البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مشكلة المثقف مع الدين

الباحث :  ادريس هاني
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  14
السنة :  السنة الرابعة صيف 1420 هجـ 1999 م
تاريخ إضافة البحث :  January / 29 / 2015
عدد زيارات البحث :  1178

مشكلة المثقَّف مع الدِّين‏

الأستاذ زكي الميلاد (*)

موقف المثقّفين المعاصرين من الدِّين‏
لا يكاد «إدوارد سعيد»، في كتابه «صور المثقَّف»، يقترب من قضايا المثقَّف في الإسلام، أو من علاقة المثقف بالدِّين إلا بقدر محدود جدَّاً، وبشكل عابر، في سياق حديثه عن العالم العربي والإسلامي؛ حيث تطرَّق إلى ما يفترض أن ينهض به المثقف في علاقته بالإسلام، إذ يرى أن جوهر هذه العلاقة «للمثقف في الإسلام هو إحياء الاجتهاد، أو التفسير الشخصي» (1).
وحينما يتحدَّث، نيابةً عن المثقف، كما يقول، في طرح السؤال الذي يصفه بالأساسي، وهو: كيف يقول المرء الحق؟ وأي حق؟ ولمن؟ وأين؟ يجيب: «لسوء الحظِّ علينا أن نبدأ الرد بالقول أن ليس ثمّة نظام أو منهج رحب وأكيد بما فيه الكفاية لتزويد المثقَّف بإجابات مباشرة عن هذه الأسئلة»(2). لذلك يختار الإجابة عنها من داخل العالم العلماني، العالم الذي ينتمي إليه ويعدّه ذاك العالم التاريخي والاجتماعي الذي صنعه الجهد البشري، وفي هذا العالم لا تتوافر للمثقف سوى وسائل علمانية ليعمل بها (3).
وأشدُّ ما يدعو للنقد، حديثه عن الوحي بنوعٍ من القسوة، ومن غير أن يفرِّق بينه وبين من يحاول أن يكون وصيَّاً على الرؤية المقدَّسة، فيقول: «أما الوحي والإلهام، برغم كونهما معقولين تماماً كأسلوبين للفهم في الحياة الخاصة، فإنهما كارثتان إذا ما سعى المثقَّف إلى التَّنظير بموجبهما. وبالفعل فأنا مستعد لأذهب أبعد من ذلك وأقول: إن على المثقف الانهماك في نزاع مستمر مدى الحياة مع جميع الأوصياء على الرؤية المقدَّسة أو النص المقدَّس» (4).
________________________________________
(*)باحث وکاتب من المملکة السعودية، رئيس تحرير مجلّة الکلمة.
(1)صور المثقَّف، ص 51.
(2)المصدر نفسه، ص 94.
(3)المصدر نفسه، ص 94.
(4)المصدر نفسه، ص 94.

[الصفحة -81]


