البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

هيكلية فلسفة النظام الاجتماعي في الإسلام

الباحث :  حسين فخر زارع
تاريخ إضافة البحث :  March / 25 / 2026
عدد زيارات البحث :  150
من جملة البحوث المهمة في العلوم الإنسانية مبحث النظام، وصناعة النظام، وصياغة النظام. صياغة النظام، في خطاب من الخطابات، عملية معقدة تحصل تدريجيًا وتستغرق وقتًا طويلًا، وتفضي إلى نظام جديد يتلائم مع المرتكزات والقيم والأعراف الخاصة بالرؤية الكونية التي تسود ذلك النظام في مناهجية مناسبة، وتضمن التحركات والتحولات التي تحصل في المجتمعات.
وحيث إن التحولات في النظام الاجتماعي تؤدي، من حيث التأثير والدوام والإلهام، إلى تطور في البنى والأنظمة الأخرى[3] لذلك يكتسب بحث فلسفة النظام الاجتماعي هو الآخر أهمية أساسية. ومن جملة هذه الاهتمامات الأسئلة التالية: ما هي العناصر الأساسية لنظام من الأنظمة الاجتماعية؟ وما هو العنصر المركزي فيه بوصفه الدال الأعلى؟ وما طبيعة ترابط وتعاضد هذه العناصر والمكوّنات وتراتبيتها؟ وأساسًا، هل النظام تأسيسي أم إنه إمضائي، وعلى أساس أيّ منهج يقوم؟ فلسفة النظام الاجتماعي في الإسلام رؤية تعرض أصولًا وقواعد أساسية لتشكيل المجتمع وتكريسه، وتؤشر على طبيعة رؤية هذا النظام وتصوراته فيما يتعلق بكيفية المجتمع وركائز الحياة الاجتماعية وسلوك الأفراد. والواقع أنه بالمقدور اكتشاف سلسلة منتظمة من الأصول والنظريات المستمدة من التعاليم الإسلامية، تُعالَج فيها أسسُ الحكمة والمواد الخام لصناعة فلسفة اجتماعية، ويمكن إعادة إنتاجها عن طريق البراهين والأدلة وبتبيينات فلسفية.

تتجاوز البحوثُ التي تطرح في مثل هذه التحليلات مقامَ التوصيف وتهتم بالتحليلات المفهومية والتنظيرات الفلسفية والأخلاقية لتقوم عن طريق هيكلتها الكلية بإرساء اللبنات الحقيقية للتأمل في المجتمع والاجتماع، وصولًا إلى نوع من الفهم الاجتماعي. والفهم الاجتماعي يعني تعليل حقيقة الظواهر الاجتماعية، وبيان مبادئها وتبيين وتسويغ ماهيتها واستحقاقاتها وتبعاتها، وهو ما يعبِّر عن سبر معاني الظواهر والمفاهيم الاجتماعية بالمعنى الأعم والعثور على معانيها ورسم حدودها. تربط هذه البحوثُ الموضوعات الاجتماعية بحقيقة المسائل، وتبين جميع المفاهيم المرتبطة بها (بما في ذلك الدراسة حول أسئلة تتعلق بالنظام الاجتماعي والأصول والقواعد الأصلية لتشكيل المجتمع وتكريسه) ضمن شبكة منسجمة منظمة وبالإحالة إلى قضية محورية.
سببية المجالات السلوكية وكيفيتها ودراستها من جملة القضايا المهمة في كل نظام، والتي تعد سائر القضايا فرعية بالنسبة لها وتتوجَّه بهديها وتوجيهها. تهتم هذه القضية في النظام الاجتماعي الإسلامي بكلا زوايتي الفاعل[4] والبنية[5] وذلك في ضوء أفق خارجي وبنى داخلية وبالنظر للمعارف والمعطيات الحصولية والحضورية، وتتابع كل النظام في إطار عملية غائية يشكل المنطق التوحيدي نواتها المركزية. لذا فالإجابة عن الأسئلة القائلة: هل يمكن استنباط أطروحة لنظام اجتماعي من المصادر الإسلامية؟ وكيف ستكون ماهية وصياغة شبكة العلاقات فيه؟ هي من اهتمامات هذه الدراسة. ولذا فإن معرفة وبناء تبيين فلسفي دقيق وشامل من شأنه أن ينظم الأسلوب البنيوي للمباحث الأخرى في النظام الاجتماعي، وتعود ضرورة هذه التبيينات إلى أنه لا يمكن من دون البحث في نظام متجانس ومنسجم في التحليلات الموسّعة، الخوض في تحليل المباحث الجزئية وترابطها من قبيل المجتمع، والاجتماع، والأدوار، والجماعات، والمؤسسات. والواقع أن هذا البحث يحاول بنظرة كلية عقلانية الإجابة عن ماهية النظام الاجتماعي الإسلامي وأهدافه ومبانيه ومناهجه ومكانته بين سائر البحوث الاجتماعية.

سوابق البحث
إذا كان القصد من النظام الاجتماعي البحث عن تكوينه على شكل مجتمع، فميكن العثور على جذوره وسوابقه الأولى - والتي تعيد إلى الذهن غالبًا المجتمع المديني وظاهرة سكن المدن - في كتابات وآثار الفلاسفة اليونانيين والعلماء المسلمين. ومن هذا القبيل البحث في الاجتماعات الكاملة أو المجتمع والاجتماعات الناقصة[6]؛ أمّا إذا كان القصد نظامًا معنائيًا ومعرفيًا ممكن الإدراك على صعيد تجريدي، فبالإمكان ملاحظته أيضًا في أفكار أولئك الفلاسفة. وتعابير من قبيل «المدنية الطبيعية» لأرسطو في كتابه السياسة، والإنسان مدني بالطبع» للفارابي في كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة، و«المجتمع» في كتاب أخلاق ناصري للخواجة نصير الدين الطوسي الذي كان أول من طرح مفهوم «أصالة النظام الاجتماعي» بالمعنى الفلسفي للكلمة، تنتمي كلها إلى مثل هذه الرؤية.

وقد أطلق علماءُ الاجتماع، اعتمادًا على معطيات صريحة وإيجابية، وبالنظر للأبعاد الإثباتية الوضعية، حجمًا كبيرًا من الأدبيات الاجتماعية على صعيد «الأنظمة الاجتماعية» وضمن مباحث «الوظيفية البنيوية» في القرن العشرين. كمثال لذلك أطلق پارسونز نظرية «الفعل الاجتماعي» معتبرًا فيها النظام الاجتماعي نموذجًا تعامليًا يقوم على مجموعة من الأدوار، والظروف، القيم، والأعراف، ويؤثر الفاعلون فيه بعضهم على بعض في إطار علاقات متبادلة[7]. واعتبر پارسونز النظام العام للفعل مكوَّنًا من أربعة نظم فرعية هي: الشخصية، والعضوية السلوكية، والعضوية الاجتماعية، والعضوية الثقافية، والتي لها أربع وظائف عملانية هي التأقلم مع المحيط، وبلوغ الأهداف، والتلاحم، والحفاظ على النموذج[8]. وقد بلغت مثل هذه النظريات الموسعة ذروتها وأوج انتشارها في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين على وجه الخصوص، لكنها سرعان ما آلت إلى الأفول والتلاشي بسبب بعض حالات الحيرة والتخبّط واتّباعها أيديولوجيا محافظة وتشديدها المفرط على تلقي الفاعلين وتوقفهم بوصفهم عناصر منفعلة في عملية التقبل الاجتماعي[9]. وقد كانت نظرية الأنظمة العامة نزعة أخرى من النزعات المناهجية في العلوم الحديثة ظهرت في بدايات القرن العشرين للعثور على حل ومهرب من أزمة المعرفة العلمية، واحتلت مكانة لها بين الأفكار العلمية بواسطة ل. فون برتالنفي الذي أطلق مفهوم «الجوارح» أو «الأعضاء»[10]؛ على أن هذه النظرية عانت هي الأخرى من بعض الالتباسات والتناقضات الداخلية[11].

وبالمستطاع أيضًا ملاحظة تأملات لافتة نسبيًا حول فلسفة العلوم الاجتماعية في المؤلفات الاجتماعية لكتّاب معاصرين منهم آلن راين في كتابه فلسفة العلوم الاجتماعية[12]، وآندرو ساير في كتابه المنهج في العلوم الاجتماعية[13]، وبرايان في وما قدّمه في كتابه معرفة البارادايم لِلعلوم الإنسانية والفلسفة المعاصرة للعلوم الاجتماعية[14]، ودانيل ليتل في كتابه التبيين في العلوم الاجتماعية[15]، وتد بنتون في كتابه فلسفة العلوم الاجتماعية.. الأسس الفلسفية للفكر الاجتماعي[16]، وهي كتابات تتضمن طبعًا مباحث حول فلسفة الاجتماع وفلسفة النظام الاجتماعي بأحدث قراءاتها وتحديثاتها.
ومن بين المفكرين والعلماء الشيعة مع أن للفارابي والخواجة نصير الدين الطوسي وسواهما عبارات دالة على وجود المجتمع على شكل نظام مترابط، بيد أن الطرح الجاد لهذه المباحث جاء على يد المرحوم العلامة الطباطبائي وخصوصًا في تفسيره الآية 200 من سورة آل عمران، ومن بعده الشهيد محمّد باقر الصدر في كتابه المدرسة القرآنية، والشهيد مرتضى المطهري في كتاب المجتمع والتاريخ (جامعه وتاريخ)، والشيخ مصباح اليزدي في كتابه المجتمع والتاريخ من منظار القرآن (جامعه وتاريخ از ديدگاه قرآن)، وفي الفترة الأخيرة على يد أساتذة مثل حميد پارسانيا في العوالم الاجتماعية (جهان‌هاي اجتماعي)، وحسن خيري في النظام الاجتماعي في الإسلام (نظام اجتماعي در اسلام) حيث قدموا الحجم الأكبر من النتاجات والأدبيات العلمية في هذا المضمار، غير أن كل واحد من هؤلاء الأعلام وكتاباتهم تناولت جانبًا واحدًا فقط من هذا المبحث.

