الباحث : عبد الله الجوادي الآملي
تاريخ إضافة البحث : March / 25 / 2026
عدد زيارات البحث : 106
هناك أسباب تمنع المجتمع من التقدّم والازدهار، وتؤدّي به إلى السقوط والانحطاط. وقد تمّ الحديث عن هذه الأسباب في القرآن الكريم بشكل صريح، وقد ذكر الله في بعض الموارد أمثلة على سقوط الأمم. وعلى الرغم من أن استنباط هذه الأمور من الآثار الدينية يحتاج إلى تتبّع وبحث كامل وشامل، ولكن يمكن التعرّف ـ إلى حدّ ما ـ على الخصائص الأصلية لها، والحصول على طرق الوصول إليها من النصوص الدينية. لا شك في أن البحث في هذا الشأن يستدعي إفراد دراسة مستقلة، ولكننا نسعى في هذه المقالة إلى الإشارة إلى تلك الأسباب على نحو الإجمال.
الفرقة والاختلاف
إن من بين الأسباب المهمّة في حدوث الشرخ الاجتماعي ـ وتؤدّي مفاقمة هذا الشرخ وتوسيعه إلى انحطاط المجتمع وسقوطه ـ هو الاختلاف، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾(الأنفال: 46). وقال أيضًا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾(آل عمران: 105).
إن الإسلام قد استشرف الاختلاف بين الأفراد وعمل على وصف العلاج له، رغم الإقرار بأن الاختلاف بين الناس ـ بالنظر إلى اختلاف القابليات والأذواق ـ مقبول إلى حدّ ما: «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّة»[2].
بالإضافة إلى هذا الاختلاف الداخلي، هناك أسباب أخرى هي عرَضية وليست ذاتية، ومن بين تلك الأسباب هي الفرضيات الذهنية للفرد، حيث يتوجه نحو المعارف الدينية وهو مشحون بتلك الفرضيات ويسعى إلى فهمها. وفي هذه الحالة يكون كل همّه هو العمل على أقلمة الدين ليتفق مع تلك المعلومات وفرضياته الذهنية؛ بمعنى أنهم يعملون على اختبار الدين بفهمهم وإدراكهم، ويستبدلون معرفتهم بتعاليم الدين.
من الواضح جدًا أن المسائل التي نسعى إلى فهمها على نوعين، وهي: المسائل البديهية، والمسائل النظرية. فإن كانت من الأمور البديهية، من قبيل: «امتناع اجتماع النقيضين»، فسوف تكون من بين القضايا الأولية التي لا تحتاج إلى معرفة سابقة. وأما إذا كانت من الأبحاث النظرية، فسوف تحتاج إلى سلسلة من المبادئ والمباني.
في ضوء اختلاف المباني ـ التي تقترن قطعًا باختلاف الفرضيات المسبقةـ يكون التهافت والتعارض في المعرفة أمر طبيعي وبديهي. إن مساحة هذا التعارض في الأبحاث النظرية يأخذ بالاتساع ما لم ينتهِ إلى الأمور البديهية، وسوف يبقى الاختلاف قائمًا على حاله.
1. منشأ الاختلاف في البديهيات
لو وصل التعارض بين الآراء في الأبحاث النظرية إلى الأمور البديهية ولم ينته وبقي مستمرًا على ما هو عليه، وقام بعضهم بالنقاش حتى في المسائل البديهية والأولية، عندها يجب البحث عن منشأ ذلك في شيء آخر. يبدو أن الاختلاف في الأمور البديهية له ثلاثة أسباب تم الحصول عليها من طريق الاستقراء دون الحصر العقلي، وهي عبارة عن:
أ. العامل النفسي والروحي.
ب. الأمور العملية.
ج. شرائط البيئة المحيطة.
وفيما يلي سوف نعمل على إيضاح وبيان هذه الأسباب:
أ. العامل النفسي والروحي
تعود جذور بعض الاختلافات إلى العوامل النفسية للأفراد؛ حيث تختلف أنواع خلقهم وأطار وجودهم، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾(نوح: 14). ليس كل الناس على شاكلة واحدة، بل لهم أطوار متعددة. و«الطوَر» يعني الحالة التي يكون عليها الشخص في حدوده الوجودية. وكأن هذه الآية تقول: على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى قد خلقكم على أطوار وحالات متفاوتة، ولكنكم لا تعيشون حالة الثبات فيما يتعلق بربوبية الله سبحانه وتعالى[3].
وعلى هذا الأساس يكون لكل فرد في المجتمع «طور» من الوجود، ويُعدّ لنفسه طبيعة تخصّه؛ فهناك من يسعى إلى حفظ قداسة نفسه، وهناك من يعمل على تدنيس صفاء باطنه ولا يبالي. وهناك من يعترف بالحق ويستسلّم له ويتواضع أمامه، وهناك من تأخذه العزّة بالإثم ويتمرّد على الحق ويتشدد في وقوفه بوجه الحق. إن هذا النوع من خصائص وحالات الأفراد أمر لا يمكن إنكاره، فأنت تشاهد الخصائص النفسية المختلفة حتى بين أفراد الأسرة الواحدة، كما هو الحال بالنسبة إلى كميل بن زياد النخعي الذي كان من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام) والمقرّبين منه، بينما كان أخوه الحارث بن زياد النخعي من ألدّ أعداء أهل البيت ومن أشدّ المعاندين لهم.
هناك الكثير من الأسباب والعوامل التي تدخل في ذلك، ولكن ليس هناك من شك في أن واحدًا من هذه الأسباب عبارة عن طهر أو خبث النفس، والذي هو في حدّ ذاته من العناصر المهمّة في إدراك الحقائق. إن النفس الطاهرة والنفس الخبيثة لن تريا الحقيقة على شكل واحد، بل النفس السعيدة ترى الحق واضحًا ولاحبًا، وأما النفس الخبيثة فهي تنكر الحق مهما كان وضوحه ولو كان مثل الشمس في رابعة النهار، قال الله تعالى: ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾(النحل: 22).
إن اتباع الشهوات والأهواء والغرور والتكبّر وحبّ الأنا والعصبية الجاهلية تعمل في بعض الأحيان على إخفاء طريق الإدراك والفهم بنشر الضباب حيث لا يعود بمقدور بصيرة الشخص أن ترى الحقائق وتعجز عن فهم الأمور البديهية. وفي ذلك يخاطب الله سبحانه وتعالى النبي الأكرم بالقول: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾(الأعراف: 198)؛ إنهم ينظرون إلى النبي الأكرم بوصفه شخصًا عربيًا مكيًا، ولكنهم لا يدركون رسالته ومعجزاته؛ وذلك لأن الضباب والغبار قد حجب الحقيقة عن أعينهم، ولم يعد بمقدورهم أن يدركوا الحقائق اللاحبة والواضحة.
