البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

November / 4 / 2017 | عدد الزيارات : 285سياسة الهوية : هل تشمل اصلاحات ولي العهد السعودي حقوق الشيعة في المملكة ؟

د. قيس ناصر راهي المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية تشرين الثاني 2017

لقد عُرف عن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خطواته الاصلاحية وفق ما تناقلته وسائل الاعلام, ولعل آخرها من خلال المؤتمر الصحفي حول مشروع نيوم, الذي تضمن التصريح الآتي: "سنقضي على أصحاب الأفكار المتطرفة وسنعيش حياة طبيعية، وسنعود إلى ما كنّا عليه من الإسلام الوسطي المعتدل والمنفتح", وقد علق على هذا القول الكاتب جمال خاشقجي في صفحته على تويتر بالقول: "إن إطلاق الحريات من أهم ركائز محاربة التطرف". ووفق ما ذكره خاشقجي, هل ستشمل الاصلاحات حقوق الشيعة ولاسيما إنها جزء من الحريات التي هي ركيزة لمحاربة التطرف ؟

تنطلق هذه الورقة في مناقشة الموضوع وفق سياسة الهوية, الذي هو مصطلح ظهر في أواخر القرن العشرين ليصف الصراعات المتكررة التي تمثل احدى أهم المشكلات السياسية الراهنة, وتشمل الصراع من اجل الاعتراف القانوني والسياسي والدستوري, إذ وفق سياسة الهوية, يقع الظلم عندما تتأثر جهود الجماعات حين محاولاتهم للحصول على حق الاعتراف والاحترام لهوياتهم, وحيئذ أما تُفرض عليهم هوية غريبة أو تسبغ عليهم الهوية السائدة أو ينظر اليهم باعتبارهم أقل شاناً, وبتعبير آخر مواطنين من الدرجة الثانية, وهذا الأمر ينطبق على الشيعة في المملكة العربية السعودية, إذ لا تمتلك هويتهم حضوراً في المشهد السعودي, سواءً أكانت من خلال حرية المعتقد أم من خلال التعليم الديني وفق تعاليمهم أو على الاقل بما لا يخالف معتقدهم .

ففي الشأن السعودي, لم تُشر اصلاحات ولي العهد الى تغيّر في بنية النظام السياسي, لأن النظام السعودي يمكن تصنيفه بأنه ينتمي الى الانظمة المحافظة بوجه عام التي لا تستجيب الى الاصلاحات بسهولة, ذلك إنها لا تسمح بتغيير النظام ولا هيكله الاساس عن طريق تأثيرات الرأي العام, أو وفق المتغيرات الاقليمية والدولية, فضلاً عن المحلية التي دائماً ما تشهد تكرار لمطلب حقوق الشيعة وحرياتهم, وبالمقابل من ذلك هناك زخم اعلامي تناله اجراءات ولي العهد.

ويمكن القول إن سياسة التمييز الطائفي تعود الى زمن طويل, وقد لاحظها باحثون امريكيون زاروا المنطقة وكتبوا عنها, من بينهم مثلاً جورج ليبسكي -نقلاً عن توفيق السيف في كتابه (أن تكون شيعيا في المملكة)-, الذي ذكر إن الشيعة في السعودية يعانون من سياسة تمييز رسمية لكنها غير معلنة,  تتمظهر هذه السياسة في وجوه شتى، من بينها حرمان المواطن الشيعي من حقوق أولية، مثل: حرية الاعتقاد والعبادة وحرية التعبير والنشر، فضلاً عن الحقوق المدنية مثل تولي الوظائف العامة في المراتب المتوسطة والعليا رغم وجود تعديلات لا تكاد تُذكر بالمقابل من الحرمان. وللوقوف أكثر عند وضع الشيعة كجماعة في المملكة العربية السعودية, التي يفترض أن تكون لها حقوق وحرية في ممارسة معتقداتها, سيتم مناقشة الموضوعات الآتية:-

حرية المعتقد :

