برنارد لويس ، صهينة الغرب وتتريك العالم الاسلامي

برنارد لويس ، صهينة الغرب وتتريك العالم الاسلامي

تأليف

جهاد سعد

السيرة الذاتية

برنارد لويس ــ  Bernard Lewis

برنارد لويس من مواليد 31 مايـو 1916، لندن، أستاذ فخري بريطاني ـ أمريكي لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برنستون.

تخصص في تاريخ الإسلام والتفاعل بين الإسلام والغرب وتشتهر خصوصًا أعماله حول تاريخ الدولة العثمانية.

لويس هو أحد أهم علماء الشرق الأوسط الغربيين ممن سعت إليه السياسة.

ولد من أسرة يهودية من الطبقة الوسطى في لندن اجتذبته اللغات والتاريخ منذ سن مبكرة، اكتشف  عندما كان شابًا اهتمامه باللغة العبرية، ثم انتقل إلى دراسة الآرامية والعربية، ثم بعد ذلك اللاتينية واليونانية والفارسية والتركية.

تخرّج عام 1936 من كلية  الدراسات  الشرقية والإفريقية (SOAS)، في جامعة لندن، في التاريخ، مع تخصصٍ في الشرق الأدنى والأوســـط. حصـــل على الـــدكتوراه بعــد ثـلاث سنوات من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية متخصصًا في تاريخ الإسلام.

اتجه لويس أيضًا لدراسة القانون، قاطعًا جزءًا من الطريق نحو أن يصبح محاميًا، ثم عاد إلى دراسة تاريخ الشرق الأوسط عام 1937. التحق بالدراسات العليا في جـامعة باريس السوربون، حيث درس مع لويس مـاسينيون وحصـل على «دبلوم الدراسات السامية» عام 1937. عاد إلى SOAS عام 1938 كمساعد محاضر في التاريخ الإسلامي.

أثناء الحرب العالمية الثانية، خدم لويس في الجيش البريطاني في الهيئة الملكية المدرعة وهيئة الاستخبارات في 1940، ثم أُعير إلى وزارة الخارجية. وبعد الحرب عاد إلى الجامعة، وفي عام 1949 عُيِّـن أستاذًا لكرسيٍ جديد في الشرق الأدنى والأوسط في سن الثالثة والثلاثين.

انتقل برنارد لويــس إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث أصبح يعمل كأستاذٍ محاضرٍ في جامعة برنستون وجامعة كورنل في السبعينيات من القرن المنصرم. حصل على الجنسية الأمريكية سنة 1982 كما حاز على العديد من الجوائز من قبل مؤسسات تعليمية أمريكية لكتبه ومقالاته في مجال الإنسانيات.

وفاته

ونحن في مرحلة دفع هذا الكتاب إلى الطباعة أُعلن عن وفاة المستشرق برنارد لويس عن عمر يناهز 101 عام وذلك في 22 / 5 /2018م.

أبحاث لويس

يمتد تـأثير لــويـس إلى مــا وراء العمل الأكاديــمي، ليبلـغ الناس. فهــو باحـــثٌ رائدٌ في التاريخ الإجتماعي والاقتصادي للشرق الأوسط، ومعــروفٌ ببحوثــه الشاملة في الأرشـــيف العثمانــي. ابتدأ مهامه البحثية بدراسة عرب القرون الوسطى، لا سيما تاريخ السوريين. وعُدّت محاضرته الأولى التي كُرّست للنقابات المهنية لدى مسلمي القرون الوسطى العمل الأكثر اعتماديــةً علــيه لما يناهـــز الثـلاثين سـنة. انتقل لويـس لدراسة الدولة العثمانية، فيما يواصـل البحـث في التاريــخ العـربي مـن خــلال الأرشيف العثمانــي. وأدت ســلسـلــة الأبحاث التي نشرها لويس علـى امـتداد بضعة ســنوات لاحقة إلى تثوير تاريخ الشرق الأوسـط عبر تقديمـه صـورةً واسعةً للمجتمع الإسلامي، تشمل الحكومة والاقتصاد والجغرافيا السكانية.

آراؤه

يعتبر أحد أبرز منكري  مذابــح الأرمن حيث تغير موقفه جذريًا من الاعتراف بحدوث «مجازر أودت بحياة أكثر من مليون ونصف على يد العثمانيين»[5] إلى رفض تسمية ما حدث بالمجزرة واعتبارها «أعمالًا مؤسفةً أودت بحياة أتراك وأرمن على حد سواء»[6]. أدى موقفه هذا إلى محاكمته في فرنسا حيث قررت المحكمة كونه مذنبًا بتهمة إنكار مذبحة الأرمن وتغريمه مبلغًا رمزيًا قدره فرنك فرنسي واحد.

