البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

دراسات المستشرقين القرآنية: رؤية نقدية

الباحث :  زهرا إخوان صراف
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  55
السنة :  السنة الرابعة عشر خريف 1430هجـ 2009 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 25 / 2015
عدد زيارات البحث :  1768
دراسات المستشرقين القرآنية: رؤية نقدية
زهرا إخوان صراف (*)
دراسة ظاهرة الاستشراق ونشأتها
قالوا في تعريف الاستشراق : هو «العلم باللغات والأدب والعلوم الشرقيّة» (1). ويسمّى العالِمُ بها مُستشرِقاً. وتُطلق ظاهرة الاستشراق لغةً, على مجموعة الدراسات المتعلِّقة بالشرق؛ سواء كانت هذه الدراسات تتعلَّق بالشعوب والأقوام أو بالأديان والأدب. ومن هنا, فإنّ الدراسات المتعلِّقة بإيران, أو العرب, أو الهند والصين والأتراك وكذلك الإسلام, أو دراسة الأديان والمعتقدات الشرقيّة القديمة, كالديانة الزرادشتيّة, والبوذيّة وغيرها, تنطوي كلّها تحت هذه المقولة. ولكن على الرغم من أنَّ مصداق كلمة المستشرقين لا ينطبق فقط على الغربيين, إلاّ أنّ أكثرهم من الغربيين عادةً.
ويقول (إدوارد سعيد) في تعريفه للاستشراق : «يُطلق الاستشراق على الحقل الذي يتحدَّث عن الشرق ويؤلّف عنه ويدرسه. وبعبارةٍ أُخرى, الاستشراق هو اختصاص من يَنشط في دراسةٍ ما يتعلَّق بالشرق ويجعل منجَزاته والنتائج التي يتوصّل إليها في متناول الآخرين... الاستشراق هو العلم الذي يُعطي رأيه بالشرق ويتدارس حقائقه ويشرحها» (2). وللشرق مفاهيم متعدِّدة لدى الغربيين:
________________________________________
(*)كاتبة وأستاذة في جامعة الإمام الصادق في طهران، من إيران. ترجمة صالح البدراوي
(1)المنجد, مادة شرق.
(2)سعيد، إدوارد، شرق شناسي، شرقي که آفريده غرب است, ترجمة أصغر عسکري خانقاه ـ حامد فولادوند , ص5ـ6.
[الصفحة - 253]
1. المفهوم الجغرافيّ: ويُراد بالشرق في هذا المعنى, قارّة آسيا, والشرق الأوسط القديم والعالم غير الأوربيّ.
2. المفهوم الأيديولوجيّ: وهو الذي يجعل الشرق المسلم مقابل الغرب المسيحيّ.
3. المفهوم السياسيّ: ويُشير إلى الخطر الذي يُهدِّد العالم المسيحيّ والغرب الرأسماليّ.
ظهور الاستشراق
من غير المعلوم على وجه الدقّة, متى بدأت الدِّراسات الشرقيّة من قبل الغربيين. فقد بحث البعض عن جذورها في الحضارة اليونانيّة القديمة, معتبراً تاريخ (هيرودتس) نوعاً من الاستشراق. ويَنظرون إلى الاستشراق أحياناً على أنَّه نتاج الجهود والدراسات التي بدأها المسيحيّون بعد انتهاء الحروب الصليبيّة في مواجهة الثقافة الإسلاميّة...؛ ولكن يُمكن القول, إنَّ الاستشراق تبلوَر بصورةٍ جادّة في القرن السادس عشر, واتَّخذ طابعاً علنيّاً له في القرن السابع عشر بتخصيص المقاعد الدراسيّة لتعليم اللغة العربيّة في كلٍّ من فرنسا وانجلترا وألمانيا وهولندا وايطاليا وغيرها (3).
أهداف المستشرقين
قسّم أحد الخبراء من أصحاب الرأي دوافع المستشرقين وأهدافهم إلى ثلاثة بنود:
1. الأهداف التبشيريّة.
2. الأغراض والأهداف الاستعماريّة.
3. الأهداف العلميّة (4).
