البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الحملات الكسروانيَّة (691 ـ 705هـ / 1292 ـ 1305م) قراءة تاريخيَّة في رسالة ابن تيمية إلى السُّلطان محمّد بن قلاوون

الباحث :  أ.د. أحمد حطيط
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  24
السنة :  السنة السادسة شتاء 1422هجـ 2002 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 15 / 2015
عدد زيارات البحث :  2434
الحملات الكسروانيَّة
(691 ـ 705هـ / 1292 ـ 1305م)
قراءة تاريخيَّة في رسالة ابن تيمية إلى السُّلطان محمّد بن قلاوون

أ.د. أحمد حطيط

1- مدخل
تعرَّضت المناطق الوسطى في جبل لبنان (كسروان)، ومن ضمنها المتن الشّمالي الحالي، لسلسلة من العمليات العسكرية المنظَّمة، عرفت بـ«الحملات الكسروانيَّة». جرت هذه الحملات بين عامي 691 ـ 705هـ / 1292 ـ 1305م، وأدَّت إلى إفراغ منطقة كسروان وجوارها من سكَّانها، وإحداث تطوُّرات ديموغرافيَّة مهمَّة فيها، ما كان له كبير الأثر على التحوُّلات السُّكانية في كسروان، وفي غيرها من المناطق اللبنانيَّة.
ما أبرز وقائع«الحملات الكسروانيَّة» ؟ ومن هي الجماعات التي استهدفتها ؟ وهل صحيح أنَّ هذه الجماعات قد تعاونت فعلاً مع الفرنج والمغول بسبب اختلافها الدَّيني أو المذهبي مع المماليك، أو أنَّ الأمر لا يعدو كونه تهمة تذرَّعت بها السُّلطة المملوكية لتسويغ حملاتها العسكرية ضد «معارضة سياسية» اتَّخذت من جبال كسروان معقلاً لها، بعد أن تمَّت تصفية الكيانات اللاتينيَّة في بلاد الشَّام ؟
2- موجز لوقائع«الحملات الكسروانيَّة»
بالاستناد إلى المصادر المعاصرة الموثوقة، يمكننا أن نقرِّر أنَّ «الحملات
________________________________________

[الصفحة - 251]


الكسروانيَّة» كانت ثلاثاً، ولو أنَّ بعض المصادر الثَّانوية المتأخرة تزعم غير ذلك، وجعلَتها أربع حملات .
توجَّهت الحملة الأولى (1) إلى جبال كسروان وعرة المسالك، في شعبان عام 691هـ/1292م، بقيادة نائب السَّلطنة في مصر، الأمير بدر الدِّين بيدرا ، يعاونه كبار أمراء الشَّام، وكان هدفها الاقتصاص من (الكسروانيين) المتَّهمين بالتَّعاون مع الفرنج. وبسبب المقاومة الشَّرسة التّي تعرَّضت لها الحملة، اضطرَّ بيدرا إلى الانسحاب من المنطقة، وعاد بقوَّاته إلى دمشق بعد أن مُنيَت حملته بالإخفاق الذَّريع. وقيل إنَّه أخذ رشوة من أعيان كسروان في مقابل انسحابه من بلادهم،وإنَّ السُّلطان عاتبه سرّاً على ذلك.
وفي عام 699هـ/1300م، جرَّد المماليك حملتهم الثانية (2)على كسروان. وكان السَّبب في ذلك، وفق ما ذكره المؤرِّخون، أنَّه في أثناء تقهقر فلول عساكر المماليك إلى مصر على أثر هزيمتهم في وقعة وادي الخزندار، قرب حمص، أمام المغول بقيادة غازان، واحتلال المغول دمشق، تعرَّضوا لسوء المعاملة والسَّلب والنَّهب على إيدي الكسروانيين وسكان منطقة جزين، وانَّ الكسروانيين أمسكوا ببعض العساكر الهاربين وباعوهم للفرنج. وبعد أن رحل المغول عن الشَّام،واستتبَّ الأمر للمماليك، انطلق نائب دمشق، الأمير جمال الدين الأفرم، بقوَّاته إلى (جبال الجرد وكسروان)، بمساعدة نائبي طرابلس وصفد، واستولى عليها،وأرغم سكَّانها على دفع ضرائب باهظة، وأُخذت منهم أراضيهم وممتلكاتهم وأُقْطِعَت للتنّوخيين جزاءً لهم على حسن استضافتهم للقوَّات المملوكية المهزومة أمام جحافل المغول.
أمَّا الحملة الثالثة (3) فجرت عام 705هـ ، تموز 1305م. وكان سببها أنَّ أهالي كسروان عادوا إلى مناوأة المماليك والتَّمرد عليهم، وأنَّهم لم يستجيبوا لـ (المساعي الحميدة) التي قام بها وفد من الأمراء، ترأسه كبير الحنابلة في دمشق الشَّيخ تقي الدِّين، ابن تيمية، لإقناع الكسروانيين بالرجوع إلى الطَّاعة والولاء، مادفع الأمير جمال الدَّين آقوش الأفرم إلى تجهيز حملة كبيرة توجَّه بها من دمشق إلى جرود كسروان لقتال أهلها. شارك في الحملة نائبا طرابلس وصفد، فضلاً عن أمراء
________________________________________
(1)للاطلاع على وقائع الحملة الالى، انظر: النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، ج‏32، ص 240و241, الجزري،حوادث الزمان وأنباؤها ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائها، مخطوطة كوبرلي، رقم 1037، الورقة 62ظ، ابن كثير،البداية والنهاية في التاريخ، بيروت، 1966م، ج‏13، ص 327و328 , المقريزي، كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد مصطفى زيادة، القاهرة،1934م ، ج‏1،ق‏2، ص 779 , صالح بن يحيى، تاريخ بيروت، تحقيقفرنسيس هورس‏ اليسوعي وكمال الصليبي، بيروت 1969م ، ص 2 4- 26.
(2)للاطلاع على وقائع الحملة الثانية، انظر: ابن كثير، المصدر نفسه، ج14، ص 12, المقريزي، المصدر نفسه، ص 902و903 , صالح بن يحيى، المصدر نفسه, ص 27. H. Laoust, Remarques sur les expeditions de kasrawan sous les premiers mamluks,in bulletin du musee de beyrouth, IV, beyrouth, 1940, pp. 99 – 101.
(3)لمزيد من التفاصيل عن أخبار الحملة الثالثة، راجع: ابن أيبكالدواداري، كنز الدرر وجامع الغرر، ج 9 (الدر الفاخر في سيرة الملك الناصر), تحقيق هـ .ر. رويمر, القاهرة,1960م, ص40 , أبو الفدا, المختصر في أخبار البشر, ج4 ,ص52 ,بيروت (بدون تاريخ) , ابن كثير, المصدر نفسه, ج14, ص35 ,المقريزي, المصدر نفسه,ج2, ق1, ص14و15 , صالح بن يحيى, المصدر نفسه, ص27و28,H.Laoust,Ibid,p.103

