ يعمل المجتمع الديني على تفصيل شكل وقوام الحياة على مقاسها، قال الله سبحانه وتعالى:‏﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾(التوبة: 33؛ الصف: 9).
إن مرادنا الصريح والواضح من محورية الحق والنزوع إلى الحق، هو تنظيم جميع الأبنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بمعيار الحق الثابت والأبدي الذي لا يقبل الزوال، والتي يقوم المجتمع بالتطابق والتماهي معها.

في التفكير الديني هناك باطل في قبال الحق، حيث يقوم المجتمع الديني في مواجهته بتعارض أصولي وجوهري وأساسي. إن الباطل ليس له بقاء، والزبد لا يمكث فوق الماء وسرعان ما سوف يزول ويتلاشى ويذهب جفاءً. إن الحق ـ فيما لو أصبح هو المعيار الأصلي والثابت والشاخص العام للمجتمع الديني ـ سوف يتحوّل في حدّ ذاته إلى قوّة حديدية لا يمكن كسرها؛ وسوف تضرب ظهر الباطل وتقضي عليه وتبيده، قال الله تعالى: ‏﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾(الأنبياء: 18).

يذهب الشهيد مرتضى المطهري إلى القول بهذا الأمر عند شرحه لفلسفة اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، والتي أدت إلى بناء المجتمع الديني؛ حيث قال:
«إن الحركات المقدّسة ـ من وجهة نظر القرآن الكريم ـ هي الحركات التي تندلع فيها الحرب بين الحق والباطل، والحق هنا هو الحق من حيث كونه حقًا، لا من حيث كونه ضامنًا للمصالح. والباطل من حيث كونه باطلًا وعبثيًا ومانعًا من التطوّر والتقدّم والازدهار وتكامل الإنسان، لا من حيث أنه على خلاف مصالح هذه الجماعة أو تلك الجماعة»[40].

6. الإيمان الديني
إن المعيار الأساسي الآخر الذي يلعب دورًا في بناء المجتمع الديني، هو الإيمان بالله والشريعة والدين. إن الإيمان في ضوء الرواية المأثورة عن المعصومين عبارة عن اعتقاد ينعقد في نفس الإنسان وقلبه، وهو إقرار باللسان وعمل بالجوارح؛ حيث نجد ذلك ضمن بعض القوالب، من قبيل: الصلاة والصوم والحج، ورعاية الحدود الاجتماعية، واحترام حقوق الوالدين والأولاد والجار، وحق الله وحقوق الناس. إن هذا الإيمان لا يقوم على أساس التقليد أو التقاليد الاجتماعية المرسومة في المجتمع، بل هو مخطط مدروس يؤمن به الموحدون. إن الإيمان من أبرز المعايير في المجتمع الإسلامي، ولازم الإيمان هو الخضوع العملي والإخلاص. إن تركيب المجتمع الديني تركيب متبلور عن الإيمان الديني، وهنا يتمّ طرح مسألة التعهد والالتزام الديني؛ بمعنى أن المجتمع الديني يقوم على أساس الإيمان، ويضع المواثيق العقائدية على سلّم أعماله ونشاطاته وحركاته، قال تعالى: ‏﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾(البقرة: 177).
يتضح من هذا النوع من العبارات القرآنية والدينية، أن المجتمع الديني يحتوي على أسمى أنواع الإيثار في الدين والخضوع له، إلى الحدّ الذي يضحون معه ـ عند الحاجة والضرورة ـ بجميع تعلقاتهم من أجل الدين والإيمان. إن هذا الإيمان ليس مجرّد تعهّد فردي وداخلي، بل يكتسب عند الظهور والتشخّص هوية اجتماعية (وعلى هذا الأساس، يحدث تفكيك وفصل بين «الإيمان الحقيقي» و«الإيمان الكاذب»)، وكذلك فهو إيمان عن علم وتعهد وتحقيق وتفكير وتدبّر يتوقف عليه بلوغ المجتمع الديني.

7. العقلانية
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ‏﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾(الأنفال: 22). وقال أيضًا: ‏﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾(البقرة: 164).

إن العقل ـ من وجهة نظر الإسلام ـ هو منشأ المعرفة الإلهية. إن الإسلام يؤكد على تطوير الإدراك والاستفادة من العلم الذي يكون من منطلق العقل. ومن هنا كان تفكير ساعة ـ من وجهة نظر الإسلام ـ أفضل من عبادة سبعين سنة من دون تفكير أو تدبّر[41]. إن العقل ـ بالإضافة إلى الشرع والتعاليم الدينية ـ يلعب دورًا أساسيًا ومحوريًا في المجتمع الإسلامي، وإن العقل الديني يمنح الإنسان وعيًا اجتماعيًا. في المجتمع الديني لا يكون هناك أيّ انفصال بين العقل والشريعة أبدًا، بل يلعبان معًا دورًا مشتركًا في سعادة الإنسان.

8. التدبير الإلهي للأمور
قال الله تعالى: ‏﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾(السجدة: 5). إن القرآن الكريم يؤكد على أن الله سبحانه وتعالى هو المدبّر لعالم الخلق، ويُشير تارة إلى التدبير بعبارة: ‏﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾(الرعد: 2)، وتارة أخرى بعبارة: ‏﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(الحديد: 2). إن التدبير يعني إدارة الأمور على أساس الحكمة والمصلحة؛ بمعنى أن الله المدبّر لعالم الخلق هو الذي يدير العالم على أساس الحكمة والمصلحة. إن هذا النوع من المجتمع الذي يحكمه ذلك التدبير، يستفيد في جميع الأمور ـ السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية ـ من الحكمة والمصلحة، وهما ركنان رئيسان وأساسيان في إدارة هذا المجتمع.

