البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

November / 19 / 2017 | عدد الزيارات : 169إسرائيل ودول الخليج العربي : دوافع التغيير واتجاهاته

الدكتور كريستيان كوتيس أولريكسن مركز الشرق الأوسط، معهد بايكر للسياسات العامّة، جامعة رايس أيلول 2016

التحرير: بعيداً عن الأضواء تطوّرت العلاقات الإسرائيليّة بصورة متفاوتة مع دول مجلس التعاون الخليجيّ باستثناء الكويت، حتّى بلغت الذروة والعلنيّة بعد ما سمّي بالربيع العربيّ. التعاون التقنيّ والأمنيّ والاستخباراتيّ والتجاريّ يواكب ديبلوماسيّة المتقاعدين ليشكّل شبكة علاقات تزداد خطورة وتعقيداً يوماً بعد يوم. البحث فائق الأهميّة ويلقي أضواء كاشفة على ما يغفل عنه الإعلام أو يتعمّد إغفاله. يبقى أنّنا تدخّلنا في حذف الفقرات التي تجاوزها الزمن وحسب باعتبار البحث مكتوباً في أيلول سنة 2016.


نبذة:

ألقت زيارة «وفد» من الشخصيّات الأكاديميّة والتجاريّة السعوديّة إلى إسرائيل في 22 تموز من عام  2016 الضوء على طبيعة العلاقات السريّة بين الدول الستّ في مجلس التعاون الخليجيّ وإسرائيل[2]. كانت هذه الزيارة غير مسبوقة لجهة خروجها إلى العلن، وقد شكّلت في جزء منها «حقل تجارب» في إشارة إلى المسؤولين في الرياض حول كيفيّة تلقّف مثل هذه الزيارة داخل المملكة العربيّة السعوديّة. وفي حين أنّه من غير المحتمل قيام أيّ علاقات دبلوماسيّة مباشرة بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجيّ في المستقبل القريب، فإنّ إعادة التموضع التي تشهدها المنطقة تزيد من نطاق الاتّصال غير الرسميّ والتعاون الملموس في العديد من المجالات السياسيّة. وقد باتت بارزة مجموعة من المصالح المشتركة (إن لم نقل القيم) في أعقاب الاضطرابات التي شهدتها الساحة العربيّة على أثر الثورات التي شهدتها المنطقة انطلاقًا من عام 2011، ومن ثمّ الاتّفاق النوويّ الإيرانيّ الذي جرى في عام 2015، وبينما جرى تأطير كلّ منهما جاء شعور الحيرة الذي لفّ القدس مماثلاً في عواصم دول مجلس التعاون الخليجيّ على حدّ سواء حيال السياسات الأمريكيّة في الشرق الأوسط في ظلّ إدارة أوباما.

مقدمة

تراجع هذه الورقة البحثيّة ما إذا كانت الروابط ما بين دول الخليج وإسرائيل قد تتّسع إلى ما هو أبعد ممّا تتركزّ فيه حاليًا من مجالات الدفاع والاستخبارات والأمن، وكيفيّة حدوث ذلك حتّى تتّخذ أشكالاً ملموسة من التعاون بشأن القضايا الإقليميّة ذات الاهتمام المشترك. وينبع التحليل القائم حاليًّا من فرضيّة أنّ السياسة الخارجيّة في كلّ من إسرائيل ودول الخليج، تقوم في الوقت الحاليّ على مبدأ التقويم البراغماتيّ للشؤون الإقليميّة والدوليّة والتي لها الأسبقيّة على الاعتبارات الأيديولوجيّة أو التاريخيّة. بالنسبة لكثير من كبار صانعي السياسات الخارجيّة والأمنيّة في إسرائيل، كان جوهر السياسة الإسرائيليّة في الشرق الأوسط منذ أربعينيّات القرن الماضي هو التركيز في مكافحة التطرّف في المنطقة، ومؤخّرًا بات مركّزًا في بناء الشراكات الاستراتيجيّة مع الدول المجاورة التي تشعر أيضًا بأنّها مهدّدة من قبل مثل هذه الجماعات[3]. بالموازاة، فإنّ صناعة السياسات الإقليميّة في إطار دول مجلس التعاون الخليجيّ قد استهدف قبل كلّ شيء الحركات والأفكار المتطرّفة، حيث إنّ «الحرب العربيّة الباردة» التي قامت في أعوام  الستينيّات كانت ذات تأثير كبير في الشؤون الداخليّة في منطقة الخليج. من جانبهما، تعاونت كلّ من إسرائيل والمملكة العربيّة السعوديّة سرًّا في اليمن في أعوام الستينيّات إذ عرف البلدان آنذاك تهديدًا مشتركًا شكّلته مصر الناصريّة، أمّا التركيز الحاليّ الذي ينصبّ على الخطر المتصوّر من إيران وعلى «فكّ الارتباط» الأمريكيّ من المنطقة فهو يشكل مجالًا آخر يفتح أرضًا مشتركًة من جديد[4].

تنقسم هذه الورقة البحثيّة إلى أربعة أقسام. يقدّم الجزء الأوّل نظرة عامّة وموجزة عن العلاقات التي ظلّت تربط إسرائيل بدول مجلس التعاون الخليجيّ حتّى عام 2011. ففي خلال هذه الفترة كانت الروابط التي نشأت محدودة النطاق على الدوام، على أنّها في معظمها ذات طبيعة تكنوقراطيّة، وغالبًا ما كانت غير رسميّة في الممارسة العمليّة. ويتبع ذلك قسم يتناول المجالات الثلاثة للتقارب بين المصالح الإقليميّة «على المستوى الكلّي» منذ عام 2011، وهنا تحديداً تكمن الآثار المترتّبة على الاضطرابات السياسيّة التي تحرّكها الانتفاضات العربيّة، إذ وقع ردّ فعل عنيف تجاه خطّة العمل الشاملة المشتركة التي وُقّعت ما بين إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد في شهر تموز من عام 2015، وعلى الشعور الواضح بعدم الارتياح الذي ساد في أوساط صنّاع السياسات في جميع أنحاء المنطقة تجاه السياسات التي تبنتها إدارة أوباما في الشرق الأوسط. ينتقل الجزء الثالث من المنظور الكلّي إلى المستوى الجزئيّ، ويحلّل مجالات التعاون الفعليّة والمحتملة التي من الممكن أن تربط إسرائيل بدول مجلس التعاون الخليجيّ في العديد من القطاعات، التي تنطلق من الطاقة المتجدّدة وإدارة المياه والتكنولوجيا الطبيّة والاهتمام المشترك بريادة الأعمال والابتكار باعتبارها دول ذات قرار في الشأن الاقتصاديّ. ويختتم الجزء الرابع بمجموعة من الملاحظات بشأن الآفاق المستقبليّة للعلاقة مع تولّي الإدارة الرئاسيّة الأمريكيّة الجديدة مهامّها في عام 2017 وصياغة نهجها إزاء السياسة الإقليميّة.

الجزء الاول : العلاقات بين إسرائيل ومجلس التعاون الخليجي قبل عام 2011

إن جيل «الآباء المؤسّسين» الذي قاد دول الخليج إلى الاستقلال بين عام 1932 (كما هي حال المملكة العربيّة السعوديّة) و1971 (حال البحرين وقطر والإمارات العربيّة المتّحدة) كان قد تبنىّ وجهات نظر معادية تجاه إسرائيل وقد اختبر إبّان حياته سلسلة صادمة من الأحداث التي قادت إلى قيام دولة إسرائيل وما تبعها من الحروب العربيّة الإسرائيليّة المتتالية. أمّا النزاع في اليمن في الستينيّات الذي أتينا على ذكره سابقًا فليس سوى استثناء كبير للقاعدة العامّة التي فرضت على دول الخليج إلى جنب غيره الكثير من دول العالم العربيّ الأوسع، ضدّ إسرائيل بشكل مباشر. علمًا أنّ الملك فيصل في المملكة العربيّة السعوديّة كان له الدور الفاعل في تنظيم الحظر النفطيّ العربيّ في أعقاب حرب يوم الغفران في عام 1973. قبل عامين من ذلك التاريخ، قام حاكم أبوظبي، وأوّل رئيس لدولة الإمارات العربيّة المتّحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بتبنّي الوضع السائد الذي كان يلفّ العواصم العربيّة الخليجيّة عندما قال لصحيفة أخبار اليوم:

إنّ سياسة إسرائيل التوسعيّة والخطط العنصريّة التي تتبنّاها الصهيونيّة إنّما هي موجهة ضدّ كلّ الدول العربيّة، ولا سيّما الدول الغنيّة بالموارد الطبيعيّة. لا يوجد بلد عربيّ آمن من مخاطر المعركة مع الصهيونيّة ما لم يلعب دوره ويتحمّل مسؤوليّاته في مواجهة العدوّ الإسرائيليّ[5].