مؤلّفاته

ألّف بـرنارد لـويـس عـدة كتب وله عدة مقالات صحفية في «جريدة The New Yorker»، تتمحور أغلب كتاباته حول الإسلام والشرق الأوسط وكـذا المجتمعات الإسـلامية وعلاقـاتها بالغـرب وأيضًا تمت ترجمة أغلب مؤلفاته إلى 20 لغــةً منها العربية، الفارســية، الـتركــية، والأنــدونيسية، وفـي ما يلي أهم عناوين كتب برنارد لويس:

Combustion، Flames and Explosions of Gases - 1938

Cultures in Conflict - 1995

Europe and Islam - 2007

Facility Inspection Field Manual - 2000

Faith And Power - 2010

From Babel to Dragomans - 2004

History: Remembered, Recovered, Invented - 1975

Islam and the West - 1994

Islam: The Religion and the People - 2009

Istanbul and the Civilization of the Ottoman Empire - 1963

Political Words and Ideas in Islam - 2008

Race and Color in Islam - 1971

Race and Slavery in the Middle East - 1990

Semites and Anti - 1986

Swansea In The Great War - 2014

Swansea Pals - 2004

The Arabs in the History - 2002

The Assassins - 1967

The Crisis Of Islam - 2003

The Emergence of Modern Turkey - 1961

The End of Modern History in the Middle East - 2011

The Jews of Islam - 1987

The Middle East and the West - 1964

The Middle East: A Brief History of the Last 2000 Years - 1997

The Multiple Identities of the Middle East - 1998

The Muslim Discovery of Europe - 1982

The Political Language of Islam - 1988

The Shaping of the Modern Middle East - 1994

What Went Wrong - 2002

المقدمة

لا يتضخّم دور الأشخاص في هذا  العصر إلا عندما ترفدهم الأجهزة والمؤسسات. وهذا الرجل بالذات الذي اخترنا البحث في أخطر أفكاره، كان موضوعًا للتضخيم من قبل الإعلام الصهيوني، كما كان هدفًا لحملات الشتيمة من قبل بعض من أحس أو علم بخطره. ومن الطريف أن بعض الذين يجهلون أسرار الحملات الإعلامية من العرب والمسلمين ساهم في منح لويس تلك الهالة التي تشعرك بأن أميركا كانت تنفّذ ما يقول أثناء الحملة التي تلت حادثة 11/9.

ولذلك ستكون مقاربتنا المنهجية لبرنارد لويس مراعيةً لأهمية دوره في صناعة السياسات الأميركية تجاه المسلمين والعرب، من دون أن ننسى أن هناك مؤسسةً تتحكم بالقرار وتُضخّم أو تُقزّم من تريد وفقًا لحسابات المصالح. كل ما في الأمر أن سيرة لويس تشير إلى أنه يتمتع بذكاء اختيار المكان. فما إن ترهلت بريطانيا حتى انتقل منها إلى الولايات المتحدة مواكبًا صعود نجمها بعد الحرب العالمية الثانية[1].

ميزته الثانية كانت غزارة الإنتاج على حساب نوعية الإنتاج، وفي هذه الميزة أيضًا امتلك لويس ذكاء المكان. فأنت عندما تكتب للغربيين عن العرب والمسلمين وتواكبك حملة دعائية تقدمك كشيخ المستشرقين، فلن تجد إلا نادرًا من يشكك بما تقول حتى لو كان مجرد تلفيقاتٍ وأكاذيب. هذه الصورة الساكنة التي حاول لويس أن يحافظ عليها بوصفه المرجع الذي يعلّم الغرب حقيقة العرب والمسلمين، جعلته يتصرف بعصبيةٍ عندما يتعرض لأي شكل من أشكال النقد.