9. محورية القانون
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ‏﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾(البقرة: 213). وقال أيضًا: ‏﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾(الإسراء: 15).
في المجتمع الديني يرى جميع أفراد المجتمع أنفسهم ملزمين برعاية القانون والعمل بتكاليفهم الشرعية. وقد اهتمّت القوانين والتشريعات الإسلامية بجميع الشؤون الفردية والاجتماعية للناس وكل أمر صغير أو كبير في حياتهم. ويقوم تنظيم العلاقات الحقوقية الواسعة والمتشعّبة في المجتمع الديني على ركيزتين، وهما: القوانين الإلهية والشريعة الإسلامية الموجودة في القرآن الكريم وسنة النبي وأهل بيته الأطهار، والركيزة الأخرى هي القوانين التي يتمّ وضعها على أساس مصالح الإسلام والمسلمين بالنظر إلى الظروف والمقتضيات والمتغيّرات الزمنية على يد الحاكم الإسلامي. إن الغاية من التقنين والتشريع في المجتمع الديني عبارة عن إيصال الناس إلى الكمال الروحي والأخلاقي، لكي يتمّ بذلك توفير الإمكانية للقرب من الله سبحانه وتعالى، وتتجلى خلافة الله في وجود الإنسان.

10. البحث عن الكمال
لقد تمّ تعريف الإنسان في القرآن الكريم بوصفه كائنًا متعدّد الأبعاد، وقد تمّ الاهتمام بجميع أبعاده. إن كمال الإنسان رهن بأن تتعاضد جميع أبعاده الوجودية فيما بينها، وأن تنمو وتزدهر بشكل متناسق، وأن تصل جميع قابلياته وإمكانيته ـ سواء في البُعد الروحي أو المادي ـ إلى مرحلة الفعلية على النحو المنشود والمطلوب. إن الله سبحانه وتعالى ـ في البيان القرآني ـ هو الكمال المطلق، ويجب على كل من يريد الوصول إلى الكمال أن يستعين به بوصفه هو الخالق والمدبر والهادي لكل موجود في مسار الكمال، وأن يتمسك به وبأحكامه وتعاليمه السماوية، لكي تتوفّر الأرضية لكماله. ومن هنا فإن الله هو غاية الكمال وهو المسار إلى الكمال، وهو العنصر والموجب لإيجاد الكمال في الأشخاص. وقد تمّ بيان هذه الحقيقة في الآية الثالثة والثمانين من سورة الأنعام، والآية السادسة والسبعين بعد المئة من سورة الأعراف، والآية السادسة والسبعين من سورة يوسف. إن الوصول إلى المنازل المعنوية والقرب من الله سبحانه وتعالى والاستفادة من كمالات ذلك الكمال المطلق ـ في ضوء هذه الآيات ـ إنما يكون في ظل العناية والمشيئة الإلهية، وهو الذي يوجد الكمال لدى الأشخاص أو يخلق الأرضيات المناسبة للاستفادة من الكمال. وعلى هذا الأساس فإن الله في الرؤية القرآنية هو المنشأ لجميع أنواع الكمال في داخل الإنسان وخارجه، وهذا الأمر إنما يتمّ بيانه على أساس الرؤية التوحيدية البحتة.
وفي سورة الانشقاق المباركة تمّ التعريف بغاية جهد ونشاط الإنسان بأنها عبارة عن لقاء الإنسان بربّه؛ بمعنى اكتساب الخصائص والصفات التي تجعل الإنسان أهلًا للتقرّب من الله سبحانه وتعالى[42].

11. المطالبة بالعزّة والكرامة
إن «العزّة» هي شدّة التماسك والقوّة والحالة الصلدة التي لا تقبل الانكسار. وإن «المطالبة بالعزّة» هي الحالة التي لا تسمح للشخص أن يكون مقهورًا أو مغلوبًا من قبل شخص أو شيء آخر[43]. إن الإنسان العزيز يحافظ في المجتمع الإسلامي على كرامته وسمعته ولا ينحني لأصحاب السلطة والثروات. إن الله سبحانه وتعالى عزيز ويهب العزّة لمن يشاء[44]. وعن الإمام علي، أنه قال: «فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ وَ إِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّه»[45]. وعلى هذا الأساس فإن المصدر الأصلي لعزّة الإنسان هو القوّة الأزلية لله سبحانه وتعالى. إن الإنسان العزيز له منزلة عالية عند الله وإن هذه المنزلة تؤدّي به إلى أن لا يقوم بفعل يؤدّي إلى غضب من أعطاه العزّة. إن الإنسان العزيز بالإضافة إلى ذلك يعتبر أبناء جلدته أعزّاء ويتعامل معهم بعزّة ويرفع من مكانتهم في المجتمع. إن العزّة في المجتمع تستوجب ازدهار وتفتق الطاقات البشرية وكذلك رعاية الآداب والاحترام في التعاطي مع الآخرين.

وكذلك فإن «الكرامة» تعني عظمة وقيمة وجود الإنسان. إن للإنسان ـ من وجهة نظر الإسلام ـ خلقة خاصة وأسمى من سائر الموجودات، وإن هذا الأمر يؤدّي إلى كرامة الإنسان وعلوّ شأنه على سائر الكائنات، وفي ذلك يقول الله تعالى: ‏﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾(الإسراء: 70).
إن الله سبحانه وتعالى كريم: ‏﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾(العلق: 3). وعليه فإن الفعل الذي يصدر عنه سوف يكون بدوره كريمًا أيضًا. وكذلك حيث الوجود مظهر الأسماء الإلهية الحُسنى، فهو مظهر لاسم الكريم الذي هو من أسماء الله، ويكون مخلوقًا على أساس الكرامة. وعلى هذا الأساس يجب على الإنسان بدوره ـ طبقًا لخلقه وعلى أساس تعاليم القرآن الكريم ـ أن يسعى إلى الحصول على الكرامة. وفي الواقع فإن الكرامة واحدة من أبرز خصائص المجتمع المثالي، وفي هذا المجتمع تمّ تنظيم وتأسيس جميع الضوابط والقوانين على أساس الكرامة الإنسانية.
يقوم السعي في المجتمع الإسلامي على أساس الحفاظ على هذه القيمة والفضيلة الإنسانية وصيانتها، بيد أن الكرامة ليست ذاتية فقط، بل هي اكتسابية أيضًا، وإن الإنسان بمقدوره أن يزيد من كرامته بواسطة القيام ببعض الأعمال. إن ملاك الحصول على الكرامة الاكتسابية هو الاختيار الواعي لطريق الكمال والتقوى في الحياة.