وعلى الرغم من أنّ دول الخليج لم تتّفق يومًا بشكل جماعيّ حول تبنيّ الموقف الواحد بشأن إسرائيل (قبل تشكيل مجلس التعاون الخليجيّ في عام 1981)، نجد أنّ مناخ العداء استمرّ إلى حدّ كبير في سنوات التسعينيّات، على أنّه بدأ فقط في التراجع مع انتقال القيادة إلى الأجيال الجديدة بسبب وفاة «الآباء المؤسّسين». علمًا أنّها لم تكن المرّة الأولى آنذاك التي تغرّد فيها سلطنة عُمان خارج السرب الخليجيّ وهي التي أيّدت علنًا مفاوضات السلام التي قام بها الرئيس السادات في مصر والمعاهدة اللاحقة مع إسرائيل في الفترة بين عامي 1978 و1979. والواقع يقول إنّ عُمان كانت «منبوذة» من قِبل جيرانها الخليجيّين بعد أن أصبحت واحدة من الدول العربيّة الثلاث فقط التي لم تقطع العلاقات الدبلوماسيّة مع مصر بعد اتّفاق كامب ديفيد التي لم تحضر قمّة الجامعة العربيّة «الرافضة» التي انعقدت في بغداد من أجل إدانة القرار المصريّ آنذاك[6].

بدأت الاتّصالات الدبلوماسيّة بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجيّ مبدئيًّا على أثر مؤتمر مدريد، الذي كان قد انعقد في عام 1991 ليعالج مسألة السلام العربيّ الاسرائيليّ، علمًا أنّ سلطنة عُمان كانت قد استضافت أوّل زيارة يقوم بها مسؤول إسرائيليّ وهو رئيس الوزراء اسحق رابين إلى الخليج العربيّ في شهر كانون الأوّل من عام  1994. من ناحية أخرى، فقد زار شيمون بيريز الذي خلف رابين عُمان في شهر نيسان من عام 1996 واجتمع  مع السلطان قابوس لمناقشة العلاقات الثنائيّة بين الطرفين. بعد ذلك فتحت إسرائيل مكاتب تجاريّة لها في كلّ من عمان وقطر في عام 1996، حتّى إنّ عمان قامت بمبادلة مكتب تجاريّ لها في تل أبيب، ولكن سرعان ما أغلقت هذه المكاتب في عام 2000 على خلفيّة ازدياد التوتّرات بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينيّة الثانية. ولكنّ إسرائيل حافظت في وقت لاحق على وجود رمزيّ لها متمثّل في بعثةٍ إلى الدوحة إلى أن أغلقت الحكومة القطريّة بشكل دائم أبواب هذه البعثة في شهر كانون الثاني من عام 2009 احتجاجًا على الهجوم الإسرائيليّ على قطاع غزة الذي بدأ مع شهر كانون الأول من عام 2008. في ذلك الحين، كان الشخص الرئيسيّ الذي تولّى ملفّ النشاط الدبلوماسيّ الإسرائيليّ في الخليج في أوائل التسعينيّات هو نائب وزير الخارجيّة  يوسي بيلين ومن ثمّ في أوائل أعوام الــ  2000 تولى بروس كاشدان منصب المبعوث الإسرائيليّ الفعليّ إلى المنطقة[7].

أضف إلى ذلك أنّ تغيّرات مهمّة وكبيرة قد حدثت على مستوى القيادة في كلّ دولة من دول مجلس التعاون الخليجيّ ما خلا سلطنة عُمان بين عامي 1995 و2006، حيث جاء محلّ مجموعة الحكّام الذين كانوا في السلطة منذ السبعينيّات والثمانينيّات، مجموعة أخرى من القادة الأصغر سنًّا الذين اْعتمدوا سلسلة من الإصلاحات السياسيّة الحذرة والدقيقة والتي تبنَّوا على أثرها الأنظمة الاقتصاديّة التوسعيّة والأكثر تحررًا[8]. كما شهدت سنوات الـ 2000 على درجة مماثلة من الاعتدال في السياسة الإقليميّة والخارجيّة، شملت بذل الجهود لاستكشاف أفق الحوار المحتمل مع إسرائيل ومخطّطات حلّ القضية الفلسطينيّة. أمّا مبادرة السلام العربيّة التي أطلقها  الأمير عبد الله الذي كان ولي عهد المملكة العربيّة السعوديّة، في خلال قمّة الجامعة العربيّة التي انعقدت في بيروت في  عام 2002، فقد أشارت إلى تغيير كبير في النهج المعتمد بعيدًا عن موقف «الرفض» المتشدّد الذي كان سائدًا في السابق تجاه إسرائيل. وقد دلّت مبادرة السلام العربيّة هذه على نوع من الاستعداد العربيّ للاعتراف رسميًّا وجماعيًّا بوجود إسرائيل، لولا أنّها تزامنت مع تصاعد كبير في أعمال العنف بين الجانبين الإسرائيليّ والفلسطينيّ، ولولا أنّها فشلت في لفت أنظار صنّاع القرار في كلّ من الولايات المتّحدة وإسرائيل[9].

إضافة إلى ما ذكرناه أعلاه من فتح المكاتب التجاريّة الإسرائيليّة في مسقط والدوحة في أعوام التسعينيّات، فقد تحسّنت العلاقات بين إسرائيل والإمارات العربيّة المتّحدة بعد وفاة الشيخ زايد في تشرين الثاني من عام 2004 ونمّى التبادل التجاريّ مع دبي خصوصاً، وهو ما تضمّن ولادة الشراكة بين شركة موانئ دبي العالميّة التي تملكها إمارة دبي وأكبر شركة شحن في إسرائيل، وهي شركة زيم المتكاملة للشحن[10]. وقد قطف هذا التعاون الثمار الجيوسياسيّة غير المتوقّعة في أوائل عام 2006 في خضمّ عاصفة سياسية اجتاحت الولايات المتّحدة الأمريكيّة، تلت حصول شركة موانئ دبي العالميّة على عقد لتشغيل عمليّات الشحن في كبرى الموانئ الأمريكيّة. ومع انخراط بعضهم بشكل مبالغ فيه في إظهار شركة موانئ دبي العالميّة (وبالتالي إمارة دبي ودولة الإمارات العربيّة المتّحدة)، على أنّها  تشكّل تهديدًا محتملاً للأمن القوميّ الأمريكيّ، حوّل الرئيس التنفيذيّ لشركة زيم، وهو إسرائيليّ، إلى المدافع الأكبر عن شركة موانئ دبي العالميّة. وفي رسالة مفتوحة وجّهها إلى السيناتور عن مدينة نيويورك هيلاري كلينتون، انتقد ايدون أوفر «المعلومات المضلّلة التي تُنشر حول شركة موانئ دبي العالميّة في وسائل الاعلام الاميركيّة» وأضاف «بصفتنا شركة إسرائيليّة ... نحن مرتاحون جدًّا في التعامل مع الموانئ التي تُديرها شركة موانئ دبي العالميّة»[11].

وقد بات من الجليّ أن النفحة البراغماتيّة، التي كانت تطبع الموقف اللّين الذي تبنّته دول الخليج تجاه إسرائيل كانت أكثر وضوحًا في أروقة صناعة القرار، أكثر ممّا كانت في أوساط الرأي العامّ في دول مجلس التعاون الخليجيّ، وهو الذي ظلّ عرضة للتأثّر بما كان يجري من أعمال عنف دوريّة في إطار الصراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ. كما أنّ حرب تموز 2006 التي وقعت بين إسرائيل وحزب الله استطاعت أن تثير الغضب الكبير في شوارع دول الخليج (وغيرها من الدول العربيّة)، على الرغم من أنّ قادة دول الخليج، ما عدا قطر، كانوا يشعرون بالضيق بسبب الدعم العلنيّ الذي لاقاه حزب الله، وبالمحصّلة إيران. كما برزت مخاوف مماثلة مرّة أخرى بعد ثلاث سنوات عندما رفضت كلّ من المملكة العربيّة السعوديّة والبحرين والكويت حضور «قمّة» عربيّة عقدت على عجل بناءً على طلب من القيادة القطريّة في الدوحة في أعقاب الهجوم الإسرائيليّ على غزّة في شهر كانون الثاني عام 2009، ونظّمت عوضًا عن ذلك قمّة منافسة في الرياض، حيث أعربت هذه الدول المعارضة عن غضبها إزاء دعم قطر لحركة المقاومة الفلسطينيّة حماس، وبالتالي قدّمت مثالاً مبكّرًا عن الخلافات المتنامية بين قطر وجيرانها الخليجيّين التي ما لبثت أن انفجرت بعد ذلك وخرجت أصداؤها إلى العلن في إبّان الربيع العربيّ وبعده[12].