[الصفحة - 252]


الغرب التَّنّوخيين، كما رافقها الشَّيخ ابن تيمية تدليلاً على شرعيتها، بعد أن استنفر أهل الشَّام برسائل (ذرعها) في أرجاء البلاد داعياً إيَّاهم للإسهام في الحملة.
حاصرت القوَّات المملوكيَّة بلاد كسروان من جميع الجهات، ثمَّ عمدت إلى اجتياحها، فـ «وطئ العسكر أرضا لم يكن أهلها يظنُّون أنَّ أحداً يطأها» (4).وعلى الأثر، أمر نائب الشَّام بقطع الأشجار وتخريب المنازل، وأعمل السَّيف في رقاب السُّكان، وأسر عدداً كبيراً منهم، ونقلهم إلى طرابلس؛ حيث أُدخلوا في جند الحلقة، وتفرَّق من نجا منهم في غير اتِّجاه، وبخاصَّة في مناطق جزين والبقاع.
وثمَّة رواية أخرى عن حملة عام 705هـ نقلها (أسطفان الدّويهي) (5)واعتمدها مؤرِّخون آخرون(6), مفادها أنَّ المواجهة بين المماليك والمتمرِّدين جرت في (عين صوفر) الّتي وصلها (الأفرم) آتياً من دمشق على رأس خمسين ألفاً من قوَّاته، وألحق الهزيمة بخمسة آلاف مقاتل من الكسروانيين غالبيتهم من الدروز، فيما صالح بن يحيى التَّنوخي (ت 850 هـ / 1446م) (7)أكثر المؤرِّخين تفصيلاً لأخبار «الحملات الكسروانية»، لا يشير إلى الانتماء الدِّيني، أو المذهبي، لسُّكان كسروان /الذين وصفهم بـ (الكسروانيين والجرديين) بل يتحدَّث صراحةً عن مشاركة التَّنوخيين الدروز في الحملة الثالثة بقيادة زعيمهم ناصر الدِّين بن الحسين التَّنوخي، أمير الغرب، وأنَّ التَّنوخيين فقدوا اثنين من أمرائهم في معركة (نيبيه) (8)وثلاثة وعشرين نفراً من قوَّاتهم.
يستدعي ما تقدَّم ضرورة توسُّل المصادر التَّاريخية لاستقراء معطياتها بغية التَّعرُّف إلى هويَّة سكّان كسروان الذين استهدفتهم الحملات المملوكيَّة. فبالعودة إلى روايات المؤرِّخين المعاصرين، نلاحظ أنَّها لا تتَّفق في ما بينها حول هويَّة الجماعات المقيمة في كسروان آنذاك.
فالنّويري (ت 732هـ/ 1332م)، مثلاً، لا يشير إلى الهويَّة الدِّينية أو المذهبية لهذه الجماعات عند ذكره لوقائع حملة عام 691هـ ، بل يكتفي بتسميتهم بـ (الكسروان) (9).
وتنص رواية أبي الفدا (ت 732هـ / 1332م) على أنَّ حملة عام 705هـ
________________________________________
(4)صالح بن يحيى، المصدر نفسه، ص 28.
(5)أسطفان الدويهي، تاريخ الأزمنة، ص 286">289.
(6)انظر: يوسف الدبس، تاريخ سوريا، م6، ص‏370 , فيليب حتي,تاريخ لبنان, ترجمة أنيس فريحة, بيروت ,1978م, ص399 ,بطرس ضو, تاريخ الموارنة, م3 ,ص527.
(7)صالح بن يحيى، المصدر نفسه، ص 95و96.
(8)نيبيه: بلدة صغيرة في شمال شرق بيروت وعلى مسافة 15 كلم منها.
(9)النويري، المصدر السابق، ص 241.