يقول الدكتور سيد رضوان علي، الذي كان قد أورد ملاحظات نقدية على كتاب «استنبول وحضارة الخلافة الإسلامية» عندما تصدى لترجمته: «أود أن أشير إلى أن  تعليقات المترجم  قد أغضبت المؤلف المستشرق إلى حد الخروج من اللياقة الاجتماعية. وتفصيل ذلك أنه عند زيارتي للولايات المتحدة الأمريكية في صيف عام 1978 دعاني أحد أصدقائي الأمريكيين في جامعة برنستن (Princeton) إلى حفلة عشاء في أحد المطاعم بالمدينة، وكان من بين المدعوين بعض أساتذة الجامعة، ومنهم مؤلف الكتاب الأستاذ برنارد لويس، فلم يكلمني على الإطلاق بخلاف الآخرين، وكانت هذه أول مرةٍ أجتمع به. وعندما سألته: هل قرأ ترجمة كتابه هذا أجاب بكلمة نعم فقط، وذلك ببرودة وجفاف.. وكل ذلك لأنني رددت على هجومه على الإسلام والمسلمين في الكتاب. ويلحظ القارئ ذلك في فصل «العلم والدين» وغيره من صفحات الكتاب.

وعجيب أن يكون لهذا المستشرق حقٌ في طعن الإسلام والمسلمين، ولا يكون لمسلم حقٌ في الرد على هجماته!»[2].

أما في ردوده الفجة على إدوارد سعيد، والتي نُشرت في كتاب «الإسلام والغرب». فتكاد الحروف تصرخ من شدة التوتر العنصري في أسلوب الرد، حتى أنه يتجاهل اسم الكاتب ويتفادى النطق باسم فلسطين في النص التالي: «وصلت قمة السخف في رسالة موجهة إلى جريدة نيويورك تايمز كان كاتبها «مرشحًا لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ ودراسات الشرق الأدنى» من جامعة كبرى. كتب معترضًا على إشارةٍ إيجابية للورد كوروزون وكتابه عن إيران، ويصفه كاتب الرسالة «بالنموذج الحقيقي لتفكير المستشرق البريطاني»، ويلاحظ أنه «حتى في عصره عزا له الإيرانيون والديموقراطيون الغربيون معًا القيام بدورٍ أساسيٍ في صنع المصير المأساوي لشعب ذلك البلد». ثم يتابع كاتب الرسالة كلامه فيثني على إي. ج. براون الذي يعد كتابه «الثورة الفارسية» الذي نشر عام 1910 «كتابًا مختلفًا جدًا». في هذا الكتاب «تحدث عن إنجازات الثورة» وكشف الدور الشرير الذي قام به اللورد كوروزون»[3].

وفي الكتاب نفسه، يلجأ لويس إلى التشكيك بكل مصادر المؤرخ الكبير جيبون بل وينعته بالجاهل ولكن على لسانه، فقط لأنه تبنّى صورةً ناصعةً عن رسول الإسلام محمد (ص)، معللًا ذلك بأن أوروبا كانت بحاجة لتلك الأساطير ثم ينقل عن جيبون قوله: «أنا جاهل، ولا مبالٍ بالأساطير العمياء للبربريين»[4].

يمكننا الآن تلخيص طريقة  لويس بالتالي:

أولًا: استغلالٌ واضحٌ لجهل الغربيين بالإسلام والعرب، لتقديم الصورة الصهيونية عنهم بوصفها الصورة الحقيقية.

ثانيًا: لا يكتفي بتقديم ما عنده، وإنما ينقضّ بعدوانيةٍ شرسةٍ على كل من يخالفه ليشكك بمصادره أو بمصداقيته أو بدوافعه أو بعلمه.

ثالثًا: يعمل على توفير مادةٍ عن كل حدث يتعلق بالعالم العربي والإسلامي، لكي يبقى هو المصدر الأقرب للمهتم الغربي، ولو تضمّنت هذه المادة تكرارًا لمنشوراتٍ سابقة بصيغ مختلفة، فقط لمحاصرة العقل الغربي بمقولاته.

رابعًا: هو أساسًا مؤرخ، ولكنه يتدخل بالشرع والعقيدة ليوحي للقارئ بأنه متبحر بكل ما يتعلق بالإسلام. وفي كثيرٍ من الأحيان تبدو تفسيراته سخيفةً وسطحيةً بالنسبة للقارئ العربي، ولكنها تنجح في إيصال رسالةٍ للقارئ الغربي عن «موسوعية» شيخ الاستشراق المعاصر!!!

خامسًا: حتى في التاريخ، لا يريد لويس من التاريخ إلا ما يمكن توظيفه في السياسة المعاصرة، بهدف إبقاء الصراع قائمًا بين الغرب والعالم الإسلامي لحماية إسرائيل.