مفاهيم ذات صلة
الفلسفة تعني المعرفة العقلانية للوجود وأحكام الوجود، أو هي بعبارة أخرى: العلم بأحوال الوجود بما هو وجود[17]. وبإضافة قيود مثل العلم، والنظام، والسلوك وأمور غيرها تغدو بمعنى مجموعة التأملات النظرية المنتظمة والعقلانية والمتعالية لعلم الوجود وماهية المعرفة فيما يتعلق بعلم من العلوم أو أمور أخرى. لذا ففلسفة الاجتماع أو (الفلسفة الاجتماعية) مثل كل الفلسفات المضافة تدرس الأحكام الكلية لموضوعها، وتخوض بنظرة خارجية في تحليل فلسفة السلوكيات والعلاقات المنطقية بين أجزائها الداخلية، وتتطرق لدراسة كثير من القضايا الأساسية التي تتعلق بأساس النظام الاجتماعي وملامحه الرئيسية ومسوغات وجوده. وفي ضوء ذلك تبدو فلسفة النظام الاجتماعي سلسلة رؤى وتصورات فلسفية حول السلوكيات داخل المؤسسات والتي تدرس ماهية النظام الاجتماعي ومرتكزاته وأسسه وأهدافه وشؤونه الكلية. وبإضافة قيد (الإسلامي) تكون الدراسة متقيدة بالمعارف والتعاليم الإسلامية، وراصدة لآفات النظام الاجتماعي القائم وعيوبه ونواقصه، ودالة على النماذج والأوامر والنواهي (الينبغيات) المنشودة لنظام محبّذ. على هذا الأساس فإن فلسفة نظام الأفعال الاجتماعية هي علم الدراسة العقلانية المنظومية للسلوكيات الجمعية الهادفة وذات المعنى. إنه العلم الذي يتطرق لماهية ومصدر وأسباب وكيفية هذه النظم السلوكية في المجتمع. يعتقد البعض أن المحتوى الواقعي للنظام هو بنية الفعل والمقولات التي يمكن بفضلها تعريف النظام بوصفه بنية. وعليه فالنظام الاجتماعي قبل كل شيء شبكة من العلاقات المتبادلة بين الأفراد والجماعات تربط بين عوامل وعناصر كثيرة[18]؛ ولذا فإن أي عامل في النظام ينظر إليه ضمن شبكة من العوامل التي تقابله ويتعاطى معها. يرنو أصحاب هذا السنخ من البحوث إلى مناقشة موضوع الدراسات الاجتماعية وتبيين أحكامه وعوارضه من قبيل: تعريفه، بنيته، مناهجه، وغايته، ويخوض في الأنظمة المحبذة المرتقبة التي تتقدم بالمجتمع إلى الأمام[19].

مديات النظام الاجتماعي
تطلق كلمة النظام على أية علاقة بنيوية منتظمة لها نموذجها المحتذى بين مجموعة من العناصر، والتي تمنح في بعض الحالات كلًّا ما شكله أو وحدته[20]. يتمتع هذا المفهوم التجريدي والنظري – الذي يستخدم لتوصيف مجموعة منسجمة ومترابطة من النشاطات الكلية ذات الموضوع الواحد والهدف الواحد والمنهج الواحد – بوحدة مبنائية، ويرنو إلى الإجابة عن مسألة أو مسائل في مجتمع متواشج. الكيفية المتلاحمة للنظام من شأنها أن تتمتع جميع وحداتها البنيوية والجزئية الداخلية فيها بتناغم متبادل فيما بينها. وليس لمديات هذا النظام حدود معينة وهو يتمدد ويتسع بتعقد العلاقات الاجتماعية، ويذيب جميع العناصر الاجتماعية في داخله ويسوّغها. والواقع أن ما وراء النظام أمر لا يمكن مشاهدته بسبب طابعه التجريدي، وإذا أمكن تعيين حدود له في ضوء المعطيات والعلوم والاكتشافات المتوفرة فإن هذه الحدود تبقى مؤقتة غير دائمية، ولو أردنا تشبيهها بشيء أمكن تشبيهها بنظرتنا للأفق الذي يمتد إلى حدود انحناء الأرض، بيد أن الأرض غير محصورة في هذه الحدود الممكنة المشاهدة، أو هي من قبيل النظر إلى السماء حيث يمتد النظر طبعًا إلى حدود معينة ولا يمكن القول إن هذه الحدود المرئية هي حدود السماء. وإن رسم هذا المعنى في النظام الثقافي والاجتماعي أصعب بكثير، إذ في هذا النظام الزاخر بالرموز والمعاني والمفاهيم الذهنية نادرًا ما يرضخ هذا النظام لجغرافيا معينة أو لبنية عينية محددة.
للنظام ثلاثة أبعاد أساسية أحدها فكري، والثاني قيمي، والثالث سلوكي. والآصرة بين هذه الأبعاد الثلاثة لا تنفصم، ولا يتسنى تبيين أحد الأبعاد من دون أخذ البعدين الآخرين بالحسبان. لذلك كانت دراسة النظام الاجتماعي دراسة للماهية الكلية للمجتمع والحياة الاجتماعية للبشر بكل أبعادها، وليست دراسة لحيوات البشر الفردية.

إن معاينة النظام تقربنا من فهم بنيوي يحاول استيعاب ماهية متناسجة حيّة متقابلة في كل هذا النظام الاجتماعي، وباستخدام هادف للعناصر المتفرقة وتوجيه القدرات المختلفة باتجاه واحد، يقربنا هذا الفهمُ من وعي عميق منتظم للمفاهيم والمعارف، وهذا ما يستدعي صياغة وحدة الأجزاء المتناسجة على شكل هوية مستقلة والوصول إلى كل واحد متلاحم[21]. يعبِّر هذا الفهم المنتظم عن حقيقة أنه ما من جزء من ظاهرة من الظواهر يمكن تحليله بمعزل عن الجزء أو الأجزاء الأخرى، وأن التلاحم والتضامن العضوي بينها يخلق هوية واحدة منسجمة. في الكل المنسجم ترتبط الأجزاء والأدوار الشخصية المختلفة فيما بينها بعلاقات نماذجية معينة ومعقدة، وتؤخذ بالحسبان ضمن تأثيراتها المتبادلة في نطاق عملية منطقية ترمي إلى هدف أو أهداف معينة وتشكل نظامًا. إن البحث حول فلسفة النظام ممكن الإدراك ضمن جانبين ضروريين كلاهما، فهو إمّا بمعنى البحث الأنطولوجي والماهوي لجذر فكرة منظومية، أو هو بحث حول كلٍّ بمعنى منحىً عام للظواهر واستحقاقاتها توصلت إلى الوحدة ضمن فكرة معينة وطبقًا لمنطق ورؤية كونية واحدة؛ ومثال ذلك النظام الاجتماعي الإسلامي الذي يمكن اكتشافه في المصادر الدينية واستنباطه منها. إن البحث حول النظام، بما في ذلك النظام الاجتماعي الإسلامي، هو من ناحية مقولة فلسفية بوصفها نظامًا معرفيًا يعبِّر عن محتوى في مرحلة التنفيذ، وهو من ناحية أخرى بمعنى منظومة غالبًا ما يشيعها نظام الحكم والسلطة في المجتمع الإسلامي ويطبقها فيه عن طريق مؤسسات. والواقع أنه يتم أخذ ينبغيات معينة من «نظام معرفي»، وتستمد أطرها من «النظام التنفيذي». والنظام الثاني يعرض صيغة أو شاكلة تطبق على الصعيد التنفيذي ويستخرج محتواها من النظام الأول. لذلك يؤخذ في فلسفة النظام الاجتماعي كلا البعدين المذكورين بعين الاعتبار. في البعد العيني الخارجي المتمثل ببنية الأفعال الاجتماعية يمكن دراسة ثلاثة عناصر أساسية: الأول التوقعات المتبادلة بين الأجزاء أو الفاعلين، والثاني القيم والأعراف التي تسود سلوك الفاعلين، والثالث الضمانات التنفيذية التي يتمتعون بها في حال عدم تلبية توقعاتهم[22].

