الباحث : محمَّد تقي مصباح اليزدي
تاريخ إضافة البحث : March / 25 / 2026
عدد زيارات البحث : 91
إن فكرة إنشاء المجتمع المثالي قد شغلت أذهان العديد من المفكرين والعلماء في العالم وقد شغفوا بها منذ أقدم العصور البشرية، ولا يزال الشغف بها قائمًا إلى يومنا هذا. ومن هنا فقد قدّم كل واحد منهم رؤيته الخاصة عن المجتمع المثالي. ومن بين المهندسين المتقدّمين للمجتمع المثالي يبرز اسم أفلاطون على نحو أشهر من سواه. حيث ذكر خارطته لرسم هذا المجتمع المثالي والمدينة الفاضلة في جميع مواضع كتاب الجمهورية ومواطن من رسائل ثيماوس وكريتياس[2]. وبعده قام الكثير من العلماء والمفكرين في العالم الإسلامي بتصوير المجتمعات المثالية من وجهة أنظارهم، ومن بينهم: الفارابي في كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة، وأبو الحسن العامري في كتابه السعادة والإسعاد، والنظامي الكنجئي في كتابه اسكندرنامه. وفي العالم المسيحي هناك الكثير من المؤلفين الذين أدلوا بدلائهم في هذا الشأن، ومن بين هؤلاء يمكن تسمية كل من القديس أوغسطين في كتابه مدينة الإله، وتوماس مور في كتاب اللامكان، وفرانسس بيكون[3] ـ المفكر وفيلسوف العلم الإنجليزي (1561 ـ 1626 م) ـ في روايته أطلانطس الجديدة، وتوماسو كامبانيلا[4] ـ الفيلسوف والمفكر وعالم الاجتماع الإيطالي (1568 ـ 1639 م) ـ في مدينة الشمس، وكذلك برتراند راسل[5] ـ الذي كان يؤمن بقدرة العقل على إحداث التغيير في الطبيعة البشرية من طريق التعليم خلال جيل واحد ـ إذ قام بتصوير المجتمع العلمي في المستقبل في كتابه الرؤية العلمية، حيث بالإضافة إلى توظيفه أفضل الأساليب في أمور الإنتاج والتربية والتعليم والإعلام، يضيف مزايا أخرى على المجتمعات غير العلمية أيضًا[6].
ومن ناحية أخرى، ذهب بعض المفكرين الاجتماعيين إلى الاعتقاد بأن الحديث عن المجتمع المثالي والمدينة الفاضلة وتقديم خطة أو خارطة لمثل هذا المجتمع وهذه المدينة يدخل ضمن الجنوح في الخيال والتمنيات والأحلام المبالغ بها، وعليه فإنها لا تعدّ من اللغو والعبث فحسب، بل وقد تكون مضرّة أيضًا؛ وذلك لأن هذا النوع من الخطط ورسم الخرائط المعلقة في الهواء والكائنة في اللامكان بالإضافة إلى استحالة تحققها على أرض الواقع كما هي مرسومة في الخيال، تقلل من النظرة الواقعية بالنسبة إلى الذين يؤمنون بهذه الأمور، وتجعلهم يغفلون عن هذه النقطة المهمّة للغاية وهي أن كل نشاط اجتماعي لا يتمخض على الدوام عن تلك النتائج المنشودة والمتوقعة بشكل دقيق وكامل أبدًا[7]. والحقيقة هي أن بيان خارطة المجتمع المثالي والمدينة الفاضلة، لا هي مضرة ولا هي تعدّ من اللغو أيضًا، ولكن على شرط أن تحتوي على ثلاث خصائص، وهي كالآتي:
أولًا: أن تكون واقعية تمامًا، وأن لا تغفل عن الحقائق الحياتية والنفسية والاجتماعية، وأن لا تضعها في خانة النسيان أبدًا.
وثانيًا: أن يقترن وضع هذه الخطط والخرائط ببيان الطريق؛ بمعنى أن لا يتمّ الاكتفاء بتصوير المجتمع المثالي فقط، بل وأن يتمّ العمل على بيان الطريق والنهج الذي يؤدّي إلى تحقيق هذا المجتمع أيضًا. «إن الذي يسم جميع هذه الخطط والمشاريع بغير العملية والوهمية والخيالية، ويكون مشتركًا في جميعها تقريبًا، هو أن المخطِط فيها يعمل في الغالب على إسقاط عالم المستقبل على العالم الراهن بلا واسطة، ويربط المدينة الفاسدة أو الجاهلة بالمدينة الفاضلة مباشرة، دون أن يبذل جهدًا من أجل بيان الطريق الذي تتحوّل منه المدينة الفاسدة إلى المدينة الفاضلة، وما هو السبب الذي يؤدّي إلى تواليهما؟»[8].
وثالثًا: أن يتمّ العمل على تحديد بعض الأهداف والغايات ـ الأعم من الهدف الأصلي والنهائي والوسيط ـ للوصول إلى المجتمع المثالي والمدينة الفاضلة. حيث يجب أن تحتوي هذه الغايات على مراتب، لتعمل سهولة الوصول إلى بعض هذه المراتب على خلق الحماسة والإرادة لدى الناس، وتشجيعهم على المبادرات الاجتماعية والعمل على تغيير الأحوال والأوضاع الراهنة، وأن لا يكون عدم الوصول إلى الكمال المنشود في الوقت نفسه بمعنى عدم تحقق أي نشاط وعدم حصول أيّ تقدّم في هذا الشأن.
إن الخارطة والمشروع الذي يحتوي على هذه الخصائص الثلاثة سوف ينطوي على الكثير من الفوائد والمصالح الكبيرة. والفائدة والمصلحة الأكبر التي تترتب على ذلك عبارة عن تحديد وإيضاح غاية النشاطات الاجتماعية. إن كل فعل عقلاني يجب أن ينطوي على هدف وغاية. وعلى هذا الأساس، لو أردنا أن نقوم بعمل عقلاني، فإن الأمر الأول الذي يجب علينا القيام به هو اختيار الهدف والغاية. إذن يجب قبل القيام بأيّ خطوة عملية في طريق إصلاح أحوال وأوضاع المجتمع، أن نعمل على تعيين الغاية الأصلية والهدف النهائي وكذلك تحديد الأهداف المتوسطة أيضًا، والتي هي في الواقع مجرّد وسائل أو خطوات من أجل الوصول إلى الغاية النهائية. ولا يمكن لنا تقييم أفضل الطرق والوسائل التي تحقق الغاية النهائية وإعداد الخرائط للخطوات العملية، إلا إذا كانت الخطوط العامّة لأهدافنا معيّنة ومحدّدة في الحد الأدنى. وكلما توجهنا نحو الأهداف والغايات بشكل علمي وبأسلوب أكثر تناغمًا وخاليًا من التناقضات، وكلما عملنا على تحديد وسائل الوصول إلى الهدف لتكون متطابقة مع ذات الهدف بشكل أكبر، فسوف يكون نشاطنا بذات المقدار أكثر عقلانية وإنتاجية.
وعندها، «فإن بيان هذا النوع من الأبنية إذا لم يكن بدوره وفي حدّ ذاته قابلًا للتنفيذ [على نحو كامل]، فإنه لا محالة سوف ينطوي على هذه الفائدة، وهي أنه يعمل على إيضاح بعض العيوب والآفات التي تعاني منها المجتمعات الراهنة، ويعمل على تحريك وتحفيز الهمم الإنسانية من أجل إصلاح تلك العيوب وتحسين أوضاع المجتمعات. وعلاة على ذلك يعمل على مساعدة الساسة في تقييم المجتمعات الموجودة أيضًا، وأن يظهر من حين إلى آخر ما هي النتائج التي سوف تتمخض عن الأنظمة الأخرى فيما لو قامت في المجتمع... وحتى في عدد من هذه المشاريع والخطط يكون الغرض هو نقد المجتمعات القائمة، والذي يعدّه الذين يرغبون بتحسين أحوال الإنسانية بدورهم نوعًا من الإصلاح والبناء، وليس نوعًا من الهدم والتخريب»[9].
يمكن العمل ـ في ضوء التعاليم والأحكام الإسلامية ـ على وضع خطة لإقامة المجتمع المثالي بحيث يحتوي على جميع الخصائص الثلاثة المذكورة. إن هذا المشروع واقعي تمامًا، وهو مقرون ببيان الطريق، وقد تمّ التنبّؤ بتحقق المجتمع المثالي ـ الذي تمّ تصويره ـ في نصوصنا الدينية. إن الهدف الأصلي والغاية النهائية للمجتمع المثالي الإسلامي هو تحقيق الكمال الحقيقي للناس والذي لا يمكن الحصول عليه أو التوصّل إليه إلا من طريق التوحيد وعبادة الله وبذل الطاعة الكاملة والدقيقة لأوامره ونواهيه، والحصول على مرضاة الله تعالى، والتقرّب منه؛ وإن هذه المفاهيم بأجمعها من المفاهيم المشكِّكة وذات المراتب، وكل مرتبة منها تجد مصداقًا لها في مجموعة من الناس. إن الحدّ الأدنى المبتغى في المجتمع المثالي الإسلامي يكمن في عدم الجهر بمعصية الله سبحانه وتعالى؛ بمعنى أن لا يتمّ القيام بمخالفة الأحكام الإلهية، وأن لا يقع ارتكاب الفسق والفجور في مرأى ومسمع من الآخرين. وبطبيعة الحال يجب بذلك الجهد الكامل من أجل تعليم الناس وتربيتهم كي يمتنعوا عن ارتكاب المعاصي حتى في الخفاء والخلوات أيضًا، ولكن على كل حال فإن الحدّ الأدنى الذي لا مناص منه هو أن لا يقع هذا العصيان في الملأ العام. وأما ما فوق ذلك من المراتب فهو رهن بمقدار النجاح الذي يحققه النظام التربوي والتعليمي، ومقدار همّة وإرادة الأفراد في هذا الشأن.
وللتعريف بالمجتمع المثالي الإسلامي، يمكن القول: إنه المجتمع الذي يتحلى أفراده بالعقائد والأخلاق والأعمال المتوافقة مع التعاليم والأحكام الإسلامية. بيد أن هذا التعريف ينطوي على الكثير من مواطن الغموض والإجمال. وكذلك يمكن تقديم مشروع تفصيلي أكبر، بحيث يحتوي على جميع الجزئيات والتفاصيل الدقيقة؛ بيد أن هذا المشروع بدوره يحتاج إلى دراسات وتحقيقات وافية. والذي نذكره في هذا الفصل هو شيء ما بين ذلك التعريف المجمل والمبهم للغاية وهذا المشروع التفصيلي والكبير للغاية.
مشروع المجتمع الإسلامي المثالي
لقد وعد الله سبحانه وتعالى عباده الصالحين بقيام المجتمع المثالي الإسلامي على وجه الكرة الأرضية، وذلك بقوله في محكم كتابه:﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾(النور: 55).