وفي الوقت الذي كان فيه الربيع العربيّ يفجّر شوارع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شهر كانون الثاني عام 2011، ظهر «التلحلح» غير الرسميّ في مواقف النخب السياسيّة في الدول الخليجيّة تجاه إسرائيل في مقابلة أجراها رئيس شرطة دبي المعروف بصراحته في التعبير عن رأيه الفريق ضاحي خلفان تميم، مع صحيفة شبيغل أونلاين الألمانيّة،  قال :

... نحن نعلم أنّ العديد من الإسرائيليّين يدخلون بلادنا بواسطة جوازات سفر غير إسرائيليّة، ونحن نعاملهم كما نتعامل مع أيّ شخص آخر، ونحمي حياتهم كما نحمي حياة الآخرين، من دون أن نشغل أنفسنا بمعتقدهم الدينيّ[13].

علمًا أنّ تعليقات خلفان هذه جاءت بعد عام تقريبًا من قيام فريق مكوّن من 27 عنصراً مرتبطين بوكالة الاستخبارات الإسرائيليّة الموساد بتنفيذ عمليّة اغتيال محمود المبحوح، وهو كبير مفاوضي الأسلحة في حركة حماس، داخل فندق البستان روتانا في دبي[14]. وقد أدّت التداعيات الناجمة عن عمليّة الاغتيال هذه إلى تعقيد العلاقات مع الشركات الإسرائيليّة والأفراد الإسرائيليّين إنّما من دون أن تؤدّي إلى قطعها نهائيًّا، كما أنّها ساهمت في تسليط الضوء على خطوط الصدع التي أعادت هيكلة الوضع الجيوسياسيّ في الشرق الأوسط. وفي حين بقيت القضايا العربيّة - الإسرائيليّة والإسرائيليّة - الفلسطينيّة قادرة على تعبئة المشاعر الجياشة لدى جميع الأطراف، فإنّها لم تعد تمثّل الوجه الوحيد الذي يطبع العاصفة التي هبّت  بعد عام 2011 والتي ساهمت في إعادة تنسيق المشهد السياسيّ في الشرق الأوسط، على الرغم من أنّ هذه القضايا قد لا تكون قد دفنت عميقًا تحت سطح الجغرافيا السياسيّة في المنطقة كما قد يرغب صانعو القرار الإسرائيليّون أحيانًا.

الجزء الثاني : التقارب في ما «بعد الربيع العربيّ»/ 2011 - 2016

لم يكن ثمّة نهج متجانس تتبنّاه دول مجلس التعاون الخليجيّ بالإجماع إبّان الربيع العربيّ، تمامًا كما لم يكن ثمّة اتساق في تأثير الاضطرابات السياسيّة في جميع أنحاء المنطقة. وهكذا، اجتاحت شوارع البحرين التظاهرات الاحتجاجيّة العارمة، كما حدثت اضطرابات كبيرة أيضًا في المنطقة الشرقيّة من المملكة العربيّة السعوديّة والكويت التي استمرّت حتّى عام 2012. على أنّ المسؤولين في كلّ من المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة، قد اعتمدوا نهجًا متشدّدًا إزاء التهديد الخارجيّ الذي كان يستهدف الاستقرار الإقليميّ، والذي رؤوا أنّه كان يأتي من صوب إيران (كما هي حال المظاهرات التي قادها الشيعة في البحرين والمنطقة الشرقيّة)، كما الإخوان المسلمون (كما هي حال الاحتجاجات التي تمحورت حول السنّة في الكويت والضغط من أجل إجراء الإصلاحات السياسيّة في الإمارات العربيّة المتّحدة). وعلى النقيض من ذلك، تبنّى المسؤولون في قطر تجاه التغيير ونهجه في الدول التي كانت تمرّ بمرحلة انتقاليّة والتي شهدت تغييراً في نظامها السياسيّ في عام 2011، ولم يشاطروا جيرانهم الرأي حيال الاستنفار بشأن تمكين الإسلاميّين السياسيّين المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين على مستوى المنطقة[15].

وأدّت تأثيرات الاضطراب الذي أحدثه الربيع العربيّ إلى إعادة صياغة خطوط الصدع العريضة والرئيسية في سياسة الشرق الأوسط، حيث سعى صناع القرار في دول مجلس التعاون الخليجيّ إلى إضفاء صبغة «التدخّل» من قبل جهات خارجيّة على الاضطرابات التي اجتاحت البحرين وأماكن أخرى في الخليج في محاولة منها ولو جزئيًا لتشتيت أيّ تركيز عن القضايا الداخليّة باعتبارها أسباب جوهريّة للاستياء السياسيّ أو التظلم الاقتصاديّ. وانطلاقًا من هذا المبدأ فقد عزا المسؤولون في دول مجلس التعاون الخليجيّ السبب وراء الانتفاضة في البحرين إلى التدخّل الإيرانيّ، وعندما تصاعدت وتيرة الاحتجاجات في أوساط العرب السنّة في الكويت في عام 2012،  وُجّهت أصابع الاتّهام صوب جماعة الإخوان المسلمين بالسعي إلى الإطاحة بالأنظمة الملكيّة في الخليج واحدًا بعد الآخر، بدءًا من الكويت[16]. وقد راجت موجة السياسة الطائفيّة في العالم العربيّ المستعر في فترة «ما بعد الربيع العربيّ»، حيث تصاعدت التوتّرات بين المملكة العربيّة السعوديّة وإيران، وشكّل السباق المتزايد على القيادة السياسيّة في الدول التي كانت تمرّ بمرحلة انتقاليّة على سبيل مصر منافسة ثنائيّة بين الإسلاميّين من جهة، ومناصري سياسة «الوضع الراهن» التي تهيمن عليها المؤسّسة العسكريّة من ناحية أخرى[17].

وإزاء هذه الإحداث التي كانت تجري في السرّ، فإنّ التقارب المهمّ الذي لطالما سعت إليه فروع كثيرة من المؤسّسة العسكريّة والأمنيّة الإسرائيليّة مع دول مجلس التعاون الخليجيّ قد بدأ يتبلور منذ عام 2011، حيث أتاحت المنطقة في مرحلة ما بعد الربيع العربيّ فرصة لتعميق العلاقات غير الرسميّة في المجالات ذات الاهتمام المشترك. وعلى غرار نظرائهم في عواصم دول مجلس التعاون الخليجيّ، يقرّ المسؤولون الإسرائيليّون عمليًّا بأنّ ثمّة حدود للمدى الذي قد تصل إليه هذه العلاقة، وما دام أنّه لا انفراج مهمّ بالنسبة إلى حلّ القضية الفلسطينيّة فإنّ إسرائيل لن تحظى بأيّ اعتراف رسميّ من قبل دول مجلس التعاون الخليجيّ. وعليه، واستناداً إلى ما ذكرناه سابقًا في الجزء الأوّل من اتّصالات دارت بين الطرفين، نجد أنّ ثمّة مصلحة مشتركة قد نشأت بين صنّاع القرار الإسرائيليّين والخليجيّين حول العديد من القضايا الحاسمة التي فرضتها الظروف السياسيّة في الشرق الأوسط، ومن ضمن هذه، تلك الافتراضات القائلة إنّ إيران تمثّل تهديدًا خارجيًّا على الاستقرار في المنطقة، إن بالنسبة إلى العالم العربيّ أو إلى إسرائيل، وإنّ الإخوان المسلمين وغيرهم من الإسلاميّين يشكّلون تهديدًا داخليًّا ليس بالأقلّ خطورةً. إضافة إلى ذلك، أعرب صانعو القرار في إسرائيل عن قلقهم العميق إزاء ما يرون فيه «تقليص» لسلطة الولايات المتّحدة في الشرق الأوسط تحت إدارة أوباما، التي يرون أنّها تقوض مؤيّدي الولايات المتّحدة وتشجع أعداءها في المنطقة، مستخدمين لغة تشبه إلى حدّ كبير اللغة المستخدمة في الرياض وأبوظبي، وعواصم خليجيّة أخرى[18].

في شهر كانون الثاني من عام 2016، أشار السفير الإسرائيليّ السابق إلى مصر زفي مازل إلى التقارب الاستراتيجيّ بين المصالح الإسرائيليّة - الخليجيّة، إن لم نقل التقارب في القيم:

في خلال المحادثات النوويّة الإيرانيّة، بدأت دوائر الاستخبارات الإسرائيليّة ببناء العلاقات الأكثر فاعليّة مع دول الخليج ... تقيم الإمارات العلاقات الجيدة معنا بسبب مصالحنا الأمنيّة المشتركة ضدّ إيران وجماعة الإخوان المسلمين ... وفي بعض المجالات بات بالإمكان من دون شكّ استشعار التقارب المتزايد بين دول الخليج وإسرائيل[19].