الجدير بالذكر أننا في بناء النظام الاجتماعي لسنا أمام نظريات معدة مسبقًا وموجودة في المصادر، لذلك نضطر في ضوء الركائز والأصول والقواعد التي تستخرج من مصادر الشريعة إلى إنتاج نظرية أو نظريات على أساس مناهج منطقية. لذا فالقضية الأهم في صياغة النظام هي غياب أطر وبنى منسجمة للمفاهيم والافتراضات والتعميمات تسمى «نظرية» وتكون قادرة، عبر ربط العناصر والمتغيرات الكافية، على تحديد الحقائق المرتبطة بمسألة ما، ولا تتقاطع مع الحقائق والشواهد العلمية الأخرى، وتستطيع عرض التوصيفات والتبيينات والتخمينات اللازمة للظواهر. هذه الأصول والقواعد السابقة للنظرية، وبعد أن يتم إنتاج نظرية على أساسها، تكتسب لونًا جديدًا، وتعمل النظرية المنتَجَة ذاتها على تفسير تلك الأصول والقواعد وتوزيعها وتوسيعها باعتبارها أصولًا وقواعد ما بعد النظرية (لاحقة للنظرية). وفي مرحلة تالية توضع سلسلة من هذه النظريات التي تم إنتاجها، والتي تتمتع بوحدة مبنائية وتعالج موضوعًا واحدًا وهدفًا واحدًا ومنهجًا واحدًا، توضع في مواجهة مسألة أو مجموعة مسائل من المجتمع لتبني في نهاية المطاف، وضمن عملية منطقية مترابطة، نظامًا مثل النظام الاجتماعي الإسلامي.
ومن البديهي أن الإسلام لم يقدم نظامًا مصاغًا ومحددًا مسبقًا، بل إن هذا الشيء ليس من شأن الشارع أساسًا، إنما طرح الشارع أحكامًا كلية فقط وترك استخراج النظام للعرف وبناء العقلاء، وعلى حد تعبير الشهيد محمّد باقر الصدر تركه للفكر البشري واستشارة العقل والعقلاء داخل منطقة الفراغ. وقد جمع الشهيد الصدر فرضيتين مع بعضهما وذهب إلى أن الإسلام له ذاتيات ثابتة شاملة ينبغي اكتشافها من ثنايا التعاليم لأجل صياغة النظام، وله أيضًا عرضيات متغيرة تقتبس من النموذج العقلائي والعرفي وبناء العقلاء[23]. وهكذا توجد طبقات من النظام بوصفها سلسلة من الذاتيات والمكونات الذاتية في الشريعة على شكل مواد خام لصياغة أو بناء النظام، وتوجد طبقات تنوجد حسب الزمان والمكان والظروف والخلفيات وهي متروكة للعقل وسيرة العقلاء.

ركائز النظام الاجتماعي
البحث حول النظام الاجتماعي، لأنه المؤسِّس لبحوث وتأملات أخرى في هذا المضمار، فهو يمتاز بلبنات رؤيوية خاصة وثابتة وقويمة تحتوي على عناصر وإرشادات توجد في هذا الحيز كأمر مسلم به، وله كجهاز فكري وأيديولوجي طابع البنية التحتية لباقي العناصر، فهو يبيّنها ويعينها بشكل من الأشكال، والعناصر الأخرى تستمد وتتموّن منه.
لهذه اللبنة الأساسية الحاسمة جذورها في نظام علمي خاص بها، ومثل هذا النظام، بالتفسير الذي يعرضه للوجود والإنسان والمعرفة، يحتوي على أصول ومرتكزات ومبادئ معينة، ويرمي إلى هدف الحياة السعيدة، ويبني نوعًا من الجهاز المنطقي الخاص ينبع منه تفسير مختلف الملامح للحياة والإنسان والمعرفة وأسلوب تفسيرها. تطلق هذه الأصول والركائز على مجموعة القواعد القيمية والرؤيوية وعلى منظومة فكرية في الأيديولوجيا والرؤية الكونية تنظِّم النظرة لموضوعات أساسية مثل الوجود، والإنسان، والمعرفة، والنظام الفكري، وتتدخل حتى في تحليل أكثر الموضوعات والعناصر جزئيةً وتفصيلًا. في مكوّنات الرؤية الكونية، من المحسوس جدًا العناية بدور العوامل الماورائية في المكونات الأنثروبولوجية، والاهتمام بالفطرة، وكون الإنسان مخلوقًا ذا أبعاد متعددة، ودور العوامل الروحية في سلوكه، وكذلك دورها في المفروضات الأساسية والتمعّن في الأدوار التي تمارسها العوالم اللامرئية والعوامل الماورائية في التطورات الاجتماعية[24].
تعتبر هذه المفروضات في الواقع ركائز فكرية للنظام، وتوصف عادة كونها قوالب أنطولوجية، وإبستيمولوجية، وأنثروبولوجية، وقيمية؛ وترتبط الأهداف العملية المتعلقة بتغيير الوضع الراهن وتأسيس وضع جديد هي الأخرى بأصول وقواعد ترتكز عليها الدعائم الأساسية والمحتوى الماهوي للنظام الاجتماعي.

أهداف النظام السلوكي
القصد من الأهداف في النظام السلوكي سلسلة من الأمور المنشودة المحبذة التي تعبر عن نوع السلوكيات المتوقعة والمطلوبة في المجتمع والتي تهدي أفراد المجتمع نحو القيمة أو القيم المبتنية على المعتقدات الجمعية. والواقع أن الهدف والحافز يرتبط بمجموعة معنائية تعد المسؤولة عن تقديم الأدلة والمسوّغات الكافية للسلوك[25]. في النظام السلوكي الذي يرسمه الإسلام، تكمن الميزة المهمة التي تفضِّل الإنسان على سائر الكائنات في اختلافه في أسلوب تعامله وماهية سلوكياته، بحيث يقدم بملكة تفكيره وتدبره على اجتراح السلوكيات الواعية الهادفة ذات المعنى بطريقة تعجز عنها سائر الموجودات.

من منظور اجتماعي، الغاية من السلوكيات المتبادلة بين أفراد المجتمع هي المساهمة في صياغة قيم بعضهم البعض، وتعرف بعضهم على بعض، وارتهان بعضهم لبعض بنحو متصاعد مطرد، وتشكيل نماذج اجتماعية تحت مظلة ثقافة واحدة وبنية واحدة ومؤسسات واحدة[26]. ولأن هذه السلوكيات نابعة من القيم والأصول الأخلاقية والموروثات المختلفة والمتباينة للأفراد فهي تعمل على تمييزهم بعضهم عن بعض. والواقع أن السلوكيات المقابلة للأفراد هي مخرجات وثمار معتقداتهم وقناعاتهم وقيمهم، بل يمكن البحث عن معتقداتهم الدينية في تلافيف أفعالهم وسلوكياتهم المتقابلة. إن الفهم الكامل لهذه القيم والأهداف التي تتحرك سلوكيات البشر باتجاهها، لا يتأتّى من دون واسطة، والأفعال الصادرة عن هذه الأهداف غالبًا ما تحصل بفضل التقبل والاقتناع والمشاركة والتفهّم المتعاطف. إن صرح العلاقات المتبادلة بين المؤمنين في النظام الاجتماعي الإسلامي مرسوم على أساس القيم الإلهية في صورة أفق دافئ وقريب وفي ظل نظام التآخي والإيثار، بحيث يفضي مستوى علاقات الأفراد في ظل الإيمان إلى تشكيل الأمّة الواحدة. على سبيل المثال الإيثار والشهادة في الفكر الديني مفاهيم تتأتّى مباشرة بقبول الرؤية الكونية والتفهم المتعاطف الكامن فيها؛ بحيث أن الإنسان بتبنّيه رؤيةً كونيةً إلهيةً من أهدافها العقيدية الأساسية الفلاح في العالم الآخر، سيحاصر صفة الأنانية المفرطة في داخله ويحتويها﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(التغابن: 16) أو يضحّي بنفسه ويتجاوزها طلبًا لرضوان الله﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾(البقرة: 207)؛ وذلك بخلاف النظام الاجتماعي الذي يكون فيه شكل العلاقات الاجتماعية بين الأفراد عموديًا رأسيًا ومصلحيًا ونفعيًا، وتتعين قوةُ الأواصر فيه على أساس القوانين وضمن معايير القوة والسلطة والتنافس والأنانيات الفردية، وتقوم فيه علاقة الإنسان بالآخرين على قاعدة الاستئثار والاستغلال.