[الصفحة - 253]


توجَّهت إلى « جبال الظَّنيِّين». ويتَّهم المؤرخ الأيوبي هؤلاء (الظَّنيِّين)- وقد ينطبق اسمهم على عدَّة فرق- بوصفهم «عصاة مارقين من الدِّين»، وأنَّ قوَّات نائب الشَّام قتلت وأسرت جميع من بهذه الجبال (من النَّصيرية والظَّنيِّين وغيرهم من المارقين) (10).
ويحرص الجزري (ت 739هـ / 1339م) على القول: إنَّ المستهدفين في حملة الأمير (بيدرا) هم سكّان (جبل الجرديين والكسروانيين) (11)معتمداً على ماورد في رواية النُّويري.
ويذكر ابن أيبك الدواداري (ت 736هـ / 1336م) في حوادث عام 699هـ «أنَّ الجبليَّة والعربان كانوا على النَّاس أشدّ من التتار إثر وقعة وادي الخزندار» ، ثمَّ يتتبَّع وقائع حملة (آقوش الأفرم) الذي قصد (الكسروان والدَّرزية) (12).
وتتَّفق رواية المقريزي (ت 845هـ / 1441م) مع روايتي النُّويري وابن أيبك الدواداري، ويخلص إلى أنَّ حملة عام 705هـ إلى جبال كسروان «رفعت أيدي الرَّفضة عنها» (13). ويفهم من رواية ابن كثير (ت 774هـ/ 1373م) أنَّ الحملات قصدت «جبل الجرد وأهل كسروان»، ويجاريه في هذا التَّوصيف كلّ من الدويهي وابن سباط (14)وصالح بن يحيى، مع الإشارة إلى أنَّ الأخير يضيف «اهل جزين» (15)إلى قائمة المستهدفين.
وإذا كان بعض المؤرِّخين اللبنانيين (16), اعتماداً على رواية ابن القلاعي (ت 922هـ / 1516م)(17)يذكرون أنَّ العمليّات العسكرية المملوكية جُرِّدت إلى جبال كسروان لمعاقبة (العصاة) من الموارنة وبعض الدّروز المتعاونين معهم، وانَّ عسكر دمشق خرَّب قرى الموارنة وكنائسهم وأديرتهم، في عام 705هـ / 1305م، فإنَّ (فيليب حتّي) يؤكِّد، بما لا يحتمل اللّبس، أنَّ «الحملات الكسروانية» استهدفت الإسماعيلية والنَّصيرية والشِّيعة (18). أمَّا كمال الصَّليبي فهو أوَّل من رجَّح من المؤرِّخين اللبنانيين (شيعيَّة) المستهدفين بالحملات المملوكية على كسروان، فيما حرص محمد علي مكي (19)على إقامة البرهان على ما رجَّحه الصَّليبي، وإن كان قد سبقهما إلى ذلك المستشرق هنري لاووست H. Laoust.
________________________________________
(10)أبو الفدا، المصدر السابق، ص 52.
(11)الجزري، المصدر السابق، الورقة 62و63.
(12)ابن أيبك الدواداري، المصدر السابق، ص 17.
(13)المقريزي، المصدر السابق، ج‏2، ق‏1، ص‏14و15.
(14)ابن سباط، صدق الأخبار، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، بيروت، ص‏9.
(15)صالح بن يحيى، المصدر السابق، ص 87 .
(16)من هؤلاء المؤرخين على سبيل المثال نذكر: الدويهي ودريان وضو.
(17)جبرائيل بن القلاعي، حروب المقدمين (1075 1450),نشر بولس قرألي, المجلة البطريركية, السنة العاشرة , حزيران- تموز1935م, بيت شباب ,1937م .
(18)كمال الصليبي، منطلق تاريخ لبنان، بيروت، 1979م، ص‏132، 133، 134.
(19)محمد علي مكي، لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني (635- 1516)، بيروت، 1977م، ص 218 - 232.

[الصفحة - 254]


3- قراءة في رسالة (20)الشَّيخ تقي الدِّين، ابن تيمية
إزاء هذا الاختلاف في روايات المؤرِّخين حول هويَّة سكّان كسروان في المرحلة موضوع البحث، فإنَّ ما تضمَّنته رسالة شيخ الحنابلة بدمشق تقي الدَّين، ابن تيمية، الشهيرة إلى السّلطان المملوكي، النَّاصر محمد بن قلاوون، حسم الجدال حول هذه المسألة الخلافية.
أوَّلاً- محتويات (الرِّسالة)
انطوت رسالة ابن تيمية المطوَّلة على انتقادات قاسية لمعتقدات (أهل الجبيل والجرد والكسروان)(21). فهؤلاء، حسب ابن تيمية، هم «أهل البدع المارقون، وذوو الضَّلال المنافقون الخارجون عن السنَّة والجماعة، المفارقون للشِّرعة والطَّاعة» (22)والمتمرِّدون على سلطة الدَّولة. وهم على مذهب أهالي «جزين وما حواليها، وجبل عاملة ونواحيه»، وأهالي «قرى متعدِّدة بأعمال دمشق وصفد وطرابلس وحمص وحماة وحلب» (23)واصفاً إيَّاهم بـ (الرَّافضة)، لأنَّهم ينكرون شرعيَّة خلافة كلّ من الشَّيخين أبي بكر وعثمان (24). ويذكر ابن تيمية في رسالته أيضاً أنَّ أتباع هذا المذهب يؤمنون بمنتظر«هو حجَّة الله على الأرض» (المهدي)، «ومن لم يؤمن بمنتظرهم فهو كافر» (25).
وبناءً على ما تقدَّم، يقرِّر شيخ الحنابلة أنَّ سكّان جبال كسروان وجبيل ينتمون إلى الجماعات الآتية: الإسماعيلية، والنَّصيرية، والحاكميَّة، والباطنيَّة، والإماميَّة الاثنا عشريَّة، وهذه الجماعات تشترك باعتناقها مذهب التَّشيُّع (26)ويضاف إليها جماعة التيامنة (الدّروز) وطائفة من المسيحيّين(27).
ويذكر ابن تيمية، في رسالته، أنَّ ثمَّة دافعين أساسيين لـ «الحملات الكسروانية»:
- يتعلَّق الدَّافع الأوَّل بمعتقدات الكسروانيين الدِّينية. فسكان كسروان، حسب (الرسالة)، لا يتبعون أيّاً من مذاهب أهل السنَّة الأربعة، وهي مذاهب (رسمية) للدولة، على سبيل الحصر، أقرَّها السُّلطان المملوكي الظَّاهر بيبرس البندقداري،
________________________________________
(20)يمكن مراجعة نص رسالة ابن تيمية في مجلة الفكر الإسلامي، السنة السابعة، عدد 6، بيروت، 1978م، ص 84 – 88 ، والنَّص مبتور من آخره.
(21)رسالة ابن تيمية، ص 85 .
(22)المصدر نفسه، ص 84 .
(23)المصدر نفسه، ص 85- 88 .
(24)المصدر نفسه، ص 85 .
(25)المصدر نفسه، ص 85 .
(26)A. Beydoun, Identit confessionnelle et tempssocial chez les historiens libanais contomporins. Beyrouth, 1994, p108
(27)كمال الصليبي، المصدر السابق، ص 138.