وبطبيعة الحال فإن هذا النوع من الاحتجاب يعود سببه إلى حجب أتباع الأهواء وأصحاب الشهوات حيث يغمضون أعينهم عن رؤية الحقيقة ويشيحون بأوجههم عنها، وإلا فإن الحقيقة واضحة للجميع، ولذلك فإن الغطاء لن يرفع في يوم القيامة عن وجه الحقيقة، وإنما سيرتفع عن بصر ذلك الشخص الذي تعمّد وضع الحجب أمام عينيه كي لا يرى الحقيقة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾(ق: 22). وعلى هذا الأساس فإن بعض هذه الاختلافات في فهم الأمور البديهية يعود سببه إلى العوامل النفسية والروحية التي تكون مقدماتها وتمهيداتها تحت اختيار الإنسان وإرادته؛ بمعنى أن بمقدوره أن يوفر لنفسه مقدمات الفهم، كما يمكن له أن يوفر المقدمات التي تشكل حجابًا على النفس يحول دون رؤيته للحقائق الواضحة.
القرآن الكريم وعلاج الأمراض النفسية
إن القرآن الكريم يصف بعض العلاجات للأمراض الناشئة عن الرذائل الأخلاقية والاختلافات النفسية والعصبيات الداخلية، وفيما يلي نشير إليها على نحو الإجمال:
1. التقوى: ربما كان هناك تدخّل للكثير من العوامل والأسباب التي تؤدّي إلى الأمراض الروحية والنفسية؛ ولكن حيث يتمّ علاج كل شيء بضدّه، فإن الأمراض النفسية ـ التي يعود أهم أسبابها إلى الغفلة عن الله ـ تعالج بتقوى الله. إن الله سبحانه وتعالى يقول بأن إدراك الحقائق مستحيل على النفوس الكافرة والمشركة، وأما المؤمن والذي يخشى من الله يكون إدراك الحقائق بالنسبة له في غاية السهولة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾(الأعراف: 201). ويوفر لهم أسباب المعرفة؛ إذ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾(الأنفال: 29).
2. التربية وتزكية النفس: إن عدم إدراك الحقائق البديهي يعود سببه أحيانًا إلى الدنس والخبَث الروحي، وفي هذه الحالة يجب العمل على معالجته بتزكية النفس والسعي في سبيل الله، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم:
ـ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾(الشمس: 9).
ـ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾(الأعلى: 14).
ـ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾(العنكبوت: 69)، وعليه فإن المعضلات الروحية والمشاكل النفسية لها ـ مثل الأمراض الجسدية ـ أسباب وعلل مختلفة، ويجب العمل على علاجها بالطب المعنوي والروحاني. إن القرآن الكريم شفاء لجميع الأمراض والآلام، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾(الإسراء: 82). وهو يعالج هذا النوع من الأمراض من خلال العديد من الوصفات والطرق.
إن من شرائط علاج المريض هو أن يذهب إلى الطبيب وليس الإعراض عنه؛ وإلا فلن يكون هناك أمل في شفائه وتحسّن حالته، وإن القرآن الكريم يُسمّي هذا الشرط بـ «الإيمان»، ويقول الله تعالى في هذا الشأن: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾(البقرة: 257). وعلى هذا الأساس فإن العنصر الأول والمنشأ الأهم لظهور الاختلاف في المجتمع هو الاختلاف النفسي والروحي؛ حيث علاج ذلك بتزكية النفس وتقوى الله.
ب. العامل الأخلاقي والعملي
إن مسار الازدهار والتقدّم في المجتمع يغلق الطريق على الأدران والخبائث العملية والأخلاقية. ففي بعض الأحيان لا يعاني الشخص من طبيعة معاندة أو مكابرة، ويتساوى مع الآخرين في القبول بالحقائق والتسليم بها؛ ولكنه لبعض الأسباب يبتلي بالأدران الأخلاقية، وتراكم صدأ المعاصي ورين الذنوب على روحه، ولا يعود بمقدوره إدراك الحق بسهولة. أجل، إن ارتكاب المعاصي والذنوب والانحرافات الأخلاقية، وأكل الطعام ولبس الثياب دون رعاية الأحكام الشرعية والتعاليم الإلهية يكدّر طبع الإنسان ويعلو الصدأ فوق القلوب، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾(المطففين: 14).
لا يمكن القول بعدم تأثير أسباب التفكير في آثاره ونتائجه. وبعبارة أخرى: إن الفكر المنحرف لا يمكن أن يهتدي إلى هدف مستقيم. وعليه لا يمكن لمن يأكل الحرام أن يفكّر في الحلال؛ وذلك لأن المسار الجوهري للمواد الغذائية يتحوّل مع القوى الجسدية في ضوء الروح ـ التي هي جسمانية الحدوث وروحانية البقاء ـ إلى هيئة التفكير أو الحافز والدافع؛ وذلك لأن العقل النظري والعملي بدوره حيث هو من شؤون النفس ويتولى العلم والاتجاه الإنساني، فهو مثل ذات الروح أيضًا؛ فيكون جسماني الحدوث وروحاني البقاء، ونتيجة لذلك فإن الجزم العلمي والعزم العملي الذي يتحقق بتأثير من المواد الغذائية المحرّمة وغير الشرعية، لا يتجه بصاحبه نحو الحق ولا إلى جهة الصدق. والخلاصة هي أن الأعمال الشيطانية تباين الأفكار الإلهية. وعليه فإن الشخص المطيع والعادل يدرك الحق بشكل أفضل، وأما المتمرّد والعاصي فيكون ضعيفًا في الفهم والإدراك[4].
ج. ظروف البيئة المحيطة
إن من بين أسباب تشديد الاختلاف ـ وربما يكون منشأ لها أيضًا ـ هي الظروف البيئية الخاصة التي تحيط بالإنسان: إن الحياة والعيش في البيئة الاجتماعية الملوّثة والموبوءة بالأفكار والأخلاق المنحرفة، تجرف الأذهان الفارغة عند أكثر الأشخاص الذين يرزحون في تلك البيئة وتغرقهم في مستنقعها. قال أمير المؤمنين علي(عليه السلام) في كتاب له كتبه إلى نجله الإمام الحسن(عليه السلام): «إِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْه»[5]. فإذا كانت الأرضية الفكرية للمجتمع في منطقة خالية، فيمكن العمل على توجيه الناس فيها نحو اتجاه محدّد من خلال الدعاية والإعلام نحو أيّ منهج فكري يتمّ توجيههم نحوه؛ فينصّرهم الإعلام النصراني، أو يهوّدهم الإعلام اليهودي، أو يهتدوا بتأثير من التعاليم الإسلامية. إذ أنهم مثل الصفحة البيضاء، تقبل كل ما يكتب فيها، ويتقبلون جميع الأفكار التي تملى عليهم.