إن الحفاظ على الكرامة الإنسانية والعمل على تطويرها في المجتمع إنما يتحقق فيما إذا شكل النظام التربوي الناجع والمتبلور على أساس الدين، حاضنة مناسبة في ذلك المجتمع وبين الناس. يقول الإمام علي في نهج البلاغة: «وَ تَدَبَّرُوا أَحْوَالَ الْمَاضِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التَّمْحِيصِ 2635 وَ الْبَلَاءِ أَ لَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ الْخَلَائِقِ أَعْبَاءً وَ أَجْهَدَ الْعِبَادِ بَلَاءً وَ أَضْيَقَ أَهْلِ الدُّنْيا حالًا؟»[46] يُحدِّث المسلمون عن الشدائد الكثيرة التي مرّوا بها، وأنّ عزّتهم ورفعتهم إنما كانت بفضل ما تحمّلوه من المصاعب، حتى إنّ الله سبحانه، بفضل تلك الجهود والمجاهدات، أنقذهم من الضيق، وحوّل ذلّتهم إلى عزّة وكرامة، وخوفهم إلى أمن، وجعلهم حكّامًا وزعماء وقادة للبشر، وكانت هذه الكرامة من العِظَم بحيث لم يخطر لهم على بال.
إن الإنسان من خلال اكتساب الكرامة يميل نحو المكارم؛ إذ عندما يقوم المجتمع على أساس كرامة الإنسان، واكتسبت جميع الأمور صورة من الكرامة، تبرعم نبتة الميل إلى المكارم في وجود الإنسان. إن هذا الإنسان يرى نفسه أفضل من أن يقع في دنس المحارم والخبائث.

12. العلم والمعرفة
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ‏﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾(المجادلة: 11). إن الإسلام ينظر إلى العلم بوصفه مفهومًا مقدسًا يتمّ توظيفه في إطار العمل على وصول الإنسان إلى الكمال والسعادة، وعلى هذا الأساس فإنه يشترط اقتران العلم بالتوجّه إلى الله، ولا يعدّ مطلق «المعرفة» علمًا. ومن هنا فإنه يرى أن «الْعِلْمُ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ مَنْ يَشَاء»[47] من عباده. وقد صرّح القرآن الكريم في الآية الحادية عشرة من سورة المجادلة بأهمية العلم وأفضلية العلماء ورفعة مقامهم، وقال: ‏﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾(المجادلة: 11).
إن العلم والمعرفة من مباني المجتمع الإسلامي؛ وذلك لأن الذي يحكم في هذا المجتمع هو خليفة الله في الأرض، وإن خلافة الله بين الخلق ليست مجرّد مقام تشريفي، بل إن خليفة الله هو الذي يكون أولًا عالمًا بالأوامر والنواهي الإلهية، وثانيًا أن تكون لديه القدرة على امتثالها بين الناس. وعلى هذا الأساس فإن الذي لا يمتلك معرفة كاملة بالله وأسمائه، ولا يمتلك معرفة كافية بمخلوقات الله وأفعاله، لا يمكن أن يكون خليفة الله بين الخلق. ومن هنا نرى أن كل مخلوق هو أعلم بأسماء وصفات الله وكذلك بأفعال الله ويكون أعلم بمخلوقاته أيضًا، سوف يكون ـ من وجهة نظر القرآن الكريم ـ هو الأفضل، وبالتالي سوف يكون هو خليفة الله بين الناس. لقد تحدّث الله في الآيات من 31 إلى 35 من سورة البقرة عن قصّة خلق النبي آدم بوصفه خليفة الله في الأرض، وقال بأن علمه هو السبب في تفضيله على الملائكة، ويحتجّ عليهم على هذا الأساس. وقد اعتبر الله جميع الأنبياء معلمين للبشر[48]، وأوجب على جميع الناس أن يتعلموا منهم العلم والحكمة. وقد روي عن النبي الأكرم، أنه قال: «بِالتَّعْلِيمِ أُرْسِلْت»[49].

هناك الكثير من الآيات التي تشير في القرآن الكريم إلى موضوع العلم والمعرفة وأهميتها، حيث يمكن تقسيمها إلى خمسة أقسام:
أ. الآيات التي تتحدّث عن قيمة العلم وأهميته، من قبيل: الآية التاسعة من سورة الزمر، والآية الحادية عشرة من سورة المجادلة، والآية الأولى إلى الرابعة من سورة العلق، والآية الرابعة عشرة بعد المئة من سورة طه.
ب. الآيات التي تدعو إلى التدبّر والتفكير في خلق العالم، من قبيل الآية 129 من سورة البقرة، والآية 191 من سورة آل عمران، والآية 24 من سورة محمّد.
ج. الآيات التي تكشف لنا بعض الأمثلة من أسرار الطبيعة، وتدعونا إلى اكتشاف وقراءة المزيد في هذا الشأن، من قبيل: الآيات 24 إلى 27 من سورة عبس، والآية 19 من سورة الملك، والآيات 17 إلى 20 من سورة الغاشية.
د. الآيات التي تبيّن طرق زيادة العلم الكامن في وجود الإنسان نفسه، مثل العقل والوعي والعين والأذن وما إلى ذلك، كما في الآية رقم 179 من سورة الأعراف، والآية 171 من سورة البقرة.
هـ. الآيات التي تشير بوضوح إلى المسائل التي لم يتوصّل العلم في ذلك العصر إلى حلها؛ من قبيل خلق العالم والكائنات الحيّة في الكواكب الأخرى، وحركة الأرض، وخلق الإنسان.