هذا الموضوع , يُعدّ من أحد المواضيع التي لطالما نظر إليه الكتّاب المسلمون بعين الشكِّ والحذر. وعلى الرغم من أنَّ البعض كان متفائلاً بهذه
________________________________________
(3)طبقات المستشرقين, ص4؛ أبو القاسم سحاب, فرهنگ خاورشناسان, ص12.
(4)الصغير، محمَّد حسين علي, خاورشناسان وپژوهشهاي قرآني, ترجمة محمد صادق شريعت, ص17.
[الصفحة - 254]
النشاطات, إلاّ أنّ أكثرهم أصرّ على شكّه وكانوا متشائمين منها. وفيما يتعلَّق بموضوع هذه المقالة, يبدو أنَّ الدّراسات القرآنيّة وإجراء الأبحاث العلميّة في علومه ومعارفه من قبل المحقّقين والمفكّرين المسيحيين, لم يقتصر على المستشرقين فقط. وإن كان أكثرهم من المستشرقين الذين كان يجب عليهم أن يُبدوا اهتماماً مناسباً بالقرآن الكريم باعتباره كتاباً سماوياً, انسجاماً مع ما تتطلَّبه طبيعة الدِّراسات المتعلِّقة بالثقافة الشرقيّة والإسلاميّة, وأمَّا بالنسبة للفريق الآخر, فكانوا من الأفراد الذين كانت الدراسات الدّينيّة أو العلوم الدّينيّة تمثّل المادّة العلميّة لتخصّصهم؛ ومن هنا, اهتمّوا بالقرآن الكريم بصفته كتاباً مقدَّساً, وتمّ أحياناً إنجاز الدِّراسات المتعلِّقة بالمعارف القرآنيّة من قِبَل رجال الدِّين الرسميّين للكنيسة, بهدف التقريب بين الأديان السماويّة والاهتمام بجوهر الدّين, إذ يُعدّ ذلك عملاً قيّماً جداً, ولكن من النادر اهتمام القساوسة بذلك.
ومهما كانت الدوافع والأغراض, لا يُمكن التغاضي عن هذه الظاهرة, وعدم تناولها بالبحث والتحليل بذريعة كونها ذات أهداف مُغرِضة؛ لأنّه بالإضافة إلى ما للجهود العلميّة للبشريّة ـ ومهما كانت دوافعها ـ من دورٍ في بناء الصرح العظيم للمعارف البشريّة, فإنّ النظر فيها ودراستها, سيؤدّي إلى الاستفادة من الدراسات العلميّة, والقدرة على التحليل والرّد على الأمور الخاطئة وغير العلميّة.
هذه المقالة, تتناول مسألة الوقوف على أساليب ومناهج دراسات المستشرقين في مجال القرآن الكريم. إنّ مسألة الوقوف على الدِّراسات القرآنيّة للمستشرقين, ودراسات المستشرقين حول الإسلام, لها أبعادٌ واسعة, ويُمكن الإشارة من بينها إلى دراسة القرآن والحديث وتاريخ الإسلام والفقه والفلسفة وسائر العلوم الأخرى.
وقد أصدر المستشرقون مؤلّفات كثيرةٍ في كلِّ باب من الأبواب, إذ كان لتلك النتاجات أصداءً واسعة بين المسلمين, ونالت حظَّها من النقد والتحليل.
________________________________________
[الصفحة - 255]
وتتركَّز دراساتهم القرآنيّة على محورين أساسيّين هما القرآن والتفسير. وفيما يتعلَّق بالقرآن الكريم, فقد أثاروا جملةً من الشُّبهات بشأن التاريخ وعلوم القرآن أيضاً, وقد أعرضنا عن نقلها مراعاةً للاختصار.
وفيما يتعلّق بالتفسير من الممكن ايجاز المواضيع الخاضعة للبحث على النحو التالي:
1. الشُّبهات التي أثاروها بشأن التفسير المأثور.
2. التفسير بالرأي ورأيهم فيه.
3. ما يصدر أحياناً عن المستشرقين تحت مسمّى التفسير , يمثِّل آراء الفِرَق الأخرى كالتصوّف وأشباهه.