أمَّا الدكتور «محمد أركون» فهو يهوِّل من المكانة التي يحتلُّها الدين في المجتمعات الإسلامية؛ إذ يقول: «إنَّ المكانة التي يحتلُّها الدين، في المجتمعات الإسلامية والعربية المعاصرة، هي من الهول والضخامة إلى درجة أنه يمكننا اعتبارها بمثابة المسألة الأولى والأساسيَّة التي ينبغي على المثقَّف أن يهتم بها» (5). ومع ذلك فهو يرى أنَّ الظاهرة الدينية، بشكل عام، تظل حتى الآن شيئاً لا مفكَّراً فيه داخل الفكر العربي والإسلامي‏ (6).
وعن مهامِّ المثقَّف، في علاقته بالدين والظَّاهرة الدينية، يضيف بأن على المثقَّف أن يشتغل بما يسمِّيه من أجل الخروج من السياج الدوغماتي المغلق، هذا السياج لا ينحصر «بالدائرة الإيديولوجية التي افتتحها القرآن وعمل النبي، ثم وُسِّعت وضُخِّمت في ما بعد من قبل العلماء والفقهاء. وإنَّما هو مرتبط أيضاً بالتَّطوُّر التاريخي العام للمجتمعات البشرية التي انتشرت فيها الظاهرة الإسلامية وحركتها» (7).
وحين يحاول «أركون» أن يشرح أبعاد هذا السِّياج وأهميته في نظره، فإنَّه يقارنه بالسِّياج المشابه له في الغرب، والذي استطاع أن يفكِّكه. ونظراً إلى حساسيَّة ما يذكره «أركون»، فإنني أتعمَّد أن أنقل نصوصه كما هي، فهو يقول: «لكي نفهم جيِّداً كل أبعاد هذا السِّياج وأهميته المفصلية ثم الاجتماعية والتاريخية والنفسية، ولكي نفهم سرَّ رسوخه وتوسُّعه وديمومته منذ أربعة عشر قرناً وحتى هذه اللحظة، فإنه ينبغي علينا أن نقارنه بالسِّياج الدوغماتي المشابه له في أوروبا والغرب. وكيف أن هذا الأخير قد أخذ يتفتَّت وينهار بدءاً من القرن السادس عشر في جوانبه الأساسية والحاسمة التي فُرضت في الغرب من قبل المسيحية والدُّول القومية المؤمنة بها. (المقصود انكلترا، فرنسا، ألمانيا...).
فالواقع، أن العلمنة التدريجيَّة للمجتمع الغربي الأوروبي، بفضل الصعود المتواصل للحداثة الثقافية والعقلية، قد أدَّت إلى فصل الذُّرى: الدِّينيَّة، والسِّياسيَّة والقانونيَّة، وأدَّت، أيضاً، إلى الاستقلالية لكلٍّ من البُعد الاجتماعي، والبُعد الاقتصادي، والبُعد الثقافي» (8).
________________________________________
(5)الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ص 18.
(6)المصدر نفسه، ص 18.
(7)المصدر نفسه، ص 12.
(8)المصدر نفسه، ص 12 و13.

[الصفحة -82]


وحين يحاول «الجابري» أن يميِّز المثقَّف من بين غالبية أهل العلم والمعرفة، من فقهاء ومحدِّثين ونحاة ومؤرخين.. إلخ، يقول: «إن المثقَّف يتميَّز منهم جميعاً بكونه لا يتَّخذ من «العقيدة» مجرَّد إطار للانتماء والاحتماء، بل هو يمارس فرديته فيها وعليها، فيحوِّلها إلى «رأي» له، به يتميز، وبه يعرف. وبعبارة أخرى إنه يُمارس «العقيدة» لا كمجرَّد اعتقاد، بل أيضاً كرأي وتعبير عن هذا الرأي. إنه بذلك يتحوَّل إلى متكلِّم وصاحب مقالة، وأكثر من ذلك يتجه بكلامه ومقالته إلى الجمهور (أي المستمع)، ويتَّخذ من الأطر الاجتماعيَّة التي تؤطِّر هذا الجمهور موضوعاً لكلامه»(9).
وعندما حاول الدكتور «هشام شرابي» أن يبحث عن الأسس النَّظرية للنزعة الإصلاحية الإسلامية، توقَّف في البدء أمام ملاحظة نظر إليها بتشدّدٍ، بوصفها مدخلاً لفهم حركة الإصلاح الدِّيني وتقويمها، في نظرتها وعلاقتها بالعقيدة الدينية؛ حيث يرى «أن حركة الانبعاث الديني التي قادها «الأفغاني» و «عبده» لم تضع العقيدة موضع تساؤل. كان الحافز الأساسي للإصلاح نابعاً من التحدِّي الذي طرحه الغرب على المجتمع الإسلامي. وكان هدف الإصلاح حماية المجتمع الإسلامي بالاستجابة للتحدِّي الغربي بطريقة إيجابية، لذلك كافح لإعادة تأسيس الحقيقة الإسلامية وتقويتها من دون تعريضها للنقد الحر» (10). فالدكتور «شرابي» يعيب على حركة «الأفغاني» و «عبده» أنها لم تضع العقيدة موضع تساؤل ولم تعرِّضها للنقد الحر، ولعله كان يتطلَّع لحركة تنجز في العالم العربي والإسلامي ما طرحه «نيتشه» {1844 - 1900م‏} في أوروبا، ونقله هو عنه وختم به الفصل الأول من كتابه، وكان ينتظر من المسلمين العلمانيين القيام به، يقول «شرابي»: «حثَّ نيتشه يوماً مواطنيه الأوروبيين على القيام بتشريح ذاتي للمسيحية بغية تحرير أوروبا من قبضتها»، ثم يعلِّق على هذا التشريح الذي كان يمكن للمسلمين العلمانيين القيام به، ويرى أنَّ ذلك لم يكن في الحسبان‏ (11).
ولعلَّ «علي حرب» هو أكثر إثارة في التعبير عن هذه الإشكالية، مع أنَّ الدين لم يكن موضوعاً أساسياً في كتابه «نقد المثقَّف». وغالباً ما كان يأتي الحديث عنه في سياق التشابه والمماثلة بين نظام الماركسية ونظام الإسلام، وبين منهجيَّة المثقَّف الشيوعي، ومنهجيَّة المثقَّف الإسلامي. فحين يتحدَّث ناقداً تمسُّك المثقفين
________________________________________
(9)المثقَّفون في الحضارة العربيَّة، ص 37.
(10)المثقَّفون العرب والغرب، ص 37.
(11)المصدر نفسه، ص 36.

