البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

February / 13 / 2018  |  777أزمة اليمن : الأسباب والتهديدات وسيناريوهات الحل

تيمور ماخموتوف / روسلان ماميدوف المجلس الروسيّ للشؤون الدوليّة - Russian International Affairs Council 14 تشرين الأوّل 2017 - 14 October 2016
أزمة اليمن : الأسباب والتهديدات وسيناريوهات الحل

التحرير: لم يكن تفجير الأوضاع في اليمن من قبل صالح وأنصار الله بل بدأ بين هادي والجيش في عدن، وكان الحلف الثنائي قدحقق نتائج كاسحة في الانتخابات والاستقرار من مصلحته، إذاً التحالف السعودي _ الأميركي هو الذي فجر الأوضاع ومنع استقرار البلد لمصلحة خصومه...والآن يتجه اليمن إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة ويشوب القرار الدولي نواقص تتجاهل واقع اليمن فلا بدّ من إعادة النظر فيه.


الوضع الحاليّ للأزمة وتطوّرها

حتى قبل الربيع العربي في عام 2011، شهدت جمهورية اليمن مع سكانها البالغ عددهم 28 مليون نسمة عدداً من الكوارث العسكريّة التي قوّضت النظام السياسيّ في البلاد، من بينها حربان أهليّتان: حرب عام 1994 بين الشمال والجنوب والصراع بين عامي 2004 و2010 بين الحكومة والحوثيين (المعروفين باسم حركة أنصار الله منذ عام 2013). وسهلت الحرب تحوّل حركة محلية حافزها ثقافي بشكل جوهريّ تنتمي إلى الطائفة الزيديّة في البلاد بقيادة الزعيم الدينيّ البارز عبد الملك  بدر الدين الحوثي إلى قوّة عسكريّة ـ سياسيّة تحظى بدعم هذه الطائفة الشيعية. وأدت الحرب في جنوب البلاد إلى صعود حركة انفصاليّة قويّة بين السكّان المحلّيّين، ومهدت الحرب الحوثيّة الطريق لوقوع صراع هويات ذي خلفيّة دينية بين المجتمعات التقليديّة والجماعات السلفية المتطرفة بقيادة الإخوان المسلمين. ويشكل الإخوان الجوهر الدينيّ لثاني أبرز حزب سياسي في البلاد والمعروف باسم التجمع الإصلاحي الإسلامي. وذاك الانقسام أدّى ترادفيّاً إلى تفكك الإصلاح وحزب المؤتمر الشعبي العام وهما أكبر قوّتين سياسيتين في البلاد. فأصبح الجناح القبليّ في الإصلاح بقيادة قبيلة شيوخ الأحمر خصماً شرساً لقبيلة الرئيس السابق في البلاد عليّ عبد الله صالح. وعلى خلفية هذه المشاكل، كسبت القاعدة في شبه الجزيرة العربيّة، وهي منظّمة إرهابيّة في اليمن، ما يكفي من القوّة بحلول عام 2010 لكي يُعلن أنّها أخطر تهديد أمني على الولايات المتحدة والسعودية.

اعتُبر تمدد الشراكة في مكافحة الإرهاب بين اليمن والولايات المتحدة تحدياً من قبل السعوديّة الجارة التي تشارك اليمن في حدودها البرّيّة بمسافة 1500 كم. وسُدّت آفاق أن يكون اليمن عضواً في مجلس التعاون الخليجي. والأزمة السياسيّة بين عامي 2009 و2010 رافقها تسليم ملف البلاد إلى السعودية والمملكة المتحدة في مؤتمر لندن الدولي في كانون الثاني 2010. وتمثلت مهمّة البلدين بتثبيت دعائم استقرار النظام في اليمن. ولكن بحلول شباط 2011، عمّت البلاد حركة تظاهر قوية قادها الشباب، وكانت في بدايتها سلميّة، لكنّ تهديدها تصاعد حتّى أصبحت البلاد على شفير الانزلاق إلى الحرب الأهلية مع مشاركة الجيش.

كانت العملية تهدف إلى تطبيق خريطة طريق لخطة سلام برعاية الأمم المتحدة. وشاركت أكثر من 30 دولة ومنظّمة دوليّة في تطبيق خطّة السلام الفريدة هذه تحت إشراف مجلس الأمن. في شباط 2012، سُلّمت السلطة في اليمن بطريقة سلميّة إلى نائب صالح عبد ربّه منصور هادي وأصله من اليمن الجنوبيّ. وكجزء من خطّة السلام، باتت جميع الأطراف السياسيّة الأساسيّة التي كانت شبه قانونيّة شرعية. وتمثّل الحدث الأساسيّ في الانتقال السياسيّ بإطلاق الحوار الوطنيّ الشامل، ويعود الفضل في نجاحه إلى حدّ كبير إلى دور مبعوث الأمين العامّ للأمم المتّحدة جمال بن عمر.

كان لتدخّل الأطراف الخارجيّة في الصراع وانتقاله إلى المرحلة العسكريّة في آذار 2015 الأثر السلبيّ للغاية في الوضع السياسيّ في اليمن، ما أدّى إلى انقسام البلاد بين الشمال والجنوب. لكنّ جميع جهود قيادة التحالف لتعبئة الجنوب كي يُشارك في الحملة العسكريّة ضدّ الشمال حسب حدود عام 1990 باءت بالفشل. وبقي العمود الفقريّ لقوّات التحالف على الأرض متمثّلاً بوحدات الإصلاح، إضافةً إلى المرتزقة اليمنيّين والأجانب الذين حصلوا على السلاح والتمويل من السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة.

الآن بعد عامين ونصف على اندلاع الحرب، يمكن تبيان الوضع الإنسانيّ في اليمن الشماليّ بأفضل الأحوال وفقاً للإحصائيّات التالية: مقتل 15000 مدنيّ جرّاء القصف الجوّيّ؛ نزوح حوالى 3 ملايين نسمة داخليّاً؛ 7 مليون نسمة يعانون الجوع؛ 20 مليون نسمة يعانون النقص المزمن في الأغذية؛ و500000 نسمة مصابون بالكوليرا (من بينهم أكثر من 2500 نسمة ماتوا جرّاء المرض). أمّا الخسائر الاقتصاديّة فتُعدّ بمليارات الدولارات كضرر مباشر، وانخفض الناتج الإجماليّ المحلّيّ في البلاد بنسبة 40 % في عام 2015-2016.

المرحلة النشطة من الأزمة والقوى السياسيّة في اليمن

أخفق المشاركون في المبادرة، والقيّمون عليها، في تحقيق أيّ تقدّم في القضايا الأساسيّة الثلاث في التسوية اليمنيّة: الوصول إلى حلّ اجماعيّ لتحويل اليمن إلى دولة فدراليّة؛ التخلّص من الانقسام في الجيش الذي سبّبه انشقاق الجنرال علي محسن الأحمر عن الإصلاح في آذار 2011؛ ووضع حلّ لمشكلة اليمن الجنوبيّ يوافق عليها سكّان جنوبيّ البلاد.

بــالنتيجة، أُجــبر الإصــلاح على القتال على جبهتين في آن واحد، وبالتالي لم يعد على قائمة المرشّحين الرياديّين في الانتخابات البرلمانيّة. والدور الرياديّ في هذا الانتصار سببه الحركة الحوثيّة، التي اختارت عقيدة وطنيّة تهدف إلى حماية القيم التقليديّة. ولم يكن الإخوان المسلمين وحدهم من تكبّد الهزيمة؛ الجناح العشائريّ للإصلاح بقيادة الشيخ حامد الأحمر خسر أيضاً. فلم تعد قبيلة الأحمر تحظى بحظوة العشائر الرياديّة في اتّحاد حاشد، الذي كانت قبيلة الأحمر تستند إليه أكثر من 200 عام. فهذه العشائر وقفت إلى جانب الحوثيّين والرئيس السابق صالح.

يعتقد شهود عيان أنّ دور الرئيس هادي في هذه المواجهة التي انتهت بوصول مسلّحي الحوثيّين سلميّاً إلى صنعاء في 21 أيلول 2014 تألّف من التعاون مع الحوثيّين «في سبيل تقويض خصومه من عائلة الأحمر وإبعاد حزب الإصلاح الإسلاميّ»، الذي أخفق في أن يكون له جذور في اليمن. واعتبرت السعوديّة أنّ انتصار الحوثيّين، الذين يُعدّون خصمها الأساسيّ في اليمن، دليل على أنّ تحالفاً معادياً للسعوديّة بمشاركة زعيم المؤتمر الشعبيّ العامّ علي عبد الله صالح قد تشكّل في البلاد. وبدأت قضية الدفاع عن الهويّة اليمنيّة تتحوّل إلى مشكلة سياسيّة حادّة شاركت في إحداثها دولة مجاورة. واعتُبر التحالف معادياً لمواجهة الإخوان المسلمين في البلاد.