وبعد مسحٍ شاملٍ لمؤلفات الرجل، يمكننا القول بثقةٍ إن الوصفة السحرية التي توصّل لها لويس وحاول أن ينشرها في كل كتاباته بلا استثناء هي التالي:

1. صهينة الغرب:

اليهود ـ الصهاينة قلةٌ تافهةٌ بالنسبة للمسلمين، فيجب إدخال الغرب المسيحي طرفًا في المعركة، وهذا يتطلب تبنٍّ غربيٍ شاملٍ للمقولات الصهيونية عن العرب والمسلمين على أنها حقيقتهم. وهذا ما نسميه في هذا البحث «صهينة الغرب». ولما كان الغرب يتحرك وفقًا لمصالحه، فيجب إقناعه دائمًا بأن المسلمين شعوبٌ عدوانيةٌ تهدّد المصالح الغربية باستمرار، وأدلجة الصراع قدر الإمكان بواسطة التيارات الإنجيلية ـ الصهيونية. ولا تخلوا كتابات لويس من تزلّفٍ للغرب، عن طريق نسبة كل ما هو حضاري إليه، ونزع أي كلام عن مساهمةٍ إيجابيةٍ للعرب والمسلمين في بناء منظومة قيمٍ أو حقوق. ويعبّـر النص التالي عن الطريقة التي يستخدمها لويس للقول إنه لا يوجد مفهومٌ لحقوق الإنسان والحرية في الإسلام أصلًا... والحرية بمعناها السياسي لا يعرفها المسلمون قبل نابوليون، وهنا خليط من الغث والسمين، يدرج في نطاق ملاحظاتٍ على تصحيح الترجمة ولكن القارئ يصل في النهاية إلى نتيجتين:

ـ لا توجد حريةٌ سياسية في الإسلام.

ـ لا يوجد مفهوم الحقوق والواجبات أيضًا، وكل ترجمةٍ لنصٍ إسلاميٍ بهذا المعنى خطأ.

يقول في معرض مناقشته لأخطاء الترجمة:

«من الواضح تمامًا أن تلك الترجمات مضحكة. ويمكن أن توجد تشابهات أخرى أقل وضوحًا لكنها مضللةٌ بالقدر نفسه في استخدام كلمات مثل (دولة) (state)، و(حرية) (freedom)، و(الديمقراطية)(democracy)، و(ثورة) (revolution)، ومـا شابهها لترجمة مصطلحاتٍ عربيةٍ مقابلة لها على نحوٍ سطحي. وغالبًا ما يفسد الترجمة المفارقة التاريخية وما يمكن أن ندعوه (التنافر)، أي نقل مصطلحٍ أو كلمةٍ عربيةٍ إلى كلمةٍ إنكليزية تحمل معها دلالات ومعاني زمان آخر ومكانٍ آخر. والكلمة العربية (حر)، مثلًا، تقابل الكلمة الإنكليزية (free) في جميع المعاجم.

ولهذه الكلمة معاني عديدة مختلفة في الإنكليزية، ما تزال تتنوّع تنوعًا كبيرًا في المضمون في مختلف البلدان التي تستخدم اللغة الإنكليزية، وفي العربية وحتى بداية التأثير الغربي، كانت مصطلحًا شرعيًا أساسيًا، ومصطلحًا اجتماعيًا ثانيًا، أي إنها كانت تعني (حرًا) (free)  وليس (عبدًا) (slave)  بالمعنى التشريعي. وكانت أيضًا تُستخدم أحيانًا بدلالةٍ اجتماعيةٍ لتشير إلى المكانة الرفيعة أو الامتياز الذي يرفع الإنسان (الحر) فوق عامة الناس. ووفقًا للسترمارك، فإن كلمة (حر) في الأمثال الشعبية المغربية تعني الرجل الأبيض في مقابل (عبد) الذي يعني الرق وبالتالي الرجل الأسود. وعلى حد علمي فإن أول استخدامٍ سياسيٍ لكلمة (حر) باللغة العربية، كان في بلاغات الجنرال بونابرت التي صدرت عندما وصل مصر، يشرح فيها برنامج الجمهورية الفرنسية. وفيما بعد، أصبح من الطبيعي الاستخدام السياسي الشائع لكلمتي (حر) و(حرية).