[الصفحة -83]


بمقولاتهم التي لا تقبل الزَّحزحة، والتعامل معها على أنها الأصل الذي يقاس عليه في نظرهم، والذي يعبَّر عنه بوهم المطابقة، يأتي على ذكر الإسلام بوصفه إحدى هذه المقولات، فيقول: «هذا شأن المثقَّفين مع سائر مقولاتهم وشعاراتهم، كالإسلام والعروبة والاشتراكية: لقد تعاملوا مع هذه المصطلحات كماهيات ثابتة، كمطلقات تتعالى على الممارسات التاريخية، أو كليَّات مجرَّدة عن المعايشات اليومية، فكانت النتيجة العجز عن تغيير الواقع» (12).
وعن التمسُّك بالأسس والأصول، يوجِّه كلامه منتقداً هذا الموقف ويرى أنَّه «موقف ما ورائي لا يختلف كثيراً عن الموقف الأصولي القائل بأنَّ الأصول صحيحة، وأنَّ الخطأ ناجمٌ عن سوء الفهم أو التطبيق. كلا الموقفين ينزّه الأسس ويعصم النماذج، على ما هو عليه موقف الإسلاميين من الإسلام، والماركسيين من الماركسية. فالكلُّ يستبعدون نقد الأسس والأصول والنماذج، لكي يضعوا الملامة على الظرف والبوتقة أو على التطبيقات وآليات الاستخدام» (13).
وفي نقده الوقوف عند زمن تاريخي معين، يقول: «إنَّ المسكوت عليه في الخطاب الماركسي هو الوقوف عند زمن معين، هو زمن ماركس الذي جرى التعامل معه، كالتعامل مع زمن الوحي لدى الإسلاميين.. بمعنى أنه شكَّل نهاية التاريخ وكمال العقيدة ونهاية العلم. من هنا كانت علاقة الماركسيين بالزمن علاقة رجعية، تماماً كما هي علاقة الإسلاميين بأصولهم. فالابتعاد عن الأصول يعدُّ تراجعاً وانحطاطاً، أو خطأً وانحرافاً» (14).
والحقيقة أنَّ موقف المثقفين المعاصرين من الدِّين يشبه إلى حدٍ كبير موقف الفلاسفة، قديماً، من الأنبياء ورسالاتهم الدينية، حيث كان اعتقاد الفلاسفة، أنَّ الأنبياء جاؤوا لمخاطبة الناس الأقلِّ علماً وفهماً ومعرفةً منهم، وأن رسالاتهم الإلهية لم تكن موجَّهة لهم، فهم غير معنيِّين بها. وأكثر من هذا ظنُّهم بأنهم أرفع علماً ومعرفة من الأنبياء أنفسهم، فكيف يتقبَّلون الدَّعوة والموعظة ممَّن هم أقلُّ علماً منهم. وكانوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم أرفع من أن ينتموا إلى دين يقيِّدهم ويفرض عليهم شروطاً والتزاماتٍ، ويحدُّ من تأمُّلاتهم في عالم الوجود، ومن تفكيرهم في ما وراء الطبيعة. ولم يكن فلاسفة اليونان قديماً، وهم من أكثر الفلاسفة
________________________________________
(12)أوهام النخبة أو نقد المثقف، ص 92.
(13)المصدر نفسه، ص 96.
(14)المصدر نفسه، ص 105.