13. الحرية
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ‏﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ‏﴾(الأعراف: 157). إن من بين أهداف الأنبياء، ضمان الحرية المعنوية للناس؛ بمعنى أنهم إنما بُعثوا ليكسروا القيود والأصفاد والأغلال التي تقيّد أيدي وأرجل الناس، كيما يتمكنوا من التحليق في سماء الكمال. إن لـ «الحرية» في الإسلام جذورًا إلهية، ويعدّ الكفاح والنضال من أجل الحرية واجبًا، وذلك لأنه نضال من أجل تحقيق أمر إلهي. في فضاء التفكير الإسلامي حيث يمثل التوحيد بجميع أقسامه حجر الأساس والركن الحصين في جميع المفاهيم والتصوّرات الإسلامية الأصيلة والأساسية، يلعب الرسم الصحيح لعلاقة الإنسان مع الله (علاقة العبودية) دورًا مهمًّا في تحقيق مقولة الحرية والاختيار للإنسان[50]. إن الإنسان في المجتمع الإسلامي يمتلك حرية حقيقية، قال الله سبحانه وتعالى: ‏﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾(البقرة: 256). وكلما تحرّر الإنسان من قيود وأغلال الأهواء النفسية، كان له حظ أكبر من هذه الحرية الحقيقية. إن الحرية واحدة من أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، وهي واجبة من أجل تطوير أفكاره وأقواله وأفعاله، وتستوجب ازدهار وتفتح عقله. إن المجتمع الإسلامي القائم على العقيدة الإلهية والدينية، يعمل على تعريف حريته بحيث تنسجم وتتماهى مع هذه العقيدة. إن الحرية من وجهة نظر الإسلام عبارة عن التحرر من العبودية لغير الله والحرية في كل شيء أباحه الله سبحانه وتعالى[51]. إن النفحة الأولى للحرية في الإسلام قد تمّ بيانها بعبارة «لا إله إلا الله»؛ وذلك لأن هذه الكلمة تشتمل على مختلف أنواع الحريات، من قبيل: التحرّر من عبادة الأصنام ومظاهر الشرك والعبودية واتباع الهوى والأنا وتأليه النفس الأمارة بالسوء. إن القبول بالفهم الإسلامي للحرية ـ بوصفها قيمة ـ يقتضي أن يشتمل المجتمع الإسلامي في مختلف مجالات التقنين وتشريع السياسات واتخاذ القرارات ورسم الخطط والمشاريع وتقديم الخدمات، صيانة الحريات الحقوقية والمعنوية بالإضافة إلى القيَم الجوهرية الأخرى من قبيل العدالة وما إلى ذلك.

14. الاتحاد
قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم: ‏﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾(آل عمران: 103). إن الاتحاد وعدم الافتراق يعدّ أساسًا وقوامًا لكل مجتمع. إن محور الاتحاد في المجتمع الإسلامي يجب أن يقوم على أساس الدين الإلهي، وليس على أساس العرق أو اللغة أو القومية وما إلى ذلك. إن الاتحاد عنصر في إيجاد حالة التآخي. وبذلك فإن الله سبحانه وتعالى يدعو جميع أفراد وأركان المجتمع الإسلامي إلى إقامة هذا الاتحاد والتلاحم. وإن هذا الاتحاد لا يمكن أن يقوم إلا على أساس الإيمان المدعوم بالوعي والإدراك العميق وتزكية النفس والتحرر من التعلّق بالأهواء النفسية. وعلى هذا الأساس فإن المجتمع الذي لا يزال أفراده يرسفون بقيود الجهل والعصبية والتعلق بالأحساب والأنساب والمزايا الدنيوية والأغلال والحدود الشيطانية، لا يمكنه العمل على تطبيق تعاليم الشريعة والقيَم الإسلامية المتعالية. إن الدعوة إلى الاتحاد واجتناب الفرقة، يُعدّ من بين أهم تعاليم القرآن وسيرة النبي الأكرم وأولياء الدين. لم يكن النبي الأكرم في صدر الإسلام يسمح بظهور أيّ بوادر للاختلاف والتشتت الفكري والاجتماعي بين أفراد الأمّة الإسلامية. إن تاريخ الإسلام خير شاهد على كيفية تحويل النبي الأكرم لصفوف المسلمين إلى بنيان مرصوص من خلال إقامة الاتحاد بينهم والحيلولة دون تشتتهم وتمزيق شملهم. وقد استفاد من الثمار الطيّبة للوحدة لصالح الإسلام ودعم المباني السياسية والاجتماعية والدفاعية للأمّة الإسلامية، وإقامة صف واحد من أمّة الإسلام، بحيث تتجلى بواسطته قوّة الإسلام وشوكته وعزّته في جميع المجالات والمواقع الأعم من محراب العبادة وميادين القتال، وفي جميع التحوّلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية[52]. وكذلك فإن سيرة أمير المؤمنين في إطار الحفاظ على وحدة المجتمع الإسلامي ـ من خلال التنازل عن حقه الثابت ـ يجب أن تعدّ على الدوام نموذجًا لاعتبار الأمة الإسلامية. وقد سعى أولياء الدين والأئمة المعصومين طوال حياتهم المباركة من أجل إقامة الاتحاد بين أبناء الأمّة الإسلامية والحفاظ على هذا الاتحاد.

أهداف المجتمع الديني (الإسلامي)
يمكن النظر إلى أهداف المجتمع الديني[53]، من زاويتين:
1. الزاوية الخارجية: إن الهدف النهائي للدين ـ من هذه الزاوية ـ هو شهود الله (الموجود اللامتناهي)، والهدف الوسيط له هو إقامة العدل والإحسان في نظام الوجود. وعلى هذا الأساس يجب توفير بعض الأرضيات لتحقيق هذا الهدف في المجتمع الديني، ومن بينها:

ـ بقاء وسلامة النفس والنسل.
ـ بقاء وسلامة العقل والتفكير.
ـ بقاء وسلامة الدين.
ـ بقاء وسلامة المجتمع.
ـ بقاء وسلامة البيئة.