ويحتاج الدخول في تفاصيل هذه النقاط إلى مجالٍ آخر.
معرفة أساليب المستشرقين في مسار الدِّراسات القرآنيّة
تكمن الحقيقة في أنَّ الوقوف على منهج المستشرقين في الدِّراسات القرآنية يُعدّ أمراً صعباً لسببين:
الأوّل, أنّ طريقة عملهم في الدِّراسات القرآنية غير متشابهة. والآخر, أنَّ مجال هذه الدِّراسات من حيث الموضوع والزمن واسع جداً. ومن هنا, فإنّ هدفنا في هذا المقام , مجرّد التعرّف على بعض العناصر التي تُساهم غالباً في إيجاد المشاكل في أساليبهم, والتي يُمكن إيجازها في العناوين التالية:
ألف ـ ذهنيّاتهم والتصوّرات الأوليّة.
ب ـ الرجوع الخاطئ للمصادر والرجوع إلى المصادر غير الصحيحة (خطأ الرجوع).
ج ـ الخطأ في استظهار النصوص , والفهم , والاستنباط والاستنتاجات (خطأ الفهم).
________________________________________
[الصفحة - 256]
ألف ـ الذهنيّات والتصوّرات
يجب على الباحث, وبخاصّة عندما يريد أن يَبحث في موضوعٍ غريبٍ وبعيدٍ عن أجوائه الفكريّة والاجتماعيّة, يجب أن يسعى إلى أن يُخلي نفسه من الذهنيّات المؤثِّرة على أبحاثه, إلاّ أنّ بعض المستشرقين لم يكن موفّقاً كما ينبغي في هذا المجال, وتمكَّنت هذه التصوّرات من تسيير استنتاجاتهم وتحديد مساراتها بصورٍ مختلفة:
1. التشكيك الواسع والشامل بالسنّة والتاريخ , وبخاصة السيرة النبويّة
انطلاقاً من أنّ هذه الدِّراسات أُنجزت في الغالب, على أيدي الذين انخرطوا في هذا المسار وهم يحملون تصوّرات مسبَقة تقوم على افتراض أنَّ القرآن ليس وحياً , ويحملون أحياناً رؤيةً سلبيّةً بعض الشيء عن نبيّ الإسلام, فقد أخذت آفاق الشكِّ والتشكيك مأخذها في نفوسهم. ومن إحدى المظاهر البارزة لهذا الشكّ, تمثّل في خلق الشكوك الواسعة حول السيرة النبويّة والقرآن الكريم, وإلى المستوى الذي طال فيه التشكيك حتَّى اسم النبيّ أيضاً من قِبَل بعض المستشرقين. وباعتراف (إميل درمينغهام) فإنَّ فريقاً من المستشرقين من أمثال (موير) و (نولدكه) و(ماكيوليوس), تركوا آثاراً سلبيّة في مؤلَّفاتهم بأسلوبهم المشكِّك هذا, ويقول في هذا الصدد: «من المؤسف حقاً أن غالى بعض هؤلاء المتخصِّصين من أمثال موير... في النقد أحياناً, فلم تزل كتبهم عامل هدمٍ على الخصوص...» (5).
وعلى سبيل المثال, يرى بعضهم أنَّ الرواية التاريخيّة القائلة, بأنَّ الحرب ضد يهود (بني النّضير) إنّما جاءت بسبب جهودهم لاغتيال النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم), هي رواية خاطئة, ودليلهم على عدم صحَّة هذا الخبر, أنَّه لم يرد أيّ ذكر لهذه الواقعة في سورة (الحشر) التي نزلت بعد إخراج بني النضير.
2. إرجاع القرآن وسيرة النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) إلى الأُسس النصرانيّة واليهوديّة
بعض المستشرقين يعمل على إشاعة الفكرة القائلة بأنَّ النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) كان
________________________________________
(5)الاسلام والمستشرقون, ص125ـ 126 , به نقل از : عمر ابراهيم روضان , آراء المستشرقين حول القرآن الکريم.