وعليه فإن من بين جذور الاختلاف أن هناك من يصل إلى المباني الصحيحة وهناك من لا يصل إليها، كما تستند الأفهام المختلفة حول موضوع واحد إلى مبان مختلفة ومقدمات سابقة، والمباني السابقة بدورها تستند إلى خصائص نفسية وروحية أو تستند إلى سلوكيات الأفراد، أو تتأثر بعوامل البيئة والظروف المحيطة. إن الإسلام ـ الذي هو دين اجتماعي ـ قد لاحظ جميع هذه الآفات، وقد شخّص طرق علاجها أيضًا. وقدّم في هذا الشأن حلّين مهمّين، وهما أولًا: التدبّر في النصوص الدينية من القرآن الكريم والسنة المطهّرة. وثانيًا: تبادل الآراء والأفكار.
اختاروا الرأي والفكر الصائب من خلال تبادل الآراء وتضارب الأفكار، وتوجهوا بها نحو مقاصدكم. إن امتلاك الفكر الجمعي يختلف عن امتلاك الحياة الاجتماعية؛ إذ يمكن أن يجتمع الآلاف من الجامعيين والطلاب في مكتبة وينهمكون في قراءة الكتب، ومع ذلك لا يكونون على رأي أو فكر واحد، وقد يكونون في بعض الأحيان على فكر ورأي واحد عند القراءة، وعليه فإن قراءة جماعة تتحد في المباني النظرية، تختلف عن الجماعة التي تقوم بالقراءة.
يقول أمير المؤمنين علي: «اضْرِبُوا بَعْضَ الرَّأْيِ بِبَعْضٍ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ الصَّوَابُ»[6]. يعلمنا الإسلام أن نعمل على إرجاع موارد الاختلاف إلى عين صافية ومنزّهة عن الاختلاف. إن معيار وملاك التقييم يجب أن يقوم على كفتين متناغمتين بميزان واحد.
لقد تحدّث القرآن الكريم عن ميزان هو قسط محض وعدل صرف لا اختلاف فيه، إذ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾(النساء: 82). لا يوجد هناك أيّ اختلاف في صلب الدين، وعلى هذا الأساس يمكن له أن يكون معيارًا لتقييم الأفكار وتحديد قيمة الآراء. وقد وضع لهذا الميزان مبيّنًا ومفسّرًا أيضًا، وهو الوجود المقدّس للنبي الأكرم، ثم الأئمة الأطهار من بعده. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾(النحل: 44). وعليه فإن الكتاب والسنة هما أفضل ميزان لحلّ الاختلافات، وإن جميع مناشئ الاختلافات الاجتماعية الثلاثة تنحسر عند عرضها على القرآن الكريم.
2. الظلم والعدوان على حقوق الآخرين
إن الظلم سبب آخر لسقوط وهلاك المجتمع، وهو سبب في غاية التأثير. إن الظلم له مفهوم واسع ومراتب تشكيكية. ورد في بعض آيات القرآن أن الله سبحانه وتعالى قد أهلك بقدرته المطلقة بعض الأمم والمجتمعات بسبب ظلمها واعتدائها، رغم أن الأنبياء الذين أرسلهم الله إليهم قد بيّنوا لهم الدين الحق بالأدلة الواضحة، ومع ذلك لم يكونوا ليؤمنوا بالله ويسلّموا للحق. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾(يونس: 13).
يُفهم من القيد الأخير في هذه الآية: ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾، أن الله سبحانه وتعالى يبيد الأمم الظالمة التي لا يكون هناك أمل في إيمانها؛ إذ أنهم أغلقوا على أنفسهم طريق التوبة وباب الإنابة عامدين؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ * فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾(الأعراف: 4 ـ 5).
إن هلاك وسقوط المجتمعات الظالمة والجائرة من السنن الإلهية التي لا تختص بعصر أو مصر بعينه. إن عجز الإنسان أمام القدرة الإلهية في جميع العصور والأمصار واحد. فإن البشر في العصر الراهن عاجزون عن الصمود في وجه السيول والأعاصير بمقدار عجز الأمم السابقة عن مواجهة هذه الكوارث والعقوبات التي تنزل عليهم بسبب سوء أفعالهم. أجل، إن الشيء الوحيد الذي قام به الإنسان المعاصر، هو رفع مستوى القدرة الدفاعية عن نفسه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾(القصص: 59).
إن النقطة التي تشير إليها هذه الآية هي أن هلاك الأمم الظالمة لا يكون إلا بعد إتمام الحجّة؛ بمعنى أن الهلاك إنما هو نتيجة تترتب على الظلم بعد العلم، وليس قبل العلم. قد يكون هناك ظلم يمارسه بعض الأفراد في المجتمع تجاه بعضهم، دون أن يكون مفهوم الظلم واضحًا بالنسبة لهم، ويتصوّرون أن الظلم الذي يقومون به هو العدل، ومن خلال الوصول إلى معرفة معنى الظلم، يبادرون إلى إصلاح سلوكهم. إن هذا النوع من الظلم الخفي وإن كان من المعاصي، ولكنه يختلف عن الظلم الصريح الذي يستوجب الهلاك وتعجيل العذاب؛ من قبيل ظلم الملوك والسلاطين لأبناء رعيتهم، أو عدوان الاستكبار العالمي على الشعب المسلم المظلوم والمستضعف في فلسطين، حيث لا يزال يخضع لقتل يومي ممنهج منذ ما يقرب من خمسين عامًا على يد الحكومات الأمريكية والكيان الصهيوني والدول الغربية، ويتم تدمير بيوتهم ومؤسساتهم الصحية والخدمية على رؤوسهم. إن القرآن الكريم يدعو في مثل هذه الحالة إلى المقاومة والصبر والتحمل والجهاد والثبات والاستقامة في مواجهة الظلم والجور، والوقوف في وجه الظالمين حتى النهاية.
3. الجهل
إن الجهل لغة، يعني: «عدم العلم»، وله في النصوص الدينية مفهوم أوسع من ذلك؛ وقد عبّر القرآن الكريم عن بعض الأشخاص ـ الذين يرتكبون الأعمال القبيحة عن علم ـ بصفة الجهل، كما في قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾(النحل: 55).