2. الزاوية الداخلية: إن هدف وغاية الدين ـ من هذه الزاوية ـ عبارة عن:
ـ إقامة الارتباط والتواصل القلبي مع الله سبحانه وتعالى، كما في قوله عزّ وجَلّ:﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾(الحديد: 8). وقوله: ‏﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا‏‏﴾(النور: 55).
ـ إيجاد الأرضية للتفكير والتعقل، كما في قوله تعالى: ‏‏﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾(البقرة: 219 و266).
ـ الإدارة والحكومة العادلة، قال الله تعالى: ‏﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾(المائدة: 42)، وقال أيضًا: ‏‏﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾(الشورى: 15).
ـ إصلاح المجتمع وتطويره، قال الله سبحانه وتعالى: ‏‏﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾(الأعراف: 157).
ـ تعبيد الطريق من أجل الوصول إلى الكمال المطلق، قال تعالى: ‏﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾(الحج: 24).
ـ حركة الإنسان والمجتمع نحو الفطرة والحقيقة، قال تعالى: ‏‏﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾(الطلاق: 11).
ـ البشارة والتذكير بوجود حياة أبدية، قال الله تعالى: ‏‏﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾(مريم: 97).
ـ بيان النموذج العيني والواقعي للحياة، قال الله تعالى: ‏‏﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾(الأحزاب: 21).
ـ عالمية الدين، قال تعالى: ‏‏﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾(التوبة: 33؛ الفتح: 28؛ الصف: 9).
إن هذه الأهداف إنما تتحقق في وجود الناس وتسود في المجتمع الديني، حيث تقوم التربية الدينية أولًا: على أساس بناء رؤية تجاه تفسير العالم وبيان المجتمع والحياة في ضوء التوحيد. وثانيًا: العمل ـ من خلال تحديد الأطر القانونية العامة ـ على بيان الحدود اللازمة والتوجهات الأصلية للحياة المطلوبة، والأساليب والأدوات والأرضيات اللازمة من أجل التوجّه نحو هدف الحياة.

شؤون وخصائص المجتمع الديني (الإسلامي)
1. شؤون المجتمع الديني (الإسلامي)
إن المجتمع الإسلامي ـ في ضوء الرؤية التوحيدية ـ مجتمع أيديولوجي يستند إلى المعنوية والإيمان بالله، والوحي الإلهي وتعاليمه وتوجيهاته.
إن هذا المجتمع هو «الأمّة الوسط»[54]، وإن الحياة فيه مصداق للحياة في «الحياة الطيّبة»[55] التي تهتم بالدنيا والماديات وجسم الإنسان، كما تهتم بتقوية الروح والبُعد المعنوي للإنسان، وتحمل هاجس هدايته وسعادته وكماله، وصيانته من السقوط في الإفراط والتفريط.
هناك شؤون متعدّدة لهذا المجتمع، حيث تحقق هذا المفهوم الحيوي والمتكامل من خلال الارتباط والتعامل فيما بينها. يمكن التعريف بهذه الشؤون ـ من خلال الالتفات إلى مختلف الأبعاد الوجودية للإنسان، واستقلالها النسبي ـ على النحو الآتي:

أ. الشأن الديني (الاعتقادي والعبادي والأخلاقي) الناظر إلى معرفة النفس، ومعرفة الله، والإيمان بالله تعالى والاعتقاد بالمعاد والنبوّة وسائر العقائد الدينية في البُعد الاعتقادي، والناظر كذلك إلى الالتزام (العملي) الواعي والاختياري إلى نظام المعيار الديني في جميع شؤون الحياة في البُعد العبادي، والناظر إلى الجهود المتواصلة من أجل بناء النفس ورعاية الآداب واكتساب الصفات والفضائل الأخلاقية والحيلولة دون تبلور الصفات والرذائل غير الأخلاقية، والعمل على معالجتها في البُعد الأخلاقي.
ب. الشأن الحياتي والبدني الناظر إلى حفظ وارتقاء السلامة والصحّة الجسدية والنفسية لشخصه والآخرين، وتعزيز القوى الجسدية والنفسية، ومكافحة أسباب الضعف والمرض، والحفاظ على البيئة واحترام الطبيعة.
ج. الشأن الاجتماعي والسياسي الناظر إلى الارتباط المناسب مع الآخرين، والتعاطي المناسب مع مؤسسات الدولة وسائر المؤسسات المدنية والسياسية، واكتساب المعرفة والأخلاق الاجتماعية ومهارات التواصل.
د. الشأن الاقتصادي والحِرفي الناظر إلى مقدرات وقابليات الإنسان في تدبير أمر المعاش والنشاط الاقتصادي والحِرفي، والاهتمام ببسط العدالة الاقتصادية، ومراعاة قوانين التكسّب والعمل وأحكام المعاملات، والالتزام بالأخلاق والقيَم في العلاقات الاقتصادية.
هـ. الشأن العلمي والفني الناظر إلى قدرة أفراد المجتمع في فهم وإدراك أنواع المعارف والعلوم المفيدة والضرورية في الحياة، والحصول على مهارات التطوير العلمي، وتوظيف أسلوب التفكير العلمي والمنطقي في حل مسائل الحياة، والقدرة على التفكير النقدي، والإبداع والخلاقية في أنواع المعرفة، والحصول على العلم والرؤية والتفكير الفني من أجل تحسين كيفية الحياة اليومية.