وبالمقدور سرد أهداف نظام السلوكيات الاجتماعية في ضوء التعاليم الإسلامية ضمن نطاق جملة من العناوين:
الأهداف التمهيدية: من الأهداف التمهيدية الأولية لنظام السلوك الاجتماعي الاستجابة لاحتياجات الإنسان الأساسية، والتمهيد لإيجاد علاقات متبادلة، وتوفير الخلفيات اللازمة للبقاء في صيغة تشكيل مؤسسات ومنظمات اجتماعية. ومن الأهداف التمهيدية المهمة الأخرى الوعي والتفهّم المتقابل بين الأفراد وتشخيص الخيارات والقدرات والرغبات والقيم والأفكار لديهم ضمن عملية العلاقات والتقبّل الاجتماعي للأفراد[27]. أي في الواقع المنظَّم السليم ومن أجل أن يستطيع هذا النظام النهوض بمهماته على نحو صحيح ينبغي أن تكون هناك عوامل تستطيع نقله من جيل إلى جيل عن طريق عملية التقبل الاجتماعي[28].

إذا كان بقاء الأفراد منوطًا ومرتهنًا لبعضهم، فمن المتيقن منه أنهم سيتعلمون أساليب بقائهم بعضهم من بعض عن طريق مثل هذه العملية، ويحققون بذلك حياة أفضل، ويكتسبون مهارات وأساليب البقاء وإشباع حاجاتهم الأساسية عن هذا الطريق. إن رفع المستوى النوعي للعلاقات داخل العائلة من أهم النماذج في هذه الفئة من أهداف النظام. فالعائلة وحدة صغيرة يتكوّن منها المجتمع الإنساني الكبير، ويحصل عن طريقها توسّع أجيال البشر واستمرارهم[29]، وهي أول نواة اجتماعية للأفراد. وقد اعتبر الرسول الأكرم تكوين الأسرة إحدى سننه المباركة داعيًا الناس للعمل بها ومؤكدًا أن ترك هذه السنة من البواعث الرئيسة على ارتكاب المعاصي والانحراف[30].

وحيث إن التناسل واستمرار النسل والحياة في العالم الاجتماعي للبشر يتحقق عن هذا الطريق، قرر الإسلام أنه ما من بناء يشيّد في الإسلام أحبّ عند الله من الزواج وتشكيل العائلة[31]، ولأجل وصول المجتمع الإسلامي لأهدافه العليا من قبيل المعرفة والقرب الإلهيين، اعتبر الإسلام تشكيل الأسرة مسارًا مهمًا لنيل هذا الهدف، وعده ضمانًا لنصف الدين[32].
وتحسين علاقات أفراد المجتمع بعضهم ببعض بما في ذلك علاقاتهم مع أقربائهم وجيرانهم ورؤسائهم ومرؤوسيهم، من الأهداف التمهيدية الأخرى الموصلة إلى الأهداف الرئيسة السامية التي يهتم بها النظام الاجتماعي الإسلامي ويوليها عناية فائقة.

ربما أتيح اعتبار العنوان العام «الحياة المادية للإنسان على الأرض» في ظل الإيمان الإلهي والذي جرى التعبير عنه بعمارة الأرض في الآية﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾(هود: 61) من الأهداف الوسيطة (الوسطى) للنظام الاجتماعي الإسلامي. وعلى حد تعبير بعض المفسرين ألقى الله في فطرة الإنسان وقذف في روعه أن يتصرف في الأرض ويغيرها بما يجعلها بالشكل الذي يستطيع أن ينتفع منه لأجل بقائه على قيد الحياة ويحسِّن حاله ويرفع احتياجاته ونواقصه في حياته[33].

الأهداف الوسطى: تمهِّد هذه الأهداف الوسطى الأرضية لتحقيق أهداف أسمى في النظام السلوكي، ومن هذه الأهداف الوسطى التضامن الاجتماعي وتوفير النظام والأمن والرفاه والعدالة الاجتماعية. وقد أكد القرآن الكريم على أن الاتحاد والتضامن بين الأمّة الإسلامية منوط باتباع تعاليم الله ورسوله واعتبر التفرقة والتشتت عامل ضعف وإهدار للقوى والطاقات﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾(الأنفال: 46)، وأوضح أن هذا مما يمكن تحقيقه بوحدة الكلمة[34]، والتوجّه إلى الله[35]، ووحدة القيادة[36]. وكان من جملة النصائح المؤكدة للرسول الأكرم توصيته المسلمين بالأخوة والتكافل الاجتماعي، وملازمة جماعة المسلمين[37]. وعدَّ أفضل عامل للوحدة الاعتصام بالقرآن وبأهل البيت وهو ما يضمن هداية المسلمين وحفظهم وصيانتهم حيال كل صنوف التيه والضلال، واعتبر حياة الإسلام واستمراره رهنًا بتقارب أبناء الأمة الإسلامية وتلاحمهم، وشدد على أن تفرّق الأمة وتمزقها ضرب من الجاهلية.

وتطبيق العدالة الاجتماعية من الأمور الأخرى التي اعتبرها القرآن الكريم من أهداف النبوة ومن مبررات بعث الأنبياء:﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾(الحديد: 25)، وعد شرعية الحكم والإمامة قائمة عليها:﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾(البقرة: 124)، وأمر جميع المؤمنين بإقامة صرح المجتمع والحكم على أساس العدالة[38]، وأن لا يحيدوا عن مسار العدالة في مراعاة حقوق الآخرين نابذين جانبًا نزعاتهم الشخصية والقومية والأنانية[39]، وأمرهم إذا حكموا بين المؤمنين أو حتى بين اليهود أن يحكموا بالعدل[40].
ومن الأهداف الأخرى الأمن الاجتماعي، وهو من جملة الاحتياجات الأساسية والأرصدة المهمة التي لها علاقة مباشرة بمتانة النظام الاجتماعي. في النظام الاجتماعي إذا لم تكن هناك نماذج ثابتة ومستديمة لسلوك الأفراد يصاب المجتمع بأزمات هوية ويتعرض الأمن الاجتماعي فيه للخطر. لذلك من جملة الخطوات المهمة التي بادر لها رسول الإسلام في صناعة النظام الاجتماعي تأكيده على الأمّة الواحدة[41]، وإقامة علاقات أخلاقية أخوية بين المسلمين[42]، وأوجد عقد أخوة بين المسلمين بدل عقود عصر الجاهلية التي أنشئت لتحقيق الأمن لكنها كانت بحد ذاتها ضربًا من الظلم تتعرض له القبائل والفئات الضعيفة. لقد أوجد رسول الله هذا العقد بين المسلمين في مكّة أولًا، ثم أوجده في المدينة المنورة بين المهاجرين والأنصار بعد هجرته إلى المدينة[43]. وقد أبدى الأنصار في إطار عقد الأخوة هذا أسمى درجات الإخاء والتضحية وقدموا المهاجرين وآثروهم على أنفسهم[44]، وقد أثنى عليهم القرآن الكريم لسلوكهم هذا[45]. ولا مراء أنه في ظل هذه الأهداف المهمة سوف تتأمّن أهداف أخرى منها الاتحاد والنظام والرفاه العام و... الخ، وهي من الأهداف الوسطى في النظام.

الأهداف الغائية العليا: تشمل هذه الأهداف معرفة الله وعبادته والأخلاق والروح المعنوية. وفي آيات من القرآن الكريم أن الفلسفة الأساسية لخلق الإنسان هي التوحيد العبادي﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾(الذاريات: 56)، واستخلصت بعض الآيات القرآنية من مالكية الله لبداية الوجود والبشرية وحاضرهما وخاتمتهما وجوبَ توحيد الله في العبادة والاستعانة به﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾(الحمد: 4-5)، وهو ما يحقق للإنسان العيش تحت ظل العبودية لربوبية الله سبحانه. ولقد كانت ساحة التوحيد الربوبي وآمرية الله ساحة لمعارك الأنبياء ضد الطواغيت. وفي سياق التوحيد في العبادة يصل الإنسان إلى مثل هذه المعرفة التي تؤكد أنه ما من موجود سوى الذات الإلهية جديرة بالعبادة[46].
إن رسالة الأنبياء هي الدلالة على حقيقة معرفة الله والتوحيد الربوبي وعهد الإنسان مع الله﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا﴾(الأعراف: 172)، وقد انصبّت محاولاتهم على إرشاد الإنسان في هذا الطريق إلى تلك الفطرة التي تفضي للعودة إلى التوحيد العبادي والاستعانة بالله.

إحياء مكارم الأخلاق هدف آخر من الأهداف الغائية في النظام الاجتماعي للإسلام. وقد أوصى رسول الإسلام بمكارم الأخلاق وحسن الخلق إلى درجة أنه عدَّ فلسفة بعثته وسببها تحقيق مكارم الأخلاق وتكريسها «عَلَيْكُمْ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بَعَثَنِي بِهَا»[47] وإيصالها في سياق رسالته إلى كمالها من أجل الإنسانية «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاق»[48]، بل إن المبادئ الأخلاقية التي يهتم بها الإسلام في مضمار الحياة الفردية والاجتماعية أساسًا، والتي يجري الكلام عنها أحيانًا تحت عنوان القيم الإنسانية، هي العودة إلى نوع من العلاقات الاجتماعية فيما بين البشر لها سهم وافر في إنقاذ الفرد والمجتمع، وهدفها الغائي تحقيق القرب الإلهي﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾(الانشقاق: 6)، إذ على حد تعبير العلامة الطباطبائي لا تتم ربوبية الله إلّا بعبودية العباد له، ولا يمكن تصور عبودية البشر لله إلّا في نطاق المسؤولية الإنسانية، وهي بدورها لا تتم بغير العودة إلى الله والمحاسبة على الأعمال، وهذه أيضًا لا يمكن فهمها إلّا بوجود الجزاء والثواب والعقاب[49].