[الصفحة -84]


تأثيراً في تاريخ العالم الفكري والفلسفي، يؤمنون بدين أو يتعبَّدون بعقيدة، وفي الوقت نفسه أعطوا لأنفسهم كامل الحقّ والحرية في أن يقولوا في الأديان والعقائد بعقولهم وتفكيرهم الفلسفي من غير قيد أو شرط.
والمثقَّف المعاصر غير الدِّيني، من حيث علاقته بالدِّين، يقرِّب نفسه إلى حدٍّ ما من تصوُّر أولئك الفلاسفة؛ إذ إنَّه لا يجد نفسه معنيّاً أو مخاطباً برسالة الدين والانتماء إليه، وهذا ما عبَّر عنه بوضوح «علي حرب» في قوله: «فإنَّ انتماءه ـ المفكر أو المثقَّف ـ ينبغي أن يكون، في المقام الأوَّل، إلى مجال عمله الذي هو عالم الفكر، قبل انتمائه إلى معتقده أو قومه أو تراثه، بل لا يستحقُّ المفكر الحقيقي صفته، ما لم يفكر على هويته وانتماءاته، أو يشتغل على معتقده وتراثه، وإلا تحوَّل إلى لاهوتي أو إلى مجرَّد داعية أو مبشر» (15).
المشكلة/ الأزمة: غربة المثقَّف عن الدِّين‏
والحقيقة أنَّ مشكلة المثقَّف مع الدِّين هي من أعمق المشكلات التي تكشف عن أزمة تكوين المثقَّف، وأزمة تشكيل الفكر والثقافة والعقل في العالم العربي والإسلامي. وقد أظهرت هذه المشكلة غربة المثقَّف عن الدِّين، وهذا من أفدح ما أصابه في بنيته الفكريَّة والثقافيَّة...، وهي الغربة التي تفسِّر ما يعبر به عن رؤيته تجاه الدِّين، وبسهولة كبيرة نكتشف، من خلال شريحة واسعة من المثقَّفين، جهلهم العميق بالدين وهم يتحدَّثون عنه ويعطون رأيهم في مسائله وقضاياه. هذا الجهل لا يسوَّغ لهم ولا يغتفر لأن الدِّين هو الذي صنع هذه الأمّة وأكسبها شخصية متميِّزة ومستقلّة، بعد أن كانت مجموعة من القبائل المتفرِّقة والمتنازعة، وشكّل لها حضارة يشهد لها التاريخ بإنجازاتها الحضارية في مجالات مختلفة من العلوم الأساسية والمتقدِّمة، وارتقت بالقيم والآداب والفضائل الإنسانية؛ فكانت هذه القيم أكثر ما تميّزت به من بين الحضارات الأخرى.
هذا الدين الذي مثّل أعظم تحوُّل حضاري في تاريخ العالم والحضارة الإنسانية، هو اليوم من الأمور المجهولة بين المثقَّفين في العالم العربي والإسلامي. الجهل الذي يقابله انفتاح واطِّلاع واسع على الفكر الأوروبي في مرجعيَّاته الفلسفية
________________________________________
(15)المصدر نفسه، ص 86.