في مذكّراته عن اللقاءات الشخصيّة بالمــلك السعــوديّ الراحــل عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، يُشير هادي إلى أنّه في عام 2012 كان موقف السعوديّة من الحوثيّين مستنداً إلى الحجج التالية: «إيران تريد إحباط المبادرة لسببين: أوّلاً لأنّ المبادرة قدّمتها الدول الخليجيّة وثانياً لأنّها وُقّعت في الرياض وإيران ضدّ نجاح أيّ مبادرة سلام قادمة من السعوديّة.... فإيران ترغب في تحويل اليمن إلى ممرّ بهدف زعزعة استقرار السعوديّة والسيطرة على مكّة والمدينة، وهذا جزء من استراتيجيّتها. وهدفها بسط السيطرة على الملاحة البحريّة من مضيق باب المندب». هذه الاعتبارات، التي من الواضح مُستندة إلى فرضيّات، هي على ما يبدو ما دفع القيّمين الأساسيّين بقيادة السعوديّة إلى المبادرة لمنع مهمّة الأمم المتّحدة لحفظ السلام في البلاد من خلال التدخّل العسكريّ.

ورافق التفوّق العسكريّ الهائل للتحالف العربيّ على تحالف صالح-الحوثيّين طلب الرئيس المؤقّت هادي المساعدة من الدول الخليجيّة، ودعم الجنوب للحملة العسكريّة ضدّ صنعاء، وحقيقة أنّ الجنرال محسن وزعماء الإصلاح الآخرين الذين بقوا في السعوديّة منذ أيلول 2014 شكّلت ضربةً قويّةً لليمن الشماليّ، فكلّ ما ذُكر وفّر فرصاً لحصول نصر كاسح في عمليّة عاصفة الحزم بقيادة وليّ العهد محمّد بن سلمان. ولكن، في أيار 2015، حذّرت الأمم المتّحدة من التداعيات الإنسانيّة الكارثيّة للغارات الجوّيّة في المناطق المدنيّة. وبحلول أيلول 2015، صنّفت الأمم المتّحدة اليمن مركز أخطر أزمة إنسانيّة في العالم. في تشرين الأوّل 2016، قال وكيل الأمين العامّ للشؤون الإنسانيّة ومنسّق الإغاثة ستيفن أوبرين: «لا يمكن أن يكون هناك حلّ إنسانيّ للصراع في اليمن. ثمّة حاجة إلى حلّ سياسيّ، يبدأ بوقف فوريّ لإطلاق النار». ووجدت المناطق الزيديّة، ولا سيّما محافظة صعدا نفسها الأكثر تعرّضاً للقصف الجوّيّ العنيف الذي تنفّذه طائرات التحالف، قصف مرتبط بحقد دينيّ ضدّ الزيديّين من قبل الشعب اليمنيّ. وقد سجّلت المنظّمات الإنسانيّة عشرات الحوادث التي تُصنّف تحت عنوان جرائم عسكريّة بحقّ الإنسانيّة. وهذا يتخطّى تدمير المنشآت المدنيّة واستخدام الذخيرة المُحرّمة دوليّاً على حدّ سواء.

تعدّت الحرب في اليمن الإطار الزمنيّ الذي حُدّد لها في بداية الحملة وقد اتّخذت طبيعة متعدّدة الاتّجاهات.

الوضع السياسيّ في المناطق التي يُسيطر عليها تحالف صالح-الحوثيّين أفضل بشكل ملحوظ من ذاك السائد في المناطق الواقعة تحت سيطرة الرئيس الشرعيّ عبد ربّه منصور هادي. وكان تماسك السكّان في اليمن الشماليّ في مواجهة العدوان «السعوديّ ـ الأميركيّ»، كما تصفه وسائل الإعلام في صنعاء، عاملاً أساسيّاً في إخراج الجماعات الإرهابيّة للقاعدة في شبه الجزيرة العربيّة من اليمن الشماليّ، وفي توحيد الشعب حول نظام سياسيّ غير مُعترف به يُشكّله التحالف في صنعاء. هذا النظام يُصرّ على أنّ الشرعيّة تنبع من التزامه الصارم بالدستور وقوانين جمهوريّة اليمن. والمجلس السياسيّ الأعلى في البلاد وحكومته وبرلمانه (انتُخب في عام 2003) واثقون من السيطرة على الوضع، برغم النقص الحادّ في الموادّ الغذائيّة والأموال والدواء. وأدّى انتقال البنك المركزيّ لليمن من صنعاء إلى عدن في أيلول 2016 إلى عدم تقديم الخدمات إلى العامّة  وإبقاء أعضاء المجلس النيابيّ من دون أجور. برغم ذلك، دلّت المظاهرات الحاشدة بقيادة المجلس السياسيّ الأعلى في صنــعاء في 24 آب 2017 بمناسبة الذكرى السنويّة الخامسة والثلاثين على تأسيسه وبدعم من الحوثيّين على روح معنويّة عالية عند الطرف المدافع بعد أن طالب المتظاهرون «بمواصلة التصدّي للتصعيد». ودعا صالح في كلمته مجلس الأمن الدوليّ إلى إيقاف الحرب في اليمن.

في المقابل، الوضع السياسيّ والشرعيّ لليمن الجنوبيّ، القابع تحت سيطرة التحالف والرئيس هادي، يزداد اضطراباً أكثر فأكثر.

لقد شكّلت القبائل المحلّيّة مشكلات جدّيّة للعمليّات الهجوميّة التي نفّذها التحالف بقيادة السعوديّة باتّجاه صنعاء. فلا تزال هذه العشائر تمثّل قوّة عسكريّة تقليديّة جدّيّة. وهي لا تقف رسميّاً إلى جانب أيّ طرف من طرفي الصراع، وقد تبدّل تحالفاتها وفقاً لتقديرها الخاصّ للوضع السائد. والقوّة العسكريّة لاتّحاديّ حاشد وبكيل تشبه كثيراً تشكيلات القوّات العسكريّة الكبيرة. ويستحيل على القوّات العسكريّة عبور المناطق العشائريّة بأمان من دون موافقة مُسبقة من قبل المشايخ. ومن أجل منع الانقسامات داخل قبائلهم وتفادي المصير الذي حلّ بالعشائر التي تفكّكت تحت تأثير الإخوان المسلمين والقاعدة في شبه الجزيرة العربيّة وانخرطت في معارك بين الأشقّاء وفي النهاية وقعت فريسة لهجمات الطائرات من دون طيّار الأميركيّة، يُحافظ المشايخ على المبادئ والقِيم المعروفة للجميع. وأيّ محاولة لإخضاع هذه العشائر للسيطرة الخارجيّة مدّة طويلة مصيرها الفشل نظراً للخصوصيّات العرقيّة والثقافيّة لهذه الفئة من السكّان اليمنيّين.

ولذلك، برغم أنّ الأجزاء الجنوبيّة والشماليّة من اليمن لها مواقف مختلفة من عمليّة التحالف بقيادة السعوديّة، واجهت قيادة التحالف مشاكل مشابهة في الجزءين على حدّ سواء. وتقف أغلبيّة الأطراف غير الرسميّة تقليديّاً في اليمن الشماليّ إلى جانب تحالف صالح ـ الحوثيّين، الذي لا يزال يُعدّ المُمسك الفعليّ بالدولة اليمنيّة (مُقابل الرئيس هادي الذي بقي في الرياض). من جانبه، دعم اليمن الجنوبيّ الفئات المحلّيّة في الحراك الذي أعلن استعادة الدولة في جنوب البلاد هدفاً له.

مجلس التعاون الخليجيّ والأطراف الخارجيّة: المصالح والقدرات

من نيسان 2015 ولغاية نيسان 2016، بقي ساحل بحر العرب بأكمله تقريباً، من الشحر في الشرق إلى مداخل عدن، تحت سيطرة أنصار الشريعة، جماعة إرهابيّة موالية للقاعدة في شبه الجزيرة العربيّة. لكنّ الخطّ الساحليّ طُهّر من الإرهابيّين بمبادرة من الإمارات العربيّة المتّحدة، وصيغت اتّفاقات مع الإرهابيّين. وبناءً عليه عاد المتطرّفون إلى معسكراتهم بانتظار الفرصة التالية للنهوض.

تفتقر سياسات قيادة التحالف في اليمن الجنوبيّ إلى الشفافيّة. فتحاول السعوديّة تأمين دعم الجماعات التابعة للإخوان المسلمين الذين يُساندون الإصلاح فيما في الوقت نفسه تسمح لممثّلين موالين للحراك بتوليّ مناصب أساسيّة في الإدارة والأجهزة الأمنيّة. ومن جهة أخرى، تُدرّب الإمارات العربيّة المتّحدة، وهي خصم علنيّ للإخوان المسلمين، وحدات من القوّات الخاصّة (الحزام الأمنيّ والنخبة الحضرميّة) في اليمن الجنوبيّ لمحاربة متطرّفي القاعدة في شبه الجزيرة العربيّة والإخوان المسلمين. وتبني الإمارات العربيّة المتّحدة تعاوناً وثيقاً مع الحراك وتستعدّ للمساهمة في تحقيق برنامجه السياسيّ.

منذ أن تسلّموا زمام الأمور في بعض المناطق في اليمن الجنوبيّ، يفرض المتطرّفون قانونهم ونظامهم الخاصّ: فجّروا المراكز الدينيّة الصوفيّة المحلّيّة وسلّموا جميع المساجد الأساسيّة إلى الوهابيّين ويستخدمون الهيئات الإداريّة لاضطهاد المعارضين والقضاء عليهم. وقد أثبتت تحذيرات الحوثيّين بشأن التهديد الذي يُشكّله الإخوان المسلمون على القيم التقليديّة صحّتها في أواسط السكّان السنّة في اليمن الجنوبيّ. ولا شكّ في أنّ السكّان الجنوبيّين تلوّعوا بشدّة نتيجة الإرهاب، لكنّ المشاركة في القتال ضدّ الإخوان المسلمين والقاعدة في شبه الجزيرة العربيّة تتطلّب نظام مستقرّاً من المؤسّسات السياسيّة. وهي مسألة على ما يبدو أنّ الرئيس هادي غير قادر على توفيرها.

لقد أدّى غموض الخطط السعوديّة وتهديد اليمن الجنوبيّ بالانقسام إلى مناطق خاضعة للنفوذ الخارجيّ إلى تفشّي التوتّرات داخل مجلس التعاون الخليجيّ، الذي يوحّد جميع الممالك في شبه الجزيرة العربيّة. وأحد تجلّيات هذه التوتّرات أتت على شكل الأزمة القطريّة في حزيران 2017. فكان الدور المستقلّ لقطر في اليمن قد بدأ خلال الحروب الحوثيّة، حينما لعبت الدوحة دور الوسيط في التسوية السلميّة. وقتذاك، عارضت الرياض هذا السيناريو. وفي عام 2011، طالبت قطر بأن يتنحّى رئيس اليمن عليّ عبد الله صالح على الفور، بحيث تستطيع الدوحة تطبيق خطّتها. هذه المسألة كلّفت قطر حقّها في المشاركة في مبادرة مجلس التعاون الخليجيّ، لكن لا تزال البلاد تربطها علاقات بقادة الإصلاح. رحّب الرئيس هادي بانسحاب قطر من التحالف، ما أدّى إلى سحب 100 فرد من قوّاتها التي كانت تحمي الجانب السعوديّ من الحدود إضافة إلى 15 طائرة حربيّة، حتّى ولو كانت قطر قد دعمت هادي ومن بين المتبرّعين الأساسيّين في المشاريع الإنسانيّة في اليمن. وأيّ تغيّر محتمل في موقف قطر من الأزمة اليمنيّة من شأنه أن يُفاقم المشاكل أكثر داخل مجلس التعاون الخليجيّ، لتبقى عُمان العضو الوحيد فيه الذي لم يتدخّل في الأزمة.

وتواجه السعوديّة، البلد الذي شنّ الحملة، تهديدات عسكريّة مباشرة جدّيّة. فإضافة إلى العمليّات المنتظمة ضدّ منشآت الجيش السعوديّ في المحافظات الجنوبيّة الثلاث في البلد (عسير وجيزان ونجران)، كثّف الطرف اليمنيّ مؤخّراً إطلاق الصواريخ البالستيّة على الداخل السعوديّ، على بعد 1000 كم من الحدود.

 لقد أدّى استخدام التحالف النشط لمضيق باب المندب لإيصال الشحنات العسكريّة إلى اليمن إلى حوادث خطيرة عدّة في البحر الأحمر، من بينها إغراق عدّة سفن كبيرة تابعة للتحالف. في تشرين الأوّل 2016، أقدمت سفينة حربيّة أميركيّة، تتمركز باستمرار في منطقة الصراع وتساعد التحالف في فرض الحصار البحريّ على اليمن، على تدمير رادار ساحليّ في المنطقة التي يُسيطر عليها تحالف صالح ـ الحوثيّين.

ومن بين الأطراف الدوليّة الرياديّة، تشكل الولايات المتّحدة أكبر قدرة عسكريّة في المنطقة. وقد زوّدت واشنطن السعوديّة بالدعم اللوجستيّ خلال العمليّة العسكريّة في اليمن. والضبّاط الأميركيّون حاضرون في مقرّ قيادة التحالف وتشنّ القوّات الخاصّة عمليّات عسكريّة مباشرة كجزء من حملة مكافحة الإرهاب المستمرّة. في كانون الثاني 2017، أجرت قوّات العمليّات الخاصّة الأميركيّة أوّل عمليّة كبيرة تحت إشراف الإدارة الأميركيّة الجديدة. وأدّت العمليّة إلى قتل 14 مشتبهاً من أفراد القاعدة في شبه الجزيرة العربيّة و16 مدنيّاً في محافظة البيضاء. وتجدر الإشارة إلى أنّ  الرئيس هادي وتحالف صالح ـ الحوثيّين أدانا قتل المدنيّين.

إضافةً إلى الولايات المتّحدة، يضمّ مقرّ التحالف أيضاً ضبّاطاً بريطانيّين، مع اعتبار المملكة المتّحدة من بين المُزوّدين الأساسيّين للسعوديّة بالسلاح. في عام 2016، حلّت السعوديّة في المرتبة الثالثة عالميّاً لناحية الإنفاق العسكريّ. ولدى الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة مصالح سياسيّة غامضة في اليمن. وكلا البلدان يعترفان باهتمامهما في تصدير مزيد من الأسلحة إلى منطقة الخليج، لكنّهما واجهتا انتقاداً شديداً من المنظّمات الإنسانيّة ومنظّمات حقوق الإنسان، ومن المعارضة السياسيّة في الداخل أيضاً .

واحد من الاتّجاهات الأكثر خطورة على الحياة السياسيّة في اليمن من فعل إدارة ترامب هو إحياء التهديد الإيرانيّ المُفترض وتصنيف الحوثيّين كمتطرّفين دينيّين على المستوى نفسه للقاعدة في شبه الجزيرة العربيّة. والادّعاءات غير المؤكّدة والمشكوك فيها أنّ إيران تزوّد الحوثيّين بالأسلحة من خلال مراكب صيد تخترق الحصار المُكثّف تُسير مواقف «الصقور» في واشنطن. وقال الرئيس هادي إنّ الطرفين الرياديّين في الحملة العسكريّة في اليمن-الولايات المتّحدة والسعوديّة ـ ضاعفا عزيمتهما القتاليّة في أيلول 2017 في سبيل منع الوجود البحريّ لإيران في المنطقة، أمرٌ لن يُستهان به نظراً لخطره على أمن إسرائيل.

لقد حظيت روسيا بسمعة البلد الذي يلتزم بالقانون الدولي ويحترم السيادة ويظهر عدم التسامح مُطلقاً بسيناريوهات الاستعمار الجديد. في المقابل، هذا الأمر يُوفّر فرصاً من أجل التواصل مع جميع الأطراف في اليمن التي تُعدّ أساسيّة لحلّ الأزمة.

لا يزال دور الأمم المتّحدة هو الأبرز بين الأطراف السياسيّة الدوليّة في أزمة اليمن. ولكن اعتُبر إسماعيل ولد الشيخ أحمد، المبعوث الخاصّ الجديد للأمم المتّحدة في اليمن، شخصاً غير مرغوب فيه في صنعاء في صيف 2017، استناداً إلى ادّعاءات تحالف صالح-الحوثيّين أنّه متعاطف مع السعوديّة. يحاول ولد الشيخ أحمد حاليّاً استخدام الوكلاء لتطبيق مشروع تخلّي تحالف صالح الحوثيّين عن ميناء الحديدة ووضعه تحت سيطرة الأمم المتّحدة. ويُعد هذا المرفأ أكبر ميناء على البحر الأحمر والبوابة البحريّة الأخيرة المتبقية بيد تحالف صالح ـ الحوثيّين. حتّى إنّ كانت المهمّة تهدف إلى تخفيف المخاطر الإنسانيّة المرتبطة بالأعمال الإنسانيّة، مع مرور 80 % من كلّ المساعدة الإنسانيّة إلى اليمن عبر الحُديدة، يعتقد تحالف صالح ـ الحوثيّين أنّ المشروع غير كاف. ويضغط التحالف على الأمم المتّحدة لاتّخاذ قرارات عامّة من شأنها أن تؤدّي إلى وقف الحرب وفكّ الحصار.

تطوّر السيناريوهات في الأزمة اليمنيّة

نظراً لاستمرار عزيمة السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة على مواصلة الحرب، السيناريو الأكثر احتمالاً للأزمة اليمنيّة وفقاً لعواملها الحاليّة والأطراف المشاركة هو تخطّي كلّ المراحل النموذجيّة والدخول في مرحلة الاشتعال. وبدلاً من دفع شعب اليمن إلى الاستسلام، هذا السيناريو سيوحّد المجتمع، كما تبيّن مراراً وتكراراً في مسار الصراع العسكريّ. من ناحية أخرى، هذا السيناريو نفسه سيجعل الانهيار الإنسانيّ أمراً لا مفرّ منه. في أوائل عام 2017، حذّرت الأمم المتّحدة بأنّه يستحيل على الصعيد التقنيّ مدّ 20 مليون جائع يمنيّ بالمساعدة الإنسانيّة. وهذا السيناريو محفوف بمخاطر لا يمكن تنبّؤ تداعياتها على المنطقة برمّتها والسعوديّة. فإذا ما استمرّت الغارات الجوّيّة، هذا سيؤدّي إلى كارثة بيئيّة ويُنشئ ظروفاً معيشيّة لا تُطاق في البلاد وسيدفع إلى تدفّق كبير للمهاجرين عبر الحدود ممّا سيُفقد اتّفاق جدّة بين اليمن والسعوديّة الذي أُبرم في عام 2000 مضمونه.

سيناريو مُحتمل آخر يتمثّل بإنهاء عمليّة التحالف العسكريّة وفقاً لذريعة معقولة، من دون تبنّي خطّة تسوية للأزمة تحت إشراف دوليّ. وفي هذه الحال، ستبدأ الأطراف الخارجيّة في اليمن استخدام ما تملكه من نفوذ وسيتحوّل الوضع سريعاً في البلاد من حرب هجينة إلى حرب أهليّة لا تقلّ تداعياتها سوءاً على المنطقة.

أمّا السيناريو الثالث، الذي يصبّ في مصلحة اليمن والأمن الإقليميّ، فهو وقف الأعمال العدائيّة وفي الوقت نفسه تبنّي خطّة تسوية شاملة وجديدة يُقدّمها مجلس الأمن تأخذ بعين الاعتبار دروس الماضي والوقائع الحاليّة. وهذا السيناريو يستحيل تطبيقه ما لم تتغيّر العوامل الحاليّة للأزمة وتتدخّل أطراف خارجيّة قويّة جديدة.

الخاتمة

إنّ انهيار الوضع الإنسانيّ بشكل متسارع في اليمن يزيد بشكل ملحوظ أهميّة المشكلة اليمنيّة على جدول الأعمال السياسيّ الدوليّ. وإصرار السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة على مواصلة الحرب يُسبّب قلقاً متنامياً لدى الشركاء الأوروبيّين لواشنطن، إضافة إلى البلدان الشرق أوسطيّة والآسيويّة. وسيؤدّي انهيار الوضع الإنسانيّ وموت مئات الآلاف في اليمن إلى عمليّات تتعذّر السيطرة عليها أو إلغاؤها في شبه الجزيرة العربيّة، ما من شأنه أن يؤثّر في النظام الأمنيّ بأسره لبلدان القرن الأفريقيّ، إضافة إلى كينيا وأثيوبيا ومصر، وسيؤثّر أيضاً سلباً في مضيق باب المندب الذي تعبّره ربع تجارة الشحن في العالم.

إنّ الطبيعة المُعقّدة للصراع اليمني والدور الحاسم للأطراف الخارجية في شنّ المرحلة العسكريّة من الأزمة واستمرارها يسمح لنا بأن نصف الوضع على أنّه شكل مُعيّن من الحرب الهجينة. والمسار الذي تسلكه الولايات المتّحدة تحت قيادة إدارة ترامب باتّجاه تصعيد الصراع يُلحق الضرر بعمليّة السلام في اليمن ويُقوّض الأمن الإقليميّ، إضافةً إلى تزايد المخاطر على السعوديّة وتدهور الوضع داخل مجلس التعاون الخليجيّ.