[الصفحة - 257]
تلميذاً للعلماء اليهود والنصارى. وبالتالي يُرجعون القضايا الإسلاميّة إلى الجذور اليهوديّة والنصرانيّة. والسبب في هذه التزمَّت يعود إلى أنّ الكثير من المستشرقين هم من رجالات الكنيسة أو من علماء الدّين المسيحييّن ؛ ومن هنا , يبذلون ما بوسعهم من أجل أن يَنسبوا كلَّ خيرٍ للتوراة والإنجيل. وبخاصّة بعد تأسيس دولة إسرائيل, فقد بذلت الكثير من الجهود لإرجاع كلِّ ما يُنسب إلى التُّراث الإسلاميّ والعربيّ إلى الجذور اليهوديّة.
ولكن تجدر الإشارة إلى أنَّ بعض المستشرقين تصدّوا هم لتفنيد هذه النظريّة. يقول الدكتور (موريس بوكاي) ـ الذي قضّى فترة من الزمن في إجراء دراسة مطابقة بين القرآن والتوراة والإنجيل ـ أنَّ القرآن الكريم ينفردُ تماماً بجوانبه العلميّة بلا منازع, وأنَّ الكثير من مواضيعه من الدقّة والإحكام, بحيث لا يُمكن أن نتصوَّر على الإطلاق, أنّه يُمكن أن يقف عليها شخصٌ آنذاك أو يعرفها, وهذا في الوقت الذي نجد فيه أنّ التوراة على سبيل المثال, تنطوي على أخطاء علميّة عجيبة (6).
3. السعي إلى إثبات الأدلّة وتقديمها طبقاً لرأيه
كان (جولدتسيهر) يعتقد , أنَّ (الحديث) عبارة عن مجموعة من الأقوال التي ظهرت في القرن الهجريّ الثالث, وأنّها ليست من أقوال النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم), وكان يرى أيضاً أنَّ أحكام الشريعة لم تكن معروفة لدى جمهور المسلمين في صدر الإسلام. ولذا تمسَّك ببعض الروايات المُتهافتة غير الموثوقة لإثبات هذه النظريّات.
ومن هنا, فإنَّ بعض المستشرقين, وقبل أن يقوموا بدراسة الإسلام ونقده, يختلقون صورةً منسوجةً من قِبَلهم ومبنيّة على أساس أحاسيسهم وقناعاتهم الشخصيّة, ومن ثمّ ينقّبون في دراساتهم وراء تصوّراتهم تلك, فيأخذون بكلِّ روايةٍ تاريخيّةٍ ضعيفةٍ تتوافق مع تصوّراتهم ويتركون ما عداها.
________________________________________
(6)نقلا عن : سيد أبو القاسم الحسيني, «خاور پژوهان قرآن» , صحيفة المبين ع2 : 42 , السنة الثامنة , الدورة الثانية.
[الصفحة - 258]
4. مقارنة الأحكام الإسلاميّة والأحداث التاريخيّة والعادات والأخلاق الإسلاميّة مع أسلوب التفكير الغربيّ.
وقد أدّى هذا الأمر إلى تحكيم التفسير المادّي والدنيويّ للكثير من الأحداث التي وقعت في صدر الإسلام, وكذلك الكثير من تصرَّفات وسلوكيّات الرسول الأكرم(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)؛ وعلى سبيل المثال, قالوا: «إنّ السبب وراء الفتوحات الإسلاميّة , هو السيطرة على المصادر الماليّة للبلاد المفتوحة ـ بسبب فقر المسلمين ـ , وهذا ما يُصرّ عليه كتاب الإسلام قوّة عالميّة متحرِّكة» (7).
ب ـ خطأ الرجوع
بالإضافة للضوابط العامّة لمراجعة المصادر في كلِّ دراسة, فإنَّ الضوابط المتداولة بين العلماء وأهل الفنّ من تلك الثقافة المراد دراستها, توفِّر ضوابط خاصّة للدِّراسات والأبحاث, يُعتمد عليها في تقديم أو تأخير المصادر من حيث القِدم, والأهميّة أو الصحّة والمكانة وسواها. وعدم الالتفات إلى هذه الضوابط العامّة أو الخاصّة والالتزام بها ـ بسبب الجهل بها أو لأيّ سببٍ آخر ـ يؤدّي بالبحث إلى الوقوع في أخطاءَ كبيرة.