[الصفحة -85]


والأدبية والاقتصادية والسياسية، وهي حقيقة من الصعب أن يخفيها المثقف العربي على نفسه، ومن مظاهرها ما تحدَّث به الدكتور «خير الدين حسيب» في الندوة التي ضمَّت نخبة من التيَّارين الإسلامي والقومي، وفي الجلسة التي خُصِّصت للنقد الذاتي؛ حيث قال: «إنَّ ما يمكن تسجيله على التيار القومي عموماً، وعلى معظم مفكِّريه بشكل خاص ـ مع استثناءات متميِّزة في هذا الاطّلاع والهضم ـ هو عدم الاطّلاع والاهتمام الكافي بالتراث العربي الإسلامي، وبقدر أقلّ كثيراً من اطلاعهم على الأدبيات والتراث الفكري الغربي، وهو نقص كانت له نتائجه وآثاره في بعض توجُّهاتنا وممارساتنا {...} وعلينا أن نتعرَّف أكثر إلى تراثنا وحضارتنا العربية الإسلامية، وأن نعود إلى الأصول لنطَّلع عليها ونعتني بها ونستفيد منها أكثر مما تحقق حتى الآن. ولا يمكن أن يترك هذا كلّه للمبادرات الفردية وللصدفة، بل يجب أن يكون ضمن أولوياتنا الفكرية وأن يتمَّ التخطيط الواعي لضمان تحقّقه» (16).
وقد تركت مشكلة المثقَّف مع الدِّين تداعيات حسَّاسة وحادَّة في علاقته بالنَّاس، حين أخذ يثير الشكوك، ويعبِّر عن أفكار ومفاهيم تصطدم بشكل صريح مع الدين، الأمر الذي تسبَّب في قطيعة عميقة ومستعصية بينه وبين النَّاس، أفقدته مكانته وتأثيره وحضوره، لهذا فالمثقَّف في العالم العربي لا يحظى بتأثير مهم على الناس، وليس له وزن حقيقي بينهم.
وهذه المشكلة هي التي كرَّست عزلة المثقَّف، وأجهضت مشروعه في التغيير الثقافي، وعطَّلت أهم أدواره في الحقل الاجتماعي. والمشكلة، من هذه الناحية، هي مشكلة المثقَّف نفسه وليست مشكلة النّاس، فهو الذي فتح على النَّاس هذه المشكلة وفجَّرها في الساحة.
ولقد بقيت نظرة المثقَّف مشوّشة وملتبسة تجاه الدين، مع ما لديه من خبرة في التّعامل مع أدوات المعرفة وتقنيات البحث ومناهج التفكير، ومع ذلك تجد من المثقفين من يخلط بين الإسلام وبين الدِّيانات القديمة التي عرفتها بلاد الشرق، ويصل الخلط عند بعضهم، أن يقارب بين الإسلام والأساطير من خلال حقل الميثولوجيا الذي شهد اهتماماً واسعاً في الحقبة الأخيرة، وزُجَّ به في ميادين الفلسفة والثقافة والأدب والعلوم الإنسانية.. وهناك من المثقفين من حاول أن يسقط على
________________________________________
(16)الحوار القومي ـ الديني، أوراق عمل ومناقشات الندوة الفكريَّة التي نظَّمها مركز دراسات الوحدة العربيَّة، 1989م، ص 276. عقدت الندوة في القاهرة، في الآونة: 25 - 27 أيلول ـ سبتمبر ـ 1989م.