إن الذي يميّز هذا المجتمع الإسلامي من سائر المجتمعات الأخرى التي ظهرت في التاريخ والتي ستظهر لاحقًا، يكمن في رؤيته الاعتقادية والأيديولوجية فقط. إن هذا المجتمع المثالي هو المجتمع الذي يسير أفراده في طريق السعادة ويسعى من أجل الوصول إلى الكمال الحقيقي له. وبعبارة أخرى: إن هذا المجتمع قد وصل إلى الهدف الأصلي والغاية النهائية التي تكون هي المقصودة من تبلور كل مجتمع من المجتمعات. وحيث أن لكل إنسان طوال حياته أربعة أنواع من العلاقات، وهي: علاقته بالله تعالى، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بالطبيعة (من الجمادات والنباتات والحيوانات)، وعلاقته بالأشخاص الآخرين من بني البشر، يمكن لنا بيان خصائص المجتمع المثالي من خلال ذكر خصوصيات هذه العلاقات الأربعة لكل فرد من أفراد هذا المجتمع، على النحو الآتي:
1. علاقة الفرد باللّه سبحانه وتعالى
إن كل فرد في المجتمع الإسلامي المثالي يؤمن بوجود خالق الكون وتوحيده، ويراه من الناحية الأنطولوجية هو المصدر الرئيس لوجود سائر الكائنات، ومن بينها الإنسان، ويرى نفسه مخلوقًا قد حصل على وجوده وحياته منه. وبعبارة أخرى: إنه يعتقد بالعلاقة الخالقية والمخلوقية بين الله تعالى وبين كل شيء وكل شخص بما في ذلك نفسه.
وكذلك فإنه يذهب إلى الاعتقاد بأن الله تعالى قد عقد الارتباط والتواصل مع الإنسان بواسطة الوحي وتنزيل الآيات، ويجب على الإنسان أن يبقي على هذا الارتباط والتواصل قائمًا من خلال الدعاء والتضرّع والمناجاة والصلاة وسائر المناسك والأعمال العبادية. وكذلك فإنه يعترف ويُقرّ بأن الله تعالى هو ربّه وبارئه، وإنه عبد لله سبحانه وتعالى. إن الله عزّ وجلّ يمتلك القوّة والقدرة والسلطة والجبروت والعزّة والجلال المطلق، ويجب على الإنسان أن يبذل له غاية الضعف والتبعية والانصياع والعبودية والخضوع والخشوع. ويتعين على الإنسان أن يتظاهر أبدًا أمام الله بالعُجُب والتكبر والتمرّد والعصيان والاستغناء.
وكذلك فإنه يعتقد بأن الله سبحانه وتعالى منعم ومحسن ولطيف ورحيم وعفوّ وغفور، وهو في الوقت نفسه بيده البلاء والعذاب والقهر والغضب والعدل والعقاب والانتقام. ومن هنا يتعيّن على الإنسان أن يكون شاكرًا وتقيًا وفي ورع وخشية دائمة من الله سبحانه وتعالى.
ويمكن القول على نحو الإجمال: إن المجتمع الإسلامي المثالي هو الذي يكون الفرد فيه موحّدًا ومؤمنًا، وبريئًا من الشرك والكفر ومعرضًا عنهما؛ فإن الشرك والكفر هو الذي يؤدّي إلى هلاك المجتمع وزواله. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى يؤكد على أن سبب إهلاك الكثير من المجتمعات يعود إلى ذهاب أكثر أفراد تلك المجتمعات إلى الشرك، ومن ذلك قوله تعالى:﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾(الروم: 42).
وكذلك فإن القرآن الكريم قد أكد في سبعة مواضع من سورة الشعراء على أن سبب العذاب الذي نزل على بعض الأمم الغابرة يعود إلى عدم إيمان أكثر أفراد أيّ واحدة من هذه الأمم، وأن ذلك إنما كان بسبب كفرهم وشركهم، كما في قوله تعالى:﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(الشعراء: 8، و67، و103، و121، و139، و158، و174، و190)[10].
يُضاف إلى ذلك أننا قد رأينا ـ في ذات تلك الآية التي تشتمل على الوعد بقيام المجتمع المثالي ـ أن الهدف الأصلي والغاية النهائية لتأسيس ذلك المجتمع، هي العبودية لله تعالى والقضاء على الشرك. وبعبارة أخرى: إن الميزة والخصوصية الأهم في المجتمع المثالي، عبارة عن التوحيد ونبذ الكفر والشرك. وفي الأساس فإن الغاية من خلق الناس والغرض من جميع الأمور والشؤون الفردية والاجتماعية لحياة الإنسان، هو التوحيد ومعرفة الله والعبودية لله والارتباط الأوثق والأقرب بين الله سبحانه وتعالى والبشر. إن هذا الغرض وهذه الغاية يجب أن تكون على الدوام هي الملحوظة، وأن يتمّ تنظيم جميع الأفعال في إطار الحصول على تلك الغاية.
2. علاقة الإنسان بنفسه
إن كل فرد في المجتمع الإسلامي المثالي يؤمن بأن كل ما يمتلكه ويقع تحت تصرّفه واختياره ـ الأعم من الجسم والبدن والنفس والروح ـ إنما هو أمانة إلهية، ويجب عليه أن يتعامل معها كما يتعامل كل أمين تجاه الأمانة التي تمّ استئمانه عليها. من هنا لا يحق للإنسان أن يتدخّل أو يتصرّف في بدنه وفي روحه كما يحلو له، بل هو مكلّف بأن يتعرّف على بعض أنواع التدخّل والتصرّف التي أذن له الله بها، ليقوم بها ولا يتجاوزها.
3. علاقة الفرد بالطبيعة
إن لكل فرد في المجتمع المثالي تجاه الطبيعة ـ ومنها: الجمادات والنباتات والحيوانات ـ موقفين مهمّين، الموقف الأول: حفظ الأمانة التي استأمنه الله عليها. والموقف الآخر: خلافته لله في الأرض. وبعبارة أخرى: إنه يسعى في حدود المستطاع من أجل الحفاظ على النعم الإلهية في الطبيعة وحمايتها من التلف والضياع، ويعمل جاهدًا من أجل عدم إهلاك الحرث والنسل، ويبذل كل ما بوسعه من أجل إيصال الكائنات الطبيعية إلى الكمال وإلى تطوير قابلياتها والبلوغ بها إلى مرحلة الفعلية والازدهار. صحيح أن الطبيعة لها مسارها الخاص الذي تسلكه نحو الازدهار والكمال حتى من دون تدخّل أو تصرّف من الإنسان، بيد أن الله سبحانه وتعالى قد أراد للإنسان أن يكون له دور وتأثير في هذا المسار أيضًا؛ وذلك بأن يعمل على الحدّ من تضييع وإتلاف الموارد الطبيعية وأن يحول دون الإسراف والتبذير فيها، وأن يقوم بعمارة الأرض واستثمارها؛ وذلك من خلال حرث الأرض وزرع البذور، ورعاية الأنعام وتحسين ظروف حياتها، وأن يعمل على تطوير وإظهار النعم الإلهية بشكل أكبر وعلى النحو الأفضل، قال الله سبحانه وتعالى:﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾(هود: 61).
وعليه فإن الناس في المجتمع المثالي يعتبرون أنفسهم في التعامل مع الطبيعة بوصفهم أمناء من قبل الله، وأنهم خلفاء له عليها، ولكي يضطلعوا بهتين المهمّتين الخطيرتين بنجاح، عليهم تعلم المزيد من الأحكام والتعاليم الإلهية المتعلقة بهذا الشأن، وأن يتقنوا العلوم والفنون والصناعات والحِرَف ذات الصلة بهذا الأمر.
4. علاقة الفرد بالأشخاص الآخرين
في المجتمع المثالي يعمل كل فرد على إقامة جميع علاقاته مع سائر الناس على أساس أصلين، وهما: العدل والإحسان. وبمقتضى أصل العدل والقسط ـ الأهم بمراتب من أصل الإحسان ـ هو أن يعمل كل شخص على ملاحظة حقوقه واختياراته وتكاليفه تجاه الآخرين بشكل مستمر، وأن يراعي ذلك في مقام العمل أيضًا. وقد تحدّث الله سبحانه وتعالى عن الظلم والجور بوصفه سببًا في زوال وهلاك المجتمعات أيضًا، كما في قوله تعالى:﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾(الأنعام: 47)[11].
وحيث أن علاقات كل فرد مع سائر الأفراد الآخرين تندرج ضمن الأطر الاجتماعية، فسوف نلقي نظرة عابرة ومختصرة على طبيعة وكيفية هذه المؤسسات في المجتمع المثالي:
أ. منظومة الأسرة
في المجتمع المثالي، هناك سعي حثيث وبليغ يقوم به الأفراد من أجل تحكيم وتقوية أسس الأسرة والحيلولة دون تلاشي وانهيار هذه اللبنة الاجتماعية. يضاف إلى ذلك أنه يتم التشجيع في هذا المجتمع على تشكيل الأسرة، ويتمّ الحثّ على تأسيس هذه النواة بحيث تتجه إلى تحقيق جميع الأهداف المنشودة منها على أفضل الوجوه.
ب. منظومة الاقتصاد
في المجتمع المثالي يتمّ الترويج لجميع العلوم والمعارف والفنون والصناعات، من أجل تحسين النشاطات الاقتصادية من قبل الأفراد؛ ليعلم الناس جيدًا كيف يقومون بإصلاح أوضاعهم وأحوالهم الاقتصادية.
ج. منظومة السياسة والدولة
في المجتمع المثالي، يتمّ تعيين موقع كل فرد في سلسلة مراتب الموظفين والمسؤولين عن أمور المجتمع بشكل دقيق جدًا، وعلى أساس العلم والأخلاق ونشاط الأفراد. وبعبارة أخرى: إن حجم وعي وإدراك كل فرد لتعاليم وأحكام الدين الإسلامي الحنيف، ومعرفته بالأوضاع والأحوال السياسية والاجتماعية والثقافية للمجتمع والعالم، وواحد من العلوم والفنون المختلفة، وكذلك حجم الإيمان والعبودية والتقوى والعدالة التي يتصف بها الفرد، وإن هذه الأمور مجتمعة تثبت استحقاق الفرد وأهليته في التصدي لأيّ واحد من المقامات والمناصب السياسية والاجتماعية المتنوّعة. وكل شخص يمتلك السهم الأكبر من هذه الامتيازات والمزايا يكون هو الأقرب من احتلال رأس هرم السلطة السياسية والاجتماعية. وعلى هذا الأساس فإن رئيس المجتمع سوف يكون هو الأعلم والأكثر إيمانًا وتعبّدًا وعدلًا وتقوى. وبذلك يكتب التحقق لمنظومة الحكم والسياسة على النحو الأحسن، وحيث تكون لهذه المؤسسة ـ سواء بتدخل مباشر أو غير مباشر للخطط والمشاريع والسياسات والتوجيهات ـ تأثير كبير في سائر المؤسسات والمنظومات الأخرى أيضًا، فإن هذه المؤسسات سوف تتبلور على النحو الأفضل وبالشكل الأحسن أيضًا.