2. خصائص المجتمع الإسلامي
إن المجتمع الإسلامي والأفراد الذين يعيشون فيه، يتميّزون بصفات خاصّة، لا نجدها متوفرة بأجمعها لدى سائر الناس في المجتمعات الأخرى. إن هذه الخصائص ـ بغض النظر عن ترتيبها ـ عبارة عن:
الحكومة: إن الدولة الإسلامية في هذا المجتمع تمارس مهام الحكومة المشروعة. إن الدولة الإسلامية هي تلك الدولة الكريمة التي كان يتمناها أفراد المجتمع الإسلامي على الدوام، وهي معيار عزّة وعظمة المجتمع الإسلامي، ومادّة القضاء على الشرك والكفر والنفاق. وعلى هذا الأساس فإن أعضاء المجتمع الإسلامي ليسوا منفصلين عن الدولة، بل يعمل الجميع بوصفهم أذرع لتقوية الدولة الإسلامية. إن الدولة الإسلامية عند التزاحم بين الحقوق الاجتماعية ووجود المصالح الأهم، يكون للمجتمع الإسلامي السيادة والسلطة السياسية والفقهية والدينية، ويكون حكمه متقدّمًا على حكم الأفراد والمجتمع. إن شرعية الحكومة في هذا المجتمع ليست شرعية جعلية واعتبارية وممنوحة من قبل الناس، بل الحكومة في المجتمع الإسلامي لها مشروعية ذاتية، وإن آراء الناس فيها إنما تلعب دور الجدوائية، بمعنى أن الناس من خلال إدراك محتوى الحكومة الدينية والإيمان بقانونيتها، تعمل على التصويت لها، وتعمل على إيصالها إلى مرحلة الجدوائية[56]. في ظل هذا المجتمع يتولى الصالحون والمتقون إدارة المجتمع وجميع المؤسسات والأركان السياسية والاجتماعية، ويكون هدف الحكومة هو تربية الناس وهدايتهم نحو التوحيد والنظام الإلهي، وفي ذلك يقول الله تعالى: ‏‏﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾(الشورى: 53). وعلى هذا الأساس فإن الدعائم الاقتصادية للمجتمع تقوم على أساس رفع حاجات الإنسان وفي إطار العمل على تكامله وتطوير طاقاته وقابلياته. وفي الأمور الثقافية والاجتماعية يُعدّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة عامة، حيث يشارك جميع الأفراد في أمر التربية والإرشاد والهداية في المجتمع[57]. إن جميع وسائل التواصل الاجتماعي في خدمة نشر الثقافة الإسلامية وتربية الناس، ونعمل على التعريف بالمجتمع الإسلامي بوصفه نموذجًا وقدوة لجميع المجتمات والشعوب في العالم. وفي الأمور السياسية والأمنية تكون القوّات المسلحة في طليعة المدافعين عن الإسلام والدولة الإسلامية وتعمل بواجبها في الجهاد في سبيل الله وبسط دعائم الحكومة الإلهية.

الثقافة: إن المجتمع الديني يغتذي على الثقافة الإسلامية، وإن الأفكار والأهداف والسُبُل والتشريعات والمسالك والقرارات والقوانين والدساتير، إنما تنشأ بأجمعها من الدين؛ بمعنى أن المجتمع والدين يتحدان ويصبحان شيئًا واحدًا.
الأحكام والقوانين: إن المجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي تحكمه الأحكام والقوانين الإلهية، وليس الأحكام والقوانين الموضوعة من قبل البشر. ولتقريب الأمر إلى الذهن يمكن تشبيه العلاقة بين الإسلام والمجتمع بالعلاقة بين الكل والجزء. على الرغم من أن الجزء مستقل في ذاته عن الكل، والكل في ذاته يرتبط بالجزء، إلا إن الكل ليس شيئًا آخر سوى أجزاء المجتمع. وهكذا فإن الإسلام في حدّ ذاته قد ارتبط بنوع خاص من المجتمع[58].

العلاقات البشرية: لقد تمّ اعتبار العلاقات البشرية ـ في هذا المجتمع ـ منضبطة، وقائمة على أسس وحدود معيّنة. إن العلاقات البشرية في ظل هذا النوع من المجتمع، تقوم على أساس الأخلاقيات الثابتة والمطلقة والمقدسة، وعلى هذا الأساس فإن الملاكات الأصلية في العلاقات البشرية لا تتغيّر بتغيّر أشكال الحياة. وذلك كما روي في الحديث عن الإمام الصادق، حيث قال: «حَلَالُ مُحَمَّدٍ حَلَالٌ أَبَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ حَرَامُهُ حَرَامٌ أَبَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَكُونُ غَيْرُهُ وَ لَا يَجِي‏ءُ غَيْرُه»[59].

طرق بناء المجتمع المثالي الإسلامي
إن الخطوة الأولى والأهم في طريق بناء المجتمع المثالي والمنشود من وجهة نظر الإسلام، هي التأسّي والاقتداء بأولياء الله وإطاعتهم. إن الإنسان في مسار القرب من الله والحصول على مقام الخلافة الإلهية، يجب عليه تلبية دعوة الله والنبي نحو المجتمع المثالي الإسلامي، وأن يسعى من أجل تبلور القيَم الإلهية في وجوده، ثم العمل بعد ذلك على تحقيقها في وجود الآخرين في إطار بلورة وإعلاء شأن المجتمع الصالح. وأما الهداية الإلهية فهي بالإضافة إلى الهداية (الإرشاد إلى الطريق)، توفر الأرضية لوصول السالكين إلى الغاية (الوصول إلى المطلوب) أيضًا. وعلى هذا الأساس فإن الله سبحانه وتعالى قد أوجب على الجميع القبول بولاية الإنسان الكامل (الأئمة والأولياء الذين كان النبي الأكرم والأئمة الأطهار هم الأكمل والمصداق الأتم لهذا الإنسان) بمنزلة قادة هذا المسار الصعب، والمعلمين الحقيقيين للإنسان. وعلى هذا الأساس فإن مودتهم والقبول بولايتهم والتبعية العملية لهم في جميع أبعاد وشؤون الحياة، تؤدّي إلى بلوغ مراتب الأهداف الإسلامية في جميع الأبعاد الفردية والاجتماعية.