[الصفحة -86]
قراءته للدِّين تجربة أوروبا مع المسيحية والكنيسة، وهي التجربة الماثلة أمام المثقَّف العربي الذي أشبع اطلاعاً عليها، وخلق منها أبرز إشكالياته المفهومية...، ومنها إشكاليات العلم والدِّين، التقدُّم والدِّين، الحداثة والدِّين، العلمانية والدِّين، الدَّولة والدِّين، السِّياسة والدِّين.. الخ، وقد ظلَّت هذه الإشكاليات يعاد إنتاجها إلى هذا الوقت، والمثقف لا يزال محكوماً بقدر كبير بإطار التفكير الأوروبي وبالتجربة الأوروبية نفسها، الأمر الذي لا يسمح له إلاَّ بأن يكوّن رؤية ملتبسة وجدليَّة تجاه الدين.
نماذج من المثقَّفين وطرائقهم‏
أمَّا المثقَّفون الماركسيون فقد أظهروا قسوة شديدة تجاه الدِّين، تمسُّكاً بمقولة ماركس: «الدين أفيون الشعوب»؛ لهذا سعى الماركسيون، كما قال عنهم «علي حرب»، «إلى تحرير البشر من عبوديَّة الأديان» (17). فالمثقَّف الشيوعي في العالم العربي هو أكثر من أظهر عداءً للدِّين، ومثّل أسوأ صورة في التعامل معه إلا القليل منهم.. مع ملاحظة ما حصل من تغيُّرٍ في السنوات الأخيرة في رؤية بعضٍ من هؤلاء تجاه الدين. ومن النَّماذج أيضاً، أنموذج المثقَّف الذي حاول أن يعمل بمنهج الباحث الأكاديمي في قراءته للدِّين فتعامل معه، بوصفه ظاهرةً دينية، أو فكرية، أو تاريخية، أو مركَّبة من هذه الأبعاد وأبعاد أخرى، كما يتعامل مع أيِّ ظاهرة بشرية حيث يجري عليها طرائق التوصيف والتفسير والتحليل والتفكيك والتركيب والنقد، إلى غير ذلك من طرائق أخرى. وتعامله هذا يشبه إلى حد كبير الطريقة التي تعامل بها بعض المستشرقين مع الدِّين في دراساتهم لحقل الإسلاميات. فالدِّين، حسب هذا المنهج، يمثِّل إحدى الظواهر التي نشأت في الماضي، وتركت أثراً على حياة الناس في اتجاهات تفكيرهم، وأنماط علاقاتهم، ونظام القيم عندهم، ولا يزال يحتفظ بتأثيره صعوداً وهبوطاً إلى هذا الوقت. ولم يميِّز هؤلاء الدِّين عن تلك الظواهر، ولم يقتنعوا بأنَّه، في جوهره وأصالته ونصوصه، ليس ظاهرة بشريَّة، ولا ينبغي أن يقارن ويطابق بالظواهر التي هي من نتاج البشر، والفارق الأساسي هو في دراسة الدين تارةً، وهذا له طرائقه الخاصة، وتارة أخرى دراسة سلوك الناس تجاه الدين وتأثيره عليهم، وهذا له طرائق أخرى تختلف.
________________________________________
(17)أوهام النخبة أو نقد المثقَّف، ص 104.