وعلى نحو مشابه، أشار إران إتسيون، وهو رئيس سابق لتخطيط السياسات في وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة (في عام 2016) إلى أنّه بحلول عام 2009 «كان من الواضح أنّ كبار المسؤولين في المؤسّسات الاستخباراتيّة والأمنيّة في كلّ من إسرائيل ودول الخليج قد دخلوا مرحلة التعاون ولكنّ هذا لا يعني أنّ ثمّة تقدّماً دبلوماسيّاً كبيراً في طور التشكّل». ومع ذلك، فإنّ هذا التعاون المحدود يشكّل سابقة في مجال التعاون الإضافيّ في غضون الأشهر العشرين التي فصلت ما بين إعلان بدء المفاوضات حول الملفّ النوويّ الإيرانيّ في شهر تشرين الثاني عام 2013 والاتّفاق الفعليّ الذي أعلن في شهر تموز عام 2015. في خلال هذه الفترة، قال اتزيون «كان ثمّة حالات مؤكّدة من التنسيق» في أوساط صنّاع القرار في السعوديّة ودول مجلس التعاون الخليجيّ في واشنطن، حيث «جرى تشكيل وفد إسرائيليّ من أجل الضغط استنكارًا على الاتّفاق، ومن قبيل المصادفة، قبل بضعة أسابيع كان أحد الوفود السعوديّة يزور واشنطن»[20]. حتّى إنّه في شهر آذار عام 2015، نشرت قناة «العربيّة» الإخباريّة السعوديّة، افتتاحيّة بقلم مديرها العامّ فيصل عباس، تحت عنوان «حضرة الرئيس أوباما: استمع إلى ما يقول نتنياهو عن إيران»، حيث قدّم عباس ملخّصًا دقيقًا للتقارب في التفكير بين الخليج العربيّ وإسرائيل:

تمكّن رئيس الوزراء الاسرائيليّ من الضرب على الوتر الحسّاس عندما قال إنّ دول الشرق الاوسط راحت تنهار وإنّ «المنظّمات الارهابيّة التي تدعمها إيران في الغالب بدأت تسدّ الفراغ». وفي بضع كلمات تمكّن نتنياهو أن يلخّص بدقّة الخطر الواضح والحاضر المحدق لا بإسرائيل (التي من الطبيعي أن تكون شغله الشاغل) وحسب، بل بالحلفاء الأميركيّين الآخرين في المنطقة ... ولكنّ ما هو سخيف أنّه على الرغم من أن هذه المسألة هي الأمر الوحيد الذي يجمع بين العرب والإسرائيليين (بما أنّه يشكّل التهديد الأكبر عليهم جميعًا)، فإنّ الطرف الوحيد الذي لا يدرك حجم الخطر الذي يفرضه هذا الوضع هو الرئيس أوباما ...[21]

ومن ثمّ فليس من المستغرب أن نجد أنّ الظروف التي أدّت إلى انعدام الأمن في المنطقة بعد عام 2011، كانت تعني نموّ قطاعي الدفاع والأمن حتّى يتحوّلا إلى نموذج مصغّر عن الديناميّة المتطوّرة التي تطبع العلاقات الخليجيّة الإسرائيليّة. أمّا واحدة من أقدم هذه الأواصر فيرجع تاريخها إلى عام 2008، أي عندما وقّع جهاز حماية المنشآت الحيويّة والسواحل في إمارة أبوظبي عقدًا بقيمة 816 مليون دولار أمريكي مع شركة أي جي تي إنترناشونال، وهي شركة مقرّها جنيف ويملكها رجل الأعمال الإسرائيليّ ماتي كوشافي، من أجل مراقبة معدّات البنية التحتيّة الحيويّة في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، بما في ذلك حقول النفط والغاز[22]. وفي عام 2011، وافق هذا الجهاز على شراء طائرات بدون طيّار من أنظمة الدفاع الجويّ الإسرائيليّة، على الرغم من أنّ الصفقة كانت محظورة بعد أن فشلت شعبة المبيعات العسكريّة التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيليّة في الموافقة على تصدير المركبات إلى دولة عربيّة[23]. على أنّ أبرز التعاملات التي حصلت بين شركة أي جي تي إنترناشونال كانت عبر وسيط سويسريّ ودارت حول مشروع مشترك مع شركتين إماراتيّتين هما شركة الأنظمة المتكاملة المتقدّمة وشركة الحلول التقنيّة المتقدّمة في إطار مبادرة إشراف شاملة تضمّ إمارة  أبوظبي بأكملها تدعى عين الصقر[24].

كما جرت لقاءات في السرّ بين المسؤولين السعوديّين والإسرائيليّين، سواء أكانوا في الخدمة أم من المتقاعدين، كما تعزّزت قناة اتّصال حول أنور عشقي، وهو جنرال سعوديّ متقاعد يرأس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجيّة والقانونيّة في جدّة، ودوري غولد، وهو المدير العامّ لوزارة الخارجيّة الإسرائيليّة، وواحد من الذين لطالما كانوا في خدمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وأكثرهم أهل ثقة[25]. وقد التقى الرجلان في أكثر من ستّ مناسبات في سلسلة من اجتماعات «المسار الثاني» لمناقشة التحدّي الذي تفرضه إيران وغيرها من قضايا الأمن الإقليميّ الأخرى[26]، وكان عشقي نفسه هو من ترأّس «الوفد» السعوديّ إلى إسرائيل في شهر تموز عام 2016 حيث التقى غولد واللواء يواف موردخاي، وهو كبير المسؤولين عن تنفيذ سياسة الحكومة الإسرائيليّة داخل الأراضي الفلسطينيّة، إلى جانب غيره من المسؤولين الرسميّين. وقال عشقي في تصريحات لصحيفة يديعوت احرونوت في تل أبيب إنّ «الظروف قد تغيّرت» في الجغرافيا السياسيّة في المنطقة، وأضاف «إنّه بات بإمكاننا اليوم تحديد الأعداء المشتركين بسهولة أكبر»[27]. ومن جانبه، أشار غولد في شهر حزيران عام 2015 في خلال ظهورٍ له مع عشقي داخل مكتب مجلس العلاقات الخارجيّة في واشنطن، إلى أمله في أن تكون هذه الاجتماعات «بداية لمزيد من النقاش حول مشاكلنا الاستراتيجيّة المشتركة»[28].

وتشير التطوّرات الأخيرة أيضًا إلى تحلحلٍ في العلاقات بين المملكة العربيّة السعوديّة وإسرائيل، وإن كان ذلك على مستوى سلسلة من اللقاءات غير الرسميّة. وفي أعقاب مقتل أربعة أشخاص في هجوم إطلاق نار في تل أبيب وقع في شهر حزيران عام 2016، لفتت قناة العربيّة ـ وهي شبكة الأخبار العربيّة والسعوديّة الجنسيّة ـ الانتباه (وبعض الانتقادات بين أوساط مشاهديها) بسبب حدّة انتقاداتها لهذا الهجوم، في حين أنّ واحداً من كبار أعضاء جمعيّة الصحفيّين السعوديّين غرّد على تويتر يقول  إنّ «هجوم تل أبيب هو إرهاب وقتل، وتضامننا ودعمنا للشعب الفلسطينيّ لا يعني أنّنا نقبل قتل الأبرياء والمدنيّين. نودّ أن نعرب عن تعازينا لأسر الضحايا»[29]. كما كشف مراقبون إسرائيليّون متخصّصون بمتابعة وسائل الإعلام السعوديّة عن مجموعة من المقالات التي ظهرت في أعقاب زيارة وفد عشقي إلى إسرائيل والتي يبدو أنّها تدلّ على قيام حملة تسعى إلى التخفيف من حدّة معاداة الساميّة والعداء الانعكاسيّ لليهود وإسرائيل، والتي أشارت صحيفة تايمز أوف إسرائيل إلى أنّها قد تدلّ على «محاولة لإعداد الرأي العامّ وتهيئته قبل تعميق العلاقات مع العدوّ القديم»[30].