إن بناء المجتمع المثالي بالإضافة إلى توقفه على القبول بولاية أولياء الله، فهو كذلك رهن بالبصيرة ومعرفة أعداء الله (الطاغوت)، وأعداء طريق الله (الذين يصدّون عن سبيل الله)، ومواجهتهم ومحاربتهم (الجهاد في سبيل الله). وعلى هذا الأساس يجب العمل في حدود القدرة على إزالة العقبات والموانع التي يضعها هؤلاء في مسار الحركة الواعية والاختيارية للعباد في طريقهم إلى القرب من الله سبحانه وتعالى، وتحقيق مراتب المجتمع الإسلامي المثالي في جميع الأبعاد.
إن استعداد أفراد المجتمع من أجل التحقيق الواعي والاختياري للمجتمع المثالي الإسلامي يُعدّ من أهمّ الأرضيات لتحقق هذا النوع من الحياة. إن تبلور المجتمع المثالي الإسلامي إنما يكون ممكنًا في ظل المشيئة والهداية الإلهية والحصول على عنايته، على أساس السنن الإلهية ولزوم الاستناد إلى الأسباب والعلل، وهذا الأمر المهم يحتاج إلى تمهيد أنواع المقدمات والأرضيات والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المناسبة. وفي هذا الشأن لا شك في لزوم أن يستعد آحاد أفراد المجتمع من خلال اكتساب المؤهلات الضرورية، ليصبحوا من الصالحين، وأن يستعدوا للتحقيق الواعي والاختياري لمراتب المجتمع الإسلامي المثالي في جميع الأبعاد، لينتج عن ذلك استعداد البيئة الاجتماعية بدورها لبناء المجتمع الصالح. وعلى هذا الأساس تقع على عاتق المؤسسات الاجتماعية وكل واحد من الأفراد وظائف ومسؤوليات خاصة من أجل بناء هذا المجتمع، ويجب عليهم السعي في هذا الاتجاه.

المصادر
أفلاطون، دوره آثار أفلاطون (الأعمال الكاملة لأفلاطون)، الترجمة: محمّد حسن لطفي ورضا كاوياني، ‏طهران، انتشارات خوارزمي، 1349ش.
أكبري، حسن علي، حيات طيبه، طهران، انتشارات كوثر، 1381ش.
پوپر، كارل، جامعه باز ودشمنان آن (المجتمع المفتوح وأعداؤه)، الترجمة: عزت الله فولادوند، طهران، شركت ‏سهامي انتشارات خوارزمي، 1366ش.
الجوادي الآملي، عبد الله، فلسفه حقوق بشر (فلسفة حقوق الإنسان)، قم، مركز نشر إسراء، 1375ش.
خامنه‌اي، السيّد علي، ولايت وحكومت، طهران، انتشارات صهبا، ط4، 1394ش.
دلشاد طهراني، مصطفى، منظر مهر: مباني تربيت در نهج البلاغة، طهران، انتشارات دريا، 1379 ‏ش.
شعيري، محمّد بن محمّد، جامع الأخبار، النجف الاشرف، المطبعة الحيدرية، [د.ت.].
العلامة الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، ترجمه تفسير الميزان، الترجمة: محمّد ‏باقر موسوي همداني، قم، دفتر انتشارات اسلامي جامعه مدرسين حوزه علميه، 1363ش.
فيرحي، داود، نظام سياسي ودولت در اسلام (النظام السياسي والدولة في الإسلام)، طهران، سازمان مطالعه وتدوين كتب علوم انساني دانشگاه‌ها (سمت)، 1382ش.
قربان‌زاده، محمّد، «مباني جامعه ديني در قرآن» (أسس المجتمع الديني في القرآن)، مجلة سفير، السنة الخامسة، العدد: 18، (صيف عام: 1390 هـ ش).
الكليني، محمّد بن يعقوب، أصول الكافي، الترجمة وشرحه: محمّد باقر ‏كمره‌اي، طهران، انتشارات أسوه (وابسته به سازمان اوقاف وامور خيريه)، ط 1، 1372ش.
لاريجاني، محمّد جواد، حكومت: مباحثي در مشروعيت وكارآمدي (الحكومة: مباحث في المشروعية والفاعلية)، طهران، ‏انتشارات سروش، ‏‏1373ش.
المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1374ش.
مصباح الشريعة، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، 1400هـ‏.
المطهّري، مرتضى، آشنائي با قرآن (مدخل إلى القرآن)، طهران، انتشارات صدرا، 1380ش.
ـــــــــــــــ، پيرامون انقلاب اسلامي: مجموعه يادداشت‌ها، سخنراني‌ها ومصاحبه‌هاي استاد شهيد مرتضى مطهري، قم، دفتر انتشارات اسلامي جامعه مدرسين حوزه علميه قم، 1361ش.
مور، توماس، آرمانشهر (يوتوبيا)، الترجمة: داريوش آشوري ونادر افشار نادري، ‏طهران، شركت سهامي انتشارات خوارزمي، 1371ش.
الموسوي الخميني، سيّدروح‌الله، ولايت فقيه: حكومت اسلامي، قم، مؤسسه تنظيم ونشر آثار امام خميني، 1373ش.
مير‌مدرس، موسى، جامعه برين: جستاري در جامعه مدني وجامعه ديني، قم، بوستان كتاب (انتشارات ‏دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم)، 1380ش.
نصر، سيّدحسين، آرمان‌ها وواقعيت‌هاي اسلام (المثل العليا والوقائع في الإسلام)، الترجمة: إن شاء الله رحمتي، ‏طهران، انتشارات جامي، 1382ش.
واسطي، عبد الحميد، نگرشي سيستمي به دين: بررسي هويت استراتژيك دين، مشهد، مؤسسة مطالعات ‏راهبردي علوم ومعارف اسلام، 1388ش.