د. منظومة الحقوق
إن جميع المنظومات الثلاثة، وهي: الأسرة، والاقتصاد، والسياسة والدولة، تحتاج بشدّة إلى منظومة الحقوق من أجل تنظيم أمورها وشؤونها على الوجه الصحيح والمشروع. في المجتمع المثالي يكون الأشخاص الأكثر معرفة وإحاطة بالتعاليم والأحكام الإسلامية عمومًا، وبالقوانين والأحكام الفقهية والحقوقية في الإسلام خصوصًا، يفهمون الأوضاع والأحوال القائمة في مجتمعهم وسائر المجتمعات الأخرى في مجموع العالم وفي مختلف الأبعاد والجهات السياسية والاقتصادية والثقافية على نحو جيد، ويتصفون بالإيمان والتعبّد والتقى والعدل والعقل والتدبير الكافي، ويحصلون على الأصول والمباني والموازين والمعايير الحقوقية في الإسلام أيضًا، ويعملون على تطبيقها وإسقاطها على الأوضاع والأحوال الراهنة، وبذلك يقومون بتعيين النظام الحقوقي العادل تمامًا؛ بحيث يمكن له العمل على حلّ وفصل الحقوق والتكاليف الاجتماعية للأفراد ورفع الخلافات والنزاعات بينهم.
هـ. منظومة التربية والتعليم
إن المنظومات الأربعة التي أشرنا إليها آنفًا، تحتاج إلى منظومة التربية والتعليم. وإن مؤسسة التربية والتعليم تعمل في المجتمع المثالي ـ بالإضافة إلى تعليم كيفية وكمية العلاقة لكل فرد مع الله تعالى ومع نفسه ومع الطبيعة ـ على تربية الفرد بحيث يكون له في كل موقع موقفًا اعتقاديًا وأخلاقيًا وعملًا لا يعدلونه ولا يتخطونه أبدًا؛ كما يعلّمون الأفراد أساليب العلاقات الاجتماعية أيضًا. وينشئهم بحيث يحترمون الحقوق والتكاليف الاجتماعية فيما بينهم، ولا يعملون على انتهاكها من الناحية العملية.
إن منظومة التربية والتعليم في المجتمع المثالي، تعمل قبل كل شيء على تعليم جميع الأفراد الأصول والمباني الاعتقادية والأيديولوجية في الإسلام: ما يجب على كل إنسان معرفته بشأن الله سبحانه وتعالى (التوحيد)، وأن الإنسان بالإضافة إلى جسمه وبدنه، يمتلك نفسًا وروحًا تمثل حقيقة وجوده وبها سوف يكون أبديًا وخالدًا، ولن يكون استكمالها إلا بواسطة الأفعال الاختيارية، وأن الإنسان سوف يحصل على الثواب ويتلقى العقاب على أفعاله الإرادية في عالم آخر (المعاد)؛ وأن العقائد والأخلاق والأفعال التي تستوجب سعادته وكماله الأبدي، هي خصوص تلك التعاليم والأحكام التي أنزلها الله سبحانه وتعالى بواسطة الوحي إلى جميع الأنبياء(عليهم السلام) ولا سيّما منهم النبي الأكرم (النبوّة)؛ وأن الهدف والغاية من الخلق والغرض من حقيقة الإنسان أن يعمل على اكتساب مرضاة الله تعالى بواسطة أفعاله الاختيارية، وأن يقترب من مقام الأحدية، ويحصل على كماله الحقيقي، وإن ما يمكن تحقيقه بالنسبة إلى بعض الكمالات الإنسانية في حياة فردية ومنعزلة أيضًا، وإن كان الحصول عليها في الحياة الاجتماعية أيسر، بيد أن بعض الكمالات الأخرى لا يمكن لها أن تظهر ويُكتب لها التحقق إلا في الحياة الاجتماعية حصرًا. وفي الأساس فإن موضوعها هو العلاقات الاجتماعية، وإن الهدف الأصلي والنهائي من الحياة الاجتماعية وبناء المجتمع هو العمل على تحقيق هذه المجموعة الثانية من الكمالات، وما يعتبره النظام القيَمي في الإسلام سلوكًا حسنًا أو قبيحًا. إن منظومة التربية والتعليم بعد أن تقوم بتعليم هذا المقدار من الحدّ اللازم من المعارف الدينية لأفراد المجتمع، وتزيل الشبهات العالقة في أذهانهم بشأن كل واحد من هذه الأمور، تعمل على تربية الناس في ضوء هذه المعارف، وتدفعهم نحو الأخلاق والعمل وسلوك الطرق الروحانية والمعنوية.
بعد تعليم الناس أصول الدين وفروعه وتربيتهم على طبق ذلك، والذي يُعدّ من أهم الوظائف الملقاة على عاتق المؤسسة التربوية والتعليمية، يصل الدور إلى تعليمهم العلوم والمعارف والصناعات والحِرَف الضرورية في العمل على رفع الاحتياجات المادية والاقتصادية. فكما أن الجسم ـ من وجهة نظر الإسلام ـ يُعدّ وسيلة للروح، فإن ما يرتبط بالمادة والجسم والبدن يجب أن يكون أداة للتعالي والاستكمال المعنوي والنفساني والروحي للإنسان. ومن هنا فإن الاهتمام بالأمور والشؤون المادية والجسمانية والبدنية للبشر، يقع ـ بلحاظ المرتبة والقيمة ـ بعد الاهتمام بالمعنوية والروح والأخلاق، رغم أن الأمر قد لا يكون كذلك من الناحية الزمنية، بل وحتى رفع بعض الاحتياجات المادية والاقتصادية تتقدّم من الناحية الزمنية على جميع أنواع التربية والتعليم المعنوي والأخلاقي.
إن الفرد في المجتمع المثالي لا يفكر في مصالحه الشخصية فقط، ولا ينظر إلى الآخرين بوصفهم أدوات للوصول إلى مآربه، بل ينظر إلى الآخرين بوصفهم عباد الله سبحانه وتعالى، ويسعى إلى تحقيق هدف الخلق المتمثّل في التعالي والاستكمال الحقيقي لجميع الناس على أفضل وجه؛ ومن هنا فإنه يشعر بالمسؤولية تجاه سائر الأفراد. وعلى هذا الأساس فإن جميع الأشخاص في المجتمع المثالي ينشغلون من دون استثناء في التربية والتعليم فيما بينهم، ويكون الجزء الأعظم من علاقاتهم مرتبطًا بالتزكية والتعليم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق وبالصبر.
وعلى هذا الأساس فإن المجتمع المثالي عبارة عن مجموعة من الأفراد العلماء المؤمنين المتعبدين المتقين والعدول، الذين هم مصداق لقوله تعالى:﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾(النور: 55). بمعنى أنهم قد آمنوا بتعاليم الإسلام وأحكامه، وعملوا كذلك على تطبيق النظام القيَمي والسلوكي لهذا الدين المقدس من الناحية العملية سواء في حقل الأخلاق أو في حقل الحقوق.
بيد أن هذا المجتمع المثالي التوحيدي الذي يكون شرط تحققه هو الإيمان والعمل الصالح من قبل الناس، له بعض المعارضين والأعداء الذين يسعون إلى نزع صفة التوحيد عنه. إن أفراد المجتمع المثالي يواجهونهم بكل ما لديهم من القوّة؛ وذلك لأن هؤلاء أخطر وأشدّ ضررًا من الذين يعتدون على أموال الناس وأرواحهم وأعراضهم ونواميسهم. إذ أن هذه الأمور بأجمعها إنما تكون ذات قيمة فيما لو عملت على صيانة الهدف الأصلي والنهائي من الحياة، وهو الهدف المتمثل بتوحيد الله وعبادته. إن من أسمى أنواع الجهاد والدفاع هو الجهاد والدفاع الذي يكون ضد الأشخاص الذين يعتزمون العمل على محاربة التوحيد والقضاء على إيمان الناس. وفي ذلك يقول الله تعالى:﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾(الأنفال: 39. وانظر أيضًا: البقرة: 193).
إن المجتمع المثالي على أتمّ الاستعداد من أجل إعلاء كلمة الله والدفاع عن كيانه ووجوده وحفظ أموال وأنفس وأعراض ونواميس أفراده من جميع الجهات؛ إذ يتحلى بالغيرة والحميّة، وروح الإيثار والتضحية، والشجاعة والبطولة والإقدام، والفداء والاستبسال إلى حدّ الاستشهاد، وهو مسلّح بجميع أنواع العلوم والفنون والصناعات والحِرَف الضرورية لإدار الحرب والدفاع بنجاح، كما هو مسلح بجميع الأسلحة التي يتسلح بها الأعداء والمخالفون، قال الله تعالى:﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾(الأنفال: 60).
بهذا الاستعداد الكامل والجامع، يكون المجتمع المثالي آمنًا من جميع أنواع الخشية والخوف؛ إذ لن يمتلك أيّ عدو خارجي الجرأة للعدوان عليه. (كما أن الأفراد فيه لا يجور بعضهم على بعض؛ لأن أكثرهم من المتقين العدول، وإن الأقلية الظالمة لن تقترب من الظلم والجور خوفًا من الأجهزة الحاكمة على أساس القسط والعدل والميزان؛ وبذلك سوف يستتب الأمن الداخلي في هذا المجتمع).
لقد تكفّل الله سبحانه وتعالى بالدفاع عن المؤمنين وتقديم الدعم إلى الموحدين الذين يتعرّضون للظلم والعدوان والذين ينصرونه، وقد وصفهم بقوله:﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾(الحج: 41).
وهذا الأمر يعني أولًا: الاهتمام بالعبادة والعبودية لله سبحانه وتعالى، وتقوية وتعزيز العلاقة والارتباط به. وثانيًا: أخذ الاحتياجات المادية والاقتصادية للآخرين بنظر الاعتبار، والعمل على تلبيتها. وثالثًا: الرقابة المشدّدة والحازمة للحيلولة دون انحراف الناس عن العقيدة والأخلاق والعمل. ويمكن القول بأن جميع خصائص المجتمع المثالي الإسلامي تتفرّع عن هذه الخصائص الثلاثة الأصلية.
السنن الإلهية في إدارة المجتمعات
سبق أن بحثنا ـ ولو على نحو الإجمال ـ في مسائل من الفلسفة وعلم الاجتماع، وسوف نبحث هنا حول عدد من القوانين الاجتماعية من زاوية القرآن الكريم تحت عنوان: «السنن الإلهية في إدارة المجتمعات».
يمكن القول إن من بين معاني كلمة السنة هو الطريق والنهج والسلوك والأسلوب الذي يكتب له الاستمرار. وقد ورد استعمال هذه الكلمة بهذا المعنى في اللغة العربية وفي القرآن الكريم، حيث تستعمل بشأن الإنسان وبشأن الله سبحانه وتعالى. وبهذا المعنى يرد استعمالها في علم أصول الفقه؛ حيث يطلق عنوان السنة على أقوال وأفعال وتقريرات المعصومين(عليهم السلام) التي تحكي عنها الأحاديث والروايات.
وأما تسمية القوانين الاجتماعية لدين الإسلام بـ «السنن الإلهية في إدارة المجتمعات»، فهي تسمية مقتبسة من القرآن الكريم. على الرغم من أن القرآن الكريم يطلق لفظ السنة بشأن نزول العذاب على الأمم والمجتمعات المبطلة والكافرة والمشركة والظالمة والفاسقة والفاجرة، ولكن حيث أننا لا نعتبر أيّ فعل من الأفعال الإلهية عبثًا وجزافًا ومن غير حساب أو كتاب، بل نراها بأجمعها قائمة على أساس الضوابط المستنبطة من اتصاف الله بالحكمة، يمكن لنا أن نأخذ مصطلح السنة الإلهية بمعنى أوسع ونطلقه على «الضوابط الموجودة في الأفعال الإلهية» أو «الأساليب التي يقوم الله سبحانه وتعالى بإدارة وتدبير شؤون العالم والإنسان على أساسها».
وكما أشرنا فإن القرآن الكريم ينسب السنة إلى الله سبحانه وتعالى، وينسبها إلى الناس أيضًا. كما نواجه في هذا الكتاب الحكيم تعبيرات من قبيل: «سنة الله»، و«سنتنا»، كما نواجه كذلك عبارات من قبيل: «سنة الأولين»، و«سنة من قد أرسلنا قبلك من رُسُلنا»، و«سنن الذين من قبلكم». إن هذا التشابه لا ينبغي أن يؤدّي إلى هذا الاشتباه والتوهّم والقول بوجود نوعين من السنن. بل هي في الواقع سنة واحدة يمكن أن تضاف إلى الله سبحانه وتعالى بلحاظ نسبتها إلى الفاعل، ويمكن أن تضاف إلى الناس بلحاظ نسبتها إلى القابل (وتكفي أدنى مناسبة لتصحيح الإضافة).
يُضاف إلى ذلك أننا عندما نتحدّث عن «سنة إلهية»، ليس المراد أن هذا الفعل الخاص يصدر عن الله تعالى مباشرة وبلا واسطة، بل يمكن أن تكون هناك الكثير من الأسباب والوسائل الدخيلة والمؤثرة في هذا الشأن الأعم من الطبيعي والعادي والفوق الطبيعي والغيبي، وفي الوقت نفسه يُنسب الفعل إلى الله سبحانه وتعالى. إن الله سبحانه وتعالى من أجل تقوية وتعزيز رؤيتنا الإلهية والتوحيدية في القرآن الكريم، يعمل على نسبة الأفعال والانفعالات وردود الأفعال الطبيعية والظواهر المادّية إلى نفسه أيضًا. وهكذا ينسب الظواهر الإنسانية ـ الأعم من الفردية والاجتماعية ـ إلى نفسه أيضًا، وبذلك يعمل على تعريفنا بالتوحيد الأفعالي بشكل أكبر. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن القضاء على قوم وإن تحقق على يد قوم آخرين، إلا أن الله سبحانه وتعالى ينسبه إلى نفسه، سواء أكان القوم المهاجمون والغالبون من أصحاب الحق أو كانوا من أصحاب الباطل. ومن هنا فإننا نسمّي القوانين الاجتماعية بـ «السنن الإلهية في إدارة المجتمعات البشرية».
وفي الأساس فإننا نقسّم السنن الإلهية في تقسيم أولي إلى قسمين، وهما: السنن الأخروية التي تعود إلى الحياة في العالم الآخر والحياة الأبدية للناس والثواب والعقاب الأخروي على أعمالهم. وحيث أن علم الاجتماع يبحث في السلوك الاجتماعي للناس والآثار والنتائج الدنيوية المترتبة على ذلك، فإننا ـ بطبيعة الحال ـ لا نتعاطى مع هذه المجموعة من السنن. والأخرى: هي السنن الدنيوية المرتبطة بحياة الناس في هذه الدنيا. وإن هذه السنن الدنيوية بدورها تنقسم إلى قسمين، وهما: السنن الدنيوية الخاصة بالسلوكيات والأفعال الفردية، ولهذا السبب فإنها لا ترتبط بالأبحاث الاجتماعية. والقسم الآخر هي السنن الدنيوية التي لا تختص بالسلوكيات الفردية؛ بمعنى أنها إما تختص بالسلوكيات الاجتماعية أو بالسلوكيات الفردية والاجتماعية، أو تشمل الأمرين معًا. وسوف نبحث في هذا القسم خصوص هذه الطائفة من السنن الدنيوية فقط.
السنن المطلقة
إن الهدف من خلق الإنسان ـ من وجهة نظر الإسلام ـ هو أن يصل الإنسان إلى الكمال بواسطة أفعاله الاختيارية. ومن هذه الزاوية يكون الهدف النهائي هو التقرّب إلى الله سبحانه وتعالى، والهدف الوسيط هو الحصول على مرضاة الله والعبودية له. ولكي يوصل الله سبحانه وتعالى الناس إلى هذه الأهداف بشكل أقرب ويوفر الأسباب لتحقيق ذلك، فإن لديه سننًا مطلقة، ومن بين أكثر هذه السنن أصالة هناك سنتان، وهما: سنة الهداية بواسطة الأنبياء(عليهم السلام). وسنة الاختبار والابتلاء.
1. سنة الهداية بواسطة الأنبياء(عليهم السلام)
إن لسنة الهداية معنى واسع جدًا، وهو بطبيعة الحال ليس له أيّ بعد اجتماعي، بل يرتبط بتدبير عالم الوجود بأسره، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى قد هدى جميع الكائنات، قال تعالى:﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾(طه: 50).
كما أن لسنة الهداية معنى أضيق وأكثر محدودية، وهو بدوره ليس له بعد اجتماعي أيضًا، بل له مجرّد بُعد فردي بحت، وهو أن الله سبحانه وتعالى قد أعطى لكل واحد من أفراد الناس عقلًا لكي يدرك به الحقائق بشكل وآخر، ويميّز به بين الحق والباطل:﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾(البلد: 10)[12].
لا شيء من هذين المعنيين لسنة الهداية هو المقصود هنا. وإنما المراد هنا هو الهداية التي يكون لها بعد اجتماعي، بمعنى هداية الناس بواسطة الأنبياء(عليهم السلام).
لماذا نعتبر هداية الناس على يد الأنبياء(عليهم السلام)، من السنن الاجتماعية؟ إذ أن الذي يُستفاد من القرآن الكريم والروايات المأثورة عن المعصومين(عليهم السلام)، وتؤيّده الشواهد التاريخية أيضًا، هو أن بعث الأنبياء(عليهم السلام) والرُسُل إنما كان موجّهًا إلى الأمم، وليس إلى الأفراد. وبعبارة أخرى: إن كل واحد من الأنبياء(عليهم السلام) إنما أرسله الله لهداية المجتمع ـ سواء أكان هذا المجتمع صغيرًا أم كبيرًا ـ ولم يرسل نبيًا إلى هداية فرد من أفراد ذلك المجتمع بعينه.
قد يُقال إن هداية المجتمع لا تتحقق إلا بتحقق هداية آحاد أفراده، ولا يمكن القول بأن المجتمع قد اهتدى إلا إذا اهتدى جميع أفراده. ولكن لو صحّ هذا القول لوجب علينا القبول بأنه لم ينجح أيّ نبي في هداية أيّ مجتمع من المجتمعات؛ إذ لم يخل مجتمع من حرمان عدد من أفراده ـ لبعض العلل والأسباب ـ من الاستماع إلى رسالة ودعوة أنبيائهم(عليهم السلام)، أو أنهم تلقوها بشكل مشوّه ومحرّف، وعلى هذا الأساس فإنهم لم يحصلوا على نصيبهم من الهداية الإلهية. وفي الواقع فإن مفاد سنة «هداية الناس بواسطة الأنبياء(عليهم السلام)»، هو أن الله سبحانه وتعالى يبعث في كل أمّة نبيًا ورسولًا لكي يعمل ما أمكنه وبالطرق العادية على هدايتها وإرشادها؛ وسوف تتحقق بذلك هداية الأمّة، حتى إذا لم يحصل بعض أفراد المجتمع ـ لأيّ سبب من الأسباب؛ سواء لقصور أو تقصير ـ على نعمة الهداية والإرشاد على يد أنبيائهم(عليهم السلام). إن القول باعتبار فردية سنة الهداية من قبل الأنبياء(عليهم السلام)، يساوق هذا الادعاء الباطل القائل بأن جميع أفراد الناس قد اهتدوا على يد الأنبياء(عليهم السلام).
إن القول بإطلاق السنة المذكورة وابتدائيتها وعدم فرض قيد أو شرط عليها، يعود سببه إلى أن إرسال الأنبياء(عليهم السلام) ليس معلولًا لأفعال الناس، بحيث أن أول إنسان خلقه الله سبحانه على وجه الأرض ـ وهو النبي آدم(عليه السلام) ـ كان رسولًا. ويُستفاد من القرآن الكريم أن كل أمة كان لها رسول ونبي، كما في قوله:﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾(يونس: 47)، وفي قوله سبحانه وتعالى:﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾(النحل: 36). وقوله تعالى:﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾(فاطر: 24).
ولكن لم يتضح لنا أبدًا ما هو ملاك الأمّة التي بعث الله لها نبيًا أو جماعة من الأنبياء(عليهم السلام). وبعبارة أخرى: لا يمكن لنا أن نستنتج من قضية أن كل أمّة كان لها نبي حتمًا، أن كل مجتمع أو جماعة بشرية كان لها رسول حتمًا؛ وذلك لأن المصطلح القرآني للأمة لا ينطبق بشكل دقيق وكامل على أي واحد من مصطلح القرية أو القصبة أو القضاء أو الناحية أو الولاية أو المحافظة أو البلاد أو القارّة وما إلى ذلك. والذي يؤيد القول بأن القرآن الكريم لا يدّعي أن الله قد أرسل رسولًا إلى كل مجموعة من الناس، قوله تعالى:﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾(الفرقان: 51).
وعلى كل حال فإن مقتضى سنة «الهداية بواسطة الأنبياء(عليهم السلام)»، ليست سوى أن الله سبحانه وتعالى هو أن يبعث رسولًا في كل أمّ للقرى؛ بمعنى المنطقة التي تقع في المركز ويحيط بها عدد من المدن العامرة:﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾(القصص: 59).
بمعنى أن القرى والمجتمعات التي شملها الغضب والعذاب الإلهي إنما هي القرى التي بعث الله رسولًا إلى مراكزها فقط، لا إلى كل واحدة من تلك القرى والمجتمعات.
إن من بين السنن الإلهي الأخرى في تدبير أمر المجتمعات وإدارة شؤونها والتي تكون مطلقة وغير مقيّدة بقيد أو شرط، ولكنها مع ذلك ليست أصلية ويمكن أن تكون واحدة من متفرعات سنة الهداية من طريق الأنبياء(عليهم السلام)، هي أن الله سبحانه وتعالى بالتزامن والاقتران مع بعث وإرسال الرسل، يبتلي بعض الأشخاص بالشدائد والمحن وأنواع البلاء؛ لإعداد الأرضية النفسية والروحية المناسبة لهم لتقبّل الرسالة والدعوة الحقة من قبل الأنبياء(عليهم السلام) بشكل أكبر، كما نجد ذلك في قوله تعالى:
ـ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾(الأنعام: 42).
ـ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾(الأعراف: 94).
2. سنة الاختبار
إن سنة الاختبار بالإضافة إلى بُعدها الاجتماعي، فإنها تجري كذلك في الأمور والشؤون الفردية أيضًا، ولتحقيق ذلك لا بدّ من إعداد الأرضية لممارسة الأفعال الاختيارية وانتخاب الطريق والمنهج من قبل الناس أنفسهم، وأن يتمّ تزويدهم بالأدوات والوسائل التي يتمّ اختبارهم بواسطتها. إن هذه الأدوات التي يتمّ اختبار البشر بها قد تكون من الأمور التي يستحسنها الناس، وقد تكون من الأمور التي يبغضونها ولا يحبونها. وبعبارة أخرى: لكي يتحقق الاختبار يجب أن يكون هناك على الدوام مجموعة من الملذات ومجموعة من المنغّصات، ليشكل مجموع ذلك وسيلة لاختبار الأشخاص. إذ يجب على الناس أن يغضوا الطرف عن بعض الملذات، وأن يصبروا على بعض المكاره والمنغّصات، بذلك يتمّ اختبار مدى صبرهم. وعليه فإن وجود المتع والملذات وكذلك المشاكل والآلام، يُعدّ أصلًا من أصول الحياة الدنيوية، وقد تمّت ملاحظة هذا الأصل في صلب التدابير الإلهية، وبطبيعة الحال لا يقوم الأصل على أن يعيش جميع الناس في سعادة وحبور، ثم تعرض لهم سلسلة من العلل الطارئة التي تسبب لهم الامتعاض والأذى والفشل، كما لا يقوم الأصل على أن يكون جميع الناس في بؤس وتعاسة مقرونة بالألم والعذاب، ثم تعرض لهم بعض العوامل الطارئة التي توفر لهم لحظات من الدعة والاستمتاع. وإليك فيما يلي بعض الآيات التي تتحدّث عن سنة الاختبار والابتلاء؛ قوله تعالى:
ـ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾(البقرة: 155).
ـ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾(البقرة: 214).
ـ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾(آل عمران: 140 ـ 142)[13].
ـ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾(آل عمران: 186).
ـ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾(الأنفال: 28).
ـ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾(التوبة: 16).
ـ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ * حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾(يوسف: 109 ـ 110)[14].
ـ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾(الأنبياء: 35).
ـ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾(العنكبوت: 1 ـ 2).
ـ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾(التغابن: 15).
نستنتج من دراسة مجموع هذه الآيات ما يلي:
أولًا: إن سنة الاختبار جارية سواء في الأمور والشؤون الفردية أو في الأمور والشؤون الاجتماعية على السواء.
ثانيًا: لا مناص لأيّ فرد أو مجتمع من الوقوع في البلاء والاختبار.
ثالثًا: إن وسائل الاختبار عبارة عن: الخيرات، من قبيل: المال والأنفس والأولاد. والشرور، من قبيل: نقص الأموال، والأنفس والثمرات، وضيق ذات اليد، والصعوبات، والجوع والخوف. وعلى هذا الأساس، فإن هذه الأنواع من الأمور الحسنة والسيئة يجب أن تكون موجودة بشكل وآخر.
رابعًا: بفعل الاختبار والابتلاء يحصل فرز وتمييز بين المؤمنين والمجاهدين والصابرين والصادقين وبين الذين يدّعون الإيمان والجهاد والصبر والصدق كذبًا وزورًا وبهتانًا.
لا بدّ هنا من الإشارة إلى سُنتين، وهما من السنن المطلقة وغير المقيدة بقيد أو شرط إلهي في إدارة المجتمعات، ويمكن عدّهما من فروع سنة الاختبار والابتلاء. وإن إحدى هاتين السنتين ـ والتي لا تنفصل كذلك عن سنة الهداية بواسطة الأنبياء(عليهم السلام)، بل ويمكن اعتبارها من فروعها أيضًا ـ هي أن الله سبحانه وتعالى قد أراد للناس أن يعانوا شيئًا ما من نقص في النعم المادية والدنيوية، وأن يواجهوا بعض الصعاب والتعقيدات؛ إذ لو كان حصل جميع الناس على نعم كاملة وعاشوا في رخاء ونعيم وبحبوحة من الحياة؛ فإنهم سيقعون في آفة الغفلة والغرور والبغي والطغيان. إن الابتلاء بالشدائد والمصائب، يلعب دور المنبّة للشخص المبتلى، ويكون فيه عبرة للآخرين، كما يشكّل أرضية لاختبار الشخص المبتلى والأشخاص الآخرين أيضًا، وفي ذلك يقول الله تعالى:﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾(الشورى: 27).
والسنة الأخرى ـ التي يمكن اعتبارها سنة أصلية ومستقلة ـ هي أن الإرادة الإلهية قامت على أن تكون هناك اختلافات بين أفراد البشر ـ الأعم من الاختلافات الطبيعية والخارجة عن حدود إرادة الناس أو الاختلافات الإرادية والناتجة عن أفعال الناس أنفسهم ـ كي يتم اختبار الناس بواسطة بعضهم بعضًا. ولا ننسى أنه حتى الأفعال الإرادية والاختارية للناس تكون بدورها وعلى نحو كامل مشمولة للقضاء والقدر والتقدير والتدبير الإلهي أيضًا. وبعبارة أخرى: إن تعلق الإرادة التكوينية الإلهية بفعل من الأفعال لا يتنافى أبدًا مع اختيارية ذلك الفعل واتصافه بالحرية. وعلى هذا الأساس نجد حتى الاختلافات الناشئة عن الأفعال الاختيارية للناس متعلقة للإرادة الإلهية التكوينية، وإنما قد حدثت لتكون وسيلة للاختبار والابتلاء، وإن كان اتخاذها وسيلة للاختبار والابتلاء لا يتنافى مع اختيار الذين يقومون بتلك الأفعال ولذلك فإنهم يكونون مسؤولون عنها، وفي ذلك يقول الله تعالى:
ـ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾(المائدة: 48).
ـ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾(الأنعام: 165).
ـ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾(الزخرف: 32).
السنن المقيّدة والمشروطة
بعد أن يُبلّغ الأنبياء الربانيون(عليهم السلام) رسالة الله تعالى إلى الناس، وقاموا بكل ما يمكنهم ويقدرون عليه من أجل هدايتهم، وكذلك بعد توفر الأرضية والوسائل والسُبُل لاختبار الناس، فإن الناس سوف يسلكون طريق الحق والخير أو الباطل والشرّ باختيارهم. إن هذه المواقف الحسنة والسيئة للناس في قبال التعاليم والأحكام الإلهية، تؤدّي إلى الإقبال على سلسلة من السنن الإلهية الأخرى، وحيث أنها تكون معلولة لأفعال الناس، أو بعبارة أخرى: تكون مقيّدة ومشروطة بأفعالهم، يمكن تسميتها بـ «السنن المقيّدة والمشروطة».
إن السنة الأعم والأكثر شمولية التي أقرّها الله سبحانه وتعالى بعد قيام الناس بالأعمال والأفعال، هي سُنّة الإمداد. بمعنى أن الله تعالى يُمدّ الذين يسعون من أجل الحصول على مآرب الدنيا وينشدون الكمالات المادية والدنيوية ويسلكون طرق الشرّ والباطل، كما يمدّ الذين يطلبون الآخرة وينشدون الكمالات المعنوية والأخروية ويسلكون طريق الحق وفعل الخير أيضًا؛ بمعنى أنه يوفر وسائل التقدّم والوصول إلى الأهداف والغايات لكلتا الطائفتين على السواء[15].
إن سبب اعتبارنا سُنّة الإمداد ـ على الرغم من شمولها لجميع الناس، وجريانها في حق الجميع؛ الأعم من أهل الحق والباطل ـ من السنن المقيّدة والمشروطة، يعود إلى أنها تكون مسبوقة بأفعال الناس؛ بمعنى أنهم ابتداءً يعملون على إرادة الدنيا أو الآخرة، ويسعون في هذا الطريق لبلوغ أهدافهم وغاياتهم، وعندها تصلهم الإمدادات الإلهية؛ بخلاف سنة الهداية بواسطة الأنبياء(عليهم السلام)، وسنة «الاختبار» اللتين لا تكونان مسبوقتين بأفعال الناس، فسواء أراد الناس أو لم يريدوا، فإنهم يقعون في مسار هداية وإرشاد الأنبياء(عليهم السلام)، ويتمّ اختبارهم وابتلاؤهم أيضًا.
وإليك بعض الآيات الواردة في هذا الشأن:
ـ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾(الإسراء: 18 ـ 20).
ـ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾(الشورى: 20).
ـ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(هود: 15 ـ 16).
والنقطة الجديرة بالاهتمام في هذه الآيات الكريمة، هي أن الإمدادات الإلهية التي تصل إلى الذين ينشدون الدنيا، تكون مقيّدة بحدود وقيود (انظر في هذا الشأن: عبارات من قبيل: «ما نشاء»، و«لمن نريد»، و«منها»)؛ في حين أن الإمدادات للذين يطلبون الآخرة مطلقة ولا تعرف الحدود والقيود (انظر في هذا الشأن: عبارات من قبيل: «كان سعيهم مشكورًا»، و«نزد له في حرثه»)[16]. ويعود السبب في ذلك إلى أن رغبات وأهواء أهل الدنيا متزاحمة ومتعارضة، وإن تلبيتها بأجمعها لا هو ممكن ومقدور، ولا ينطوي على حكمة أو مصلحة، بيد أن رغبات ومطالب أهل الآخرة لا تتزاحم ولا تتعارض، ويمكن للجميع أن يحصلوا على كل ما يريدون، على شرط أن لا يتركوا بذل أيّ جهد من أجل الحصول على معرفة المزيد، وأن تكون نواياهم صالحة في هذا الشأن، وأن يؤكدوا على صدق نواياهم بأفعالهم.
وإذا تجاوزنا سُنة الإمداد، نصل إلى سُنن أخرى، بعضها يختصّ بأهل الحق، وبعضها الآخر يختص بأهل الباطل:
1. السُنن المقيّدة والمشروطة، الخاصّة بأهل الحق
إن أهل الحق يحصلون على الهداية الإلهية بواسطة الأنبياء(عليهم السلام)، ويهتدون بتعاليمهم ويؤمنون بها، ويقومون بالأعمال الصالحة، ويطيعون ويتبعون الأنبياء الإلهيين(عليهم السلام) وأولي الأمر الذين تكون حكوماتهم مقبولة من قبل الله سبحانه وتعالى. إن هذه الأمور بأجمعها من مصاديق شكر النعمة والهداية التي منّ الله تعالى بها على عباده. وعلى هذا الأساس فإن أهل الحق يقومون بكل ما بوسعهم من أجل شكر نعمة الهداية؛ وذلك لأن شكر النعمة يعمل على زيادتها. قال الله سبحانه وتعالى:﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾(إبراهيم: 7).
يمكن القول بأن جميع السنن الإلهية الخاصّة بأهل الحق، هي من مصاديق «زيادة النعمة». ويمكن إدراج هذه السنن ضمن أربعة عناوين، وهي: «زيادة النعم المعنوية والأخروية»، [و«تحبيب وتزيين الإيمان»،] و«زيادة النعم المادية والدنيوية»، و«الانتصار على الأعداء».
أ. زيادة النعم المعنوية والأخروية:
ـ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾(مريم: 76).
ـ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾(محمّد: 17).
ـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾(الأنفال: 29).
ـ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾(يونس: 9).
ـ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾(التغابن: 11).
ب. تحبيب وتزيين الإيمان:
ـ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾(الحجرات: 7).
ج. زيادة النعم المادية والدنيوية:
ـ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾(المائدة: 66).
ـ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾(الأعراف: 96).
ـ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾(هود: 2 ـ 3).
ـ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾(نوح: 2 ـ 4).
ـ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾(نوح: 10 ـ 12)[17].
ـ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾(الجن: 16)[18].
د. الانتصار على الأعداء:
إن الآيات القرآنية التي تدلّ على انتصار أهل الحق على أهل الباطل، تنقسم إلى سبع طوائف، ويمكن بيان هذه الطوائف على النحو الآتي:
الطائفة الأولى: الآيات الدالة على انتصار الحق على الباطل. يمكن لهذا الانتصار أن يكون على معنيين؛ الأول: انتصار الحق على الباطل في ميدان الحجة والاستدلال والبرهان. والآخر: انتصار أهل الحق على أهل الباطل في جبهات الحرب والقتال. وكلا هذين المعنيين صحيح، وهناك شواهد على أن كلا هذين المعنيين هو المراد في هذه الآيات الكريمة:
ـ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾(الأنفال: 7 ـ 8).
ـ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾(الإسراء: 81).
ـ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾(الأنبياء: 18).
ـ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾(سبأ: 48 ـ 49)[19].
ـ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾(الشورى: 24).
الطائفة الثانية: الآيات الدالة على أن الله سبحانه وتعالى يساعد وينصر أنبياءه(عليهم السلام) وأتباعهم وأنصارهم، ويمنحهم النصر والغلبة:
ـ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾(المائدة: 56).
ـ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾(يونس: 103).
ـ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾(الحج: 40).
ـ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾(الروم: 47).
ـ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾(الصافات: 171 ـ 173).
ـ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾(غافر: 51)[20].
ـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾(محمّد: 7).
ـ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾(المجادلة: 21)[21].
الطائفة الثالثة: الآيات التي تعتبر من المصاديق والأمثلة على مساعدة ونصرة الله تعالى لأنبيائه(عليهم السلام) والمؤمنين، كما في قوله تعالى:
ـ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾(آل عمران: 146 ـ 148)[22].
ـ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾(الأعراف: 128).
ـ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾(الأعراف: 137)[23].
ـ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(آل عمران: 123)[24].
ـ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾(الأنفال: 9)[25].
ـ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾(التوبة: 25)[26].
ـ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(الفتح: 4).
ـ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾(الفتح: 18 ـ 19).
ـ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾(الفتح: 26).
ـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾(الأحزاب: 9 ـ 11).
ـ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾(الأحزاب: 26؛ الحشر: 2)[27].
الطائفة الرابعة: الآيات التي تعد أهل الحق بالخير في الدنيا والآخرة، كما في قوله تعالى:
ـ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾(آل عمران: 186).
ـ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾(النحل: 41 ـ 42).
ـ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾(فصلت: 30 ـ 31)[28].
ـ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾(آل عمران: 132).
ـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾(النساء: 59).
الطائفة الخامسة: الآيات التي تعد أهل الحق بالنصر في هذه الدنيا، كما في قوله تعالى:
ـ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(آل عمران: 139).
ـ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ * أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾(الحج: 38 ـ 41)[29].
ـ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾(النور: 55 ـ 56).
ـ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾(القصص: 5 ـ 6)[30].
الطائفة السادسة: الآيات التي تدلّ على تعلق الإرادة الإلهية بغلبة وبسط الدين الحق ـ وهو الإسلام ـ سلطته على جميع أرجاء الكرة الأرضية، كما في قوله تعالى:
ـ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾(التوبة: 32 ـ 33)[31].
الطائفة السابعة: الآيات التي تعتبر أهل الحق هم الذين يرثون الأرض، كما في قوله تعالى:
ـ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾(الأعراف: 128).
ـ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾(الأنبياء: 105).
2. السنن المقيّدة والمشروطة، الخاصة بأهل الباطل
يمكن بيان هذه السُنن ضمن ثمانية عناوين، على النحو الآتي: «زيادة الضلالة»، و«تزيين الأعمال»، و«الإملاء والاستدراج»، و«الإمهال»، و«الهزيمة على يد الأعداء»، و«الابتلاء بالمصائب»، و«سيطرة المجرمين والمترفين»، و«الاستئصال». وفي البداية سنعمل على ذكر كل واحدة من هذه السنن، لننتقل بعد ذلك إلى بحث نقطة بشأن وقوع التزاحم بين بعض هذه العناوين:
أ. زيادة الضلالة
كما يتمّ إمداد أهل الحق في إطار النعم المعنوية والأخروية والهداية إلى الحق، يتم كذلك إمداد أهل الباطل في مجال الضلالة والضياع أيضًا، قال الله تعالى:﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾(الروم: 10). بمعنى أن نتيجة معصيتهم وظلمهم كانت أن أضاعوا نور الهداية، وجنحوا نحو الكفر والتكذيب. وفي ذلك يقول الله تعالى:﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾(الصف: 5).
ب. تزيين الأعمال
بعد أن تتمّ الحجّة على جميع الناس، ويعمد أهل الباطل إلى اختيار طريق الانحراف والخطيئة، يبدأ الشيطان نشاطه في الوسوسة لهم وتزيين أعمالهم في أعينهم. وحيث أن خلق الشيطان وأعماله تستند في نهاية المطاف إلى الله سبحانه وتعالى، وتقع ضمن إطار القضاء والقدر الإلهي، تمّت نسبة هذا التزيين الشيطاني في آيات من القرآن الكريم إلى الله عزّ وجَلّ، كما في قوله تعالى:
ـ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾(الحجر: 39 ـ 40).
ـ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(الأنعام: 43).
ـ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾(الأنفال: 48؛ النحل: 63؛ النمل: 24؛ العنكبوت: 38).
ـ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾(الأنعام: 137).
ـ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾(فصّلت: 25).
ـ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾(الأنعام: 108).
ـ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾(النمل: 4).
ـ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾(البقرة: 212).
ـ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(الأنعام: 122).
ـ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾(التوبة: 37).
ـ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(يونس: 12).
ـ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾(الرعد: 33).
ـ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾(فاطر: 8).
ـ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾(محمّد: 14).
ج. الإملاء والاستدراج
إن هذه السنة ـ التي يمكن عدّها واحدة من مصاديق سنة «زيادة الضلالة» وإمداد أهل الباطل في باطلهم أيضًا ـ تعني أن الله سبحانه وتعالى يزيد من النعم المادية والدنيوية لأهل الباطل كي ينخدعوا ويصيبهم الغرور، ويكونون بذلك أشدّ رسوخًا وثباتًا في مسارهم المنحرف، ويزدادوا كفرًا وظلمًا وعصيانًا وإنكارًا، ويصبح استحقاقهم للعذاب والعقاب أكبر وأشدّ إيلامًا. قال الله تعالى:
ـ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾(آل عمران: 178).
ـ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾(الأنعام: 44 ـ 45).
ـ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾(الأعراف: 95).
ـ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾(الأعراف: 182 ـ 183).
ـ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾(الرعد: 32).
ـ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾(القلم: 44 ـ 45).
د. الإمهال
إن هذه السُنّة تعني أن الله سبحانه وتعالى رعاية لسلسلة من المصالح ـ التي قد تغيب عنا ولا نعرف الغرض منها ـ لا يعاجل أهل الباطل بالعقوبة والعذاب، بل يمهلهم ويمنحهم الفرصة، لعلهم بأجمعهم أو بعضهم يندمون على ما كان منهم ويرجعون إلى أنفسهم ويتوبون إلى الله ويستغفرون من ذنوبهم، أو يكون في أصلابهم وذريتهم من يكون من أهل الإيمان والصلاح؛ فيعطون الفرصة لهذه الأسباب. وإليك فيما يلي بعض الآيات الواردة في هذا الشأن:
ـ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾(النحل: 61).
ـ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾(الروم: 41).
ـ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾(فاطر: 45).
ـ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾(الشورى: 30)[32].
هـ. الهزيمة في مواجهة الأعداء
ـ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾(الإسراء: 4 ـ 8).
ـ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾(الفتح: 22 ـ 23).
ـ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾(الصف: 14)[33].
وينبغي التذكير هنا بنقطة، وهي حيث أن الله سبحانه هو القدرة المطلقة؛ إذ يقول تعالى:
ـ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(الفتح: 4 و7).
ـ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾(المدثر: 31)[34].
فإن الله سبحانه وتعالى ـ لكي يندحر ويُهزم أهل الباطل على يد أعدائهم ـ فإنه يعمل على توفير وإعداد السبل والوسائل إلى ذلك. إن الذين يقاتلون أهل الباطل قد يكونون بأنفسهم من أهل الباطل أيضًا، وقد يكونون من أهل الحق. إن القرآن الكريم فيما يتعلق بأساليب الإمداد والتأييد الإلهي للمؤمنين المجاهدين ـ والتي كانت تشكل سببًا لهزيمة الكفار والمشركين ـ قد تحدّث عن العوامل والأسباب الداخلية والباطنية، من قبيل: إلقاء الرعب والخوف في قلوب الكفار والمشركين، وإنزال السكينة والطمأنينة على المؤمنين، وتقليل أعداد كلا الجانبين في عين الجانب الآخر، كما تحدّث عن الأسباب والعوامل الخارجية الطبيعية، من قبيل: الرياح والأمطار، وقد تحدّث عن العوامل الخارجية وما فوق الطبيعية، من قبيل: الجنود الذين لا يمكن رؤيتهم والملائكة. إن هذه الأساليب والأساليب الأخرى التي لا نعلمها، هي عند الله سبحانه وتعالى سواء، وإن اختيار كل واحدة منها رهن بمقتضى الحكمة الإلهية البالغة.
و. الابتلاء بالمصائب
إن الله سبحانه وتعالى يبتلي أهل الباطل بالمصائب والشدائد والمشاكل، أملًا في أن يرجعوا إلى أنفسهم ويتوبوا إلى الله عزّ وجَلّ، وفي ذلك يقول الله تعالى:
ـ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾(الرعد: 31)[35].
ـ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾(فاطر: 43).
إن هذه المصائب التأديبية والتحذيرية والمؤقتة والموضعية والجزئية، قد تكون على يد الأشخاص الآخرين، كما عندما يخرج أهل الحق أو جماعة من أهل الباطل لقتال جماعة أخرى من أهل الباطل، فيبتليهم الله بسببهم بأنواع الشدائد والمصائب والمحن. وقد تحدث بسبب العوامل الطبيعية وغير البشرية، من قبيل: الزلازل والقحط والجفاف والمجاعة وغلاء الأسعار.
ز. سيطرة المجرمين والمترفين
لو لم تنفع جميع أنواع المصائب التحذيرية والجزئية، ولم يحصل أيّ تنبّه أو ندم أو توبة، ولم يعد هناك من أمل في العودة والإنابة، فسوف يكون أهل الباطل مستحقين لعذاب الاجتثاث والاستئصال. وإن مقدمة هذا الهلاك والدمار الشامل تتمثّل بسيطرة المجرمين والمترفين، وهذا الأمر يشكل سببًا لانتشار الفسق والفجور في المجتمع بشكل كامل، وفي ذلك يقول الله تعالى:
ـ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُون﴾(الأنعام: 123 ـ 124).
ـ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾(الإسراء: 16).
ح. الاستئصال
إذا انغمس أهل الباطل في الكفر والإنكار وغرقوا في الفسق والفجور، بحيث لم تعد الحكمة الإلهية البالغة تقتضي الإمهال أكثر من ذلك، ولم يعد هناك معنى لتأخير العقوبة وتأجيل العذاب، فسوف يصل الأمر إلى سنة «الاستئصال والاجتثاث»، والتي هي من السنن القطعية والإلهية التي لا يمكن أن تتخلف، وهي المقرونة بسنة الانتصار النهائي الحاسم الذي سيكون من نصيب أهل الحق[36]. يتمّ توجيه الناس في الكثير من آيات القرآن الكريم نحو التدبّر و«السير في الأرض»، و«النظر» بإمعان، للوقوف على عاقبة أعمال أهل الباطل[37]. وكذلك يرد الحديث في الكثير من الآيات الكريمة عن اجتثاث واستئصال وإهلاك الأمم والمجتمعات الظالمة والفاسدة أيضًا[38].
كما يرد ذكر قصة ابتلاء كل واحد من الأمم والمجتمعات السابقة بعذاب الاستئصال والاجتثاث في الكثير من الآيات بشكل مستقل، كما هو الحال بالنسبة إلى قوم نوح(عليه السلام)، وقوم هود(عليه السلام) (عاد)، وقوم صالح(عليه السلام) (ثمود)، وقوم لوط(عليه السلام)، وقوم شعيب(عليه السلام)، والفراعنة، وأصحاب السبت، وأصحاب الرسّ، وأصحاب القرية، وقوم تبّع، وأصحاب الفيل ونظائرهم. وغالبًا ما يكون سبب تدمير واستئصال هذه الأمم أمورًا من قبيل: الكفر والشرك والظلم والإفساد والفسق والفجور. وقد ورد ذكر هلاك وإبادة بعض الأمم السابقة في سبعة مواضع من سورة الشعراء، وهي الآيات: 67 و103 و121 و139 و158 و174 و190؛ إذ يقول الله تعالى:﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
في ختام هذا البحث لا بدّ من التذكير بنقطتين:
النقطة الأولى: إن زيادة النعمة بسبب شكرها، تعدّ من السنن الإلهية القطعية التي لا تقبل الاستثناء والتبديل أو التحوّل:﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾(إبراهيم: 7)[39].
بيد أن نقصان النعمة الذي يأتي كنتيجة للكفر بها، هي من السنن التي لا تنطوي على مثل هذه القطعية، بل يمكن أن يطالها الاستثناء في بعض الموارد. يقول الله سبحانه وتعالى في تتمّة الآية أعلاه:﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾(إبراهيم: 7).
وهذا التعبير ينطوي على مجرّد التهديد، ولا يشتمل على صراحة في نقصان النعم والعذاب والعقاب بسبب كفرانها. وبعبارة أخرى: إن الذي يُفهم من هذا التعبير هو أن الكفر بالنعمة يقتضي نزول العذاب، أو سلب النعمة في الحدّ الأدنى. فقد ترد سنن إلهية أخرى ـ من قبيل: الإملاء والاستدراج والإمهال ـ وتحول دون هذا الاقتضاء، وأن تكون حاكمة عليها وتمنع من تأثيرها. وعلى هذا الأساس فإن سنة سلب النعم عن الكافرين بها ونزول العذاب عليهم، هي من قبيل: القانون التجريبي لعملية الإحراق وإشعال النار في الورقة؛ حيث يتوقف هذا القانون على بعض الشروط والمقتضيات الوجودية والعدمية، ويجب اعتبارها من باب بيان المقتضي وعدم وجود المانع.
قال الله تعالى في الآية رقم 53 من سورة الأنفال:﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾(الأنفال: 53).
بمعنى أن يميلوا من حالات من قبيل: الإيمان والشكر والتقوى، إلى حالات من قبيل: الكفر والكفران والعصيان.
وكذلك قال الله تعالى في الآية رقم 11 من سورة الرعد:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾.
إن الآية الأولى تدلّ بوضوح على سلب النعمة، والآية الثانية بدورها ظاهرة في هذا المعنى أيضًا (لا سيّما بالنظر إلى سياق الآيات والقرينة التي يمكن الحصول عليها من الآية الأولى). بمعنى أن الله سبحانه وتعالى لا يسلب من الناس نعمة سبق له أن أنعم بها عليهم، إلا إذا حصل تغيّر واختلاف في أوضاعهم وأحوالهم الباطنية والمعنوية وجنحوا نحو الباطل، فإن فعلوا ذلك سوف يكون لله عزّ وجَلّ شأن آخر تجاههم وسوف يريد بهم سوءًا، وإذا أراد الله بشخص أو جماعة سوءًا فلا يمكن لأحد كائنًا من كان أن يحول دون تنفيذ الله لإرادته. وهكذا نلاحظ أن الآية مورد البحث (الآية الثانية) بدورها لا تشتمل على صراحة في أن الله سيريد بهم سوءًا بمجرّد حصول تغيّر في الوضع والحالة النفسانية والداخلية للناس، بل كل التأكيد في هذه الآية ينصبّ على أن الناس ما داموا يسلكون طريق الإيمان والشكر والتقوى والطاعة، فإن النعم لن تكون قابلة للسلب عنهم. وكذلك في قوله تعالى:﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. حيث لا تشتمل بدورها على ذلك التصريح القائل بأن الله سوف يعذّب عدم الشاكرين حتمًا.
والخلاصة هي أن تغيّر واختلاف الحال من الشكر إلى الكفر، وإن كان يقتضي سلب النعمة ونزول العذاب، بيد أن هذه السنة لا تحتوي على القطع والإطلاق، وإنما هي مشروطة ومقيّدة بعدم المانع.
وقد يرد هنا سؤال آخر، يقول: لو نزل العذاب والبلاء على أمّة أو جماعة، فهل سوف يستمر هذا العذاب والبلاء إلى حين الندم والتوبة والعودة إلى سلوك طريق الحق أم لا؟
والجواب هو أننا في حدود بحثنا لم نعثر على دليل يثبت توقف ارتفاع العذاب على الندم والتوبة، بل هناك قرائن وشواهد تدل على أن الله سبحانه وتعالى قد يرفع العذاب والبلاء والمصائب عن الناس حتى قبل تحقق التوبة، وذلك من باب الإملاء والاستدراج والإمهال، بل وقد ينقذ الناس من المحن والمنغصات بحكم رحمته الواسعة والسابقة.
وعليه فإن ما هو القطعي واليقيني والمسلّم هو أن الناس ما داموا يشكرون النعم الإلهية، فإنهم لن يفقدوها. وإن عدم الشكر بدوره وإن كان يقتضي سلب النعمة ونزول العذاب، إلا أن تحقق ذلك أو عدمه رهن بتحقق سنة أخرى حاكمة على هذه السنة أم لا. وليس من المعلوم لنا ما هي السنة الحاكمة على السنن الأخرى والتي يكون لها الأرجحية عليها، وإنما ذلك عائد إلى علم الله وحكمته وتدبيره وتقديره فقط.
والنقطة الثانية: هي أننا حتى الآن كنا نتحدّث دائمًا عن أهل الحق وأهل الباطل، ولكن كما لاحظنا فإن القرآن الكريم يعمد إلى تعريف كل واحدة من هاتين الطائفتين بسلسلة من الصفات والعناوين. وإن بعض الصفات القرآنية لأهل الحق، عبارة عن: المهتدين، والمؤمنين، والموحدين، والربّيين، والمتقين، والمأتمرين بأمر الله تعالى والأنبياء(عليهم السلام) وأولي الأمر، والصالحين، والمقيمين لكتاب الله، والمحسنين، والتائبين، والمستغفرين، والمستعينين بالله، والمتوكلين على الله، والمستقيمين على الطريقة، والصابرين، والمقيمين الصلاة، والمتزكين، والآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، والناصرين لله، والمهاجرين في سبيل الله، والمقاتلين في سبيل الله.
وأما بعض العناوين القرآنية لـ «أهل الباطل» فهي عبارة عن: المنحرفين والزائغين، والكافرين، والمشركين، والمكذبين بآيات الله تعالى، والمستهزئين بآيات الله، والمتبعين لأهوائهم، والفاسقين، والمذنبين، والمجرمين، والمسيئين، والظالمين، والمفسدين في الأرض، والعالين في الأرض، والمسرفين، والمترفين، والماكرين وأهل المكر السيئ.
وعليه يمكن عدّ هذه الأوصاف والعناوين بوصفها من «المعرِّفات» و«الأمارات» الدالة على أهل الحق وأهل الباطل. ويمكن القول بعبارة أخرى: إن أهل الحق هم الذين يريدون الحياة في الآخرة، وإن أهل الباطل هم الذين يريدون الحياة الدنيا؛ فهؤلاء يطلبون الآخرة وأولئك يطلبون الدنيا.
المصادر
القرآن الكريم.
پوپر، كارل، جامعه باز ودشمنان آن، الترجمة: عزّت الله فولادوند، ج1 و2، طهران، انتشارات خوارزمي، ط1، 1364ش.
راسل، برتراند، جهانبيني علمي، الترجمة: سيّد حسن منصور، القسم الثالث (المجتمع العلمي)، انتشارات آگاه، ط3، طهران، 1360ش.
زرينكوب، عبد الحسين، تاريخ در ترازو، طهران، انتشارات اميركبير، 1354ش.
مور، تامس، آرمانشهر (يوتوبيا)، الترجمة: داريوش آشوري ونادر أفشار نادري، طهران، انتشارات خوارزمي، ط1، 1371ش.
--------------------------------------------
[1]. المصدر: المقالة فصلٌ من کتاب جامعه وتاريخ از ديدگاه قرآن، طهران، سازمان تبليغات اسلامي (شركت چاپ ونشر بين الملل)، 1391 هـ، الصفحات 395 إلي 444.
تعريب: حسن علي مطر
[2]. أفلاطون، دوره آثار، ج4 و6. للتعرّف على أحد أقوى الانتقادات الواردة على المدينة الفاضلة لأفلاطون من قبل رؤية الفلسفة السياسية، پوپر، جامعه باز ودشمنان آن، ج1 و2، (حيث يشكل مجموع القسم الأول من الكتاب، تحت عنوان «أفسون أفلاطون»).
[3]. Francis Bacon
[4]. Tommaso Campanella
[5]. لقد ذكر مؤلف كتاب تاريخ در ترازو ستة وعشرين مفكرًا وكاتبًا من المسلمين وغير المسلمين الذين تركوا أثرًا في تصوير المجتمع المثالي، ومن بين آراء ونظريات أفلاطون، والفارابي، وتوماس مور، وفرانسس بيكون، وكامبلانلا، قدّم شرحًا مختصرًا عليها. زرينكوب، تاريخ در ترازو، الفصل الحادي عشر.
[6]. راسل، جهانبيني علمي.
[7]. كارل ريموند بوبر (Karl Raymond Popper): فيلسوف ومنطقي نمساوي /إنجليزي شهير (ولد عام 1902 م)، اتخذ في الفصل التاسع من كتاب المجتمع المفتوح وعلماؤه موقفًا انتقاديًا حادًا وأكثر عداوة تجاه رسم حدود اللامكان أو على حدّ تعبيره هندسة اللامكان. پوپر، جامعه باز ودشمنان آن، ج 2، الفصل التاسع.
[8]. زرينكوب، تاريخ در ترازو، 232 ـ 233.
[9]. م. ن، 233.
[10]. كما يُستفاد من هذه الآيات ونظائرها أن النشاط الحاكم على المجتمع هو الذي يكون ملاكًا للحكم على الواقع، ولا يتمّ لحاظ رغبات وأفعال القلة القلية من الأفراد في مقام الحكم والقضاء بالنسبة إلى المجتمع بأسره.
[11]. إن الظلم المقصود هنا هو الذي نستعمله في محاوراتنا اليومية، بمعنى الظلم العملي تجاه الآخرين. بيد أن للظلم مفهومًا أوسع من ذلك بكثير؛ حيث يكتسب مصداقه في الأنواع الأربعة من علاقات الفرد، وفي العقيدة وموارد العمل أيضًا، وبهذا المعنى يكون الشرك من أقسام الظلم أيضًا: «إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ». لقمان: 13.
[12]. وربما كانت الآية الثامنة من الشمس بدورها ناظرة إلى هذا المعنى من الهداية أيضًا، إذ يقول تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[13]. وبطبيعة الحال فإن المراد من «تحقق العلم بأمر بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى»، والذي تكرر الحديث عنه ثلاث مرّات في هذه الآيات الثلاث، إنما هو العلم الفعلي؛ بمعنى تحقق أمر هو متعلق لله تعالى، وإلا فليس هناك أمر مجهول بالنسبة إلى الله عز وجلّ، وإن علم الله الأزلي قد تعلق بجميع الأمور. إن مفردة «التمحيص»، بمعنى: «التطهير من العيوب والأدران والشوائب، وتصفية الأمور وفرز الغث من السمين»، يتمّ استعمالها في مورد الاختبار.
[14]. إن الاحتمال الأقوى في هذه الآية هو عودة الضمير الفاعلي في كلمة «ظنوا» إلى الناس؛ بمعنى أن الناس هم الذين ظنوا بأن وعود الأنبياء(عليهم السلام) التي قطعوها لهم بأمر من الله سبحانه وتعالى هي وعود كاذبة. والاحتمال الأضعف هو عودة هذا الضمير إلى الأنبياء(عليهم السلام)؛ بمعنى أن الأنبياء(عليهم السلام) ظنوا بأن الوعود التي قطعها الناس لهم بالنصرة والمساعدة، هي وهود كاذبة وزائفة
[15]. سوف نتحدّث لاحقًا ـ من خلال الاستناد إلى آيات القرآن الكريم ـ عن أن الإمدادات الإلهية للمؤمنين أكثر بكثير من مدده لغير المؤمنين، حيث أنهم بالإضافة إلى الإمدادات التي ترد من طريق الأسباب والعلل العادية، يتمّ تخصيصهم بالإمدادات الغيبية وما فوق الطبيعية أيضًا.
[16]. إن التعبير بـ «نزد له في حرثه» يدل على أن الله سبحانه وتعالى يعطي أهل الآخرة أكثر مما يريدون، وإن التعبير بـ «كان سعيهم مشكورًا» يدل على أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يشكرهم، وهذا الشكر الإلهي أمر لا يمكن مقارنته بأيّ شكر أو مكافأة أخرى.
[17]. إن هذه الآيات الكريمة بدورها وردت في القرآن الكريم محكية على لسان النبي نوح(عليه السلام) خطابًا لقومه.
[18]. وبطبيعة الحال فإن المجتمع الذي يُشكل الصالحون وأهل الحق أغلبية أفراده، سوف تحصل القلة القليلة من أصحاب الباطل فيه بدورها عن نصيب من بركات النعم المادية والدنيوية التي يمنّ الله بها عليهم أيضًا، وبذلك يكونون في الحقيقة من المتطفلين على أهل الحق. ويمكن لهذه الاستفادة أن تكون من باب «الإملاء والاستدراج» على ما سيأتي ذكره. وعلى كل حال وكما سبق أن ذكرنا، ليس من الضروري في القوانين الاجتماعية أن يكون ملاك الحكم موجودًا ومتوفرًا في جميع أفراد المجتمع.
[19]. قيل: إن مصداق الحق في هاتين الآيتين الكريمتين هو القرآن الكريم نفسه. وعلى الرغم من أن القرآن الكريم يمكن أن يكون هو المصداق الجلي للحق، ولكن هذا لا يعني أن مفهوم الحق يعادل مفهوم القرآن الكريم.
[20]. إن قيد (في الحياة الدنيا) يدل على أن السعادة الأخروية والأبدية الخاصة بالأنبياء(عليهم السلام) والمؤمنين ليست هي المرادة فقط، وإنما المراد كذلك هو النصرة والغلبة والفتح الدنيوي لهم أيضًا. ومن هنا فإن هذا القيد المذكور يعمل على تفسير الآيات التي هي من هذا القبيل أيضًا، ويثبت أن ليس المراد هو نجاتهم وفوزهم في الآخرة فقط.
[21]. إن تقديم الله لغلبته على غلبة أنبيائه، يمكن أن يكون للتشريف؛ بمعنى أن غلبة أنبياء الله إنما هي شعاع من غلبة الله تعالى وإحاطته بكل شيء.
[22]. إن قوله: «ثواب الدنيا» يدل على أن جهادهم حتى في هذه الدنيا سوف يؤدّي إلى النتائج المطلوبة، وتكون لهم الغلبة ويكون لهم الفتح في هذه الدنيا أيضًا.
[23]. وانظر أيضًا: الأعراف: 64، 72، 78 ـ 79، 83، 84، 91 ـ 93، و165؛ يونس: 73؛ هود: 58، 66، 94؛ يوسف: 110؛ الأنبياء: 9، 71، 74 ـ 75، 88؛ الشعراء: 65، 119، 170 ـ 171؛ النمل: 53، 57؛ العنكبوت: 15، 24، 32؛ الصافات: 76، 114 ـ 116، 134 ـ 135؛ فصلت: 18؛ القمر : 134. إن الآيات الكريمة الواردة في هذه الفقرة تتحدّث عن الأنبياء السابقين(عليهم السلام) وأنصارهم وأتباعهم.
[24]. وانظر أيضًا: الآيات الأربعة اللاحقة لهذه الآية.
[25]. وأيضًا: الآيات الثلاثة اللاحقة لهذه الآية، وكذلك الآية: 42 ـ 44، و62 ـ 64 من هذه السورة.
[26]. وانظر أيضًا: تتمّة هذه ا لآية الكريمة، والآيتين اللاحقتين لها، والآية رقم: 40 من هذه السورة.
[27]. لقد وعد الله تعالى المؤمنين في الآية رقم: 151 من آل عمران، بـ «إلقاء الرعب» في قلوب الكافرين والمشركين.
[28]. صحيح أن البشارة المذكورة إنما أعطيت لأهل الحق في حالة ذهابهم من هذه الدنيا (إذ تنزل عليهم الملائكة حين موتهم)، إلا أن عبارة «نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» تدلّ على أن الملائكة يأتون لنجدة ونصرة أهل الحق حتى في هذه الدنيا أيضًا.)
[29]. إن تحطيم دور العبادة وهدمها يعدّ واحدًا من مصاديق «الفساد في الأرض»، وقد ورد ذلك في الآية 251 من البقرة أيضًا.
[30]. إن عنوان الاستضعاف هنا ـ بحسب المصطلح الأصولي ـ عنوان مشير؛ حيث يُشير إلى الذين تمّ استضعافهم من قبل فرعون؛ لا أن الحكم دائر مدار الاستضعاف.
[31]. وانظر أيضًا: الصف: 8 ـ 9.
[32]. إن «العفو» الوارد في هذه الآية إنما هو في الواقع مصداق لـ«التأخير» الذي ورد ذكره في الآية 61 من النحل، والآية 45 من فاطر، ومعناه غض الطرف عن تعجيل العقوبة في الدنيا، وليس العفو عن العذاب في الآخرة.
[33]. كما تتضح من هذه الآية هذه الحقيقة أيضًا، وهي أن الله سبحانه وتعالى ليس له شأن بلون البشرة أو العرق الذي ينحدر منه الإنسان وما هي فصيلة دمه وما هي جنسيته واللغة التي يتكلم بها والأرض التي يعيش عليها وما إلى ذلك من الأمور الأخرى. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن بني إسرائيل ليسوا شعب الله المختار، وإنما هم مثل سائر البشر والأمم، ويمكن تقسيمهم إلى أهل الحق وأهل الباطل، ولو احتدم القتال بينهم فإن الله سبحانه وتعالى سوف يمدّ أهل الحق منهم بتأييده ونصره. وإنما المهم في البين هو الحق والباطل والإيمان والكفر لا غير.
[34]. إن «العفو» الوارد في هذه الآية إنما هو في الواقع مصداق لـ«التأخير» الذي ورد ذكره في الآية 61 من النحل، والآية 45 من فاطر، ومعناه غض الطرف عن تعجيل العقوبة في الدنيا، وليس العفو عن العذاب في الآخرة.
[35]. إن المراد بـ «الوعد الإلهي» هو عذاب الاستئصال والاجتثاث الذي سنأتي على ذكره.
[36]. لا بدّ من الالتفات إلى أن المصائب التأديبية والتحذيرية والموضعية والجزئية عندما تنزل على المجتمع فإنها ستشمل الجميع بمن فيهم الأفراد القلائل من أهل الحق أيضًا، وتكون هذه المصائب بالنسبة إلى أهل الحق ذات صبغة اختبارية وابتلائية (من قبيل الأوبة وانعدام الأمن)، وأما عذاب الاجتثاث والاستئصال فهو لن يشمل حتى ولو فردًا واحدًا من أهل الحق، بل سوف يكون متمحضًا لأهل الباطل فقط. وهناك الكثير من الشواهد القرآنية الدالة على أن أهل الحق ستكتب لهم النجاة من عذاب الاستئصال والاجتثاث.
[37]. انظر من بين هذه الآيات: آل عمران: 137؛ الأنعام: 11؛ الأعراف: 84 و86 و103؛ يونس: 39 و73؛ يونس: 109؛ النحل: 36؛ النمل: 14 و51 و52 و69؛ القصص: 40؛ الروم: 9 و42؛ فاطر: 44؛ الصافات: 73؛ غافر: 21 و82؛ الزخرف: 25؛ محمّد: 10.
[38]. انظر من بين هذه الآيات: الأنعام: 6؛ الأعراف: 4؛ الأنفال: 54؛ يونس: 13؛ الإسراء 17؛ الكهف: 59؛ مريم: 74 و98؛ طه: 128 الأنبياء: 6 و9؛ الحج: 45؛ القصص: 58؛ السجدة: 26؛ يس: 31؛ ص: 3؛ الزخرف: 8؛ الأحقاف: 27؛ محمّد: 13؛ ق: 36؛ القمر: 51.
[39]. يجدر الالتفات في هذه الآية إلى صيغة القسم والتأكيد باللام والنون المثقلة.