وعلى الصعيد الرسميّ، يرى بعضهم أنّ نقل ملكيّة جزيرتين في البحر الأحمر من مصر إلى السعوديّة في شهر نيسان عام  2016 قد حصل بمباركة من اسرائيل، على الرغم ممّا أثاره ذلك من موجة جدال واسعة، حيث ترى كلّ من اسرائيل والمملكة العربيّة السعوديّة أنّ ضمان فرض السيطرة السياسيّة على مصر هو حجر زاوية لا بديل عنه للوصول إلى الاستقرار في المنطقة[31]. ومع ذلك، وفي ظلّ غياب أيّ مبادرة جديدة قادرة على استعادة عمليّة السلام الفلسطينيّة جديًّا، يعترف المسؤولون الإسرائيليّون والخليجيّون بأنّه سيكون من الصعب توسعة نطاق هذه الاتّصالات الوليدة والفرديّة وتحويلها إلى علاقات دبلوماسيّة كاملة ومفتوحة، على الرغم من الرغبة المتزايدة لدى المسؤولين في كلّ من إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجيّ في استكشاف آفاق الاهتمامات المشتركة بدلًا من السعي إلى تحقيق الانفراج الدبلوماسيّ الرسميّ، وهو ما يشير إلى أن تقويم الإمكانيّات (والتقييدات) بات أقلّ حدّة وأكثر واقعيّة من أجل المُضيّ قُدمًا، علمًا أنّ مسألة الإجماع على أنّ إيران تشكّل التهديد الأكبر والأكثر إلحاحًا على الاستقرار في المنطقة وعلى أنّ المسؤولين في القدس وعواصم دول مجلس التعاون الخليجيّ لم يعودوا واثقين بدعم الولايات المتّحدة في التعامل مع هذا التهديد أصبحت تكمّل هذه المقاربة ، وبالتالي أصبح هؤلاء يشعرون بأنّ عليهم أن يتولّوا زمام الأمور بأنفسهم.

ولا يسعنا إلّا أن ننتظر لنرى ما إذا كان أمد هذه المرحلة الجديدة من العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجيّ وإسرائيل يمكن أن يدوم أكثر ويتوسّع إلى ما هو أبعد من المستوى غير الرسميّ، على أنّ واحدة من التحدّيات الرئيسيّة التي تواجه هذه السياسات تتمثّل في كيفيّة ضمان أن تكون الصلات المزدهرة التي أتينا على ذكرها أكثر مرونة في مواجهة التطوّرات الجيوسياسيّة التي تمرّ بها المنطقة مقارنة بالمكاتب التجاريّة التي كان عمرها قصيرًا ولم يتخطّ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. علمًا أنّ أيّ بارقة أمل في إعادة إحياء مبادرة السلام العربيّة – وهو ما يبدو أنّ رئيس الوزراء نتنياهو كان قد لـمّـح إليه في شهر آيار عام 2016[32] – قد تتيح لقادة دول مجلس التعاون الخليجيّ الفرصة المناسبة للمناورة مع الرأي العامّ المحلّيّ الذي  لا يزال أقلّ اقتناعًا بمزايا التعامل مع إسرائيل. أضف إلى ذلك أنّ من شأن إعادة تعبئة المبادرة بعيدًا عن مقترح القبول أو الرفض الذي جرى عرضه في عام 2002 لتتحوّل إلى سلسلة من الخطوات الإضافيّة، أن تزيد من احتمالات التوصّل إلى نتيجة ذات مغزى وأن تقلّل من ضعف العلاقات بين الدول العربيّة وإسرائيل وحصرها بالزيارات الدوريّة في التوتّر الذي قوّض المحاولات السابقة لإقامة العلاقات الوثيقة.

الجزء الثالث : التعاون التكنوقراطي والمصالح المشتركة

وفي غياب الترتيبات الدبلوماسيّة الرسميّة، فإنّ العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجيّ وإسرائيل قد تمحورت حول التعاون التكنوقراطيّ في القطاعات ذات الاهتمام المشترك والتي في حدّ ذاتها تضاعفت من حيث العدد. علمًا أنّه على مدى سنوات عديدة ظلّ المثال الأكبر والأهمّ على هذا النوع من العلاقات يتمثّل في مركز أبحاث الشرق الأوسط لتحلية المياه في عمان، وهو المنظّمة الوحيدة التي لا تزال مستمرّة منذ زمن اتفاقات أوسلو التي أبرمت في عام 1993، التي أصبحت في ما بعد نموذجًا للتعاون في البحث المشترك وبناء القدرات بين إسرائيل والدول العربيّة[33]. وتشير تجربة المركز إلى أنّ وجود مثل هذه المؤسّسات يمكن أن يعزّز الدبلوماسيّة المتعدّدة المسارات بين الدول العربيّة وإسرائيل، من خلال توفير الفرص المناسبة للتفاعل المهنيّ والدبلوماسيّ، وقد سهّلت استضافة حلقات عمل الخبراء الدوليّين المشاركين في المجلس التنفيذيّ الذي يرأسه الأمين العامّ لوزارة الخارجيّة العمانيّة، السيد بدر بن حمد البوسعيدي، من سبل الاتّصالات بين المسؤولين الإسرائيليّين والعرب على هامش الاجتماعات مع كبار المسؤولين من جميع الدول المعنيّة.[34]. وفي حديث له يعود إلى عام 2011، قال رونالد مولينغر الذي كان يشغل آنذاك منصب مدير المركز إنّ إسرائيل «تأخذ المركز ودوره الإقليميّ على محمل الجدّ، حيث يمنحهم هذا المركز أيضًا فرصة للتفاعل مع الدول التي لا علاقات دبلوماسيّة رسميّة معها حتّى الآن»[35].

ومثلما هي الحال بالنسبة إلى مركز أبحاث الشرق الأوسط لتحلية المياه ولكن على نطاق أوسع هذه المرّة؛ توفّر الوكالة الدوليّة للطاقة المتجدّدة فرصة أخرى لبناء شبكات البحوث المشتركة وبناء القدرات الضخمة والمستدامة والتي يتمحور عملها حول القضايا ذات الاهتمام المشترك. وقد حرصت الإمارات العربيّة المتّحدة بشدّة على استضافة أعمال هذه الوكالة بعد انطلاقتها في عام 2009، وأدّت محاولة أبو ظبي الناجحة إلى إقامة منظّمة حكوميّة دوليّة من هذا النوع لأوّل مرّة في الشرق الأوسط، علمًا أنّ إسرائيل كانت قد أيدت العرض الإماراتيّ لاستضافة الوكالة، وهي العضوّ الدائم في المنظّمة منذ اليوم الأوّل وكثيرًا ما أرسلت الوزراء في حكومتها لحضور اجتماعات الجمعيّة السنويّة، وهو ما حذا بالكويت أن تقاطع مجلس الجمعيّة الرابع في كانون الثاني من عام 2014[36]. أضف إلى أنّ كلّاً من إسرائيل والإمارات العربيّة المتّحدة قد استثمرا بكثافة في إنشاء المراكز البحثيّة المتخصّصة في مجال الطاقة المتجدّدة، حيث توفّر مظلّة الوكالة الدوليّة للطاقة المتجدّدة مجالاً كبيرًا لهذين البلدين من أجل العمل معًا في سبيل توسعة الحدود التكنولوجيّة أكثر وأكثر. في الواقع، أكّد مسؤولون إسرائيليّون وإماراتيّون في شهر تشرين الثاني عام 2015، أنّ إسرائيل سوف ترسل ممثلّاً دائمًا لها ذكرت صحيفة هآرتس اسمه على أنّه الدبلوماسيّ رامي هاتان - في أبي ظبي، على أن يكون المعتمد لدى الوكالة الدوليّة للطاقة المتجدّدة[37].

وتشير تعليقات المسؤولين الإسرائيليّين في أعقاب إعلان الوكالة، إلى أنّها تعتبر افتتاح البعثة الدبلوماسيّة بمثابة «موطئ قدم» التي يرغبون انطلاقًا منها في تحقيق المزيد من التقدّم في دول مجلس التعاون الخليجيّ. وقال مسؤول اسرائيليّ لم يكشف عن اسمه في مقابلة مع صحيفة ميدل إيست آي في لندن أنّ «الاساس المنطقيّ واضح جدًّا ـ ألا وهو إيجاد موطئ قدم في الخليج» بينما يقول الدكتور شاوول ياناي من منتدى التفكير الاقليميّ في القدس في هذا الشأن:  «يمكننا القول إنّه ما لم تلاقِ الإمارات أيّ ردّ فعل عنيف، فإنّها ستفتح الباب أمام الخطوة التالية»[38]. وبينما لعب دوري غولد دورًا رئيسيًّا في افتتاح البعثة الإسرائيليّة في الوكالة الدوليّة للطاقة المتجدّدة عام 2015، تمامًا كما الدور الذي اضطلع فيه بعد ذلك إبّان المفاوضات التي أوردناها سابقًا مع محاوريه السعوديّين عام 2016، قد يفترض بعضهم أنّ هذا الرجل ـ ونظرائه من الإماراتيّين والسعوديّين ـ يراقبون عن كثب مدى التجاوب مع هذه التطوّرات لمعرفة كيفيّة تلقّف الرأي العامّ لهذا النوع من العلاقات[39].