[الصفحة - 255]


عام 664هـ/1266م، وحرَّم ما عداها من المذاهب الإسلامية الأخرى، على أن لا يُولَّى قاض ولا تقبل شهادة أحد، ولا يُرشَّح لإحدى وظائف الخطابة أو الإمامة أو التَّدريس ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب (28). استقرَّ هذا الأمر معتمداً في مصر وبلاد الشَّام طوال عصر المماليك، وتشدَّد الحكّام في تطبيقه، ما أسهم في إشاعة جوٍّ من التَّعصُّب اتجاه غير القائلين بمذاهب أهل السنَّة، في أوساط الخاصَّة والعامَّة على السَّواء، عبَّر عنه ابن حجر العسقلاني بقوله: «إذا أراد النَّاس أن يكيدوا لأحدٍ دسُّوا عليه من رماه بالتَّشيُّع» (29).
لذا، حرص شيخ دمشق على توظيف التُّهم الآنفة لتسويغ الإجراءات القاسيَّة المتَّخذة ضدّ الكسروانيين، في إطار حملة عام 705هـ ، مشيراً إلى أنَّ هذه الإجراءات لم تكن قد تقرَّرت إلاَّ بعد إخفاق المفاوضات مع أعيان كسروان، وظهور ضعف حججهم، وختل معتقداتهم، وتبيان خبث شيوخهم، مثل بني العود الذين كانوا يحرِّضونهم على مقاتلة المسلمين (المماليك) بفتاوى يصدرونها لإضفاء الشَّرعية على حركتهم المناهضة للسُّلطة (30).
- أمَّا الدَّافع الثاني، فيتَّصل بما أُشِيع عن تعاون سكّان كسروان مع «أعداء المسلمين». لقد احتوت رسالة ابن تيمية على اتِّهامٍ صريحٍ لهؤلاء السكّان بأنَّهم تعاونوا مع الفرنج والمغول، وبخاصَّة حين هزم المماليك في معركة وادي الخزندار، عام 699هـ/1300م، إذ أقدموا على أسر بعض عساكر المسلمين الهاربين وفعلوا بهم «مالا يحصى من الفساد»، ثمَّ «حملوا إلى قبرس من خيل المسلمين وسلاحهم وأسراهم ما لا يحصي عدده إلاَّ الله. وأقام سوقهم بالسَّاحل عشرين يوماً يبيعون فيه المسلمين والخيل والسِّلاح على أهل قبرس» (31).
ويرى ابن تيميَّة أنَّ الجماعات السكّانية في كسروان والقائلين بمعتقداتهم كانوا «من أعظم الأسباب في خروج جنكسنخان [جنكيزخان] إلى بلاد الإسلام، وفي استيلاء هولاكو على بغداد، وفي قدومه حلب، وفي نهب الصَّالحية، وغير ذلك من أنواع العداوة للإسلام وأهله» (32). هذه الأسباب جميعاً، شكَّلت «الحيثيات الشَّرعية» التّي اتَّكأت عليها فتوى شيخ الحنابلة بدمشق، وحرص على حشدها في الرِّسالة
________________________________________
(28)المقريزي، المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار (الخطط المقريزية) ، بولاق، 1270 هـ ، ج 2 ,ص 161.
(29)ابن حجر العسقلاني، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة،م 2، بيروت (بدون تاريخ)، ص 46.
(30)رسالة ابن تيمية، ص 86 .
(31)المصدر نفسه، ص 85 .
(32)المصدر نفسه، ص 85 .

[الصفحة - 256]