[الصفحة -87]


ومن الأخطاء التي وقع فيها «علي حرب» كانت في المماثلة التي كرَّرها، في كتابه «نقد المثقَّف»، بين الماركسية والإسلام، فليس هناك قياس أو مطابقة بين تعامل الإسلاميين مع دينهم وتعامل الماركسيين مع إيديولوجيتهم، لا من جهة الأصول ولا من جهة التعلُّق بزمن معين، ولا من أي جهة أخرى. لأن الدِّين وحيٌ من اللَّه سبحانه وتعالى جاء للنَّاس كافة، ورسالة خالدة للزمان كله، وقد تكفَّل اللَّه، جلَّت قدرته، بحفظ هذا الدين متمثِّلاً في القرآن الكريم من التحريف أو الضياع، بنص قوله تعالى: { إنَّا نحن نزَّلنا الذكر وإنّا له لحافظون } {الحجر/9} ، هذا الحفظ له علاقة وثيقة بخاتمة الدين الإسلامي وخلوده وثباته إلى نهاية العالم، وليس كما يظنُّ بعضهم أن الدراسة الموضوعية للدين لا يمكن أن تتحقق شرائطها، إلا بالنظر إليه كأيِّ ظاهرة أخرى، تؤثر على الإنسان والمجتمع والزمن وتتأثر بهم. والذي يصطدم مع هذه الموضوعية على افتراضها، هو كيف يجرَّد الدين من خاصيته الجوهرية والمكوّنة له وجوداً، وهي خاصية الوحي من اللَّه سبحانه وتعالى، والذي لا يستطيع الإنسان أن يتعامل معها حسياً لأنها من غير عالمه الحسيِّ. أليست الموضوعية تستدعي في أبجدياتها دراسة الظاهرة من خلال خواصها، وهكذا بالنسبة إلى الدين..
وهل من الممكن موضوعياً دراسة هذه الخاصية بالطرائق نفسها التي تُدْرَس بها ظواهر عالم الإنسان!؟ يبقى أن الجانب الممكن دراسته بهذه الطرائق هو تأثير الدين على حياة الإنسان والمجتمع والدولة والحضارة إلخ... من قضايا مختلفة، ودراسة أنماط العلاقة واتجاهاتها وتغيراتها تجاه الدين.
أمَّا ما ذهب إليه «إدوارد سعيد»، واعتبره جوهرياً بالنسبة للمثقف في الإسلام، فهو إحياء التفسير الشخصي الذي يرادف، ويطابق، في كلامه، معنى الاجتهاد. وإذا كان القصد من كلمة الاجتهاد المفهوم الاصطلاحي المتداول في حقل الدراسات الإسلامية، فإن «سعيد» قد وقع في لبس كبير إذا كان يظنُّ أو يفسر الاجتهاد بمعنى التفسير الشخصي للدين، وهو غير ذلك تماماً في استعماله في حقله المعرفي الخاص.
والإسلام، حينما أجاز الاجتهاد، اشترط فيه من الشُّروط الدقيقة والمتكاملة بحيث يكون منضبطاً ومحكماً بقواعد علمية صارمة؛ يبذل معها استفراغ أقصى أنواع
________________________________________

[الصفحة -88]


الجهد المعرفي والبحثي لضمان سلامة النتائج وصحّتها ما أمكن، وأن يعصم من التحيُّز بأشكاله كافة، ومن التفسير الشخصي، وتدخُّل الأهواء والمصالح والعصبيات..
والتَّفسير الشَّخصي الذي طرحه «سعيد» هو ما تقوم به مجموعة كبيرة من المثقَّفين في تعاملهم مع الدّين. وقد أوقعهم هذا التَّفسير في أخطاء وعثرات كانت على درجة كبيرة من الحساسية والخطورة، فتجد من هؤلاء من ينادي بإلغاء حجاب المرأة، باعتباره من العادات القديمة، ومنهم من يعدّ الجهاد مقولة من مقولات الماضي، ومنهم من يحاول أن يدخل العلمنة في الدين، ومنهم من يدعو إلى إلغاء الصوم في شهر رمضان حفاظاً على مستوى الإنتاج، ومنهم من ينتقد نظام العقوبات في الإسلام لشدّته وقسوته، ومنهم من يرى أن أحكام الدين غير صالحة للتطبيق في هذا العصر.. إلى غير ذلك من آراء مرجعها التفسير الشَّخصي.
إنَّ مشكلة المثقَّف تكمن في عدم تواضعه وخضوعه للدِّين؛ فهو لا يتعامل معه بإيمان والتزام، لهذا من الصَّعب عليه أن يفهم هذا الدِّين في جوهره وحقيقته ومقاصده وغاياته. فالدِّين لم يأت لكي يمارس المثقَّف عليه فرديته ويحوِّله إلى رأي يتميز به أو يعرف به كما يعلن ذلك «الجابري»، بل جاء لكي يكون الدين الذي يلتزم به الإنسان ويتقيَّد بعباداته وقوانينه وأحكامه وحدوده، فلا يكفي الانتماء الفكري كما هو حال بعضهم، فالمثقَّف الذي لا يكون عابداً للَّه سبحانه تعالى لا يمكن أن يدَّعي فهم هذا الدِّين ومعرفته. وليس معيباً للمثقَّف أن يتظاهر بالانتماء للدين والالتزام بأحكامه وشرائعه، كما قد يظن بعضهم بحيث يفسر هذا الانتماء والالتزام على أنه يخدش في جدية الباحث والأكاديمي والمفكِّر، وما يتطلَّبه الحياد العلمي والموضوعي والمنهجي بالنسبة للمثقَّف أو المفكِّر؛ خصوصاً عند الذين يأخذون بعين الاعتبار نظرة الغربيين لهم، والسعي للحصول على مكانة معترف بها في أوساطهم.
أمَّا ما يطرحه «علي حرب» فيحتاج إلى إعادة نظر، والباحث «حرب» بحاجة إلى أن يقدِّر بنفسه خطورة ما يتحدَّث به، فكيف يطابق بين الماركسية والإسلام في الماهية والأسس والأصول، كأنَّه لا يرى في الإسلام ماهية ثابتة، وأصول وكليات ومطلقات لا تقبل النقد، وهي تتعالى فعلاً على الممارسات التاريخية والزمنية، إننا
________________________________________