المصادر المعرفية لنظام السلوك الاجتماعي في الإسلام
تضم المصادر الإسلامية كمًّا هائلًا من المعارف البشرية، ومن بين هذه المعارف تحتل البحوث الاجتماعية السهم الأوفر بعد المعارف النظرية. وهذا مما يدل على أهمية وضرورة البحوث الاجتماعية من ناحية، ومما يعبر من ناحية أخرى عن اهتمام الإسلام بالقضايا الاجتماعية التي لا شك أنها تتطلب من حيث الموضوع والمسائل منهجها الخاص.

«الوحي» هو المصدر الأهم لاكتشاف نظام السلوك الاجتماعي في الإسلام، ولا شك في أن هذا المصدر وبسبب عصمته من الخطأ لاتصاله بالعلم الإلهي يقف في مقدمة كل المصادر. أما سائر المصادر فتأتي في مرتبة تالية للوحي من حيث المديات ومن حيث العمق والتطابق مع الواقع لأنها مرتبطة بالبشر. وذلك أن محتوى الوحي، فضلًا عمّا يمكن التوصل إليه بسائر القوى المعرفية، يكشف لنا عن حقائق حول عالم ما وراء الحواس. إن الإنسان لا يسير من أجل إصابة الحق والسعادة في طريق غير طريق التفكّر والتعقل، وهو الطريق الذي يرشد إلى الاعتصام بحبل الوحي. إن الله يصدر عن هذا الطريق وبواسطة أنبيائه أوامره العملية والعقيدية للبشر، والتي لو عملوا بها وطبّقوها لحقّقوا لأنفسهم الفلاح في حيواتهم الدنيوية والأخروية[50]. والواقع أن منبت الثقافة والحضارة البشرية هو تعايش البشر فيما بينهم وتشكيلهم الاجتماع الإنساني، وقد دعا الوحي بواسطة الأنبياء الناسَ للاجتماع وتشكيل المجتمع وحذّرهم من الشرور والفساد وحضّهم على الخير والصلاح[51]. إنَّ الوحي مصدر معصوم من الأخطاء مقارنةً بسائر المصادر والأدوات المعرفية وذلك لأنه كلام ينتسب إلى الله علَّمَهُ لأنبيائه ليبلّغوه إلى البشر﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾(النجم: 3-4)، وهو مصدر مصان من تغلغل الشياطين إليه خلال فترات الإبلاغ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾(الصافات: 7-8)، ويتبلور للإنسان في صورتين: الصورة الأولى هي صورة الوحي القرآني، والصورة الثانية هي صورة الوحي التبييني الذي يجري على لسان الرسول الأكرم وعترته الطاهرة فهم يتولون بيان الآيات والمصاديق وشؤون النزول وتوضيح الفروع والقيود وأساليب أداء المناسك والعبادات[52].

ومن المصادر الأخرى ذات الدور الحاسم في حياة البشر الفردية والاجتماعية «العقل»، و«الفطريات العقلية»، و«المستقلات العقلية». وحين نتحدث عن العقل كمصدر لاكتشاف النظام فقصدنا العقل الذي يعمل على استخراج المعطيات النظرية والكلية والثابتة والذهنية، وأيضًا العقل بتجلياته الجزئية والإرادية والعينية والخارجية والثقافية والاجتماعية. جاء في رواية عن الرسول الأكرم أن العقل هو أول ما خلَقَ اللهُ[53] لأن الإدراكات والمعارف التي تنبع من العقل تتسم بالضرورة واليقين، ولا يمكن للإنسان أن يدرك الحقائق على نحو عام وكلّيّ وكقوانين وقواعد إلّا بفضل التوغّل من الظواهر إلى البواطن وإدراك العلاقات غير المحسوسة. يتحقق العلمُ بالماضي وبالكليات بواسطة البراهين الذهنية والقياسات العقلية والعلاقات الضمنية المستترة التي يكوّنها الإنسانُ في داخل نفسه وعقله.
ويمارس العقل دوره كمصدر للاكتشاف على مرحلتين: المرحلة الأولى قبل الوحي للرسول الأكرم وذلك لإثبات أحقية أصل الدين ومبادئه وأصوله، والمرحلة الثانية بعد الوحي للرسول الأكرم وواجب العقل هاهنا إثبات الأصول والمبادئ العقيدية وفهم المعارف وتفسيرها واستخراج الحقائق التي لم تطرح بشكل مباشر بل تُرِكَ استخراجها للمتلقّين والفاهمين.

و«الحواس» هي الأخرى من مصادر اكتشاف النظام بوصفها مرحلة من مراحل المعرفة تسمى المعرفة الظاهرية أو السطحية أو غير العميقة، وتعد من جملة المصادر والأدوات الخارجية للمعرفة واكتشاف النظام. في هذه المرحلة، التي يشترك فيها الإنسان مع الحيوان، يقال إن كل المعارف جزئيةٌ ولا يوجد شيء اسمه معرفة كلية أو معرفة عميقة، فلا تُدرَك هاهنا العلاقاتُ الداخلية بين الأشياء أو الأمورُ المتعلقة بالذوات والجواهر أو علاقاتٌ من قبيل علاقات العلّيّة أو الضرورة التي تسود العلاقة بين العلّة والمعلول وغير ذلك. وبسبب الحدود والقيود التي تقيّد الحواس لا تستطيع هذه الحواس كمصدر للمعرفة سوى إدراك جوانب وشرائح من النظام وتبقى عاجزة عن الولوج إلى الشرائح والطبقات الأساسية الأعمق، وعلى حد تعبير بعض المفكرين فإنّ الإدراكات الحسية بما هي حسية لا تتمخض عنها أية أحكام[54].
أشار القرآن الكريم في بعض الآيات إلى استعمال الحواس لاكتساب المعرفة:﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(النحل: 78). ولا شك في أن الاستفادة من الحس والتجربة والمكتسبات العلمية الموثّقة المؤيَّدة ذات الاعتبار النسبي تعد رصيدًا لتحليل الحياة البشرية ودراستها، بل هي جزء من حياة الإنسان في العالم.

ومع أن «التاريخ» لا يعد معرفةً مباشرةً لكنه يستحصل بواسطة الوثائق والمستندات المتبقية عن الماضي[55]، ولأن موضوع التاريخ المجتمعُ الإنساني في مسيرته الزمنية، لذلك يعد بحد ذاته جزءًا من الطبيعة كمصدر لاكتشاف النظام وتبيينه. إذا تمت دراسة النظام الاجتماعي الإسلامي بصورته الواقفة المراوِحة في مكانها كانت دراسةً اجتماعيةً، وإذا تمت بما يتصل بالتحليلات والتبيينات الزمانية وفيما يتعلق بالماضي والحاضر والمستقبل والروابط بين هذه المقاطع الزمانية، وإذا اهتمت هذه الدراسة بقوانين التطورات والتغييرات التي شهدها ويشهدها المجتمع موضوع الدراسة لكانت دراسةً تاريخيةً أو تنتمي إلى فلسفة التاريخ. وفي كل الأحوال فالتاريخ يبيّن وينقل الأرصدة الثقافية وعلوم الأجيال الماضية وما عاشته من ظروف كانت من مصادر إلهامها وتحفّزها، وفهم النظام الاجتماعي من دون فهم التاريخ يبقى فهمًا ناقصًا.

و«الفطرة» هي الأخرى من مصادر معرفة النظام الاجتماعي. فقد خلق الله الجهاز الفكري للبشر بالشكل الذي يدرك ذاتيًا كثيرًا من القضايا والحقائق الراسخة المتعلقة بأصل الإنسانية. الحقائق المدرَكة بهذه الطريقة لا تقوم على أساس ضرورات الحياة الاجتماعية التي يتغير حكمها بتغير الظروف، ولا على أساس الاكتساب والسعي والجد والاجتهاد الذي قد تزداد درجاته أو تنقص أو تنعدم، بل هي سلسلة من المتطلبات والفطريات مودعة في طبع الإنسان، ومن المفارقة أنه ما من مدرسة فكرية تنكر هذه القيم والأعراف الفطرية؛ والإيمان الحقيقي بالله من جملة هذه الأمور الفطرية التي يحتاجها الإنسان[56] حيث تدفع هذه الطاقة الداخلية الإنسانَ صوبَ عبادة الله الواحد:﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾(الإسراء: 23)، ويبقى الإنسانُ دومًا على هذه الفطرة، ولا يدعو مع الله شيئًا آخر، وبسبب هذا الإدراك الفطري قد يجعل الإنسانُ المشركُ لنفسه آلهةً أخرى غير الله ذريعةً يخال أنها تقرّبه إلى الله[57]. والجدير بالذكر أن الفطرة قد تعتبر هي والعقل حقيقةً واحدةً في بعض الأحيان بسبب المشتركات بينهما، ولكن لأنهما مختلفان من حيث التحليلات المفهومية والماهية والمراتب ومناهج البحث وأدلة الحجّيّة والوظائف الدلالية، لذلك فهما أمران مختلفان. أضف إلى ذلك أنه لم يرد في النصوص الدينية شاهد على وحدتهما بل وردا كمفهومين منفصلين عن بعضهما، ويمكن أن نزيد على ذلك بأن أدلة إحراز الفطرة لا تتناسب مع أدلة إحراز العقل.