والدِّراسات القرآنيّة للمستشرقين لا تخلو من هذا التلكّؤ وعدم الاهتمام, إذ سنُشير هنا إلى جملةٍ منها:
1. اعتماد عددٍ معيّنٍ ومحدود من مصنّفات العلوم القرآنيّة
عدد المصادر الخاصّة بالعلوم القرآنيّة, والتي تَحظى بمراجعة المستشرقين لها محدودة, وانتقل هذا الحصر والاقتصار إلى الأجيال المتأخِّرة من المستشرقين بصورة تقليديّة. وحتَّى لو اعتمد المستشرقون المتأخِّرون مصادر أحدَث في أبحاثهم, فإنّ النتائج المستحصَلة, عادةً ما تكون هي ذات النتائج السابقة؛ وعلى سبيل المثال, يعدِّد (جولدتسيهر) في كتاب مذاهب التفسير الإسلاميّ, المناهج التفسيريّة, إلاّ أنَّ الكثير من التفاسير الموجودة, غير مُدرَجةٍ في تصنيفه للمناهج
________________________________________
(7)شامة، محمَّد, الإسلام في الفکر الغربي، 86 .
[الصفحة - 259]
التفسيريّة, وهذا ناجم عن ضعف المصادر المعتمَدة لديه في المراجعة ومحدوديّتها. ولكنّي أرى بأنَّ ما قاله البعض من الكتّاب, بأنَّ هذه المحدوديّة في المصادر يُعدّ نوعاً من التغافل والتجاهل من قِبَله لأغراض خاصّة, ليس قطعيّاً من وجهة نظري (8).
2. اختيار الروايات الضعيفة والمنقطعة من مصادر العلوم القرآنيّة
يُلاحظ أحياناً, أنَّ المستشرقين يذهبون إلى وجود التعارض والتناقض بين الروايات, عند عَرض بعضها على البعض الآخر, ومن هنا يدبُّ الشكُّ لديهم تجاه مصداقيتها, وبالتالي يعتمدون في هذا الخصوص على الروايات المنقطعة؛ ففي قضيّة جمع القرآن مثلاً, كتب (ويلش) مؤلّف مادّة القرآن في دائرة المعارف الإسلاميّة يقول:
«حسب بعض الأحاديث المرويّة, يكون عُمر قد سأل عن آية من كتاب الله فقيل له: كانت مع فلان فقُتل يوم اليمامة, فقال عمر: إنّا لله, وأمر بالقرآن فجُمع فكان أوّل من جمعه في المصحف. وحسب رأيه, أنَّ هذه الرواية تنقض رواية كتاب المصاحف لابن أبي داوود. وقال ابن حجر بأنَّ هذه الرواية ضعيفة جداً, وحمل عبارة (كان أوّل من جمعه) على أنّها تعني (أوّل من أشار بجمعه)(9). كما استنتج فريقٌ من المستشرقين سقوطَ شيءٍ من القرآن, استناداً إلى بعض الروايات الضعيفة.
3. الحصول على النصوص والشواهد من الكتب الأدبيَّة والتاريخيَّة
يحصل في بعض الأحيان, أنّه إذا لم يتمكَّن المستشرق من الحصول على شيءٍ يدعم به رأيه من مصادر علوم القرآن, فإنّه يَلجأ إلى الكتب الأدبيّة والتاريخيّة؛ فعلى سبيل المثال, اعتمد «جولدتسيهر» في دراسة علوم القرآن والتفسير, على كتُب مروج الذهب للمسعوديّ, والأغاني للأصفهانيّ, وفهرس ابن النديم, وإحياء العلوم للغزاليّ وغيرهم (10). كما إنّ (بلاشر) في كتابه (في ظلال
________________________________________
(8)راجع، عزوزي، حسين، دراسات في الاستشراق ومناهجه، 54.