--------------------------------------------
[1]. . المصدر: المقالة بعنوان «جامعه ديني؛ مباني، اهداف وراه‌های تحقق آن»، فصلٌ من کتاب جامعه‌شناسي تربيت ديني‏، قم، منشورات موسسة آموزشي وپژوهشي امام خميني، 1398 هـ.ش، الصفحات 65 إلى 110‏‎.‎
تعريب: حسن علي مطر
[2]. أستاذ مساعد في موسسة آموزشي وپژوهشي امام خميني.
[3]. خامنه‌اي، ولايت وحكومت، 163 ـ 184.
[4]. الطباطبائي، الميزان، 29: 217.
[5]. م. ن. وانظر أيضًا: م. ن، ج15: تفسير الآية الخامسة والخمسين من سورة النور.
[6]. انظر: أفلاطون، دوره آثار أفلاطون، ج4 و6. وانظر أيضًا: پوپر، جامعه باز ودشمنان آن، ج 1 و2. (حيث يحتوي الفصل الأول من الكتاب بأجمعه على مطالب تحت عنوان «افسون افلاطون»).
[7]. Francis Bacon
[8]. Tommaso Campanella
[9]. لقد ذكر مؤلف كتاب تاريخ در ترازو أسماء ستة وعشرين مفكرًا وكاتبًا من المسلمين وغير المسلمين، من الذين ألفوا الكتب في تصوير المجتمع المثالي والمدينة الفاضلة. وقد عمد من بين الآراء والنظريات إلى تناول آراء أفلاطون والفارابي وتوماس مور وفرانسيس بيكون وتوماسو كامبانلا بشرح مختصر. (انظر: عبد الحسين زرين‌كوب، تاريخ در ترازو، الفصل الحادي عشر).
[10]. ميرمدرس، جامعه برين: جستاري در جامعه مدني وجامعه ديني، 209.
[11]. سوف نعمل في الفصول القادمة على تعداد خصائص المجتمع المثالي.
[12]. Secular
[13]. Laic
[14]. Instrumental Reason
[15]. فيرحي، نظام سياسي ودولت در اسلام، 243.
[16]. الموسوي الخميني، ولايت فقيه: حكومت اسلامي، 40.
[17]. الأنظمة غير الدينية
[18]. بحث علمي على هامش تفسير الآية السادسة والعشرين من سورة آل عمران. (انظر: الطباطبائي، الميزان، 3: 230).
[19]. قربان‌زاده، «مباني جامعه ديني در قرآن»، 51.
[20]. المطهّري، آشنائي با قرآن، 2: 98.
[21]. : {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}، المؤمنون: 115؛ و {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}، ص: 27، و {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ}، الدخان: 38.
[22]. نصر، آرمان‌ها وواقعيت‌هاي اسلام، 35.
[23]. {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}، ق: 16. و {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}، الأنعام: 24.
[24]. الكليني، أصول الكافي، 5: 266.
[25]. وعلى هذا المعنى تدل الآيات رقم: 25 من سورة الحديد، و58 و105 و135 من سورة النساء، والآية رقم: 90 و123 و143 من سورة البقرة، وغيرها.
[26]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}، النساء: 135.
[27]. من قبيل العدالة في العلاقات القائمة بين الزوج والزوجة أو علاقة الوالدين بأولادهم، كما في قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا}، النساء: 3.
[28]. {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}، الأنعام: 152.
[29]. {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا... فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، الحجرات: 9.
[30]. {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}، النساء: 119.
[31]. الشعيري، جامع الأخبار، 119.
[32]. الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 4: 20، و12: 332.
[33]. {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}، الإسراء: 7.
[34]. {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى}، النساء: 36.
[35]. { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}، البقرة: 178.
[36]. {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، هود: 115.
[37]. {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ}، الإسراء: 53.
[38]. {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}، فصّلت: 34.
[39]. {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، النور: 55.
[40]. المطهّري، پيرامون انقلاب اسلامي، 135.
[41]. المجلسي، بحار الأنوار، 69: 293.
[42]. {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيه}، الانشقاق: 6.
[43]. دلشاد طهراني، منظر مهر: مباني تربيت در نهج البلاغة، 383.
[44]. {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}، فاطر: 10.
[45]. نهج البلاغة، الكتاب رقم: 53.
[46]. نهج البلاغة، الخطبة رقم: 192.
[47]. مصباح الشريعة، 16.
[48]. البقرة: 129.
[49]. المجلسي، بحار الأنوار، 1: 206.
[50]. إن العبودية تعني التناغم والتماهي مع نظام التشريع والحركة الاختيارية والواعية للإنسان في مسار الكمال المعنوي والأخلاقي، حيث يمكن تحديد الخطوط العريضة له بالوحي والفطرة الإنسانية.
[51]. الجوادي الآملي، فلسفه حقوق بشر، 189.
[52]. لقد كان الدور التوجيهي للنبي الأكرم من أجل إقامة الاتحاد بين أفراد الأمّة الإسلامية، يتجلى على ثلاثة أنحاء، وهي كالآتي: أ. السعي إلى بناء أمّة واحدة على أساس المعايير القرآنية والإلهية. ب. تعليم ثقافة المشاركة وتقاسم المسؤولية. ج. اجتثاث جذور الاختلاف على المستويين النظري والعملي.
[53]. واسطي، نگرشي سيستمي به دين: بررسي هويت استراتژيك دين، 105 ـ 109.
[54]. {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}، البقرة: 143.
[55]. {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}، النحل: 97.
[56]. لاريجاني، حكومت: مباحثي در مشروعيت وكارآمدي، 47.
[57]. أكبري، حيات طيبه.
[58]. لاريجاني، حكومت: مباحثي در مشروعيت وكارآمدي، 47.
[59]. الكليني، أصول الكافي، 1: 58.
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف