البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

February / 21 / 2018  |  727ترميم العلاقة السعودية مع العراق

مركز روبين للأبحاث في الشؤون الدولية - Rubin Center Research in Intern 10 أيلول 2017 - 10 September 2017
ترميم العلاقة السعودية مع العراق

التحرير: مخطط الفصل بين الشيعة العرب والشيعة الفرس يتخذ هنا منحىً جديداً، حيث يعتبر التقارب السعودي مع العراق جزءاً من عمليات الإصلاح السعودي التي تقدّم نفسها اليوم كعملية تغريب متدرجة نحو وطنيّة سعودية تخاطب وطنيّة عراقية أو تحفزها. يقتضي اجتذاب العراق الشيعي التقليل قدر الإمكان من اللغة المذهبية ولو في الظاهر وتقديم الصراع مع إيران على اسس جيوسياسية وهذا ما يحاول التقرير المهمّ تعميمه.


إعادة صوغ العلاقة السنية ـ الشيعية

يبدو أن السعودية تصلح بالكامل السياسة مع العراق. هذا التغير الحتميّ في السياسة قد حصل تقريباً مع عدم رضا إيرانيّ. ولم تكن زيارة الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر للسعوديّة في تموز 2017 مفاجأة غير سارة لطهران وحسب بل دلالة على تحول نمطيّ في السياسة الخارجيّة السعوديّة.

حتّى اليوم، كانت السعوديّة تتبنّى سياسة محلية وخارجيّة طائفيّة.

فدعم السعوديين بشكل طبيعيّ للسنّة المضطهدين في العراق فيما استمرّوا باتّباع سياسة عدوانية بحقّ الشيعة السعوديّين في منطقة القطيف. لكن مع تزايد نفوذ ولي العهد محمّد بن سلمان، يمكن أن نشعر برياح التغيير التي تهب في كل اتجاه ـ من دور المرأة في المجتمع السعودي إلى العلاقات السنية ـ الشيعيّة. ونتيجة الإقرار بحقيقة أن الشيعة يُشكلون أغلبيّة عربيّة في العراق، أدركت السعودية والدول الخليجية الحليفة أن سياسة طائفيّة من شأنها أن تكون لا محالة ذات نتائج عكسيّة. فيبقى العراق بلداً عربيا ًهامّاً بالنسبة للسعودية والمملكة تواقة لإخراجه من مدار النفوذ الإيراني.

زيارة الصدر إلى السعوديّة

أدّت زيارة مقتدى الصدر في صيف عام 2017 للرياض إلى ارتفاع الصخب في إيران. ورد المتحدث باسم وزارة الخارجيّة الإيرانية بهرام قاسمي من خلال التعليق أن العراق بلد مستقل وليس بحاجة إلى موافقة إيرانية من أجل قيام زعيم من زعمائه بزيارة للخارج. من الواضح أن ذلك لم يكن إلّا رداً دبلوماسيّاً رسمياً، في حين أن الوسائل الإعلام في إيران كشفت كيف تشعر الجمهوريّة الإسلاميّة بحقّ تجاه زيارة الصدر. فاتّهمت صحيفة كيهان وهي الناطقة بلسان المرشد الأعلى الصدر بأنّه «باع نفسه لآل سعود». طبعاً، تتّهم إيران السعوديّة بدعم داعش وتلقي عليها باللوم نتيجة عدم الاستقرار في العراق. وفي النهاية نصحت إيران الصدر بالابتعاد عن الشؤون السياسيّة وكسب مزيد من الخبرة.

من وجهة نظر السعوديّين والإمارات العربيّة المتّحدة فإنّ الصدر حليف مثاليّ. برغم نسبه الدينيّ الشيعيّ، لا يُعدّ الصدر سلطة دينيّة. لكنّه بلا أدنى شكّ زعيم غير رسميّ قوي عند كثيرين من الشيعة العراقيّين. والأهمّ عند السعوديّين هي معارضة الصدر القويّة لإيران والنفوذ الإيرانيّ. وموقفه الواضح ضدّ الكراهيّة الطائفيّة لا يقلّ أهميّة. ولطالما كان الصدر يعتبر نفسه قائداً عراقيّاً يترفّع عن العداء الطائفيّ الدمويّ ويرفض إرسال أتباعه للقتال في سوريا لمصلحة إيران. بالنتيجة، عانت قوّاته الموالية عجزاً ماليّاً. وقد يكون العامل الماليّ ما دفع الصدر إلى أخذ قرار باللجوء إلى السعوديّين السنّة المستعدّين لرعاية المليشيا التابعة له مقابل موقفهم المعادي لإيران.

في أوائل آب 2017، خرج على لسان الصدر بعض التصريحات التي أثــارت القلق الإيــرانيّ المتزايـد. فحثّ الصـدر رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي على «دمج الحشد الشعبيّ في الجيش والسيطرة على ترسانة فئات الحشد الشعبيّ وإبقاء الأسلحة حصراً بيد الدولة». ولكنّ هذا الطلب رُفض على الفور من قبل المتحدّث باسم الحشد الشعبيّ أحمد الساعدي ورئيس الوزراء، وقال كلاهما إنّ الحشد الشعبيّ هو جزء من الجيش العراقيّ. وبرغم أنّ هذا التكتّل من المليشيا أسّس استجابةً لفتوى آية الله السيستاني لمحاربة داعش، فإنّ الحشد الشعبيّ تدرّبه إيران وتموّله وترعاه. وبالموازاة حثّ الصدر العراقيّين على محاربة الفساد وتطبيق الإصلاحات.

كلّ ذلك يزعج إيران لأنّ للصدر قاعدة أصيلة من الدعم داخل المجتمع الشيعيّ في العراق وهذا من شأنه أن يقوّض الجهود الإيرانيّة في العراق. أمّا المسؤولون في العراق، حتّى أولئك المؤيّدون لإيران، فلم ينتقدوا الصدر علناً بسبب خطواته التقريبيّة تجاه السنّة. في الواقع، كانوا يحاولون جذب ودّ طهران. ولموازنة زيارة الصدر إلى السعوديّة، سافر وزير الداخليّة قاسم الأعرجيّ إلى طهران، حيث أعلن من هناك أنّ وليّ العهد محمّد بن سلمان طلب أن يكون العراق وسيطاً بين السعوديّة وإيران. وأضاف الأعرجي أنّ السعوديّين وعدوا بالاهتمام بالحجّاج الإيرانيّين في مكّة- تأتي أهميّة ذلك بعد الاندفاع الجماعيّ المأساويّ في مكّة عام 2016 والذي أودى بحياة عدد من الحجاج الإيرانيّين.

ولكنّ الرياض أنكرت رسميّاً تلك الإشاعات، مُدّعيةً أنّها لم تطلب ايّ وساطة عراقيّة لتحسين علاقاتها بطهران. برغم ذلك، أشارت وسائل إعلاميّة عدّة إلى أنّ هذه الخطوات تدل ّعلى ذوبان جليد وشيك في العلاقات بين السعوديّة وإيران. إضافة إلى ذلك، ورد أنّ وزير الخارجيّة الإيرانيّ محمّد جواد ظريف أجرى محادثة ودّيّة مع نظيره السعوديّ عادل الجبير على هامش قمّة منظّمة التعاون الإسلاميّ في إسطنبول.

لكنّ هذا التفاؤل لا أساس له. فيمكن للسعوديّة وإيران أن تُقدما على ترميم العلاقات في حال إيجاد أرضيّة مشتركة في سوريا واليمن وحسب. ولكنّ هذا من المستحيلات وأمر مُستبعد، إذ إنّ السعوديّين والإيرانيّين لا تتضارب مصالحهما في اليمن وسوريا وحسب، بل ثمّة عداوة سياسيّة وأيديولوجيّة علنيّة بينهما أيضاً. إضافةً إلى ذلك، السعوديّة والحلفاء الخليجيّون منخرطون في «حرب باردة» مع قطر، فيما إيران تقف بلا شكّ مع قطر. وهذا يُقلّل أيضاً من معقوليّة جهود الوساطة بين الخصمين. ويعي صنّاع السياسة العراقيّون أنّه من غير الممكن قيام مصالحة إيرانيّة-سعوديّة. لذا حوافزهم لم تكن الوساطة بين السعوديّة وإيران بل إعادة صوغ السياسة العراقيّة بعد زوال داعش. فمع غياب تهديد داعش، الذي أدّى إلى تعاون وثيق مع طهران، يرغب العراق الآن في اعتماد سياسة متعدّدة التوجّهات من شأنها ألّا تستند حصراً إلى إيران. ونقطة أخرى لا بدّ من أن نأخذها بعين الاعتبار هي أنّ قاسم الأعرجي ليس وزيراً للداخليّة وحسب، بل هو قائد في الحشد الشعبيّ أيضاً ومقرّب من إيران (يُحكى أنّه رجل قاسم سُليماني)، ممّا يجعل الادّعاء بأنّ السعوديّين طلبوا الوساطة أقلّ معقولية.

لم يقتصر انفتاح السعوديّة والإمارات على العراق بزيارات مسؤولين شيعة عراقيّين، برغم أنّه لا يجب تقليل من أهميّة زيارات كهذه. زار وزير النفط العراقيّ جبّار اللعيبي السعوديّة من أجل مناقشة «سبل تعزيز العلاقات الثنائيّة وتطويرها بين البلدين الشقيقين، ولا سيّما في مجالي النفط والغاز، في سبيل خدمة المصالح المشتركة». وأسّست السعوديّة مجلس تعاون مشترك مع العراق لتحسين العلاقات التجاريّة والعلاقات العامّة بين البلدين الجارين. وعبّر وزير التجارة السعوديّ ماجد بن عبد الله القصبي عن رغبته في زيادة التعاون مع العراق على جميع المستويات وأضاف أنّ المجلس الجديد سيُعزّز التجارة بين البلدين. ويُخطّط السعوديّون أيضاً للمشاركة في مشاريع إعادة بناء عدّة في العراق وفتح قنصليّة في النجف، وهو مكان مُقدّس عند الشيعة وواحد من أهمّ مراكز تعلّم العلوم الدينيّة الشيعيّة.

ولم يزر الصدر السعوديّة وحسب بل زار الإمارات أيضاً. وقدّمت أبو ظبي مشاريع مشتركة مشابهة لتلك التي عرضتها السعوديّة ومن أجل الهدف نفسه ـ كبح النفوذ الإيرانيّ وتبنّي سياسة غير طائفيّة. شخصيّات كثيرة في العالم العربيّ ترى أنّ السياسة الإماراتيّة تُنسَّق على نحو وثيق مع السعوديّة، ما يراه البعض مثالاً على كيفيّة العمل المتّحد بين الدول العربيّة يؤدّي إلى سياسة أكثر فاعليّة. فعلاً، برغم المصالح المتضاربة الواضحة في اليمن، يبدو أنّ السعوديّين والإماراتيّين يُنسقون سياستهم في العراق لأنّهم يسعون إلى الأهداف نفسها. هذا التنسيق ليس نظريّاً على مستوى المصالح المشتركة، ويتواصل ولي العهد محمّد بن سلمان والشيخ محمّد بن زايد على نحو متكرّر ولديهما جدول الأعمال نفسه. بنظر الإمارات، كما هي الحال مع السعوديّة، فإنّ الخلاف مع قطر لا يقلّ أهميّة عن مساعي منع الهيمنة الإيرانيّة في المنطقة.

من المتوقّع أن يزور عمّار الحكيم، وهو شخصيّة شيعيّة مهمة أيضاً في العراق، السعوديّة في المستقبل. وكان الحكيم رئيس المجلس الأعلى الإسلاميّ في العراق، القوّة الشيعيّة البارزة في العراق، لغاية أن أعلن تنحيه في خطاب مُتلفز في 24 تموز 2017. وأقدم على تأسيس تيار الحكمة الوطنيّ الذي قال عنه إنّه «لدعم جميع العراقيّين الوطنيّين والأحرار» بعيداً عن الاختلاف السنّيّ ـ الشيعيّ، «من أجل العمل على الحفاظ على وحدة العراق وسرّ قوّتنا، الذي يستند إلى تنوعنا».

خطة سعودية إماراتية

يشعر الإيرانيّون بالقلق تجاه مناورة الصدر. ومخاوفهم تستند إلى أسس متينة وتتخطى شكهم بشأن علاقاته مع النظام الوهابيّ، عدوّهم اللدود. عامل آخر، وهو واضح عند أيّ عربيّ وفارسيّ، يتمثّل في أنّه فيما دوافع السعوديّة الحقيقيّة قد تكون واضحة، حين تستتر بكلام سليم وبناء ومعاد للطائفية، لن تكون إيران قادرة على اعتراضها علناً. ولا يمكن لإيران شنّ انتقاد علنيّ ضدّ السعوديّة نتيجة مساعي الأخيرة كبح النفوذ الإيرانيّ في العراق، لأنّه سيكون بمثابة اعتراف علنيّ بدور إيران الماكر في العراق.