المصدر الآخر لمعرفة النظام الاجتماعي هو «المعرفة الشهودية القلبية». أحيانًا تُدرَك بعضُ الواقعيات الإنسانية كالوجدانيات والعلم الحضوري برجوع الإنسان إلى باطنه وداخله وبلا وسائط، وبذلك يُعدُّ هذا الأسلوب من مصادر معرفة النظام السلوكي للإنسان. العلم الحضوري معناه أن يكون واقع المعلوم عين واقع العلم، فالشيء المدرِك (فاعل الإدراك) يجد الصورة الذهنية للشخصية الواقعية للمعلوم أو الشيء المدرَك (موضوع الإدراك) في نفسه بدون أية وسائط[58]. يعتقد بعض الفلاسفة أن جميع العلوم الحصولية والمعلومات العادية والذهنية التي نكتسبها عن العالم الخارجي وعالمنا الداخلي والنفساني ترجع في أساسها إلى العلوم الحضورية، فالإنسان بمراجعته لذاته يمكنه أن يجدها في نفسه بوضوح[59]. لذلك من أجل إدراك منطقي للبنية المعنائية للقرآن في رسمه نظامًا اجتماعيًا يكفي أن يتوفر الأفراد على معرفة كاملة بأنفسهم ودواخلهم.

النقطة المهمة في معرفة النظام الاجتماعي الإسلامي هي: لأن هذه المعرفة ليست أحادية العامل، يجب عدم حصر مصادر بنائها في مصدر واحد فقط، وواضح أنه لأجل طرح ومعرفة نظام منضبط ومنسجم فإن الإرجاع إلى مصدر معرفي واحد سيكون عملية ناقصة غير تامّة. إن مغايرة أيّ واحد من هذه المصادر مع مصدر آخر من المصادر لا يعني التضاد والصراع بينهما، بل المصادر هنا حقائق ذات تراتبية طولية تمدُّ إحداها الأخرى، وهذه الوحدة والارتباط الوجودي يجعلها وحدةً واقعيةً ممتدة تظهر على امتداد النشآت المختلفة[60]. ويرى الإسلامُ أن مساحة كل واحد من هذه المصادر وموضوعاته منفصلة عن مساحة وموضوعات غيره من المصادر، وحين نحتاج أحدها أو عددًا منها لمعرفة العالم فلن نلجأ إلى غيرها إطلاقًا، لأن ذلك الغير قد تكون له مدياته وحدوده الخاصة التي لا يمكن ولا يصح أن يتخطّاها. والقرآن بدوره يدعو إلى المعرفة الحسية والعقلية:﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾(النحل: 78)، ويؤكد في الوقت نفسه على الجهاد في سبيل الله:﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾(العنكبوت: 69)، ويتحدث أيضًا عن الطبيعة ثم يثير قضية تزكية النفس:﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾(الشمس: 9)، فهو يركّز على المصادر الأخرى الخارجية أو الداخلية ويطرحها إلى جانب بعضها من دون أن يعرض عن أحد المصادر ويتركه تركًا نهائيًا.
ومنهج اكتشاف هذا النظام في إطار صلته بالمصادر المعرفية المذكورة له هو الآخر أهميته، فمعرفة وتبيين علاقة الجوانب الفردية والسياقات البنيوية التي يمكن بمعونتها دراسة الفكر المنظم والناجم عن مدخل شامل يتعلق بالمجتمع والاجتماع هي من الموضوعات المطروحة في هذا المضمار. إن هذا المدخل العام غير المدخل العيني المعتمد في العلوم التجربية والإنسانية، كما أنه غير المداخل الذهنية الصرفة البعيدة عن الواقعيات الخارجية والعاجزة عن اكتشاف وتحليل كثير من الأحداث الاجتماعية.

إن المناهجية (علم المناهج) المنظورة والمتحركة داخل أجواء التيار الفكري الإلهي والتي تسودها الروح التوحيدية، توفر ضربًا من أساليب نيل المعرفة والتحول الواقعي يمكن بواسطته تنظيم جميع أصعدة العلاقات الإنسانية من قبيل علاقة الإنسان بالله وبنفسه وبالطبيعة وبغيره من أفراد البشر، وذلك ارتكازًا على المفاهيم الدينية، والوصول أخيرًا إلى إعادة إنتاج نظام اجتماعي يستند من ناحية على الأساليب الدنيوية لمعرفة الحقائق، ولا يغفل من ناحية أخرى عن الميول الماورائية، وهو في الواقع يأخذ بالحسبان آفاق البشر وأنفسهم وعلاقاتهم بعضهم ببعض. يكتشف هذه المنهج إطارًا للدلالات الاجتماعية، ويستنبط مفاهيم إسلامية هادفة لتنظيم الأمور والعلوم الاجتماعية بعيدًا عن النزعات التوفيقية والانتقائية وبمنهجية جامعة مبتنية على نظام المعتقدات الإسلامية، وتتوافر في هذه المفاهيم الإسلامية انفعالات متبادلة منسجمة بين العالمين الذهني والعيني، وبين العلم الحضوري والعلم الحصولي، وبين الفاعل والبنية ضمن عملية غائية. يشكل المنطقُ التوحيدي والروحُ المعنوية والفطرةُ والعقلانية الوحيانية النواةَ المركزية لهذا الاستنباط. ولأن معرفة الواقعيات الاجتماعية واكتشاف نظامها من المصادر الإسلامية باعتبارها السياقات الطبيعية لتفسير لغة الوحي، لأنها تبتني على معارف تنتمي لعالم الطبيعة والشهادة لذلك تحتاج إلى مرتكزات نظرية خاصة، ومن هنا يجري الاهتمام بالوجه المعرفي الأشمل مضافًا إلى المناهج والأدوات المعرفية الشائعة في مناخات العلوم الاجتماعية. وفي هذه الغمرة من الضروري التنبه إلى ثلاث طبقات متداخلة من المفاهيم الإسلامية:

أ. المفاهيم ذات الصلة بمعتقدات الإنسان، وتندرج في مضمار الرؤية الكونية والأيديولوجيا عند البشر (الإسلام كدين ومعتقد).
ب. المفاهيم المرتبطة بالأسلوب الكامل لحياة البشر والتي تبيّن أسلوب الحياة الإنسانية بشكل صحيح وواقعي (الإسلام بوصفه حياة دنيويةً وأسلوبًا حياتيًا متكاملًا).
ج. المفاهيم التي تنشد رسم نظام اجتماعي كامل وتقدم نظامًا وبنية شاملة لحياة البشر الجمعية (الإسلام باعتباره نظامًا اجتماعيًا كاملًا).

النظام الاجتماعي الإسلامي في إطار الأمة
من الأمور الأساسية المهمة ما يتلخص في السؤال: هل بوسع الدين والمصادر الدينية تقديم نموذج سلوكي اجتماعي ضمن إطار نظام بوصفه أمرًا بعديًا وبعد الطرح النظري للنظام أم لا؟ يقرر الإسلام لأفراد المجتمع في خصوص وضعهم الكلّي العام هويةً جمعية فضلًا عن هويتهم الفردية، وغالبًا ما يكون التجلّي والنموذج المنبثق من هذه الهوية مصحوبًا بتكوين «الأمّة»، بحيث توجِد مجموعةُ النظم النظرية والقيمية سلسلةً من النماذج السلوكية المترابطة على شكل مؤسسات وبنى ومنظمات من أجل تدبير أمور المجتمع، وهي نماذج يسودها منطق واحد تقريبًا.