في الواقع لا بدّ من الإقرار بوجود العلاقات التجاريّة بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجيّ على الرغم من أنّ معظمها يجري بشكل غير مباشر بحيث تُوجَّه عن طريق طرف ثالث وسبل ملتوية من الشركات الوهميّة. وتشير الأرقام الصادرة عن المكتب المركزيّ للإحصاء الإسرائيليّ إلى أنّ قيمة الصادرات الإسرائيليّة إلى الإمارات العربيّة المتّحدة (عن طريق الشركات الخاصّة والشركات الوسيطة) بلغت 5.3 مليون دولار أمريكيّ في عام 2013، وهي تتألّف على نحو مبدئيّ من منتجات الأمن الداخليّ والتكنولوجيا الزراعيّة والطبيّة وأنظمة الاتّصالات[40]. ويرى بعضهم أنّ «العلاقات الاقتصاديّة عن طريق الطرف الثالث» هذه موجودة أيضًا بين إسرائيل والمملكة العربيّة السعوديّة وهي تشمل تحديداً المنتجات الزراعيّة والتكنولوجيّة التي تُشحَن عن طريق قبرص والأردن والسلطة الفلسطينيّة، على الرغم من عدم وجود الأرقام المتاحة للجمهور حول قيمة هذه التبادلات التجاريّة السريّة[41]. وقد ركّز أحد الوفود التجاريّة الإسرائيليّة الذي زار قطر في أيار عام 2013 في المناقشات حول الاستثمارات القطريّة المحتملة في قطاع التكنولوجيا المتقدّمة في إسرائيل، على الرغم من أنّه يبدو أنّ نتائج هذه الزيارة لم تكن مثمرة[42].

يُعَدّ الاهتمام المشترك بتعزيز الابتكار وريادة الأعمال باعتباره رأس الحربة للتنمية الاقتصاديّة والتنويع، مركز ثقلٍ آخرٍَ من الممكن استغلاله من أجل تفعيل العلاقات الإسرائيليّة الخليجيّة، حيث تلاقي الرغبة في الاضطلاع بالأعمال الجديدة والفورة التكنولوجيّة الناجحتين في إسرائيل إعجاباً كبيرًا في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك العديد من دول مجلس التعاون الخليجيّ الستّ[43]. وقد ركّزت القيادة الحاكمة في مستوى إمارة دبي كما في المستوى الاتّحاديّ في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة بشكل خاصّ على الابتكار وريادة الأعمال ودعم مفهوم «اقتصاد المعرفة» الفضفاض باعتبارها محرّكًا اقتصاديًّا لا بدّ منه للانتقال إلى القرن الحادي والعشرين والمكوّنات الأساسيّة للانتقال في نهاية المطاف إلى اقتصاد ما بعد النفط. وقد أعلنت حكومة دولة الإمارات العربيّة المتّحدة عام 2015 «عام الابتكار» وأطلقت استراتيجيّة وطنيّة للابتكار تركّز في سبعة قطاعات تتراوح بين التعليم والصحّة والتكنولوجيا في مجالات المياه والطاقة المتجدّدة والنقل والفضاء، وكلّها تقدم الفرص المحتملة للتعاون المستقبليّ مع إسرائيل[44].

أضف إلى أنّ ثمّة فرصاً أخرى للتعاون العمليّ وبناء الثقة المتبادلة، وتتمثّل في تشكيل المشاريع المشتركة في الخارج. ومن الأمثلة على هذا النوع الشراكة التي قامت بين شركة زيم المتكاملة للشحن (التي دعم رئيسها التنفيذيّ دبي عام 2006) وشركة موانئ دبي العالميّة، حيث اجتمعتا في ما بعد وتمكّنتا من تشغيل الميناء الإسبانيّ كونتارسا عام 2008 وزعمتا الإدارة المشتركة في محطّة الحاويات في تاراغونا. وتحدّث السيد جمال ماجد بن ثنية، الرئيس التنفيذيّ لمجموعة الشحن موانئ دبي العالميّة، في ذلك الوقت عن مشروع كونتارسا، حول النمط البراغماتيّ السائد في معرض حديثه عن نظرائه الإسرائيليّين:

هم لا يخلطون الأعمال مع السياسة، فعندما يكون نشاطك متركّزًا في السوق العالميّة، لا يمكنك اختيار ما يحلو لك، بل عليك أن تلتزم بممارسات الأعمال الدوليّة في أثناء التعامل مع شركات من طراز زيم. سنواصل تبادلاتنا التجاريّة معهم من دون تحيّز[45].

وبالتالي ثمّة مجموعة من الفرص المتاحة للتعاون الاقتصاديّ والتكنوقراطيّ التي يمكن أن توسّع نطاق التعاون بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجيّ إلى ما هو أبعد من علاقات الدفاع والأمن السريّة وإلى مناطق نوعًا ما غير سياسيّة و»آمنة» تتداخل فيها المصالح الإسرائيليّة والخليجيّة. وكما هي الحال بالنسبة إلى القضايا ذات المستوى «الكليّ» التي جرى تحليلها في الجزء الثاني من هذه الورقة البحثيّة، فإنّ المهمّة المقبلة هي كيفيّة إقامة علاقات اقتصاديّة ناشئة في جوّ من التوتّرات السياسيّة الإقليميّة. وكثيرًا ما تكشف المناقشات التي تدور ما بين صانعي القرار في إسرائيل وفي مختلف العواصم الخليجيّة عن الرغبة في «التخلّص» من القيود الجغرافيّة السياسيّة، ولكن ما أسهل الكلام مقابل الفعل. ومع ذلك، يمكن تعزيز قدرات المبادرات على الصمود أمام الضغوط الخارجيّة إذا ما رأى صانعو القرار أنّها قادرة على تقديم الحلول الإقليميّة التي تواجهها قضايا السياسة العامّة التي تتجاوز الحدود الجغرافيّة السياسيّة وتقدّم الفائدة الملموسة لكلّ طرف من أصحاب المصلحة، على سبيل العمل معًا لتحسين إدارة مصادر المياه التي لا تفتأ تشحّ، وتطوير تكنولوجيّات جديدة للطاقة المستدامة، أو تعزيز النظم الإيكولوجيّة الابتكاريّة على طول المنطقة.

الجزء الرابع : الأفاق المستقبلية للعلاقات الإسرائيلية الخليجية

إن عدم فتح باب العلاقات الدبلوماسيّة الرسميّة أو المفتوحة يجعل من الصعب التنبّؤ تحديداً بما سيؤول إليه المسار المستقبليّ للعلاقات بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجيّ، بما هي عليه اليوم، أي منفصلة وفي غالب الأحيان سريّة. في الواقع، من غير الممكن أن تتجلّى ملامح الاختبار الحقيقيّ لمدى متانة هذه العلاقات التي نتحدّث عنها في هذه الورقة البحثيّة إلّا في حال طرأت جولة أخرى على الصراع الإقليميّ الذي لا يستثني إسرائيل. ونظرًا للجمود الدبلوماسيّ الحاليّ بين دول مجلس التعاون الخليجيّ ولبنان وتسمية حزب الله منظّمة إرهابيّة في شهر آذار عام 2016، فضلاً عن الشعور بالنفور في معظم عواصم دول مجلس التعاون الخليجيّ من الأيديولوجيا السياسيّة التي تتبنّاها حماس، فإنّ أيّ تكرار للعنف بين إسرائيل وحماس أو حزب الله في غزّة أو في جنوب لبنان قد يعيد إلى الواجهة الديناميّات المتغيّرة التي تطبع الجغرافيا السياسيّة في الشرق الأوسط والتي نستعرضها في هذه الورقة البحثيّة.

ويعترف المدافعون عن اتباع النهج «الثنائي» في عمليّة صنع القرار لدى كلا الجانبين بأن ثمّة قيوداً ستظل مفروضة على هذه الاستراتيجيا ما لم يتحقّق أيّ تقدّم كبير بالنسبة إلى القضية الفلسطينيّة، وهو ما يبدو غير مرجّح في ظلّ المناخ السياسيّ الحاليّ.

يظل على البراغماتيّين في القدس وفي عواصم دول مجلس التعاون الخليجيّ أن يأخذوا بعين الاعتبار المعارضة المحليّة التي قد تقوم في وجه بناء العلاقات الوثيقة، وخاصّة على ضفة مجلس التعاون الخليجيّ.

وبالتالي فمن المحتمل جدا أن التطورات الأخيرة، مثل التصريح علنًا عن وصول البعثة الإسرائيليّة إلى الوكالة الدوليّة للطاقة المتجدّدة في أبو ظبي ووفد المملكة العربيّة السعوديّة الذي يقوده عشقي، تمثّل في حدّ ذاتها، ولو جزئيًّا، محاولات حذرة يقوم بها قادة الخليج لاختبار حدود الرأي العامّ ومعرفة كيفيّة تلقّف الرأي العامّ المحليّ لهذا النوع من الأنشطة.