لا شكّ في أن قوم النبي لوط إنما كانوا يرتكبون ذلك الفعل الشنيع والعمل القبيح عن علم لهم بحرمته ونهي الشريعة عنه؛ إذ أن نبيهم كان أولًا: قد بيّن لهم حرمة هذه الفاحشة ومنعهم من اقترافها. وثانيًا: إن العلم بحرمة هذا الفعل الشنيع يُعدّ من الأمور الفطرية التي يعلمها الإنسان السوي بالعلم الحضوري. إن قبح موبقة اللواط (الشذوذ والانجذاب الجنسي إلى الذكور بدلًا من الإناث) لا يخفى على أحد.
كما أن القرآن الكريم يصف الذين لا يؤمنون بنبيهم بالجهل أيضًا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾(الأعراف: 138). وعليه فإن للجهل مفهومًا أوسع من عدم العلم، وهو يشمل المعنى والمفهوم العام والحقيقي الذي يُعدّ منشأ للسقوط ويكون سببًا في انحطاط المجتمع.
إن الفرد أو المجتمع إنما يوصف بالجهل حيث لا يدرك خطأ أفعاله، ولا تؤثر فيه نصيحة كل طالب للخير له، ولا ينتفع بالموعظة أبدًا، ويبقى سادرًا في أحلامه وآماله الدنيوية، ويجعل من عينه الجارحة هي المعيار الوحيد في رؤية الحقائق (بمعنى أنه يحصر الحقائق بالأمور الحسية التي يراها بالعين المجرّدة)، ويميل أبدًا نحو الإفراط أو التفريط، ويخرج عن حدود الاعتدال والوسطية. ولا شك في أن هذا الفرد وهذا المجتمع لن يكون أمامه من مصير سوى السقوط في منحدر الهلاك والانحطاط.
والخلاصة هي أن الجهل العلمي من الصفات السلبية للعقل النظري، بيد أن الجهالة العملية هي من الخصائص والصفات السلبية للعقل العملي.
إن طريقة علاج هذه الأمراض المزمنة، تكمن في رفع مستوى الوعي، والعمل على تطوير الثقافة الدينية، والتعريف بأمثلة ونماذج من قبيل الأمم السالفة التي تمرّدت على أوامر وتعاليم أنبيائها، ولا سيما عاقبة السوء التي حلّت بقوم لوط، والمصير المشؤوم الذي حلّ بقوم نوح بسبب عنادهم واستكبارهم في مواجهة الأنبياء. قال الله تعالى في بيان العذاب الذي نزل على قوم النبي لوط، لكي تعتبر به الأمم اللاحقة: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(الشعراء: 173 ـ 174. وانظر أيضًا: النمل: 58).
4. الإسراف والتبذير
إن من الأسباب الأخرى التي تلعب دورًا مهمًّا في تقهقر المجتمعات البشرية، وترمي شيئًا فشيئًا نحو الانحطاط والسقوط، ظاهرة الإسراف والتبذير.
إن الإسراف من مادّة «سَرَفَ» بمعنى التعدّي وتجاوز حدود الشريعة[7]، والتبذير من مادّة «بَذَرَ» بمعنى فصل البذور وإلقائها في أرض سبخة لا يرجى نباتها، وهما في المصطلح يعنيان إهدار الأموال[8]. وكلا الأمرين من الذنوب الكبيرة ومن مظاهر الفساد. وقد هدّد الله المسرفين بالهلاك: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾(الأنبياء: 9).
إن النظم في عالم الوجود يقتضي أن تصل كل ظاهرة في مسارها الطبيعي إلى الهدف والغاية، وإن ظهور أدنى انعدام للنظم يؤدّي إلى الإخلال في الوصول إلى الهدف. إن الإسراف والتبذير هو الخروج عن الحدّ الطبيعي، وإن المبذرين والمسرفين ينكصون عن التقدّم في مسار التكامل والتطوّر ويقتربون بالتدريج من الهلاك والسقوط؛ لأن التبذير شيطنة والمبذرون هم إخوان الشياطين، قال الله تعالى:﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾(الإسراء: 27). وإن الكفر بالله لا يؤدّي لغير السقوط.
5. الترَف والبطَر
ليس هناك أيّ تناغم أو توافق وانسجام بين التوحيد والترَف، وبين الأخلاق الدينية والبطر، وبين القناعة والإسراف، وبين التعبّد والطاعة الإلهية، وبين الغفلة والطغيان.
إن التعاليم الإسلامية تؤكّد على المسلمين بأن يحافظوا على روح التوحيد، وأن لا ينجرفوا نحو الطغيان؛ وذلك لأن نار الطغيان تحرق روح الإيمان. كلما شاعت روح الترف والبطر في المجتمع، فإن التوجّه العام فيه سوف ينحو نحو توفير الأرضية لسقوط المجتمع، وإن الله سبحانه وتعالى ينزل العذاب على ذلك المجتمع، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾(سبأ: 34). إن الكفر بالتعاليم الإلهية هو نتيجة لبطر وطغيان المجتمع، وأثر كفر الناس هو فساد وانحراف المجتمع، والذي يؤدّي في نهاية المطاف إلى هلاكهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾(الإسراء: 16).
وعلى هذا الأساس يجب الشكر على النعَم الإلهية لاجتناب العذاب؛ لا أن نسلك مسار الطغيان من خلال الغفلة على النعَم. لو قام المبلغون لدين الله بأداء رسالتهم، وعملوا على توجيه الفضاء الحاكم على المجتمع ـ الذي يتجه نحو مسار الترف والبطر ـ نحو العدل والإنصاف والاعتدال، فإن الهلاك والعذاب سوف يرتفع عن ذلك المجتمع، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾(هود: 116).
إن علماء الدين وهم أعلام المذهب والشخصيات البارزة في المجتمع، ويتمّ التعبير عنهم بـ «أولوا بقية»، حيث ورد في الحديث بشأنهم: «الْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْر»[9]. من بين واجباتهم «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
وعلى هذا الأساس فإن إهلاك المسرفين والمترفين يستند إلى العدل، وإن الحكمة الإلهية البالغة تقتضي عدم إهلاك أيّ مجتمع إنساني من دون سبب: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾(هود: 117).
6. التقليد الأعمى
إن صرح التعاليم الإسلامية يقوم على أساس المعرفة، وينعقد نسيجها على التحقيق، وليس على التقليد. إن أصول الدين تقوم على أساس التحقيق، ولا موضع للتقليد في المعارف العقائدية للإسلام. نعم، يجوز التقليد في فروع الدين، ولكن حتى هناك تعود روح التقليد إلى التحقيق أيضًا؛ وذلك لأن بناء التقليد في أحكام الإسلامية، ليس تبعية عصبية عمياء، بل يجب تقليد عالم الدين بعد إحراز العلم باجتهاده وتقواه.