الشَّهيرة التي بعث بها إلى السُّلطان النَّاصر محمّد بن قلاوون لتسويغ الإجراءات العسكرية القاسية المتَّخذة ضدَّ أهالي منطقة كسروان (33). ويضاف إلى ما تقدَّم أنَّ الشَّيخ ابن تيميَّة نشط عشيَّة حملة عام 705هـ إلى بثّ رسائله في أنحاء الشَّام لاستنفار أهل البلاد وحضِّهم على المشاركة في قتال الكسروانيين.
ثانياً- نحو تقويم لرسالة الشَّيخ ابن تيميَّة
تنطلق مناقشتنا لما جاء في رسالة ابن تيمية من أنَّ السُّلطة السياسيَّة في العصور الوسطى، كما كانت دائما على مرِّ العصور القديمة والحديثة، تحدِّد علاقاتها بالمحكومين وسائر المقيمين على أراضيها، مبدئياً، في ضوء موقف هؤلاء منها، أي على قاعدة الولاء والمعارضة، بصرف النَّظر عن معتقداتهم الدِّينية او أجناسهم أو أعراقهم، من دون أن يغيب عن بالنا ما للعوامل الدِّينية والعقديَّة من دورٍ مؤثِّرٍ في تحريك المشاعر- وبخاصَّة مشاعر العامَّة التّي غالباً ما كانت السُّلطة تعمد إلى تحريكها، من وقت إلى آخر، لأسبابٍ مختلفةٍ خدمة لأغراضها ومراميها- بحيث تتمظهر هذه المشاعر بجملة سلوكات تطفو على السَّطح في صورٍ دينيةٍ وطائفيةٍ ومذهبيةٍ.
ومنذ أمدٍ بعيد، اتَّخذت الجماعات السكّانية، المستهدفة بالحملات المملوكية، جبال كسروان وجرودها وعرة المسالك ملجأ لها، كي تكون بمنأى عن متناول السُّلطة، والخضوع لسطوتها وأنظمتها. واستمرت حالة هذه الجماعات كذلك لمدَّةٍ قاربت نصف قرن من سيطرة المماليك على بلاد الشَّام، من دون أن يبادر نوَّاب السَّلطنة في الشَّام لاتِّخاذ التَّدابير الآيلة إلى إخضاع سكّان كسروان لسلطة دولتهم، طالما لم يعمد هؤلاء إلى إثارة القلاقل في وجه السَّلطنة المنهمكة،آنذاك، في مجاهدة الفرنج ودفع هجمات المغول عن البلاد (34).
وفي مطلع العقد الأخير من القرن السَّابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، أحكم المماليك سيطرتهم على الشَّام، على أثر تصفية الكيانات اللاَّتينية في الشَّرق، وانحسار الخطر المغولي (35)مؤقَّتاً، عن البلاد، فكان عليهم، والحالة تلك، أن يعيدوا النَّظر في سياستهم اتِّجاه المناطق الواقعة خارج سلطتهم المباشرة،وخصوصاً منطقة كسروان الآهلة بالمسلمين من غير القائلين بمذاهب أهل السنَّة الأربعة،
________________________________________
(33)المصدر نفسه، ص 86 ، مرعي الكرمي، العقود الدريَّة في مناقب الشيخ ابن تيمية، القاهرة، 1927م، ص‏97.
(34)كمال الصليبي، المصدر السابق، ص 132و133.
(35)أحمد حطيط، تاريخ لبنان الوسيط/دراسة في مرحلة الصراع المملوكي الصليبي، بيروت، 1986م، ص 44 - 103.

[الصفحة - 257]


وجلُّهم من الشِّيعة مع أقليَّة درزيَّة، وقد يُضاف إليهم بعض المسيحيِّين. لذا، قرَّرت الدَّولة المملوكية توجيه حملات عسكرية إلى هذه المنطقة لإرغام هؤلاء جميعاً، بوصفهم «عصاة»، على الإذعان لمشيئتها.
ويستفاد من روايات المؤرِّخين المعاصرين (36)أنَّ الهدف الأساسي لحملة بيدرا (حملة عام 691هـ) تَمَحوَرَ حول ممارسة الضَّغط على الكسروانيين كي ينضووا تحت سلطة المماليك، عبر التَّلويح باستخدام القوَّة ضدَّهم في حال إخفاق الحوار معهم. ولعلّ ما يفسِّر ذلك حالة الدَّهشة والاستغراب التي أصابت بعض الأُمراء المشاركين في الحملة إزاء حرص قائدهم (بيدرا) على استرضاء الكسروانيين، وإظهاره حسن النيَّة اتِّجاههم، متعهداً لهم إطلاق سراح بعض أعيانهم المعتقلين في سجون دمشق، شريطة أن يلتزموا الاستكانة والولاء للدَّولة (37), حتّى أنَّ أحد كبار الأمراء المدعو (بيبرس طقصوا) لم يتورَّع عن أن يشي ببيدرا للسُّلطان، متهماً إيّاه بأنَّه قبض مالاً من أعيان كسروان في مقابل عدم اقتحام بلادهم (38).
وانتهت الحملة الثانية (عام 699هـ)، بقيادة الأمير (جمال الدِّين آقوش الأفرم)، إلى منح الأمان للكسروانيين لقاء إعلانهم الطَّاعة، وتعهدهم بدفع مئة ألف درهم لخزانة الدَّولة (39).
وعشيَّة الحملة الثالثة (عام 705هـ)، بادر (آقوش الأفرم) إلى التَّفاوض مع أهالي كسروان، فأرسل بعثتين لمحاورتهم: كانت الأولى برئاسة (زين الدِّين عدنان)، نقيب الأشراف بدمشق، وترأس الثَّانية (الشيخ تقيّ الدَّين، ابن تيمية)، يرافقه الأمير (بهاء الدِّين قراقوش) «النَّاظر في بلاد بعلبك والجبال الكسروانية». وتذكر بعض المصادر انَّ مهمَّة البعثتين تركَّزت على إقناع الأهالي بـ «إصلاح الحال مع التَّنوخيين والدُّخول في طاعتهم» بوصفهم الإقطاعيين الجدد في كسروان، وهي امتيازات حصل عليها هؤلاء في اعقاب مشاركتهم في الحملة الثَّانية (40).
ويبدو انَّ «المساعي السلميَّة» لم تؤت ثمارها المرجوَّة، ما استدعى توجيه حملة كبيرة إلى منطقة كسروان، حيث تمادى عسكرها في تدمير قرى كسروان وقتل سكّانها وتهجير من نجا منهم.
________________________________________
(36)راجع في هذا الصدد ما ذكره كل من: النويري , وأبو الفدا , وابن أيبك الدواداري , والجزري , وابن كثير.
(37)النويري، المصدر نفسه، ج‏32، ص 241، الجزري، المصدر نفسه، الورقة 62، صالح بن يحيى، المصدر السابق، ص‏24و25.
(38)النويري، نفسه، ص 241، الجزري، نفسه، الورقة 63، صالح بن يحيى، نفسه، ص‏26و27.
(39)ابن أيبك الدواداري، المصدر السابق، ص 40 ، والمقريزي، السلوك، ج‏1، ق‏3، ص‏902 و 903.
(40)ابن كثير، المصدر السابق، ج 14، ص 35، المقريزي، المصدر نفسه، ج‏2، ق‏1، ص‏12, صالح بن يحيى , المصدر السابق , ص27 ,الدويهي , المصدر السابق , ص286.