ومن المرجّح أيضًا أن يكون المراد من وراء قرار الاعتراف علنًا بإرسال مندوبين سعوديّين إلى مدينة القدس هو توجيه الرسائل الواضحة إلى إيران - بأنّ السعوديّين والإسرائليّين يعتبرون إيران خصمهما الأوّل في المنطقة (وليس هما خصمين) ـ ومع ذلك، يبقى أنّ ثمّة عدداً من الخيارات السياسيّة العامّة التي يمكن أن تدلّ، إذا ما جرى تبنّيها (أو كُشِف ​​عنها في العلن أو النظر فيها أو أخذها بعين الاعتبار) إلى الوجهة التي تتجه إليها العلاقات الإسرائيليّة ـ الخليجيّة فيه المرحلة القادمة.

في المقابل، هل يمكن أن تؤدّي رئاسة دونالد ترامب التي يصعب التنبّؤ بها والمتقلبة إلى تعزيز الإحساس الواضح بالقلق الذي دفع صنّاع القرار في الشرق الأوسط إلى التفكير خارج حدود المعهود حتّى يقرّروا وضع عقود من الحروب جانبًا سعيًا منهم إلى تحقيق المصلحة الجيوستراتيجيّة المشتركة؟

وانطلاقًا من السياق الدوليّ وصولاً إلى المستوى الإقليميّ، سيكون من المفيد لنا أن نترقّب ما إذا كانت حالات التعاون الأمنيّ ​​والاستخباراتيّ التي ظلّت هذا اليوم منفصلة وتتعامل مع كلّ ملفّ على حِدة، ستتطور حتّى تصبح نوعًا من التنسيق الفعليّ لوضع الخطط الرامية إلى التصدّي بشكل استباقيّ للتهديدات التي من شأنها الإضرار بالأمن في المنطقة، مباشرة عن طريق إيران أو عن طريق العدد الكبير من المجموعات المسلّحة غير النظاميّة التابعة لها. علمًا أنّ أيّ إجراء من هذا القبيل سيظلّ سريًّا بطبيعته نظرًا للحساسيّة الشديدة التي ينطوي عليها الأمر، وممّا لا شكّ فيه أنّه سيواجه خطر الرفض من قِبل الرأي العامّ إذا ما انكشف أمره. وفي حين أنّ أيّ تعاون علنيّ يظلّ مسألة تخمينيّة في الوقت الحاضر، فمن غير المستبعد أن يتسبّب في تغيير جدول الأعمال السياسيّ لهذه الدول إذا ما رأت هذه الأخيرة أن التهديد الذي تراه في طهران بات يشكّل خطرًا محدقًا بالاستقرار في المنطقة، وإذا ما استمرّت الشكوك حول الموقف الأمريكيّ إزاء إيران، في حقبة ما بعد أوباما.

ومن المؤشّرات الملموسة على احتمال تطوّر العلاقات على المستوى المحليّ هو ما إذا كانت الاجتماعات العلنيّة لصانعي القرار في كلّ من إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجيّ ستتّسع، حيث أنّها تشمل نطاقاً محدوداً من المشاركين حاليًّا لتضمّ مستقبلاً مجموعات أوسع تنوّعًا من الأشخاص والمنظّمات. وسيتطلّب ذلك شبكة تتحلّى بالمزيد من الموضوعية ربّما على مستويات متعدّدة بحيث تتألّف من صنّاع القرار الحالييّن والسابقين. حتّى الآن، ليس من المستغرب أنّ نلحظ أن العديد من الاتّصالات الذي جرى الحديث عنها في العلن قد شملت مسؤولين متقاعدين مثل عشقي أو الأمير تركي الفيصل آل سعود، الرئيس السابق للاستخبارات السعوديّة، الذي صعد على المنصّة نفسها مع  اللواء ياكوف اميدرور، وهو مستشار سابق للأمن القوميّ في إسرائيل، في معهد واشنطن في شهر آيار عام 2016. إنّ الاستفادة من خبرات الأشخاص الذين لم يعودوا يشغلون المناصب الرسميّة ولكنّهم لا يزالون من أصحاب النفوذ، يمنح الحكومات حيّزًا من إمكانيّة إنكار المسؤوليّة في حين أنّها تبقى على اطّلاع على تأثير هذه الزيارات في الرأي العامّ المحليّ والسياسيّ.

وفي الوقت الذي لا تزال فيه تكاليف الترتيبات الدبلوماسيّة الرسميّة تفوق الفوائد التي تعود بها، فقد أوضحت هذه الورقة البحثيّة كيف ركّز المسؤولون على الرغم من ذلك في القواسم المشتركة التي يمكن أن تكون بمثابة الحجر الأساس الذي يمهّد لبناء علاقة أكثر انفتاحًا فيما بعد.

يبدو أنّ التطبيع الكامل للعلاقات يبقى مستبعدًا، كما هي حال انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلّة أو أي توافق متبادل في الآراء بشأن القضايا المستعصية على سبيل وضع الحدود السياسيّة أو حقوق اللاجئين.

غير أنّه قد يبقى ثمّة مجال لتعديل جوانب مبادرة السلام العربيّة، إذا كانت الأطر غير الرسميّة للتنسيق الموجودة أصلاً قادرة على تشكيل نقطة البداية التي انطلاقًا منها تُستأنف المفاوضات، التي بدورها ستنطلق استنادًا إلى خلفيّة إقليميّة مختلفة تمامًا عما كانت عليه عام 2002.

إنّ التحدّي الذي يواجه صنّاع القرار في الولايات المتّحدة، هو إيجاد أفضل السبل لدعم التقارب المبدئيّ الذي يرجع السبب وراءه، إلى حدّ كبير، إلى الاهتمام الإقليميّ بمسار السياسات الأمريكيّة في الشرق الأوسط.

بالنسبة للكثيرين في إسرائيل وفي دول الخليج، بات من المسلّم به أنّ التهديد الأساسيّ الذي تفرضه إيران لا يكمن في برنامج طهران النوويّ، بل في دعم إيران للجماعات العسكريّة غير النظاميّة على سبيل حزب الله، ومؤخّرًا دعم المتمرّدين الحوثيّين في اليمن .

تبقى المعضلة التي يواجهها المسؤولون الأميركيّون في حقبة ما بعد أوباما في كيفيّة معالجة هذا التنافر بطرائق توازن ما بين الأولويّة التي تمنحها لنهج الدبلوماسيّة والأحداث الرئيسيّة التي تطبع الشرق الأوسط، مع ضرورة الحفاظ على ثقة الشركاء الرئيسيّين الذين لن ينفكّوا يشكّلون حجر الزاوية الذي لا غنى عنه لاستمراريّة دور الولايات المتّحدة في المنطقة.

------------------------------------

الدكتور كريستيان كوتيس أولريكسن : زميل معهد الشرق الأوسط.

[2]-  أُسِّس  مجلس التعاون الخليجيّ بتاريخ 25 آيار من عام 1981، متخذًا من الرياض، عاصمة المملكة العربيّة السعوديّة مقرًّا له، وهو يضمّ ستة أعضاء: البحرين، الكويت، عُمان، قطر، المملكة العربيّة السعوديّة، الإمارات العربيّة المتّحدة.

[3]- وردت هذه المعلومات في  بعض المراجع التي جمعها الكاتب  إبّان زيارته إلى إسرائيل في شهر حزيران من عام 2016.

[4]-  آشر أوركابي، “Rivals with Benefits: Israel and Saudi Arabia’s Secret History of Cooper ation,”  «مصلحة ما بين الأعداء: التاريخ السريّ من التعاون ما بين إسرائيل والمملكة العربيّة السعوديّة»، فوريين آفيرز، 13 آذار 2015.

[5]-  حسن حمدان العلكيم، The Foreign Policy of the United Arab Emirates السياسة الخارجيّة في الإمارات العربيّة المتّحدة، (لندن: دار الساقي للكتاب، 1989)، ص. 175.

[6]-  جوزيف كيشيشيان، “Oman: A Unique Foreign Policy Produces a Key Player in Middle Eastern and Global Policy,”، «عُمان: سياسة خارجيّة فردية تُنتج لاعبًا أساسيًّا في الشرق الأوسط والسياسة العالميّة»، ملخّص بحثيّ، مؤسّسة راند، 1995، متوافر على الإنترنت على العنوان: 

  http://www.rand.org/pubs/research_briefs/RB2501.html.

[7]-  “Back from Historic Visit to Oman, Rabin Expresses Hope for Formal Ties,” «بعد العودة من الزيارة التاريخية إلى عُمان، رابين يأمل بالعلاقات الرسميّة»، وكالة جويش تلغراف، 28 كانون الأول 1994؛ “Beilin: Ties with Oman are Moving Fast Forward,” «بيلين: العلاقات مع عُمان تسير على نحو سريع»، وكالة جويش تلغراف، 21 آذار 1995؛ “Persian Gulf States to Lift Israel Boycott,” «دول الخليج العربيّ تتّجه لرفع الحظر عن إسرائيل»، واي نت، 25 أيلول 2005.