إذن هناك عنصران على درجة كبيرة من التأثير في انحراف المجتمع وسقوطه، وهما أولًا: الاجتهاد في موضوع خارج عن اختصاص المجتهد، والآخر: التقليد في الأمور التي يمكن التحقيق فيها. ومن هنا نجد أن القرآن الكريم يعتبر التقليد غير المنطقي والمنطلق من الجهل والطاعة العمياء، سببًا لانحراف وسقوط وهلاك المجتمع، وفي ذلك يقول الله تعالى:﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾(المائدة: 104).
إن الإسلام يحترم إكرام الوالدين والآباء والأجداد؛ بيد أن هذا الاحترام لا يعني بالضرورة التبعية العمياء لطريقتهم وثقافتهم، قال الله تعالى:
ـ ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(العنكبوت: 8).
ـ ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾(لقمان: 15). إن احترام الوالدين لا يعني تقديس معتقداتهم وأعمالهم؛ وذلك لأن مفهوم الاحترام والإحسان إلى الآخرين منفصل عن مسألة التقليد لثقافتهم. إن الله سبحانه وتعالى يشيد باحترام الآباء والأجداد والتعامل معهم بإحسان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾(البقرة: 83). ولكنه في الوقت نفسه يشجب التقليد الأعمى لعقائد وأفكار الآباء والأجداد بشدة، ويقول في ذلك: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾(الأعراف: 70).
إن عبدة الأوثان حيث لم يجدوا أيّ جواب في مواجهة منطق النبي إبراهيم، أخذوا يرفعون عقيرتهم بهذا الشعار غير المنطقي؛ إذ يقولون على ما ذكره القرآن عن لسانهم: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾(الشعراء: 74).
إن الدين الإلهي يعلّم الجميع أن التقليد بدوره يجب أن يكون مستندًا إلى المنطق، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾(لقمان: 21).
إن القرآن الكريم يرى أن القول بالتلازم بين إكرام الآباء والتقليد الأعمى لهم خلط وخبط واضح؛ ويقول في ذلك: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾(الأعراف: 28). وعليه فإن التقليد الأعمى يُعدّ من وجهة نظر الإسلام مادّة لانحطاط المجتمعات والأمم، ويمنعهم من الوصول إلى الكمال والسعادة، دون التبعية للتعاليم التي يكون ارتقاء المجتمع البشري رهنًا بها. إن نتيجة التقليد الأعمى هي الضلالة والهلاك، وإن عاقبة كلام المقلدين هي الندامة، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾(الأحزاب: 67).
إن الطريق الأفضل للخروج من هذه العقبة، هو العمل على توظيف العقل والانتقال إلى أسلوب التحقيق بدلًا من التقليد. كما أن التقليد في موارد الحاجة يجب أن لا يقوم على أساس الجهل والتعصّب، بل يجب أن يقوم على أساس التعقل.
والخلاصة هي:
1. إن الإسلام دين علم وثقافة، وفي هذا الدين تكون الأصالة للتحقيق دون التقليد.
2. في ضوء تعاليم القرآن الكريم، يجب أن يكون التصديق والتكذيب قائمًا على التحقيق؛ بحيث لا ينبغي إثبات شيء ولا نفيه من دون علم، من ذلك أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾(الإسراء: 36)، ينهى عن التبعية وعن القول بغير علم. وإن قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾(يونس: 39) يحكي عن النبذ والإبطال من دون تحقيق. وعلى هذا الأساس فإن الشخص المتدين الملتزم يتنفس في فضاء العلم والثقافة، ويرى نفسه على الدوام في حدود النفي والإثبات مقيدًا بأغلال التحقيق، وليس تحررًا من القيود، ويمكن للحديث القائل: «المؤمن مُلجَم»[10] بدوره أن يكون ناظرًا إلى هذا المطلب، وهو أن لسان المؤمن ومداد المؤمن ليس منفلتًا.
7. الكفر وإنكار الحقيقة
إن الكفر في مقابل الإيمان، يعني إنكار الحق والتوحيد ونفي الصانع والخالق، كما تمّ إطلاقه في القرآن الكريم على الشرك الاعتقادي لبعض أهل الكتاب أيضًا، وقد ورد في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾(المائدة: 73).
إن الكفر (الأعم من الاعتقادي والعملي) قد ورد استعماله في المصطلح الروائي بمعنى نفي الربوبية، وإنكار النعم الإلهية وعدم الشكر، والبُعد عن التعاليم الإلهية وترك أوامر الله، والبراءة من المؤمنين، ومحبة أعداء الدين[11].
إن القرآن الكريم يصرّح بأن الكفر، يهدد كيان المجتمع ويعرّضه إلى خطر الزوال، ويبعده عن مسار التكامل، ويجرفه نحو الانحطاط والسقوط. والآيات النازلة في هذا الشأن كثيرة، وسنكتفي منها بذكر هاتين الآيتين:
أ. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾(النساء: 126). إن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية بالإضافة إلى الأمر بالإيمان، يقول: لا تكفروا بالله والملائكة والكتب السماوية والأنبياء العظام ويوم القيامة؛ لأن هذا الكفر يؤدّي بكم إلى الضلال. وإن التعليل العقلي لهذا الأمر هو أن الحقيقة هداية وضياء، وإنكارها ضلال وظلام. إن الذي يتبع الحق والحقيقة حيث يعيش في بيئة واضحة المعالم، فإنه سيصل بسعيه العلمي والعملي إلى غايته وسوف يشاهد المقصود، وإلا فإنه لن يبلغ الهدف، حتى إذا لم يكن الظلام محيطًا به؛ في حين أن الشخص أو المجتمع المنكر للحقيقة، يلقي بنفسه من الفضاء المنير إلى الخارج، ويقذف بنفسه نحو الظلام الحالك. إن الذي يسير في الظلام لن يستطيع تمييز الطريق الصحيح من الطريق الخطأ، ولا يبصر الهدف؛ فلا يوجد هناك أمل في هدايته، ولذلك فإن هذا الشخص أو المجتمع يقع في «ضلال بعيد».
ب. قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾(النور: 29 ـ 30).
إن التعبير اللطيف والدقيق في هاتين الآيتين، هو:
1. أن هذه الآية الكريمة تشبّه أعمال الكافرين بالسراب والظلام؛ ومن هنا فإن جميع حركات ونشاطات المجتمع الكافر من أجل الوصول إلى أهدافه وغاياته الشريرة والخبيثة، لن تؤدي به إلى الغرض أبدًا. إن هؤلاء مثل الذي تؤثر فيه شدّة العطش حتى يحسب السراب الذي يراه من بعيد ماءً، ويسعى إليه من أجل إرواء عطشه، ولكنه لن يصل إلى مبتغاه؛ إذ لا ماء في الأفق، وإنما هو مجرّد سراب.
2. لقد تمّ تشبيه أعمالهم بظلمات بحر لجّي؛ حيث تكون شدّة الضياع فيه أكبر بكثير من الضياع في الصحراء القاحلة. يمكن لكم أن تتصوّروا في ليلة ظلماء لجّة بحر سحيقة تصطخب أمواجها العاتية، وفوق هذا البحر سُحُب متراكمة بعضها فوق بعض. في هذه الأجواء لا يمكن للشخص أن يرى شيئًا أبدًا؛ بل يعجز الشخص في هذه الحالة حتى عن رؤية يده التي هي طوع إرادته واختياره.
إن الله سبحانه وتعالى يرى أعمال الكافرين مثل السراب. وإن الفرد أو المجتمع الذي يرزح في هذه الظلمات المتراكمة ولا يرى بارقة نور تلوح في الأفق، لن يصل إلى ساحل النجاة أبدًا، وإن جهوده سوف تؤدّي به إلى الهلاك والزوال، وليس إلى السعادة والنجاح. إن اهتمام الأفراد في هذا المجتمع يكون متجهًا نحو السقوط دون الصعود.
إن الشخص الكافر من خلال قيامه بأيّ نوع من أنواع الطقوس العبادية للأصنام، بغض النظر عن كونها مجرّد سراب، ولكنه في الوقت نفسه يُعدّ العدّة لذلك ويعمل على إعداد الأسباب لهذه الغاية؛ إلا أن العمل الاجتماعي الذي يقوم به الكافر (من قبيل: تأسيس المراكز الصحية والمستشفيات، وتعبيد الطرق، وحفر الآبار والقنوات، وبناء السدود)، إذا لم يكن طالبًا لجاه، أو باحثًا عن الثناء، فإن الله سبحانه وتعالى لن يضيع أجره الدنيوي؛ إذ الأعمال التوصلية إذا لم تكن مشوبة بالرياء وطلب السمعة، يكون أثرها الوضعي محفوظًا.
8. الفقر والحرمان
إن الفقر مشتق من «فقار» بمعنى عظام العمود الفقري. والفقير هنا يعني الشخص الذي تهشّم عموده الفقري وانكسر ظهره تحت أعباء الحياة. إن هذه الظاهرة في المجتمع تقصم العمود الفقري للتنمية والازدهار، وما دامت هذه الظاهرة هي السائدة في المجتمع، فسوف يكون توقع الرقي فيه ضربًا من العبث.
إن الإسلام يرفض الفقر بجميع أبعاده، وقدّم الحلول للقضاء عليه، ومن بين هذه الحلول: التشجيع على العمل، وتسهيل الحصول على الأموال العامّة، والإشراف الحريص والعلمي من قبل الهيئة الحاكمة من جهة، وأحكام الخمس والزكاة والصدقات من جهة أخرى للقضاء على الفقر الاقتصادي؛ وقد تم إقرار وجوب التربية والتعليم لإزالة الفقر الثقافي والعلمي؛ وفرض وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل تطوير الثقافة الدينية. يمكن للفقر في كل بُعد من أبعاده أن يترك أثره في سقوط وانحطاط المجتمع.
إن الفقر في الإسلام ينقسم بشكل عام إلى قسمين، وهما: الفقر التكويني، والفقر الاعتباري. إن الفقر التكويني أمر ذاتي لا يقبل الاستثناء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾(فاطر: 15). وعليه فإن جميع المخلوقات ـ ومن بينها الإنسان ـ حيث تكون من صنف الوجود الإمكاني، تكون فقيرة بالقياس إلى ذات الواجب. إن الفقر التكويني ليس مذمومًا، بل الاعتقاد به هو الممدوح، ولذلك ورد في الحديث المأثور عن النبي الأكرم أنه قال: «الْفَقْرُ فَخْرِي وَ بِهِ أَفْتَخِرُ»[12].
إن المصداق الأبرز للفقر الاعتباري هو الفقر المادي والاقتصادي، وقد ورد ذمّ هذا النوع من الفقر في التعاليم الإسلامية، فقد روي عن رسول الله، أنه قال: «كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْر»[13]، وعنه أيضًا أنه قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْر»[14].
إن موضوع بحثنا في هذه المقالة هو هذا القسم الثاني من الفقر، حيث ينطوي على الكثير من الآثار والتداعيات المدمّرة؛ فما لم يتمكن أفراد المجتمع من تلبية احتياجاتهم الضرورية والأساسية، يمكن أن نتوقع حدوث جميع أنواع الجرائم في هذا المجتمع؛ وذلك لأن الفقراء في مثل هذه الحالة سوف يمدّون يدّ السؤال والحاجة إلى الجميع بمن فيهم الكفار وأهل الكتاب، ولا يأخذون في تلبية حاجاتهم السُبُل المشروعة بنظر الاعتبار؛ حيث يضطرّ الفقراء في المجتمع إلى الرضوخ لأعداء الإسلام من أجل تلبية هذه الاحتياجات، قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾(البقرة: 109). ولذلك فإنهم ما أن يطلعوا على الاحتياج المادي للمسلمين، حتى يقوموا بكل ما يستطيعون من أجل تلبية حاجة المسلم واستغلاله في هذه الحاجة، لتمرير أهدافهم ومشاريعهم الهدّامة والخبيثة.
إن الكفر بالله، وإنكار حقائق الوجود، والذل والهوان، وزوال العقل البشري، والفساد والضياع، والعداوة والضغينة، والإعراض عن التعاليم الدينية، والانحطاط الثقافي والاجتماعي، والبُعد عن العلوم والمعارف الحقيقية، واجتناب الحياة الإنسانية، تعدّ من بين الآثار الهدّامة المترتبة على الفقر، حيث يمكن لكل واحد من هذه الأمور أن تؤدّي بالمجتمع إلى الانحطاط والهلاك، ومنعه من الحصول على السعادة والارتقاء.
وعلى هذا الأساس فإن الغرض الرئيس بالنسبة إلى الإسلام في المجتمع الإسلامي هو القضاء على الفقر، وليس مساعدة الفقير. لقد تمّ تنظيم التعاليم الإسلامية بحيث يؤدّي العمل بها وتطبيقها على أرض الواقع إلى زوال الفقر، دون الاكتفاء بالحلول المسكّنة لما يشكو منه الفقير من الأوجاع الموضعية.
روي عن أمير المؤمنين أنه قال: «لو تمثّل لي الفقر رجلًا لقتلته»[15]. بمعنى أن المجتمع الإسلامي مكلّف بالقضاء على الفقر، وليس تلبية حاجة الفقير فقط؛ ومن خلال القضاء على الفقر الثقافي، فسوف يحل القضاء على الفقر محل مدّ يد العون إلى الفقير. وإن الروايات الواردة في أهمية العقل وخطر الجهل يمكن أن تصبّ في هذا المعنى، ومن بينها الحديث القائل: «لَا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ وَ لَا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْل»[16].