لقد وفّر رسول الإسلام البنى التحتية والأرضيات الفكرية لإيجاد نظام اجتماعي عن طريق تخطيطات جامعة وشاملة للحياة وبواسطة تبليغ القوانين الإلهية وإرسالها، وكان يترصد تشكيل مجتمع فاضل يمكن تحقيق تلك القوانين في جميع زواياه وجوانبه، ومن أجل ذلك بدأ عملية تدريجية. وقد كان تحقق رسالته في أن تتوفر للقوانين التي يبلّغها وكذلك لإرساء البنى التحتية الاجتماعية المرتكزة على القرآن أرضيةً تنفيذيةً ليستكمل رسالته. وبالطبع فإن هذه الخطوات والمبادرات تمت من بعده على أساس نظام الإمامة والولاية.
إن فكرة مثل هذا النظام مع أنها لم تتحقق خلال الفترة المكّيّة بشكل منظم، لكنها تحققت بعد ذلك إبّان الفترة المدنية وتأسيس دولة المدينة المنورة إثر بيعة العقبة الثانية التي تعهّد فيها أهل يثرب بالدفاع عن الرسول الأكرم [61]. وقد كانت الخطوة الأهم في ذلك الزمن مواجهة النظام القائم، لذلك اضطر من أجل تشكيل النظام الاجتماعي المنشود المبادرة إلى إيجاد تحول أساسي في البنى السائدة[62]. وقد كان للعرب في تلك الحقبة نمطان متفاوتان من الحياة، فبعضهم كانوا يعيشون في المدن معيشةً تقوم على مقومات التجارة والزراعة والرعي، وبعضهم الآخر كانوا يعيشون في البوادي والصحاري الخارجية ولهم أسلوب حياة بدائي نسبيًا، لكن القبيلة كانت أساس نظامهم الاجتماعي، وبسبب عدم وجود حكم مركزي لم يكن لديهم أسلوب منتظم لإدارة المجتمع سوى تجاربهم وممارستهم الحياتية العفوية[63]. وكان هناك على رأس الأمور والقرارات رجال يسمّون بشيوخ القبائل لهم سجايا وقابليات وقدرات على إدارة قبائلهم[64]، وقد كانت الأوامر والدساتير القَبَلية مجموعةً من المعارف يتّبعها الناسُ اتباعًا أعمىً ضمن سياق اتباعهم لآبائهم وأجدادهم الذين وصلتهم تلك المعارف عنهم:﴿وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾(الزخرف: 23). وقد كانت هذه القبائل التي تزيد على 12 قبيلة في شبه الجزيرة العربية، في صراعات ونزاعات وحروب مستمرة فيما بينها بدوافع العصبيات والانتقام وحالات الجشع الفئوية والقبلية.

وبدل أن يخوض الرسول الأكرم في حل هذه النزاعات جزئيًا قام بعمل تأسيسي آخر هو تغيير النظام من نظام قبلي إلى نظام اجتماعي. وكان أنْ بدأ بدعوتين: الدعوة الأولى دعوة سرية خاصة بأفراد قلائل، وكان ذلك في بدايات البعثة ومحصورًا بين مجموعة مصغرة من شباب قريش وأقاربهم. والدعوة الثانية جاءت بأمر جديد من الله لتكون الدعوة علنية واجتماعية وذلك بعد السنة الثالثة للبعثة[65]. وكان رسول الله قد بدأ دعوته من عشيرته بأمر صريح من القرآن حيث يقول:﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾(الشعراء: 214)،[66] وبعد هاتين الدعوتين والتهديدات التي مارسها المشركون ضد المسلمين، حصلت هجرة تاريخية من مكّة إلى المدينة المنورة (يثرب)، فكانت مقدمةً لتشكيل نظام إداري وسياسي في صورة مؤسسات مختلفة وعلى شكل نظام اجتماعي وأمّة واحدة ومجتمع متكافل.

وقد كان المحور الأهم لإيجاد نظام اجتماعي إسلامي وتأسيسه هو المؤاخاة بين المسلمين[67] حيث أعلن القرآن الكريم المؤمنين أخوة يريد بعضهم الخير لبعضهم:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾(الحجرات: 10). إن عملية صياغة النظام هذه كان هدفها على المستوى الاقتصادي التكافل الاجتماعي النابع من مبدأ الأخوة والتآخي، وكان هدفها على المستوى السياسي إطلاق نظرية الولاية والإمامة، وكان هدفها على المستوى الاجتماعي إطلاق نظرية الأمّة. وعلى حد تعبير الإمام الخميني فإن الرسول الأكرم فضلًا عن إبلاغه الوحي وبيانه وتفسيره العقائد والأحكام الإسلامية، اهتمَّ اهتمامًا أكيدًا بتطبيق الأحكام وإقامة النظم الإسلامية ليوجِد بذلك الدولة الإسلامية[68].
وكما عبَّرَ بعضُ الكتّاب، بظهور الإسلام صارَ العربُ ينتمون إلى «أمّة» تقوم على أساس العقيدة الدينية بعد أن كانوا ينتسبون لقبائلهم وأعراقهم[69]. لم يكن الإيمان بالدين إلى ذلك الحين قد ظهر كعامل لتوحيد المجتمع يرفع الاختلافات ويقرِّب القلوب، بل كان عمليًا وسيلة للتفرقة بين القبائل وكان مهمشًا بفعل سطوة الأعراف والتقاليد، إلى أن جاء الإسلام فاستطاع عبر طرحه فكرة الأمّة الواحدة تحقيق الوحدة الحقيقية.

النتيجة
1. إن فلسفة النظام الاجتماعي الإسلامي هي رؤية ونظرية تعرِض المبادئ والقواعدَ الأصلية لتشكيل المجتمع وتكريسه ونوعية النظر لكيفية هذا المجتمع وأسس الحياة الاجتماعية والسلوكيات الإنسانية. ومن البديهي أن أسباب وكيفية المجالات السلوكية ودراستها من القضايا المهمة في هذا النظام، وتعد القضايا الأخرى بالنسبة لها فرعية تتوجَّه بتوجيه تلك القضايا المهمة. وإن الكيفية المتلاحمة للنظام من شأنها أن تتوفر جميعُ الوحدات البنيوية والجزئية داخل النظام على حالات تأقلم وتكيّف متقابل فيما بينها.
2. تتيح العناية بقضية النظام الاجتماعي فهمًا بنيويًا للوصول إلى فهم الماهية المتناسجة والمتقابلة المتوفرة في مجمل النظام، ولتحقيق إدراك منظم للمفاهيم بتوحيد الطاقات والإمكانيات توحيدًا هادفًا، وعرض الأجزاء المتشابكة الموحَّدة كهوية مستقلة وككل متلاحم.
3. تشمل اللبنات التي تؤسس للبحث الركائزَ والأصولَ والأهداف ونوع العقلانية التي تضرب بجذورها في نظام علمي ومعرفي خاص وتصنع جهازًا منطقيًا خاصًا تُعرَض التفاسيرُ النابعة منه حول الحياة والإنسان والمعرفة وعلم المناهج على شكل نظرية أو نظريات منسجمة في ضوء الأحكام والمعارف الإسلامية.
4. بسبب سعة المعارف البشرية لتشخيص ورسم نظام اجتماعي منسجم ستكون الإحالة إلى مصدر واحد من المصادر المعرفية عملية ناقصة غير تامة. وفي الإسلام مع أن مساحات ومديات كل مصدر من المصادر وموضوع من الموضوعات مستقلة عن بعضها، يجري الاهتمام بأحد المصادر من دون الأعراض عن المصادر الأخرى، فالمصادر تُشاهَد وتُلاحَظ إلى جانب بعضها، وتوظَّفُ المفاهيمُ الهادفة بمنهجية جامعة لتنظيم وصياغة النظم الاجتماعية. ولا مراء في أن هذه النظم تنطوي على تفاعل منسجم بين الذهنيات والعينيات، وبين العلم الحضوري والعلم الحصولي، وبين الفاعل والبنية، ضمن عملية غائية يشكل المنطق التوحيدي والمعنوية والفطرة والعقلانية الوحيانية نواتها المركزية.
5. البحث في قضية النظام الاجتماعي هو من ناحية مقولة فلسفية حول الاجتماع بوصفه نظامًا معرفيًا، وهو من ناحية ثانية منظومة عادة ما تطبَّق على يد أنظمة الحكم والسلطات عن طريق مؤسسات وأجهزة مختصة. والواقع أن القيم والأوامر والنواهي تُستمَد من «النظام المعرفي» بينما تُتابَع الأطرُ في «النظام التنفيذي». ويتحقق النظامُ الاجتماعي الإسلامي بالمعنى الثاني في بعده الاقتصادي بهدف التكافل الاجتماعي النابع من مبدأ الأخوة والمؤاخاة، وفي بعده السياسي بطرح نظرية الولاية والإمامة، وفي بعده الاجتماعي بإطلاق نظرية الأمّة الواحدة.