تفترض إيران منطقيّاً أنّه برغم كون الحشد الشعبيّ قوّة عسكريّة كبيرة، هو لا يشمل جميع القوى الشيعيّة في العراق. على العكس، كثيرة هي الفئات الشعبيّة على الأرض التي تدعم الصدر والحكيم. ومع زوال داعش نهائيّاً من المشهد، يمكن للمرء انتقاد الحشد الشعبيّ من دون الخوف من اتّهامه بأنّه متواطئ مع الجهاديّين. وفي حين أنهّ لا الصدر ولا الحكيم ولا أيّ من مليشيّاتهما سيقوم بحلّ الحشد الشعبيّ وإخراج مستشاري الحرس الثوريّ من إيران، كما تطالب السعوديّة، فإنّ لديهم القدرة على إنشاء ثقل موازن لمنع إيران من إخضاع العراق. موقع ناميه الاخباريّ ـ موقع إيرانيّ مرتبط بصادق لاريجاني وهو يرأس النظام القضائيّ في إيران ـ يؤكّد أنّ السعوديّة وضعت برنامجاً سياسيّاً مشتركاً مع الصدر والحكيم. وفي الفترة التي تسبق انتخابات عام 2018، قد يُشكّل الصدر تحالفاً لكبح نفوذ الحشد الشعبيّ وإيران. وقد يتحقّق هذا الهدف عن طريق تحالف بين الشيعة المعادين لإيران مثل الصدر والحكيم وإياد علاوي، حتّى رئيس الوزراء حيدر العبادي مع سياسيّين سنّة بارزين مثل أسامة النجيفي وسليم الجبوري. وفي هذا السياق، تصبح خطط السعوديّين لإعادة فتح القنصليّة في النجف غير مفاجئة. وهذا كلّه يتماشى مع الهدف السعوديّ الرامي إلى إعاقة المساعي الإيرانيّة. والحوزة في النجف والحوزة في قم لطالما كانت علاقتهما معقّدة. جذور هذه التوتّرات تكمن في الصراع على النفوذ بين العلماء العرب العراقيّين والعلماء الفرس. وهذه الديناميكيّات المعقّدة وُجدت قبل الثورة الإسلاميّة التي اندلعت في عام 1979 في إيران. وأصبحت هذه التوترات أكثر وضوحاً  لا لأنّ العلماء في النجف علاقتهم بالإيرانيين فاترة في العموم وحسب بل لأنّهم يعارضون عقيدة ولاية الفقيه التي أصدرها الخمينيّ. وآية الله العظمى عليّ السيستاني، أبرز سلطة دينيّة عراقيّة، يُعارض أيضاً ولاية الفقيه ولو أنّه من أصل إيرانيّ ويتحدّث الفارسيّة. ورفض ولاية الفقيه لا يُترجم إلى نظريّة تعليميّة لاهوتيّة مضادّة بل يتحدّى التدخّل الإيرانيّ في العراق ومعارضة المرشد الأعلى عليّ الخامنئيّ.

ما يعني أنّه سيكون مطلوباً من السعوديّين الصبر إذا أرادوا رؤية خططهم تنجح. فيمكن الحدّ من النفوذ الإيرانيّ في العراق لا زواله. فإيران تهيمن على كلّ شيء تقريباً في العراق، من مشاريع البناء إلى الخطوط الجوية. والاستخبارات الإيرانيّة تخترق الأحزاب السياسيّة في العراق والقوى الأمنيّة والإعلام. ولن يكون مقتدى الصدر أو أيّ تحالف أكبر معادٍ لإيران قادراً على منع إيران من استخدام العراق كبوابة لوجستيّة إلى سوريا.