9. الذنوب والتمرّد على الأوامر الإلهية
إن التمرّد على التعاليم الإلهية ـ بأيّ شكل من الأشكال ـ يصدّ الإنسان عن الوصول إلى ينبوع الكمال والسعادة، ويدفعه نحو الانحطاط والسقوط في ورطة النقصان والهلاك؛ إذ أن جميع الكائنات الممكنة ناقصة، والكمال المطلق منحصر بالذات الربوبية المقدّسة، وإن معيار الكمال الفردي والاجتماعي يكمن في مقدار القرب والبُعد من الكمال المطلق.
ومن هنا فإن الفرد والمجتمع كلما أحكم حلقة اتصاله بمنشأ الارتقاء والكمال سوف يكون أكثر سعادة، وبمقدار بُعده عنه سوف يكون أقرب إلى الانحطاط والهلاك، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾(الأحزاب: 36).
إذ أنه يعمل بذلك على حرف مساره عن جادة الهداية، ويسير في طريق الضلالة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾(النساء: 14).
إن الكمال والسعادة رهن بإطاعة الله ورسوله ورعاية الحدود الإلهية، كما أن الانحطاط والضلال هو نتيجة المعاصي وتجاوز الحدود الشرعية. إن الذنب خروج عن العدل ويعدّ في حدّ الظلم والجور، وعليه فإن جميع الآثار المدمّرة للظلم وانعدام العدل تترتب على العصيان والتمرّد على الأحكام والتعاليم الإلهية.
إن الله سبحانه وتعالى يردع المسلمين ويمنع المجتمع الإسلامي من جميع مصاديق المعاصي والذنوب، من قبيل: السيئات[17]، الذنوب[18]، الخطيئات[19]، الجرائم[20]، الفسوق[21]، والمنكرات[22]. إذ أن كل واحد من هذه الموارد يُشكّل مقدمة لسقوط الفرد والمجتمع. إن آيات القرآن الكريم صريحة في أن المجتمع الذي يتكوّن من الشعب والدولة، ما دام يسلك مسار إطاعة الله عزّ وجَلّ، فإنه يكون في حالة من الصعود والارتقاء نحو السعادة والتقدّم والرقي والتكامل في جميع الأبعاد الاجتماعية، وأما إذا سلك أودية المعاصي فإنه سيتجه نحو السقوط والانحطاط والسقوط والهلاك. وبطبيعة الحال فإن هذا الصعود والسقوط في المجتمع غالبًا ما يكون على نحو تدريجي، ولا يكون على نحو دفعي.
يقول الأستاذ العلامة الطباطبائي: «إن للسيئات والذنوب دخلًا في البلايا والمحن العامة، وفي هذا المعنى وكذا في معنى دخل الحسنات والطاعات في إفاضات النعم ونزول البركات آيات كثيرة»[23].
إن القرآن الكريم نور وكتاب هداية، وعليه فإنه لا يختص بزمان دون زمان ولا بمكان دون مكان. وحيث يعمل الفرد أو الأسرة أو العشيرة أو الطائفة أو المجتمع بتعاليمه الإلهية، فإنهم سوف يحصدون النتائج الإيجابية المترتبة عليها، وأما إذا تمرّدوا على أحكامه وتعاليمه، فإنهم سوف يسقطون في البلايا والمحن. إن السعادة والشقاء كلاهما من نتائج أعمالهم، وعليه فإن القريب أولى باللوم من الغريب في عدم الحصول على هذه الآثار، ولذلك نجد الشيطان في مقام الاحتجاج على أتباعه في مناظرته معهم عند المعاد، يقول على ما حكاه عنه القرآن الكريم: ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾(إبراهيم: 22).
إن القرآن الكريم بالإضافة إلى العوامل والأسباب أعلاه، يذكر عوامل أخرى لانحطاط المجتمع لا يسعنا الحديث عنها في هذه المقالة المختصرة بالتفصيل، ومن بينها: حبّ الشهوات، واتباع الهوى، والغرور والتكبّر، والخيانة في الإمانات الإلهية، ونسيان ذكر الله، وحبّ الدنيا، والسعي وراء المناصب، والنفاق، والتملق، والتمرّد، والعناد، ونقض العهود، وقسوة القلب، والكسل والتقاعس، وانحدار الهمم.
التفسير الصحيح للتقدّم والانحطاط
هناك تفسيرات مختلفة تمّ تقديمها لمصطلح التقدّم ومصطلح الانحطاط، وإن الاختلاف في بيان ذلك يعود إلى الاختلاف في الرؤية الأيديولوجيه والاعتقادية؛ فإن الرؤية المادية والإلحادية تقدّم تفسيرًا خاصًا لهذين المصطلحين، في حين أن الرؤية الدينية والإلهية تقدّم تفسيرًا آخر. وهذا أمر واضح وطبيعي؛ إذ أن الشخص الذي يرى العالم والإنسان منحصرًا في المادة والطبيعة، سوف يكون تقدّم وانحطاط المجتمع من وجهة نظره منحصرًا بحدود هذه المادّة أيضًا. وأما بالنسبة إلى الشخص الذي يرى العالم والإنسان أبعد من حدود المادة، فإن التقدّم والانحطاط سوف يكون التقدّم والانحطاط ـ من وجهة نظره ـ أبعد من العالم المادّي أيضًا.
لا شك في أن موضوع البحث يرتبط بالعلوم الإنسانية، وما لم يتمّ التعرّف على الإنسان والعالم والصلة العميقة بينهما، فإن دائرة البحث مهما اتسعت لن تصل بنا إلى نتيجة، وسيبقى البحث فيها عقيمًا.
لا يمكن للتفكير المادي أن يقدّم تفسيرًا صحيحًا عن الإنسان والعالم، وعلى هذا الأساس فإن كل تفسير للظواهر الإنسانية من وجهة نظر هذه الرؤية لن يكون صائبًا، ولهذا السبب نجد القرآن الكريم يؤكد في هذا الشأن على ضرورة العمل أولًا على تقديم تفسير صحيح عن الإنسان والعالم، ثم العمل بعد ذلك على إقامة الارتباط بينهما. إن الأصالة في تعريف الإنسان تكون من نصيب الروح والنفس، وإنه في ضمن القول بفناء ومادية جسم الإنسان، يقول بخلود روحه، لتعود في المعاد إلى حالتها الأولى.