[الصفحة - 258]


إنَّ مشاركة الأمراء التَّنوخيين الدُّروز في الحملات المملوكية التي استهدفت أهالي كسروان، ومن بينهم جماعة من الدُّروز- أشارت إليهم المصادر المعاصرة مباشرة حيناً ووسمتهم بـ (الدُّروز) و(الدَّرزية) (41), وغير مباشرة أحياناً معرِّفة بهم قياساً على أماكن سكناهم، مطلقة عليهم اسم (التيامنة) (42)نسبةً إلى وادي التيم، وأحياناً أخرى بـ (الحاكمية) (43)نسبة إلى الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله- تنال من متانة الحجج التي اعتمدها ابن تيمية لتسويغ «الحملات الكسروانية». فعلى الرّغم من «درزيَّة» التَّنوخيين- ومذهبهم مخالف لمذاهب أهل السنَّة الأربعة، تماماً كما هي حال مذاهب الجماعات الكسروانية المهدورة دماؤها- فإنَّ التَّنوخيين لم يتردَّدوا في المشاركة بالقتال إلى جانب المماليك ضد الكسروانيين جميعاً بمن فيهم إخوانهم في المذهب، ما يجعلنا نرجِّح أنَّ الدَّوافع الرَّئيسة للحملات المملوكية على كسروان كانت سياسيَّة وليست دينيَّة أو مذهبيَّة (44).
أمَّا ما تذرَّع به الشَّيخ ابن تيميَّة في رسالته إلى السُّلطان، من أنَّ كثيراً من «فساد التَّتر هو لمخالطة هؤلاء [الكسروانيين] لهم، كما كان في زمن غازان وهولاكو وغيرهما» (45), وأنَّ أهل كسروان قد تعاونوا مع المغول (التتر) والفرنج ضد عساكر المسلمين، ليس دقيقاً، ولا يأخذ بالاعتبار الظُّروف السياسيَّة السَّائدة آنذاك في بلاد الشَّام، إبّان الصِّراع المملوكي- الفرنجي، والمملوكي- المغولي، حيث حجبت الأجواء السياسية المتلبِّدة في فضاء المنطقة الرؤية امام معظم الجماعات السكّانية، ما جعلها في حالة تردُّد وضياع، وعاجزة عن تدبُّر خياراتها ومواقفها من القوى الفاعلة على ساحة الصِّراع في الشَّام. وحال تنوخيي بلاد الغرب لم تكن لتختلف نوعاً عمَّا كانت عليه حال الجماعات اللبنانيَّة الأخرى.
وتكاد تجمع المرويَّات التَّاريخية على أنّ مواقف الأمراء التَّنوخيين الملتبسة والمتردِّدة تجاه الأيوبيين والمماليك وأسياد بيروت الفرنج مثلت الدَّافع الأساسي لتجريد الملك النَّاصر يوسف الأيوبي، صاحب حلب ودمشق، حملة عسكرية إلى قرى بلاد الغرب لمعاقبة سكّانها عام 653هـ/1255م (46). كما أنَّ السياسة التوازنيَّة التي اعتمدها الأمراء التَّنوخيون عشيَّة معركة (عين جالوت)، عام 658هـ/1260م،
________________________________________
(41)راجع: ابن أيبك الدواداري والمقريزي.
(42)راجع: ابن كثير.
(43)راجع: ابن كثير والدويهي.
(44)راجع: مرعي الكرمي، الكواكب، ص‏97.
(45)رسالة ابن تيمية، ص‏87 .
(46)صالح بن يحيى، المصدر السابق، ص 58 و59.

[الصفحة - 259]


حين توافقوا على تقسيم قوَّاتهم بين المماليك والمغول، بسبب سوء تقديرهم لنتائج المعركة، جعلت المماليك يشكِّكون بهم ويقدمون على الاقتصاص منهم (47). فبعيد انتصار المماليك على المغول، أمر السُّلطان الظَّاهر بيبرس باعتقال ثلاثة من كبار الأمراء التَّنوخيين وتجريدهم من إقطاعاتهم في بلاد الغرب، وأعلن أنَّه لن يفرج عنهم قبل طرد الفرنج من الشَّام، فاستمروا مسجونين إلى أن أطلق سراحهم الملك السعيد بركة (676 ـ 678هـ/1277 ـ 1279م) بعد وفاة والده عام 676هـ/1277م (48).
ولم تكن مواقف أمراء المماليك في الشَّام بمنأى عن تأثير الأوضاع السياسيَّة المضطربة السَّائدة وقتذاك. فقد تعاون بعض هؤلاء الأمراء بشكلٍ سافرٍ مع المغول ، ومنهم الأميران الكبيران (سنقر الأشقر) و(أزدمر الحاج)، وقد بلغ بهما الأمر أن أقدما على مراسلة المغول وتشجيعهم على مهاجمة البلاد (49).
لذلك، فإنَّ ما تضمَّنته رسالة شيخ الحنابلة من كلامٍ حول اعتداءات الكسروانيين على العساكر المملوكية، عام 699هـ ، يندرج، على الأرجح، في سياق تسويغ «الحملات الكسروانية» والإجراءات القاسية المتَّخذة في حق أهالي المنطقة، وبخاصَّة في حملة عام 705هـ . وحتى لو سلَّمنا جدلاً بصحَّة الاتِّهامات المنسوبة لأهل كسروان، كما ورد في «الرسالة» (50), فإنَّ ما أقدم عليه هؤلاء من «اعتداء» على القوَّات المملوكية المتقهقرة أمام المغول، على أثر وقعة وادي الخزندار،إنَّما يندرج، على الأرجح، في إطار أعمال الغزو والنَّهب التي تتعرَّض لها، أحياناً، الجيوش المهزومة في أثناء تراجعها على غير انتظام، وليس في إطار استراتيجية عمادها التَّحالف مع «أعداء المسلمين».
وفي الواقع، فإنَّ تمركُّز الأقليَّات المعارضة في موقع استراتيجي مهم، كجبال كسروان، يجعلها تشعر بالأمن والاستقرار لكونها بعيدة عن متناول السُّلطة المركزية ، وعن هجمات الفرنج والمغول المحتملة. لذلك، كان من البديهي أن تعي هذه الأقليات انَّه ليس في مصلحتها الانخراط في أيٍّ من المحاور المتصارعة على أرض الشَّام، وأنَّ عليها محاذرة الوقوع في شرك كهذا. وهي، إذا ما أقدمت على ذلك،
________________________________________
(47)B.Lewis,art,(Ayen Djalut), E12,I,PP.810- 811.
(48)أحمد حطيط وآخرون، لبنان في تاريخه وتراثه (فصل: لبنان فيالعهد الصليبي)، بيروت، 1993م، ص 193.
(49)ابن عبد الظاهر، تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور،تحقيق مراد كامل، القاهرة، 1961م، ص 76 ،ابن كثير, المصدر السابق، ج‏13، ص 290 - 292.
(50)رسالة ابن تيمية، ص 85 .

[الصفحة - 260]


فستخسر بالضَّرورة استقلالها في خضم المواجهات الدَّامية. وأيّاً تكن نتيجة الصِّراع، فلن يكون المنتصر فيه ليسلم، بعد حسم الأمور لمصلحته، بوجود منطقةٍ خارجةٍ عن دائرة سيطرته، ولا تعترف بسيادته عليها. وعليه، فحين استقرَّت الأوضاع في بلاد الشَّام لصالح المماليك، بعد طرد الفرنج منها، كان من الطَّبيعي أن يقدم المماليك على اتِّخاذ سياسةٍ حازمةٍ اتِّجاه سكّان كسروان، بوصفهم خارجين على سلطتهم السياسيَّة وليس لأسباب دينيَّة أو عقدية كما ورد في رسالة ابن تيمية إلى السُّلطان المملوكي. ويتوافق ما ذهبنا إليه مع ما ذكره المستشرق هنري لاووست H. Laoust بقوله: «يبدو لنا غير صحيح أن نعرض لهذه الحملات على أنَّها مظهر من مظاهر التَّعصُّب السنِّي ضدَّ الشِّيعة، بل إنَّه لمن الأصح أن ننظر إليها، وقبل كلّ شيء، على أنَّها عملية أمنية مهمَّة» (51).
وثمَّة قرائن عديدة تدعم ما ذهبنا إليه، ومنها:
- مشاركة التَّنوخيين الدُّروز في «الحملات الكسروانية» على الرّغم من أنَّ بين المستهدفين بالعمليات العسكرية إخواناً لهم في المذهب.
- مبادرة الأمير (أسندمر)، نائب طرابلس، إلى نقل عدد من سكّان جبال كسروان إلى طرابلس وبلادها، بعد هزيمتهم، حيث استخدم «جماعة منهم بطرابلس بجامكية وجراية» تدفع لهم من خزانة الدَّولة، و«أقطع بعضهم أخبازاً من حلقة طرابلس» (52).
- انخراط عدد وافر من طائفة النَّصيرية في وظائف عسكرية ومدنية في الدَّولة المملوكية (53).
4ـ نتائج الحملات الكسروانية:
أسفرت الحملات العسكرية على كسروان عن تبدُّلات سياسية واجتماعية وسكّانية في هذه المنطقة، فبإخراجهم النَّصيرية من مناطق كسروان، وبمنعهم انتشار الشَّيعة والدُّروز شمالاً، يكون المماليك قد أسهموا، من دون قصد منهم، في تعزيز مكانة المسيحيين في كسروان ومحيطها.
________________________________________
(51)H. Laoust, Op Cit.,p. 111.
(52)صالح بن يحيى، المصدر السابق، ص‏28.
(53)R.Dussaud, Histoire et religion des nosairis, p.29, H. Laoust, Op Cit.,p. III.

[الصفحة - 261]