إنّ الصراع داخل المجتمع الشيعيّ تستغلّه السعوديّة بمهارة. ويمكن للسعوديّين أن يرسموا رسميّاً خطّ فصل بين المذهب الجعفريّ والعقيدة الخمينيّة العدائيّة، التي لا تُعتبر شيعيّة ولا عربيّة على حدّ سواء. والموقف السعوديّ موازٍ للموقف الوطنيّ العراقيّ الذي يُميّز بين السنّة العراقيّين المسالمين وجهاديي داعش. على نحو مماثل، أجرى الصدر مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط السعوديّة حيث أثنى على المساعي السعوديّة الرامية إلى محاربة الإرهاب ووصف السعوديّة بأنّها لا تقلّ عن «الأب» الذي يتعامل مع أولاده بحب وعدل.

الوطنية حية

باختصار، السعوديّة والإمارات تراهنان على تنامي الوطنيّة العراقيّة للعرب الشيعة وقد عدّلتا سياستهما وفقاً لذلك. وأدّت الأحداث الجارية في الخليج أيضاً إلى استنتاجــات عــدّة بخصوص الوضع الحاليّ للعقيدة والدين في الشرق الأوســط. فالانفتاح على الشيعة أوّلاً وقبل كلّ شيء بخصوص السياسة مقابل اعتراض على التقارب الدينيّ. المحلّل والقنصل العامّ لفرنسا في جدّة لويس بلين يُشير إلى اتّجاهات عدّة للسياسة المحلّيّة والخارجيّة السعوديّة. وأحد أهمّ الاستنتاجات يتمثّل بأنّ الصراع بين إيران والسعوديّة يجب أن يُعتبر جيوسياسيّاً لا طائفيّاً. وقد كشفت السياسة السعوديّة أنّها معارضة للتراجع الأميركيّ في المنطقة. وبالتالي، تحاول البلدان الخليجيّة أن تكون أكثر فاعليّة في الدفاع عن نفسها في وجه إيران. طبيعيّاً، تعي السعوديّة كلّ تلك العوامل، بما فيها الجانب الطائفيّ. وبناءً عليه، تكون السياسة السعوديّة استراتيجيّة لا «وهابيّة».

قبل أيّ شيء الشيعة في العراق هم عراقيّون وعرب قبل أن يكونوا شيعة. وفي حين أنّ تقاربهم الدينيّ مع إيران موجود فإنّه لن يكون أبدا ًعلى حساب هويّتهم العربيّة. ولكنّهم أيضاً ليسوا في صدد محاربة إيران إلى جانب السعوديّين. لكنّ مقاربة السعوديّين والإماراتيّين براغماتيّة وذكيّة، إذ تركّز في سحب العراق مرّة أخرى إلى «الأسرة العربيّة». وفيما ذلك سيُزعج إيران، تحظى الفكرة على نحو واسع بدعم الشيعة والسنّة العراقيّين. فتكون الوطنيّة والهويّة المحلّيّة عاملاً قويّاً، أقلّه بقوّة الإسلام السياسيّ. وفي حين أنّه كان هناك تنبّؤات باضمحــلال الهـويّات الوطنــيّة نهائيّاً وامتثالها للإسلام السياسيّ، تبيّن أنّها تنبّؤات سابقة لأوانها في أفضل الأحوال.

في الواقع، أظهر التاريخ أنّه لطالما كانت الوطنيّة قوّة فاعلة في الشرق الأوسط المعاصر، ولا سيّما في إيران والعراق. ونقض الواقع فكرة آمال صدام حسين وآية الله الخمينيّ على حدّ سواء مع اندلاع الحرب الإيرانيّة العراقيّة في عام 1980. فقد توقّع الخمينيّ منطقيّاً أن ينتفض الشيعة العراقيّون ضدّ الطاغية صدام، فيما أنّ الطاغية العراقيّ افترض أنّ العرب الإيرانيّين في خوزستان سيناصرون العراق في قضيّته العربيّة. في نهاية المطاف، حارب الشيعة العراقيّون كتفاً إلى كتف مع إخوانهم السنّة فيما حارب العرب الإيرانيّون العدوان العراقيّ باعتبارهم مواطنين فرساً يتحدّثون اللغة الأذريّة.