إن تفسيره للعالم المادي والطبيعي هو أن العالم الطبيعي والنظام المادي، هو أدنى عالم بين عوالم الوجود، وهناك بعده عوالم مثالية ومجرّدة أيضًا. إن الإنسان لم يُخلق لهذا العالم، وإن غاية خلقه لا تقتصر على العالم المادي. وإن العالم المادي بمنزلة القنطرة والجسر الذي يوصله إلى منزله الأصلي، وعلى هذا الأساس فإن هذا التقدّم والانحطاط بالنسبة له وللمجتمع الإنساني إنما يتمّ تقييمه وتفسيره بالنظر إلى غايته.
إن الفلاح يكتسب مفهومه الحقيقي في قاموس الإسلام والفكر الديني. وإن التقدّم والفلاح في الإسلام يقترن بكمالات من قبيل الصدق والطهر وإخلاص النيّة، وقد بيّن القرآن الكريم تفسيره الصحيح في عبارة مقتضبة وفصيحة، إذ يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾(الأعلى: 14).
وفي المقابل فإن التفكير المادي ـ الذي يسعى أبدًا إلى التغلّب على الفكر الإلهي ـ يختزل الفلاح في الألاعيب السياسية، والرفاهية المادية، والثروات الاقتصادية، وعلى أساس هذه الرؤية يذهب المنطق المادي إلى القول على ما حكاه عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾(طه: 64). وبذلك فإن القرآن الكريم يذكر كلا التفسيرين، ويعتبر الفكر الإلهي للأنبياء هو الحق، وفي المقابل يذهب إلى اعتبار رؤية الأعداء تفسيرًا باطلًا وخاطئًا: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾(مريم: 74). وقال أيضًا: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾(الحج: 45).
وعلى هذا الأساس فإن الثروات المادية التي هي من سنخ التكاثر لا تجلب السعادة، كما أن الألاعيب السياسية والاحتيال والخداع لا تؤدّي إلى الفلاح، وإن القصور المشيّدة لن تؤسس لقوّة حقيقية، وإن الأثاث الظاهري لا يعمل على تعزيز أسس المجتمعات الإنسانية، بل إن العقل والدراية والذكاء والزكاة مما هو من سنخ الكوثر هو الأساس في الكمال والركيزة في جمال المجتمع وجلاله.
المصادر
القرآن الكريم.
نهج البلاغة.
التميميّ الآمديّ، عبد الواحد بن محمّد، غرر الحکم ودرر الکلم، التحقيق: مرکز أبحاث دار الحديث، قم، دار الحديث، ١٤٢٩هـ.
الحلي، ابن فهد (أحمد بن محمّد)، عدّة الداعي ونجاح الساعي، التحقيق: أحمد الموحدي القمي، قم، دار الکتاب الإسلامي، ١٤٠٧هـ.
الراغب الإصفهاني، الحسين بن محمّد، المفردات في غريب القرآن، التحقيق: صفوان عدنان الداودي، دمشق، دار القلم، ١٤١٢هـ.
الصدوق، محمّد بن علي (ابن بابويه)، معاني الأخبار، التحقيق: علي أکبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، ١٣٦١ش.
ـــــــــــــــ، من لا يحضره الفقيه، التحقيق: علي أکبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، ١٤٠٤هـ.
الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ١٤١٧هـ.
الطوسي، محمّد بن الحسن، الأمالي، قم، دار الثقافة، ١٤١٤هـ.
الکليني، محمّد بن يعقوب، الکافي، التصحيح: علي أکبر الغفاري، ٨ مجلد، طهران، دار الکتب الإسلامية، ١٣٦٣ش.
المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ١١٠ مجلد، بيروت، مؤسسة الوفاء، ١٤٠٣هـ.
-----------------------------------------
[1]. المصدر: المقالة بعنوان «جامعه ديني؛ مباني، اهداف وراههای تحقق آن»، فصلٌ من کتاب تفسير موضوعي، قم، منشورات اسراء، 1398 هـ.ش، الصفحات 65 إلى 110.
تعريب: حسن علي مطر الهاشمي.
[2]. الصدوق، من لا يحضره الفقيه، 4: 380.
[3]. يقول العلامة الطباطبائي في هذا الشأن: «محصل المعنى لا ترجون لله وقارًا في ربوبية - والحال أنه أنشأكم طورًا بعد طور يستعقب طورًا آخر؛ فأنشأ الواحد منكم ترابًا، ثم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم جنينًا، ثم طفلًا، ثم شابًا، ثم شيخًا، وأنشأ جمعكم مختلفة الأفراد في الذكورة، والأنوثة، والألوان، والهيئات، والقوة، والضعف إلى غير ذلك. وهل هذا إلا التدبير فهو مدبر أمركم فهو ربكم». (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 20: 31 ـ 32).
[4]. من الجدير ذكره أن الأشخاص العاصين قد يكونون على درجة جيّدة في إدراك وفهم المسائل العلمية، بيد أن إدراك المباحث العلمية وفهمها لا يعني فهم العلم النافع. فالعلم حيث يتطابق مع الواقع يكون حقًا وصدقًا، وأما كونه ضارًا ونافعًا فلا يتضح إلا في حالة التطبيق على أرض الواقع. وهذا هو الذي أراده أمير البيان الإمام علي في وصف المتقين، حيث قال: «وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُم». (نهج البلاغة، الخطبة رقم: 193، الفقرة الثالثة). فهم يستمعون إلى العلم الذي ينفعهم في العمل.
[5]. نهج البلاغة، الكتاب رقم: 31، الفقرة الثانية والعشرون.
[6]. الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، 442، الحكمة رقم: 10063.
[7]. الراغب الإصفهاني، المفردات في غريب القرآن، 407، مادة (س ر ف).
[8]. م. ن، 113 ـ 114، مادة (ب ذ ر).
[9]. نهج البلاغة، الحكمة رقم: 147، الفقرة السادسة.
[10]. المجلسي، بحار الأنوار، 72: 275؛ الصدوق، معاني الأخبار، 170.
[11]. الكليني، الكافي، 2: 373.
[12]. المجلسي، بحار الأنوار، 69: 30؛ الحلي، عدّة الداعي ونجاح الساعي، 123.
[13]. الكليني، الكافي، 2: 307.
[14]. م. ن، 4: 464.
[15]. هامش شرح إحقاق الحق، 32: 213. (لم تثبت صحة إسناد هذا الحديث إلى المعصوم).
[16]. الطوسي، الأمالي، المجلس السابع، 182.
[17]. {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. النمل: 90.
[18]. {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. آل عمران: 11. و{فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ}. الأنعام: 6.
[19]. {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا}. نوح: 25.
[20]. {أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ}. الدخان: 37. و{إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ}. السجدة: 22.
[21]. {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}. الأنعام: 49. و{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}. الإسراء: 16.
[22]. {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. النحل: 90.
[23]. الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 7: 18.