[الصفحة -89]


بالتأكيد ننزِّه أصول الدِّين وأسسه، ولا نحملها أخطاء البشر، بخلاف تام مع الماركسية وأصولها وماهيتها ومطلقاتها.. فلا تصح هذه الجرأة على الدين والتعاطي معه بالنقد ببساطة شديدة من غير تمييز واضح بين الدين في أصالته كما أوصى به اللَّه سبحانه وتعالى، وبين المعرفة البشرية التي تشكَّلت في فكر المسلمين حوله، أو بينه وبين التاريخ الإسلامي أو التراث الإسلامي.
ينبغي الحذر الشديد في التعامل مع الدِّين، الذي لا يجوز التحدُّث فيه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير { ومن النَّاس من يجادل في اللَّه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير * وإذا قيل لهم اتَّبعوا ما أنزل اللَّه قالوا بل نتَّبع ما وجدنا عليه آباءنا أَوَلوْ كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السَّعير } {لقمان/20 و21} .
حاجة المثقَّف إلى اكتشاف الذات ووعي هويَّتها
وفي الختام فإنَّ المثقَّف، في العالم العربي والإسلامي، مطالبٌ بأن يعيد النظر في رؤيته الدينية، وبأن يصحِّح هذه «الرؤية»، وقد حصل هذا بالفعل مع بعضهم الذين وجدوا في الدِّين ضالتهم الحقيقية، واقتنعوا بأن أيَّ مشروع نهضوي في الأمّة لا يمكن أن يكون بعيداً عن الدِّين، وبأنَّ جميع المحاولات الفكرية التي حاولت أن تغيِّب الدين وتعزله عن أطروحاتها التنويرية والتغييرية، لم تستطع أن تنفذ إلى عقول الناس، واصطدمت بواقع اجتماعي يرفض بشدّة إقصاء الدين، بل يزداد تمسُّكاً به وإصراراً على الاهتمام به. فالمثقفون الذين حاولوا عزل الدين عن المجتمع وجدوا أنهم قد عزلوا أنفسهم عن الناس، وثبت أن الدين أقوى من أن يتمكن هؤلاء من عزله أو إقصائه، وقد قلب نظرتهم إليه حين ظهر بوصفه أقوى عامل في خلق الانبعاث والنهوض في الأمّة، وهذا ما فشلت في تحقيقه جميع الإيديولوجيات التي نقلها المثقَّفون من الفكر الأوروبي بمرجعيَّاته الغربية والشرقية، والتي وصلت إلى طريق مأزوم ومسدود.
فالمثقَّف بحاجة إلى أن يكتشف ذاته من جديد، ولن يكتشف هذه الذات من خلال تلك الإيديولوجيات التي جعلته غريباً عن ذاته ومجتمعه وهويته وتاريخه، وإنما من خلال نظرة صحيحة للدين.
________________________________________

[الصفحة -90]