لقد أعقب تخريب هذه البلاد نزوح النَّاجين من سكّانها إلى أماكن مختلفة من بلاد الشَّام، كي يكونوا بعيدين عن متناول السُّلطة. فبعد أفول مكانتهم السياسيَّة في جبل لبنان وما حوله، انتقل معظم الشِّيعة إلى البقاع وجزين وجبل عامل، كما لجأ بعضهم إلى مناطق أخرى؛ حيث اعتمدوا التَّقية متظاهرين بالانتماء إلى الشَّافعية، أحد مذاهب أهل السنَّة الأربعة، ليعود جماعة منهم، بعد حين، إلى قراهم في جرود كسروان، وبخاصَّة إلى المرتفعات الوعرة منها، فأعادوا بناءها ، واستقرّوا فيها، من دون أن يستعيدوا مكانتهم، بوصفهم يمثِّلون عصبيَّة محلية لها حضورها الحيوي على مساحة الحدث في منطقتهم، وحاذروا التَّمركز في التِّلال المشرفة على السَّاحل بسبب وجود الحاميات التركمانية على مقربة منها (54).
أمَّا الجماعات الدَّرزية فنزحت إلى المناطق الجبلية في الشُّوف، بينما توجَّهت جماعة النَّصيرية شمالاً لتستقر في منطقة عكار، حيث انتقل بعض منهم إلى مذاهب أهل السنَّة (55).
أمَّا مسيحيو المناطق اللبنانية في الشّمال، حيث الأكثرية المارونية، فلم يكن ثمَّة ما يسوِّغ تحالفهم مع اهالي كسروان، لأنَّ انتصار الكسروانيين وتنامي نفوذهم قديهدِّد استقلال جيرانهم، وفق ما ذكر المستشرق هنري لاووست (56) (H. laouts).
ويعزز ذلك أنَّنا لم نقع في المصادر التي وصل إليها اطِّلاعنا على ما يؤكِّد مشاركة مسيحيي الشّمال في الخروج على المماليك، بل إنَّ هؤلاء المسيحيين استفادوا من المستجدَّات الحاصلة في منطقة كسروان، وخلوّها من سكّانها، فانتقلت جماعات منهم إلى المنطقة واستوطنتها من دون اعتراض من المماليك، ذلك لأنَّ هؤلاء الأخيرين، حسب تعبير عادل إسماعيل (57)كانوا يفضِّلون المسيحيين المحايدين على المسلمين المخالفين لهم، والمستعدِّين دائماً للعصيان».
ومنذ القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، وربَّما مع بداية القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، بدأ الموارنة يتمركزون بكثافة في مناطق كسروان وجبيل، مستفيدين من الصِّراع المستفحل بين التَّنوخيين الدُّروز وبني عساف السنَّة من أصول تركمانية، وبسطوا سيطرتهم تدريجياً على بلاد كسروان وجبيل (58).
________________________________________
(54)كمال الصليبي وآخرون، لبنان في تاريخه وتراثه (فصل: جبل لبنانفي عهد المماليك)، ص 321.
(55)Ismail, Le Liban, Histoire d un people, A.. Beyrouth, 1965, p. 75
(56)H. Laoust, Op Cit., p.107.
(57)A. Ismail, Op Cit., p.75.
(58)صالح بن يحيى، المصدر السابق، ص 178 - 279، بطرس ضو,تاريخ الموارنة، م 3، ص 560و561.

[الصفحة - 262]


ولحماية السَّواحل الشَّامية من هجمات الفرنج المحتملة، أقطعت أراضٍ في كسروان لأربعة من الأمراء المماليك، وهم:«علاء الدِّين بن معبد, وعز الدِّين خطاب, وسيف الدِّين بكر الحسامي, وابن صبح»، لتُستعاد منهم، بعد وقتٍ قصير، كي تُقطع لأمراء بني عساف التركمان الذين استُقدِموا من الكورة على أن يقوموا بحراسة المنطقة السَّاحلية «من ظاهر بيروت إلى حدود مملكة طرابلس»(59). أمَّا السَّواحل، من بيروت إلى صيدا، فأنيط أمر الدِّفاع عنها بالأمراء التَّنوخيين، بعد أن أُعيدت إليهم إقطاعاتهم في بلاد الغرب، التي سبق أن انتُزِعت منهم في عهد الظَّاهر بيبرس، وذلك بمسعىً حثيث قام به كبير أمرائهم، وقتذاك، ناصر الدِّين بن الحسين التَّنوخي (ت 750هـ / 1350م) لدى ملك الأمراء في الشَّام، الأمير حسام الدِّين تنكز، نائب دمشق، فكتب الأخير «مطالعةً إلى السُّلطان ذكر فيها قدم أملاك أمراء الغرب، فرسم السُّلطان أنَّها تستمر بأيديهم»(60). ومنذ ذلك الوقت، ذاع صيت التَّنوخيين في بلاد الشَّام، وكان لهم الدَّور السِّياسي والعسكري المؤثِّر في أحداث المنطقة، واستمروا يتوارثون إقطاعاتهم حتّى سقوط حكم المماليك في الشّام على أثر هزيمتهم أمام العثمانيين في معركة (مرج دابق) عام 922هـ / 1516م (61). كما عهد المماليك إلى أمراء بني سيفا، وهم من الأكراد السنَّة، أمر حماية المناطق اللبنانية الشمالية (طرابلس وعكار) (62), وأحكموا سيطرتهم عليها إلى حين زوال سلطتهم على يد الأمير فخر الدِّين الثاني المعني (1572 - 1635م).
في الختام، نشير إلى أنَّ التَّحولات التي عرفتها البنى الاجتماعية والدِّينية للسكّان في لبنان الحديث والمعاصر، إنَّما تعود، في جانب كبير منها، إلى ما أحدثته الحملات المملوكية على كسروان ومنطقتها، في أواخر القرن السَّابع وأوائل القرن الثّامن الهجريين/ أواخر القرن الثّالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الميلاديين،والتي لا تزال بصماتها شاهدة على المعالم الأساسية للتَّوزُّع السُّكاني في لبنان الحالي بعامَّة، وفي منطقتي كسروان وجبيل على وجه الخصوص.
________________________________________
(59)صالح بن يحيى، المصدر نفسه، ص 37 , أ.ن. بولياك , القطاعية في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان , نقله عن الانجليزيه عاطف كرم , بيروت 1948 , ص37و38 .
(60)صالح بن يحيى، المصدر نفسه، ص 84 – 78 , سامي مكارم وآخرون , لبنان في تاريخه وتراثه (فصل:التنوخيون) ,ص248-250.
(61)سامي مكارم، المصدر نفسه، 271 - 273.
(62)بولياك، المصدر السابق، ص 37و45.

[الصفحة - 263]