[8]-  جيرد نونمان،  “Political Reform in the Gulf Monarchies: from Liberalization to Democratization? A Comparative Perspective,” «الإصلاح السياسيّ في الأنظمة الملكيّة الخليجيّة: من التحرير الإقتصاديّ إلى الديمقراطيّة: نظرة مقارناتية»، ورد في Reform in the Middle East Oil Monarchies الإصلاح في ممالك النفط الشرق أوسطيّة، تحرير أنوشبرافان احتشامي وستيفن رايت (ريدنغ: إيتاكا برس، 2008)، ص. ص. 27 – 28.

[9]-  كريستيان كوتس أولريكسن، “The Gulf States and Israeli-Palestinian Conflict Resolution,”، «دول الخليج وسبل حلّ القضية الإسرائيليّة الفلسطينيّة»، معهد بايكر للسياساتن التقرير 61 (2014): 7.

[10]- جيم كراين، Dubai: The Story of the World’s Fastest City دبي: قصة المدينة الأسرع في العالم، (نيويورك: منشورات سانت مارتن، 2009)، ص. ص. 172 – 174.

[11]-  “Israeli Shipper Endorses DP World,” «شركة الششحن الإسرائيليّة التي تدافع عن شركة موانئ دبي العالميّة»، سي أن أن بوليتكس، 4 آذار 2006. نص الرسالة التي وجهها أيدون أوفر للسيناتور هيلاري كلنتون متوافر على الإنترنت على الصفحة التالية:

 http://i.a.cnn.net/cnn/2006/images/03/02/zim.letter.final.pdf.

[12]-  “Gaza Split Prompts Arab Countries to Boycott Emergency Summit,” «الانقسام حول غزة يقود بعض الدول العربيّة إلى مقاطعة القمّة الطارئة»، الغارديان، 15 كانون الثاني 2009.

[13]-  “An Eye for an Eye: the Anatomy of Mossad’s Dubai Operation,” «العين بالعين: تفاصيل عمليّة الموساد في دبي»، شبيغل أونلاين، 17 كانون الثاني 2011.

[14]-  المرجع السابق.

[15]-  كريستيان كوتس أولريكسن، “Qatar and the Arab Spring: Policy Drivers and Regional Implications,” «قطر والربيع العربيّ: الدوافع والنتائج الإقليميّة»، منظّمة كارنيغي للسلام العالميّ 224، (2014): ص. ص. 8 – 10

[16]-  «مؤامرة الإسلاميّين للإطاحة بالخليج بحسب قائد شرطة دبي»، العربيّة، 25 آذار 2012.

[17]-  لورانس بوتير، «المقدّمة» ورد في Sectarian Politics in the Persian Gulf السياسة المذهبيّة في الخليج العربيّ، تحرير لورانس بوتير (أكسفورد: منشورات جامعة أكسفورد، 2014)، ص. ص. 19 – 21

[18]-  جمع هذه المعلومات المؤلّف نتيجة مناقشاته مع بعض صانعي القرار في إسرائيل، إسرائيل، حزيران 2016.

[19]-  هاغار شيزاف، “Israel Eyes Improved Ties with Gulf States after ‘Foothold’ Gained in UAE,” «العلاقات الإسرايليّة المتنامية مع الدول الخليجيّة بعد أن اكتسبت موطئ قدم في الإمارات»، ميدل إيست آي، 18 كانون الثاني 2016.

[20]-  المرجع السابق.

[21]-  فيصل عباس، “President Obama, Listen to Netanyahu on Iran,” « حضرة الرئيس أوباما: استمع إلى ما يقول نتنياهو عن إيران « العربيّة، 3 آذار 2015.

[22]-  “Security Expo Closes with Mega Contracts,” «المعرض الأمني يُغلق أبوابه مع إبرام عقود كبيرة»، الإمارات 24/7، 5 آذار 2008.

[23]-  “Emirates ‘Has Security Links with Israel’,” «الإمارات تقيم العلاقات الأمنية مع إسرائيل»، يونايتد برس انترناشونال، 27 كانون الثاني 2012.

[24]-  روري دوناغي، “Falcon Eye: the Israeli-installed Mass Civil Surveillance System of Abu Dhabi,” «عين الصقر: تركيب أنظمة المراقبة المدنيّة الإسرائيليّة الكبيرة في أبي ظبي»، ميدل إيست آي، 28 شباط 2015.

[25]- آرون دايفيد ميلير، “In Saudi Delegation’s Visit to Jerusalem, Signs of Broader Change,” «إشارات التغيير الواسع مع زيارة الوفد السعودي إلى إسرائيل»، ووال ستريت جورنال، 26 تموز 2016.

[26]- تمارا كوفمان ويتس، “How Important is Saudi-Israeli Track Two Diplomacy?” «ما مدى أهمية مسار الدبلوماسية السعودية الإسرائيلية الثاني؟»، بروكينغ / مدونة مركز، 6 حزيران 2015.

[27]-أكيفا إلدار، “What Saudi Arabia Can Offer Israel,” «ماذا لدى السعوديّة لتقدّمه لإسرائيل»، المونيتور، 28 تموز 2016.

[28]-دايفيد سانغر، “Saudi Arabia and Israel Share a Common Opposition,” «المملكة العربيّة السعودية وإسرائيل تتشاركان المعارضة نفسها»، نيويورك تايمز، 4 حزيران 2015.

[29]-مايان غرواسمان، “Palestinians Celebrate Terror Attack in Tel Aviv, Saudis Strongly Condemn,” «الفلسطينيون يحتفلون بالهجوم الإرهابيّ على تل أبيب والسعوديون يدينون بشدّة»، ذا جورازلم بزست، 9 حزيران 2016.

[30]-“Some in Saudi Media Criticize anti-Semitism, Warm Up to Israel,” «بعض وسائل الإعلام في المملكة العربيّة السعوديّة تنتقد معاداة الساميّة وتحمي إسرائيل»، تايمز أوف إسرائيل، 12 آب 2016.

[31]-يوسي ملمان، “Analysis: Israel and the Saudis’ Covert Ties,” «تحليل: العلاقات المخفية بين إسرائيل والمملكة العربيّة السعوديّة»، جيروزالم بوست، 12 نيسان 2016.

[32]- أوري لويس، “Netanyahu Says Willing to Discuss Arab Initiative for Peace with Palestinians,” «نتنياهو يقول إنّه على استعداد لمناقشة المبادرة العربيّة للسلام مع الفلسطينيين»، رويترز، 31 آيار 2016.

[33]-  كوتس أولريكسن، «دول الخليج وسبل حلّ القضية الإسرائيليّة الفلسطينيّة»، 2.

[34]- المرجع السابق.

[35]- “Can Water Cooperation be a Model for Middle East Peacemaking?” «هل يمكن للتعاون في مجال المياه أن يكون مثالاً لإحلال السلام في الشرق الأوسط؟»، ذا وورلد بوست، 31 كانون الثاني 2011.

[36]-“Israel Shrugs off Kuwaiti Boycott, Joins Arab States, Iran at Abu Dhabi Conference,” « إسرائيل تتنصل من المقاطعة الكويتيّة وتنضمّ إلى الدول العربيّة وإيران في مؤتمر أبو ظبي»، ذا جيروزالم بزست، 19 كانون الثاني 2014.

[37]-علي يونس، “Israel to Open Office for Renewable Energy in Abu Dhabi,” «إسرائيل تفتتح مكتبًا للطاقة المتجدّدة في أبي ظبي»، الجزيرة أونلاين، 2 تشرين الثاني 2015.

[38]-  شيزاف، «العلاقات الإسرايليّة المتنامية مع الدول الخليجيّة بعد أن اكتسبت موطئ قدم في الإمارات».

[39]- مقابلة أجراها الكاتب، إسرائيل، حزيران 2016.

[40]- شيزاف، «العلاقات الإسرايليّة المتنامية مع الدول الخليجيّة بعد أن اكتسبت موطئ قدم في الإمارات».

[41]- ملمان، «العلاقات المخفية بين إسرائيل والمملكة العربيّة السعوديّة»

[42]-بيكا واسر، “Israel and the Gulf States,” «إسرائيل ودول الخليج»، أي أي أس أس فويسز، 22 آب 2013.

[43]- مقابلات أجراها الكاتب ومراقبات في الكويت والمملكة العربيّة السعوديّة وقطر والإمارات العربيّة المتّحدة، كما في إسرائيل، منذ الـ 2012 حتّى تاريخه.

[44]-عمر عبيدات وأحمد صالح، “UAE Officials Declare 2015 “Year of Innovation” «الإمارات العربيّة المتّحدة تعلن عام 2015 عام الإبتكار»، التميمي ومشاركوه، شباط 2015، النص متوفر على العنوان التالي:  http://www.tamimi.com/en/magazine/law-update/section-11/february-7/uae-officials-declare-2015-year-of-innovation.html

[45]-ورد في جيم كراين، دبي، 174.