(9)ابن حجر, فتح الباري، ج 9، ص310.
(10)راجع : جولدتسهر, مذاهب التفسير الإسلامي، 78 و83 و90 و91.
[الصفحة - 260]
القرآن), يُرجع إلى بعض حواشي الإتقان بخصوص عدَد السور المكيّة والمدنيّة، ومن ثمَّ يقول: على أساس الروايات التي أوردها ابن النديم (في الفهرس) , فإنَّ عدد السور المكيّة 28 سورة , والمدنيّة 85 سورة , وبناءً على ذلك , فإنَّ مجموعها يبلغ 113 سورة.
في الوقت الذي يمكن أن يكون فيه نقل الفهرس ناجمٌ عن خطأ في النسخ وتدوين الرقم 85 بدلاً من الرقم 86 , علماً أنَّ المسلمين أجمعوا على أنَّ عدد السور القرآنيّة يبلغ 114 سورة !
4. الاعتماد على القصَص الموضوعة
كمثالٍ على ذلك, يُمكن أن نذكر في هذا المجال قصَّة الغرانيق وسجود النبيّ محمّد(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) لأصنام قريش, إذ إنّ العقل والروايات التاريخيّة الصحيحة يرفضان ذلك, وصنِّفت العديد من الكتب في الردّ على ذلك.
5. إهمال أو تجاهل الفرق القيميّ بين المصادر
يقدّم المستشرقون أحياناً مصادر الدرجة الثانية وغير الموثَّقة على الكتب الموثَّقة والمعتمَدة ـ والتي يعرفونها هم أيضاً ـ؛ إذ نجد (بلاشر) مثلاً, يُشير مراراً بخصوص جمع القرآن وغيره, بالرجوع إلى كتاب (نولدكه) (11).
ج. خطأ الفهم
يَستخدم المستشرقون أحياناً بعض الأساليب التي تنتهي بالتالي إلى الحصول على نتائج خاطئة في فهم النصوص.
1. الخطأ في النقل والفهم والذي ينتهي بالخطأ في إصدار الحكم
أثناء النقل من المصادر, يتخلّى المستشرقون أحياناً عن شيءٍ ما, وهذا الأمر يعدّ طبيعيّاً طالما لم ينتهِ إلى الخطأ في الحكم المستَنتَج, ولكن الاستنتاج الخاطئ الناجم عن النقل الناقص، يُعدّ منهجاً خاطئاً؛ فعند دراسة تاريخ جمع القرآن في
________________________________________
(11)المصدر نفسه.
[الصفحة - 261]
عهد عثمان مثلاً, يُجمعون على أنَّ هذا التاريخ هو سنة 30 للهجرة, وأنَّ هذا هو ما ذكرته بعض الكتب التاريخيّة (12), ولكن الذي يبدو أنّه الأصح, هو أنَّ هذا التاريخ يعود إلى سنة 25 من الهجرة. وبعد أن أجرى دراسة مفصّلة حول هذه المسألة قال (ابن حجر):
«وكانت هذه القصة )أي جمع القرآن( في سنة خمس وعشرين في السنة الثانية أو الثالثة من خلافة عثمان » (13).
هذا المقدار من الاختلاف أمرٌ طبيعيّ, ولكن تبنّي هذا الأمر للاستنتاج اللاحق أمرٌ خاطئ. وعندما يُذكر أسماء بعض الأفراد الذين تصدّوا لجمع القرآن في عهد عثمان , يقول بوجود اضطراب شديد في هذه القضيّة ؛ لأنّ ابن أبي داوود يقدّم ـ مثلاً ـ اسم أبيّ بن كعب , في حين أنّه توفّي قبل عامين من سنة 30 للهجرة (14). ويعود السبب في أنّ يكون الحكم بهذا القدر من الاضطراب, إلى أنَّه ظنَّ وبشكلٍ قاطعٍ أنَّ سنة الحادثة هي السنة الثلاثون, في حين لو أنّه قال بأنّها سنة 25 لم يحكم بهذه الصورة بأي شكلٍ من الأشكال. كما يقول بشأن سعيد بن العاص: كان والياً على الكوفة في سنة ثلاثين للهجرة, ومحال أن يكون مسئولا عن جمع القرآن (15).