يمكن للتقارب مع الشيعة العراقيّين أن يُنظر إليه لا كنتيجة لحسابات جيوسياسيّة براغماتيّة وحسب، بل كخطوة تلائم الرؤية العامّة لولي العهد محمد بن سلمان وحلفائه الإماراتيّين. فالأمير مُصمّم على تنفيذ إصلاحات شاملة لإعادة رسم صورة السعوديّة وتقليص اعتماد المملكة على الموادّ الهيدروكربونية، وبالتالي المساهمة في عصرنة المجتمع السعودي. وتمتلك السعوديّة الوسائل الماليّة لتنفيذ إصلاحات كهذه. ولكنّ خلافاً للإصلاحات السابقة في العالم الإسلاميّ، يعي بن سلمان وهو السياسي المحنك أنّه يستحيل فرض الحداثة من الأعلى. ويُدرك المعوّقات التي تقف أمام الإصلاحات داخل المجتمع السعوديّ. واحدة منها هي المؤسّسة الدينيّة، التي تمنح الشرعية للملك، تماماً كما يسمح الأمراء باحتكار المؤسسة الوهابية لوضع التعاليم الدينيّة ونشر العقيدة. وبالتالي فإنّ المملكة والمؤسّسة الدينيّة تربطهما علاقة تكافليّة، ولا يمكن للأولى أن تستبعد الثانية. ولذا فإنّ القيادة السعوديّة لن تفرض الحداثة بالقوّة، خلافاً للحكام المسلمين السابقين ـ بمن فيهم أتاتورك وشاها إيران (رضا وابنه محمد رضا بهلوي). فالحداثة المفروضة بالقوّة لا تأتي أُكلها، كما هو واضح من خلال مثلي تركيا وإيران المعاصرتين.

لسوء الحظ، قضايا حقوق المرأة والمواقف تجاه الأقليّة الشيعيّة هي الأكثر إشكالية والأكثر حساسية من وجهة نظر العقيدة الوهابيّة. من جهة، تعي السلطات السعوديّة تماماً أن الشباب السعوديّ ـ بمن فيهم النساء ـ توّاق لمزيد من الفرص ويُطالبون بالانفتاح على العالم. ويبدو أنّ الأمير تبنّى حلّاً مرناً وإن كان معقّداً لهذه المسألة. أولاً، أن تكون التغييرات متدرّجة وطوعيّة، على عكس المحاولات المماثلة في البلدان الإسلاميّة الأخرى في الماضي. ثانياً، تمتنع السلطات السعودية بذكاء عن تعريف الإصلاحات على أنّها تغيير عقائديّ. بل تُفسّر الحاجة إلى الإصلاحات كضرورة اقتصاديّة، وهذا يبدو منطقياً على خلفيّة تدني أسعار النفط. ولذا عدد أكبر من النساء يدخل ميدان العمل، وتعمل السلطات السعوديّة لبناء مزيد من المنشآت الترفيهيّة الملائمة للجنسين. وبما أنّ العلاقة بين المؤسّسة الدينيّة والحكومة متبادلة، توافق المؤسّسة الدينيّة (من خلال إصدار الفتاوى الملائمة) على بعض قرارات الحكومة التي قد تبدو بدايةً تتناقض مع حكم الشريعة ـ على سبيل المثال المساعدة العسكرية من الكفرة أو تعزيز المرأة. ولأن الأعمال الحكوميّة تحدد تحت عنوان المصلحة، فهي تعتبر إسلاميّة تماماً. لن تؤدّي الإصلاحات الناجحة والتغييرات في المجتمع السعوديّ إلى تحديث المملكة على المدى الطويل وحسب، بل ستُعزّز مكانة البلاد على الساحة الدوليّة أيضاً. وبالتالي ستكون دعاية إيران المناهضة للسعوديّة غير فعّالة. وفي ضوء كلّ ذلك، من المحتمل أن يكون ترميم العلاقة مع العراق ليس إجراءً محدوداً وحسب، بل هو جزء لا يتجزّأ من الإصلاحات السعوديّة أيضاً.

في الختام، ليست إيران قادرة على كلّ شيء، وتمدّدها في العراق يكون محدوداً. أمّا الهدف السعوديّ من كبح النفوذ الإيرانيّ فيتوافق أيضاً مع الأهداف الإسرائيليّة المماثلة. وإذا كانت استراتيجيّة السعوديّة والإمارات تشمل معارضة إيران من خلال إنهاء العداء الطائفيّ، عندها تكون هذه حالة كلاسيكيّة من البراغماتيّة السياسيّة التي تتداخل مع الضرورة الأخلاقيّة. ولا يمكن لإسرائيل إلّا أن ترحّب بتحوّل سياسيّ كهذا وتأمّل له كلّ النجاح.