لقد تغيّرت طبيعة الأزمة بالكامل خلال مسار عمليّة عاصفة الحزم. في الوقت عينه، لا تزال أهداف الأطراف الدوليّة الرياديّة وحوافزها غامضة وتدفع البلاد باتّجاه مزيد من الفوضى الرهيبة والفقر المدقع. وجميع الأطراف التي تقاتل تحالف صالح-الحوثيّين ومتورّطة في الغارات الجويّة في اليمن هي إمّا تسلّحها أطراف خارجيّة وإمّا تموّلها. ومدّ اليمن بالسلاح من خلال بلدان التحالف يجري بشكل يتناقض وقرار مجلس الأمن وأدّى إلى أن تصل أسعار الأسلحة إلى ما دون سعر المياه الصالحة للشرب في بعض مناطق البلاد. إنّ المرحلة الحالية للأزمة اليمنيّة تمثّل حرباً هجينة، قد تتحوّل إلى صراعات دوليّة عابرة للحدود. ولا شيء لديها مشترك مع البنود الأصليّة لقرار مجلس الأمن 2216.

جوهر الصراع كما شُرح في القرار يتلخّص بالمواجهة بين الرئيس هادي (السلطة الشرعيّة) وحركة أنصار الله (المتمرّدين الذين حضّروا الانقلاب). واقعاً، الصراع بين الطرفين وقع في منتصف كانون الثاني 2015 وتعلّق بمشروع قانون مثير للجدل يدعو لتحويل اليمن إلى فدراليّة، حيث تُقسَّم البلاد إلى ستّ دول. وسبّب المشروع موجة من الانتقاد في أنحاء البلاد كافّة. فطالب الحوثيّون بأن تخضع الوثيقة إلى مزيد من النقاش قبل تبنّيها كجزء من الدستور الجديد، إلا أنّ الرئيس هادي أصرّ على اعتماد المشروع كما هو. ودعم ممثّل الأمم المتّحدة الحوثيّين، الأمر الذي فجّر الوضع وأجبر الرئيس هادي على تقديم استقالته في 22 كانون الثاني 2015.

من الصعب وصف الأحداث التي تلت بأنّها محاولة انقلابيّة باشر بها الحوثيّون. فبعد أن استقرّ هادي في عدن في أواخر شباط 2015 وسحب استقالته، لم يكن الحوثيّون من وقع الصراع المعهم، بل قيادة الجيش في عدن التي رفضت طلبه بأن يستقبل أعضاءها. ولأسباب موضوعيّة، لم يكن الحوثيّون ولا صالح مهتمّين بتنفيذ عمليّة انقلاب ضد هادي: كلاهما انتصرا على الإصلاح وحصدا أعلى النتائج في الانتخابات البرلمانيّة.

لا يذكر القرار السبب الرئيسيّ للتصعيد: الجناح المتطرّف في الإصلاح، الذي دفع الطرفين المتخاصمتين على الساحة السياسيّة إلى تشكيل تحالف من أجل تفادي الخسارة. ولم يذكر القرار أيضاً حقيقة أنّ الإخوان المسلمين يتعاونون علناً مع القاعدة في شبه الجزيرة العربيّة، التي تعتقد الولايات المتّحدة أنّها التهديد الإرهابيّ الأساسيّ في العالم. في غضون ذلك، هذا التعاون يزداد قوّة منذ بداية الحملة العسكريّة في اليمن الجنوبيّ. أخيراً، يتجاهل القرار تماماً موقف الجيش اليمنيّ تجاه الأطراف المتنازعة. فحصّة الأسد من أفراد الجيش اليمنيّ بقيت موالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح، ما يعني أنّها تقف إلى جانب تحالف صالح ـ الحوثيّين. فهل كان من المتوقّع أن تلقي هذه القوّات أسلحتها، وإن حصل ذلك، فلمن تُسلّم أسلحتها؟ إنّ الإغفال وأوجه القصور المذكورين أعلاه في القرار حكموا على الحملة العسكريّة في اليمن بالفشل منذ البداية، ووضعوا قيادتها أمام وضع صعب. ولذلك يجب على الأطراف التي تسعى إلى تسوية الصراع أن تكون مهتمّة في مراجعة نصف القرار.

-----------------------------

تيمور ماخموتوف - Timur Makhmutov : باحث في المجلس الروسيّ  للشؤون الدولية ويحمل شهادة دكتوراه في العلوم السياسيّة.

روسلان ماميدوف - Ruslan Mamedov :  باحث في المجلس الروسيّ للشؤون الدوليّة ويحمل شهادة ماجستير في العلاقات الدوليّة.