المصادر
آزاد أرمكي، تقي، تاريخ تفكر اجتماعي در إسلام، طهران: دار علم، ١٣٨٦ش.
ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن علي بن محمّد الجزري، الكامل في التاريخ، بيروت: دار صادر، ١٣٨٥هـ.
ابن سعد، محمّد بن سعد كاتب الواقدي، الطبقات الكبرى، التحقیق: محمّد عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٠هـ.
ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، التحقیق: علي شيري، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٨هـ.
ابن هشام، أبو محمّد عبد الملك الحميري، السيرة النبوية، التحقیق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي، بيروت: دار المعرفة، [د.ت.].
أستنفورد، مايكل، درآمدي بر تاريخ‌پژوهي، الترجمة: مسعود صادقي، طهران: سمت، ١٣٨٥ش.
اسكيد مور، ويليام، تفكر نظري در جامعه‌شناسي، الترجمة: علي محمّد حاضري وآخرون، قم: پژوهشگاه علوم وفرهنگ الإسلامي، ١٣٨٥ش.
البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر، كتاب جمل من أنساب الأشراف، التحقیق: سهيل زكّار ورياض الزركلي، بيروت: دار الفكر، ١٩٩٦م.
بهجت‌پور، عبدالكريم، تفسير فريقين: تاريخ، مباني، أصول، قم: انتشارات آثار نفيس، ١٣٩١هـ‌ش.
توسلي، غلام عباس، نظريه‌هاى جامعه‌شناسى، طهران: سمت، ١٣٨٢ش.
جماعة من الكتّاب، درآمدي بر جامعه‌شناسي إسلامي (٢): مباني جامعه‌شناسي، طهران: مركز همكارى حوزه ودانشگاه، ١٣٧٣ش.
جماعة من الكتّاب، تاريخچه جامعه‌شناسي، طهران: سمت، ١٣٧٣ش.
الجوادي الآملي، عبد الله، جامعه در قرآن، قم، مرکز نشر اسراء، ١٣٧٨.
خضري بك، محمّد، نور اليقين في سيرة سيّد المرسلين، دمشق: دار الفيحاء، ١٤٢٥هـ‎.
روشه، گي، جامعه‌شناسى پارسونز، الترجمة: عبد الحسين نيك گهر، طهران: تبيان، ‏‏١٣٧٦هـ ش‎.
ريتزر، جورج، نظريه جامعه‌شناسى در دوران معاصر، الترجمة: محسن ثلاثي، طهران: علمي، ‏‏١٣٨١هـ ش‎.
سادوسكي، و. ن، إ. و، بلاوبرگ، وإ. گ، يودين، نظريه سيستم‌ها: مسائل فلسفى ومتدولوژيک، الترجمة: كيومرث پريانى، طهران: تندر، ١٣٦١هـ ش‎.
سبحاني، جعفر، تفسير موضوعي قرآن مجيد (تفسير جاويد)، قم: مؤسسه امام صادق، ١٣٨٣هـ ‏ش‎.
شارون، جوئل، ده پرسش از منظر جامعه‌شناسى، الترجمة: منوچهر صبورى، طهران: نى، ١٣٨٤هـ ‏ش‎.
الشيرازي، محمّد بن إبراهيم (ملاصدرا)، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، بيروت: ‏دار إحياء التراث العربي، ١٩٨١م‎.
الصدر، محمّد باقر، اقتصادنا، الترجمة: سيّد ابوالقاسم حسيني ژرفا، قم: مرکز الابحاث ‏والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، ١٣٩٣هـ ش‎.
الصدوق، محمّد بن علي (ابن بابويه)، إكمال الدين وإتمام النعمة، التحقیق: علي أكبر الغفاري، قم: مؤسسة ‏النشر الإسلامي، ١٤٠٥هـ‎.
الطوسي، محمّد بن محمّد، تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل، بيروت: دار الأضواء، ‏‏١٤٠٥هـ‎.
العلامة الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، ‏‏١٤١٧هـ‎.
الكرمي، حافظ أحمد عجاج، الإدارة في عصر الرسول، القاهرة: دار السلام، ١٤٢٧هـ.
گيدنز، آنتوني، جامعه‌شناسى، الترجمة: منوچهر صبورى، طهران: نى، ١٣٨٩هـ ش‎.
مارشال، گوردن، فرهنگ جامعه‌شناسى، الترجمة: حميرا مشير‌زاده، طهران: ميزان، ١٣٨٨هـ ش‎.
متولي، عبد الحميد، الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للدستور، الأسكندرية: منشأة المعارف، ١٩٨٦م‎.
المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت: مؤسسة الوفاء، ١٤٠٣هـ‎.
مصباح اليزدي، محمّد تقي، جامعه وتاريخ از ديدگاه قرآن، طهران: شركت چاپ ونشر بين الملل، ١٣٨٨هـ ش‎.
المطهّري، مرتضى، جامعه وتاريخ، طهران: صدرا، ١٣٨٤هـ ش‎.
الموسوي الخميني، روح‌الله، شؤون واختيارات ولي فقيه، ترجمة مبحث ولاية الفقيه من كتاب البيع، طهران: وزارت ‏فرهنگ وارشاد اسلامى، ١٣٦٩هـ ش‎.
وبر، ماكس، مفاهيم اساسى جامعه‌شناسى، الترجمة: أحمد صدارتى، طهران: مركز، ١٣٨٣هـ ش‎.
Ritzer, George. ed. Encyclopedia of Social Theory. 2 vols. London: Sage Publications, 2005.



-----------------------------------------
[1]. المصدر: مقالة بعنوان: «صورت‌بندي فلسفه نظام اجتماعي در اسلام»، قبسات، العدد ١١٠، (شتاء ١٤٠٢)،‌ الصفحات ٢٣ إلي ٤٨.
تعريب: حيدر نجف.
[2]. أستاذ مساعد في قسم الدراسات الثقافية بمركز أبحاث الثقافة والفكر الإسلامي.
[3]. آزاد أرمكي، تاريخ تفكر اجتماعي در اسلام، 5.
[4]. Agency
[5]. Structure
[6]. جماعة من الكتّاب، درآمدي بر جامعه‌شناسي2، 210-211.
[7]. روشه، جامعه‌شناسي پارسونز، 101.
[8]. ريتزر، نظريه جامعه‌شناسي در دوران معاصر، 136-140.
[9]. م. ن، 536 و586.
[10]. سادوسكي، نظريه سيستم‌ها: مسائل فلسفي وروش‌شناختي، 19 و46.
[11]. م. ن، 276-289.
[12]. Ryan, The Philosophy of the Social Sciences.
[13]. Sayer, Method in Social Science: A Realist Approach.
[14]. Fay, Contemporary Philosophy of Social Science: A Multicultural Approach.
[15]. Little, Varieties of Social Explanation: An Introduction to the Philosophy of Social Science.
[16]. Benton, and Craib, Philosophy of Social Science: The Philosophical Foundations of Social Thought.
[17]. الشيرازي، الحكمة المتعالية، 1: 34-35
[18]. توسلي، نظريه‌هاي جامعه‌شناسي، 190.
[19]. Ritzer, Encyclopedia of Social Theory, 76
[20]. مارشال، فرهنگ جامعه‌شناسي، 1172.
[21]. اسكيد مور، تفكر نظري در جامعه‌شناسي، 166.
[22]. توسلي، نظريه‌هاي جامعه‌شناسي، 190-191
[23]. الصدر، اقتصادنا، 2: 42.
[24]. آزاد أرمكي، تاريخ تفكر اجتماعي در اسلام، 18-19
[25]. وبر، مفاهيم اساسي جامعه‌شناسي، 45.
[26]. شارون، ده پرسش از ديدگاه جامعه‌شناسي، 211.
[27]. شارون، ده پرسش از ديدگاه جامعه‌شناسي، 56.
[28]. گيدنز، جامعه‌شناسي، 86.
[29]. النحل: 72
[30]. المجلسي، بحارالأنوار، 103: 220-221.
[31]. م. ن.
[32]. م. ن.
[33]. الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 10: 310.
[34]. آل عمران: 64.
[35]. لقمان: 22.
[36]. الأنفال: 46.
[37]. المجلسي، بحار الأنوار، 97: 47.
[38]. النساء: 57.
[39]. الأنعام: 152-153.
[40]. الحجرات: 9 والمائدة: 42.
[41]. الأنبياء: 92.
[42]. الحجرات: 10.
[43]. البلاذري، کتاب جمل من انساب الأشرف، 1: 187؛ ابن كثير، البداية والنهاية، 3: 226.
[44]. خضري بك، نور اليقين في سيرة السيّد المرسلين،80.
[45]. الحشر: 9.
[46]. النحل: 36 /الأنبياء: 25.
[47]. المجلسي، بحارالأنوار، 68: 420.
[48]. م ن، 68: 372.
[49]. الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن،20: 242.
[50]. م. ن، 10: 261.
[51]. م. ن، 7: 213.
[52]. بهجت‌پور، تفسير فريقين، 47.
[53]. المجلسي، بحارالأنوار، 1: 97.
[54]. الطوسي، تلخيص المحصل، 1: 12.
[55]. استنفورد، درآمدي بر تاريخ‌پژوهي، 9.
[56]. الشيرازي، الحكمة المتعالية، 2: 46.
[57]. الشيرازي، الحكمة المتعالية، 1: 369.
[58]. المطهّري، جامعة وتاريخ، 190.
[59]. م. ن.
[60]. الجوادي الآملي، جامعه در قرآن، 189.
[61]. ابن هشام، السيرة النبوية، 1: 51.
[62]. الكرمي، الإدارة في عصر الرسول، 56.
[63]. اليعقوبي، السيرة النبوية، 1: 258؛ البلاذري، کتاب جمل من انساب الأشرف، 1: 237.
[64]. الكرمي، الإدارة في عصر الرسول، 28-30.
[65]. الصدوق، إکمال الدين وتمام النعمة، 197؛ المجلسي، بحارالأنوار، 18: 177.
[66]. ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 61.
[67]. ابن هشام، السيرة النبوية، 1: 504-507.
[68]. الموسوي الخميني، شؤون واختيارات ولي فقيه، 25.
[69]. متولي، الشريعة الإسلامية کمصدر اساسي للدستور، 171.
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف