ملحق الرصد 20 - دور المرجعية في مظاهرات تشرين

ملحق الرصد 20 - دور المرجعية في مظاهرات تشرين

عنوان الملحق : 

دور المرجعية في مظاهرات تشرين

(دراسة توثيقية لدور المرجعية الدينية في الاحتجاجات العراقية من 1/10/2019 ولغاية 15/3/2020)

اعداد : 

حيدر محمد الكعبي / علي لفته العيساوي

دور المرجعية في مظاهرات تشرين

المقدمة

لا ريب في أن لمرجعية آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله دوراً كبيراً في مرحلة قيام الدولة العراقية بعد العام 2003، فقد كان صوتها الأبرز من بين كل الأصوات الداعمة لإقامة حكومة تنبثق عن إرادة الشعب عبر الانتخابات، وحددت منذ اليوم الأول رؤيتها هذه فصرحت أن (شكل نظام الحكم في العراق يحدده الشعب العراقي، وآلية ذلك أن تجري انتخابات عامة لكي يختار كل عراقي من يمثله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور، ثم يطرح الدستور الذي يقره هذا المجلس على الشعب للتصويت عليه، والمرجعية لا تمارس دوراً في  السلطة والحكم)[1].

وقد استمر دور المرجعية الدينية في مساندتها لإرادة الشعب العراقي حتى بعد وضوح معالم الحكومة العراقية أمام المجتمع الدولي، وعلى الرغم من أهمية دورها هذا؛ إلا أنه لم يكن ليجرد الأحزاب والتيارات من ممارسة حقها الطبيعي في تشكيل العملية السياسية، وانما كان يمر على شكل نصائح وإرشادات تُوَجّهها المرجعية للقوى السياسية بلسان عقلاني بعيد عن التشنّج والانحياز، وذلك ينم عن تعاطيها مع الواقع بموضوعية وشفافية، واضعة نصب عينيها مصالح الشعب ككل، ولهذا كانت علاقة المرجعية بكل الأطراف علاقة متوازنة تهدف الى تأسيس دولة المواطنة لا غير.

ولهذا اتسم دور المرجعية بالحكمة، فهي لا تتدخل في تفاصيل العملية السياسية ولا تنأى بنفسها تماماً، لأن انخراطها في التفاصيل سوف يزاحم القوى السياسية في عملها كجهات ذات اختصاص، وفي الوقت ذاته لم تكن لتنأى بنفسها عن اتخاذ خطوات أوسع من ذلك في الأزمات الحرجة، وذلك حينما تكون مصالح الشعب العليا أمام خطرٍ تعجز القوى السياسية عن رده، فتعمد المرجعية استناداً الى سلطتها المعنوية إلى تفعيل الدور الجماهيري لتفادي ذلك الخطر، كما حدث بتاريخ 16/1/2004 حينما هددت سلطة الاحتلال بالإضراب العام في حال لم تستجب لحق الشعب في اجراء الانتخابات[2]، وكما حدث بتاريخ 13/6/2014 حينما أطلقت فتوى الدفاع الكفائي لصد غزو داعش الإرهابي.

 ولا ريب في أن المرجعية الدينية تتخذ مثل تلك الخطوات بدقة وحذر شديدين، لأنها تعلم أن هنالك جهات داخلية وخارجية تبحث في خطواتها عن ثغرات تستغلها بهدف إضعاف ارتباط الشعب بقيادته المعنوية، مما يضعف من مقاومته لأجندات تلك القوى التي لا تعير أهمية لمصالح العراقيين وحقوقهم.

هذه السيرة المتوازنة والدقيقة لمرجعية السيد السيستاني في تعاطيها مع الواقع السياسي الشائك جعلت من سلطته الروحية تتمدد لتعبر حدود المجتمع الشيعي الى غيره من المجتمعات، حتى باتت بعض الجهات الدولية تعترف بأن السيد السيستاني يعد فعلاً صمام أمان حقيقي لمصالح الشعب العراقي، وقد نشرت صحيفة التلغراف البريطانية بتاريخ 1/11/2014 مقالاً بعنوان: (إنسوا أوباما والاتحاد الأوروبي، إن الرجل الذي ينبغي أن ينال جائزة نوبل للسلام هو رجل دين عراقي)، وقد طرح الكاتب «كولن فريمان» في هذا المقال أدلة متعددة على استحقاق السيد السيستاني لجائزة نوبل للسلام[3].

 وإن من أهم الأدوار التي قامت بها المرجعية الدينية العليا في سياق دعمها لإرادة الشعب العراقي هو: دورها الواضح في مظاهرات تشرين التي انطلقت شرارتها مطلع الشهر العاشر من العام 2019، إذ أولت المرجعية عناية خاصة بهذه المظاهرات التي تُوصف بأنها الأكثر اتساعاً وحدّة مقارنة بسابقاتها، وأنها لم تأتِ تحت ظل أي قيادة ولم يتبنّها أي حزب أو جهة سياسية، وأن معظم المشاركين فيها هم شباب ينتمون لمناطق ذات غالبية شيعية من محافظات وسط وجنوب العراق.

ومما يدل على عناية المرجعية الدينية بهذه المظاهرات: أنها المرة الأولى التي يصدر فيها مكتب المرجعية هذا العدد من البيانات المتلاحقة حول موضوع محدد، إذ بلغ عدد البيانات الخاصة بمظاهرات تشرين 16 بياناً الى جانب 3 تصريحات رسمية متفرقة، ومما يدل أيضاً على عناية المرجعية الخاصة بمظاهرات تشرين: أنها وصفتها باسم «معركة الإصلاح» التي لا تقل شأناً عن المعركة ضد الإرهاب التي خاضها العراقيون في العام 2014، ووصفت الذين قتلوا فيها بأنهم «شهداء»، كما اعتبرت هذه المظاهرات مرحلة فاصلة في تاريخ العراق حينما أكدت أكثر من مرة على «أن الأوضاع بعد مظاهرات تشرين لن تعود كما كانت قبلها».

والمتتبع لخطابات المرجعية التي سبقت مظاهرات تشرين، يجد أنها كانت تحث العراقيين على أن يتخذوا موقفاً حازماً ضد مظاهر الفساد الذي كان يستشري في مفاصل الحكومة، كالمحاصصة والمحسوبية وغياب العدالة الاجتماعية، وأوضح مثال على ذلك ما ورد في «خطبة النصر» التي اطلقتها المرجعية بتاريخ 15/12/2017 إذ جاء فيها ما نصه: «إن المعركة ضد الفساد ـ التي تأخرت طويلاً ـ لا تقلّ ضراوة عن معركة الارهاب إن لم تكن أشد وأقسى، والعراقيون الشرفاء الذين استبسلوا في معركة الارهاب قادرون ـ بعون الله ـ على خوض غمار معركة الفساد والانتصار فيها أيضاً إن أحسنوا ادارتها بشكل مهني وحازم»[4].

والمُتتبع للخط العام لمسيرة مظاهرات تشرين التي دام أمدها قرابة خمسة أشهر؛ يجد أنها تفاعلت مع بيانات المرجعية بشكل واضح، والدليل على ذلك: أن المتظاهرين لم يكونوا يقدمون مطالب محددة في بداية حراكهم سوى دعوة الطبقة السياسية بالرحيل، ولكن مطالبهم باتت تأخذ منحى أكثر دقة وتنظيماً عندما بدأوا يركزون على قضايا مهمة مثل تعديل قانون الانتخابات وسن قانون مفوضية جديد والتعجيل بانتخابات مبكرة وترشيح رئيس وزراء غير جدلي، وذلك عقب طرح المرجعية لهذه القضايا كخارطة طريق نحو الإصلاح الذي تنشده الجماهير، حتى أن الجهات السياسية ووسائل الاعلام المحلية والدولية أخذت تضع على رأس أولوياتها مراجعة بيانات المرجعية فيما يتعلق بالحراك التشريني، وصارت تنقل مقتطفات منها وتحلل انعكاساتها على ساحات التظاهر.    

وعلى الجانب الآخر، كانت الحكومة العراقية تتابع باهتمام شديد خطابات المرجعية وتحاول أن تستجيب لها بالمقدار الذي يسمح به واقعها السياسي المأزوم، وإن من أوضح الأمثلة على ذلك: إعلان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي استقالته وتصريحه بأن هذه الاستقالة تمثل استجابة مباشرة لرغبة المرجعية الدينية التي أبدت سخطها تجاه القمع الذي تعرض له المحتجّون بعد مرور شهرين من عمر المظاهرات.

إننا إذا اخذنا كل ما تقدم بنظر الاعتبار؛ فسوف تتجلى أمامنا أهمية وضع دراسة توثيقية تبين دور المرجعية الدينية في مظاهرات تشرين؛ وتسعى لتحديد أثر بياناتها على الأحداث التي جرت على الأرض وعلى الأداء الحكومي، ولتحقيق الهدف المنشود من هذه الدراسة فقد اعتمدنا في إنجازها على المُعطيات الآتية:

أولا: أبرز الاحداث في مظاهرات تشرين التي وثقتها وسائل الاعلام المحلية والدولية.

ثانياً: البيانات الرسمية التي أصدرتها المرجعية حول مظاهرات تشرين.

ثالثاً: البيانات والتصريحات الرسمية التي أطلقتها القوى المحلية والدولية حول مظاهرات تشرين.

رابعاً: التصريحات والقراءات التي تقدم بها محللون وسياسيون بشأن دور المرجعية تجاه تظاهرات تشرين.

وتتكون الدراسة من ثلاث فصول أساسية، كل فصل يتناول مرحلة من مراحل المظاهرات التشرينية منذ انطلاقها وحتى نهايتها، فقد وجدنا من خلال نظرة عامة على حركة هذه المظاهرات أن خط سيرها يتبع مُنحنياً مُقسّماً على ثلاث مراحل متميزة:

المرحلة الأولى: صعود المظاهرات نحو العقدة الحرجة، وقد استغرقت قرابة شهر ونصف ابتداءً من تاريخ 1/10/2019 وانتهاءً باستقالة رئيس الوزراء بتاريخ 29/11/2019، تضمنت توقفاً مؤقتاً لمدة 15 يوما تقريبا لتزامنها مع زيارة اربعينية الامام الحسين عليه السلام.

المرحلة الثانية: استقرار المظاهرات على مستوى ثابت من التوتر، وقد استغرقت قرابة شهر واحد، ابتداءً من استقالة رئيس الوزراء وانتهاءً بحادثة اغتيال نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي وقائد فيلق القدس الايراني بتاريخ 3/1/2020.

المرحلة الثالثة: تذبذب زخم المظاهرات نحو نهايتها، وقد استغرقت قرابة شهرين ونصف ابتداءً من حادثة الاغتيال وانتهاءً بانتشار فيروس كورونا اواسط شهر آذار 2020.

وقد اعتمدنا في معظم الدراسة على سرد تفاصيل أحداث المظاهرات مع عرض بيانات المرجعية في سياقها وتثبيت نقاط تأثيرها في تلك الاحداث، وهذه المنهجية سوف تُمكّن القارئ الكريم من أن يستكشف بنفسه حجم الدور الذي قامت به المرجعية في كل مرحلة من المراحل الثلاث آنفة الذكر، سواء على صعيد اسناد المتظاهرين وضبط حركتهم في النطاق السلمي؛ أو على صعيد الضغط على الحكومة العراقية من أجل الاستجابة لمطالب المتظاهرين؛ أو على صعيد الحفاظ على ساحات التظاهر من أن تتحول الى ساحات لتصفية الحسابات الاقليمية والدولية.

وقد واجهتنا صعوبات في تتبع الاحداث التي مرت بها مظاهرات تشرين بشقيها الشعبي والسياسي، لكثرة تفاصيلها طوال خمسة أشهر، ولكننا سعينا جهدنا في أن لا نغفل أهم وأبرز تلكم الأحداث؛ بخاصة تلك التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمحور الدراسة الرئيس الذي هو دور المرجعية في مظاهرات تشرين، بالإضافة الى ذلك فقد سعينا الى اعتماد الاحداث التي تداولتها أكثر الوسائل الإعلامية المعروفة، وتجنّبنا قدر الإمكان الاحداث التي انفردت بها وسيلة أو وسائل اعلامية مغمورة، لتلافي اعتماد أي تفاصيل قد تم تلفيقها لصالح اجندات معينة. 

واستكمالاً للفائدة، فقد ألحقنا بالدراسة ملاحق أربعة: أولها إحصائية بأهم المحاور التي تضمنتها بيانات المرجعية، وثاني الملاحق يضم جرد بالتفاعلات الشعبية والرسمية مع موقف المرجعية من مظاهرات تشرين، أما ثالث الملاحق فيتناول الشبهات التي أثيرت حول دور المرجعية في مظاهرات تشرين والرد عليها بمقدار مناسب، أما الملحق الرابع فيتضمن النصوص الكاملة لبيانات المرجعية وتصريحاتها التي صدرت بخصوص مظاهرات تشرين مع تواريخها وروابط نشرها الرسمية.

وأخيراً ندعو الله تعالى أن يكون هذا الجهد مشجعاً على طرح المزيد من الدراسات والأبحاث المتعلقة بمظاهرات تشرين التي تمثل نقطة تحول مهمة جداً في تاريخ العراق المعاصر، ومن الله تعالى نستمد العزم والتوفيق. 

------------------------------

[1] النصوص الصادرة عن مكتب السيد السيستاني في المسألة العراقية - حامد الخفاف - دار البذرة - النجف – الطبعة الأولى 2009 - ص 22.

[2] قال الشيخ عبد المهدي الكربلائي في خطبة الجمعة امام مئات المصلين في الصحن الحسيني في كربلاء يوم الجمعة 16/1/2004: «الايام القادمة ستظهر فيها التظاهرات والاضرابات وربما المواجهة مع قوات الاحتلال فيما لو اصرت على مخططها الاستعماري ورسم سياسة هذا البلد لما يخدم مصالحها» ودعا الجميع الى «الوقوف مع المرجعية الدينية» مؤكدا ان «المرجعية في النجف تولي اهتماما كبيرا لعملية نقل السيادة الى الشعب العراقي من خلال انتخابات عامة» - ينظر: ممثلو السيستاني يهددون بالمظاهرات والأميركيون يؤكدون استمرار الوساطات – صحيفة الشرق الاوسط – العدد 9181 في 17/1/2004 على الرابط

https://archive.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=9181&article=213146#.X7Upz2gzaM9

[3] مطالبات بترشيح السيستاني لجائزة نوبل للسلام - علي معموري - صحيفة المنيتور- نشر بتاريخ 25/3/2014 على الرابط

https://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2014/03/sistani-campaign-nobel-peace-prize.html

[4] خطبة النصر من كربلاء المقدسة - موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني - نشر بتاريخ 26/ربيع الأول/1439هـ على الرابط

https://www.sistani.org/arabic/statement/25875/