2. الاعتماد على التأويل الضعيف وعدم الاهتمام بجميع تفاصيل النصّ المعنيّ بالدِّراسة
من العناصر الشائعة في منهج المفسِّرين والكتّاب المسلمين, هو تقديم التتبّع على التحقّق, بمعنى أنّهم ينقلون الأقوال في البداية, ومن ثمَّ ينتقلون إلى إجراء التحقيق بشأنها ويدعمون القول المختار بالأدلّة والشواهد, ويُخضعون سائر الأقوال للمناقشة. في حين أنَّ بعض المستشرقين يُصدر في البداية حكماً معيّناً, ومن ثمَّ يبحث في المصادر الإسلاميّة عن شيء يدعم به هذا الحكم؛ حتَّى وإن كان هذا الشيء مجرّد قولٍ منقولٍ وكان برأي صاحب الكتاب مرجّحاً؛ وكمثالٍ
________________________________________
(12)الکامل , لابن الاثير، ص 7 , حوادث سنة 30 ؛ النشر , لابن الجندي، ص 7.
(13)فتح الباري, لابن حجر، ج 8 ، ص 15.
(14)بلاشر, در آستانه قرآن، ص 56.
(15)المصدر نفسه.
[الصفحة - 262]
على ذلك, يعتقد أكثر المستشرقين أنَّ رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) ليس أمّياً ـ بالمعنى الذي يراه المسلمون ـ وأنَّ معنى الأمّي في القرآن لا يُراد به عدم القدرة على القراءة والكتابة , بل إنَّ المراد (بالأميين) الذين لم يتلقّوا الوحي والكتاب ولم يؤمنوا به. وعليه فهم أمّيون بالشرائع السماوية (وليس القراءة والكتابة). ويُشير (بلاشر) في كتابه بالرجوع إلى الطبريّ لدعم هذا الرأي, وكتب يقول: «أورد الطبريّ روايات متعدِّدة بهذا الخصوص؛ ومنها هذه الرواية التي أوردها عن ابن عباس, إذ يقول: الأميّون قومٌ لم يصدّقوا رسولاً أرسله الله ولا كتاباً أنزله الله فكتبوا كتاباً بأيديهم ثمَّ قالوا القوم سفلة جهال : هذا من عند الله».
ثمَّ يكتب بعد ذلك : «وقد أخبر الله تعالى بأنّهم يكتبون , وإنّما قيل عنهم إنّهم أميّون بسبب جحودهم للكتب السماويّة والأنبياء». هذا في الوقت الذي أورد الطبريّ عقب هذا القول :
«وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يُعرف من كلام العرب المستفيض بينهم وذلك أنّ الأمّي بين العرب هو الذي لا يكتب».
ثمَّ يدعم قوله بهذا الحديث , إنّ رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) قال : «إنّا أمّة أميّة لا نكتب ولا نحسب». ثمَّ يقول: «إذن في هذه الحالة يكون معنى الأميّ في كلام العرب هو ما قلناه والأولى في تأويل الآية , ما قاله النخعي, أنّ معنى {ومنهم أميّون } هو: «ومنهم من لا يُحسن أن يَكتب»(16).
وحسن الظنِّ هو في أنَّ نقول بأنَّ هؤلاء لم يَلتفتوا إلى تتمَّة قول الطبريّ, وحتَّى في هذه الحالة يُعدُّ ذلك خطأً فاحشاً في فهم المصادر.
3. اختلاق الذرائع للأحكام والقضايا الإسلاميّة
إنَّ فهم الحكمة والمصلحة من الأحكام يُعدّ أمراً في غاية التعقيد. ومن الأشياء التي يصرّ عليها علماء أصول الفقه المسلمون دائماً هو قولهم: «ليس أمامنا من سبيل لفهم الملاكات أي المصالح والمفاسد». والتوصّل إلى فهم جانبٍ بسيطٍ
________________________________________
(16)رژي بلاشر, در آستانه قرآن، ص 7.
[الصفحة - 263]