لا يكاد يخفى عن الجميع إن العقل الديني المسيطر في العربية السعودية يتمثل بالوهابية التي مارست كل وسائل الضغط والترهيب بحق الشيعة, مما كشف عن ابشع الممارسات الطائفية التي عرفها التاريخ العربي – الاسلامي. وربما يوثق أحد الباحثين بعض من تلك الممارسات, إذ يقول انور عبدالله في كتابه (العلماء والعرش ثنائية السلطة في السعودية): "لا ادري مقدار المفاجأة التي تصيب القارئ, حينما يعلم إن دولة الاسلام وحامية المقدسات والمدافعة عن المسلمين في كل بقاع العالم, والتي تدفع الملايين من الدولارات لبناء المساجد, واقصد بها المملكة, تمنع رعاياها الشيعة من بناء المساجد بصورة رسمية ... ولا ادري ماذا سيقول المسلمون حين يعلمون إن الحكومة السعودية لم تتبرع بقرش, أو بقطعة ارض لأي  مسجد للشيعة, بل وانها تمنع على رعاياها الشيعة تعمير مساجدهم الايلة للسقوط", وهل يمكن تخيل أن يمنع الشيعة من اداء شعائر دينهم وصلواتهم ودعائهم؟ وألا يعترف بأنهم مسلمين من الاساس, في بلد يصل الشيعة فيه الى ربع السكان, ولا يسمح للشيعة بتدريس فقههم واصول مذهبهم, بل وحتى المدارس التقليدية مُنعت منذ خمسينيات القرن الماضي, وفي أمور القضاء لا يسمح لهم بالتقاضي وفق مذهبهم, بل إن المذهب الحنبلي هو المسيطر على الجميع رغم وجود محكمة شرعية للشيعة, إلا أن صلاحياتها قلصت, وقد تم الغاء ما صدر عنها بأثر رجعي, وفي قضاء الدولة, فإن الشيعي يعتبر مداناً مهما كانت الاحوال بسبب نزعة القضاة الطائفية, على وفق رأي انور عبدالله .

الحقوق السياسية :

اما على المستوى السياسي, فإن النظام السياسي في العربية السعودية يصنف من ( الانظمة التسلطية), وفلسفة الحكم فيه هي فلسفة الدولة القديمة، التي تعطي لنخبة صغيرة سلطة مطلقة واحتكارا لمصادر القوة والقرار,  يظهر هذا في تشكيل مجلس الوزراء مثلاً منذ تشكيله في عام  1953 وحتى اليوم, فثلثي المعينين في هذه المراتب ينتمون الى منطقة نجد، وتقتسم بقية المناطق الثلث الثالث، ولم يكن بينهم مواطن واحد من الشيعة إلا وزير دولة, وخلال هذه المدة الطويلة لحكم ال سعود حصل اربعة من الشيعة فقط على المرتبة الخامسة عشر، وحصل تسعة آخرون على المرتبة الرابعة عشر بحكم عضويتهم في مجلس الشورى وفي مجلس المنطقة الشرقية الذي يتكون من أربعة عشر عضوا يتم تعينهم من الحكومة، هناك عضواً واحداً يمثل الشيعة، رغم انهم يشكلون نصف سكان المنطقة على أقل التقدير, وفي الدورة الحالية لمجلس الشورى )وهو شبه برلمان يتالف من اعضاء يعينهم الملك(  يوجد خمسة اعضاء شيعة من مجموع مئه وواحد وخمسين عضوا,  وفي شباط 2009 اعاد الملك تشكيل هيئة كبار العلماء المسؤولة عن الشؤون الدينية واضاف اليها ثلاثة علماء يمثلون المذاهب الاسلامية المالكية والحنفية والشافعية، الى جانب ثمانية عشر عضواً من علماء المذهب الرسمي,  لكنه استثنى الشيعة من هذا التشكيل, وفق احصاءات توفيق السيف .

ماذا بعد؟

بعد الذي ذكر من تمييز طائفي بحق الشيعة في السعودية, استناداً لآراء باحثين معروفين سواءً أكان مع توفيق السيف أم مع انور عبدالله , فهل هذا التمييز سيشمله الاصلاح؟ وهل يدوم ويصمد ما يحدث للشيعة في المملكة طويلاً في ظل تنامي المطالبة بالحقوق والحريات, فضلاً عن تنامي ظاهرة الاهتمام بالهويات, والمملكة العربية السعودية تعمل على الغاء كل الهويات غير الهوية الدينية وفق المذهب الوهابي ؟

ويمكن القول إن التمييز الطائفي, وانفجار ظاهرة الهويات الثقافية على مستوى العالم ككل وليس على مستوى المملكة فحسب, يشير الى ضرورة اجراء تغيير في بنية النظام السياسي السعودي, وان لم يحصل هذا الأمر في وقت قريب إلا أن المؤشرات تُبيّن تأثر السعودية بما يدور حولها, وإن كانت هي تقوم بدعم وربما مسؤولة عما يحدث بجزء كبير منه, إلا إن ذلك لا يمنع تأثرها به .

وإن معالجة التمييز الطائفي تجاه الشيعة في المملكة لا يتم إلا بفتح المجال امام المشاركة السياسية الفعلية وضمان حقوق الشيعة من حرية المعتقد والمشاركة السياسية, ونتيجة لعدم وجود هذا النظام الضامن للحقوق, فهل ستشمله اصلاحات ولي العهد محمد بن سلمان أو لا؟ وربما سيكون معيار اعطاء الحقوق والحريات للشيعة في المملكة عاملاً في الحكم على صحة اصلاحاته .