يتكوّن هذا الشكل من سوء الترجمة أحيانًا من خلال تقديم مفاهيم لا توجد في الأصل. لذا ففي عرضٍ تاريخيٍ مبكر للأحداث بالعربية، (فتوحات البلدان) للبلاذري، نجد النص الكامل (للأمان) (مصطلح فني للسلوك الآمن أو عهد الأمان الذي يمنحه المسلمون لشخصٍ غير مسلمٍ أو جماعةٍ غير مسلمةٍ استسلمت لحماية الدولة الإسلامية)، وهو عهد أمانٍ أعطاه العرب لشعب تيبليسي بعد احتلال المدينة. ويتم توضيح هذا (الأمان) بالشكل المعتاد؛ إنه ليس عقدًا بين جانبين، بل هو إقرارٌ من جانبٍ واحدٍ، ويشير في رسالة إلى شعب تيبليسي إلى الشروط التي قبل استسلامهم بموجبها. وتنتهي بهذه العبارة العربية البسيطة (هذا عليكم وهذا لكم)، والتي تعني هذا ما يتوجب عليكم وهذا ما يحقق لكم. وقد تمت ترجمة هذا النص مرتين إلى لغة غربية. كانت أول مرة في الولايات المتحدة عام 1916، عندما نقل باحث العبارة (ما ذكــر أعلاه هي حقوقكم والتزامتكم) (The above are your rights and obligations)، وبمصادفةٍ غريبةٍ ظهرت الترجمة الثانية في ألمانيا في الوقت نفسه، ترجمها مستعربٌ معروفٌ جدًا وكانت ترجمته نفسها علميًا.

يقدم كلا المترجمين ضمنيًا، حين الحديث عن (الحقوق) (rights) الكلمة غير الموجودة في الأصل، نظامًا كاملًا من الفكر السياسي والشرعي ربما يكون أولًا متعلقًا بالوثيقة المعنية»[5].

بعبارةٍ أخرى: لا تقل إن الإسلام يفهم ما معنى حرية سياسية قبل الاستعمار الغربي، هذا خطأ، كلمة حر في الإسلام تعني مصطلحًا اجتماعيًا في مقابل العبد (تمييز طبقي)، والعبد في المغرب غالبًا أسود (تمييز عنصري). أما الحقوق والواجبات فلا توجد  في الإسلام. جهةٌ واحدةٌ هي المسلمين تفرض ما تريد على الآخرين، فلا عقود متبادلة ولا حقوق بل واجبات فقط.

ماذا يحدث فعلًا في هذا المقطع المعبر عن عقلية لويس. إنه لا يكتفي بنفي فضل الإسلام في تأسيس الحقوق الإنسانية وحسب، بل يحمّل المجتمع الإسلامي آفات الغرب من التمييز الطبقي والعنصري، وينسب أي رقي في فهم حقوق الإنسان إلى التأثير الاستعماري.

الجهود التي يبذلها برنارد لويس لصهينة الغرب وتشويه صورة الإسلام والمسلمين والعرب، ستكون موضوع الفصل الأول من هذا البحث.

2. تتريك العالم الإسلامي:

في النهاية انتصر الغرب على المسلمين، وجعلهم يذوقون طعم الحضارة بالاستعمار، فكل تمردٍ على الهيمنة الغربية بخلفيةٍ إسلاميةٍ هو دعوةٌ إلى العودة إلى الوراء، حيث لا حرية ولا حقوق.

ومن هنا فإن أفضل استجابة للتحدي الغربي تتمثل بالتجربة التركية بعد «الذئب الأغبر» أتاتورك. فتركيا العلمانية، الحليفة للأطلسي، الصديقة لإسرائيل، فهمت الدرس واستسلمت للحضارة، وعلى العالم الإسلامي أن يحذو حذوها، وهذا ما نسميه بمشروع «تتريك العالم الإسلامي».

هوس لويس بتركيا غريب، فمن بين 29 كتابًا له أحصينا ثلاثةً موضوعها الأساسي تحوُّل العثمانية الإسلامية إلى تركيا العلمانية، واعتُبر كتابه «ظهور تركيا الحديثة» من أفضل ما كُتب عن تركيا على الإطلاق، ولكن هذا لا يعبر عن مقدار اهتمامه بتركيا، فهو لا يترك فرصةً إلا ويذكرها بإعجاب في كل كتبه ومقالاته، مشيدًا بأتاتورك، وفي كثير من الأحيان يوضع الرمز الوطني الطوراني التركي، في مقابل كل من وقف بوجه الاستعمار الغربي من قيادات العرب والمسلمين.

ملامح الإسلام التركي الأطلسي، وسر إعجاب لويس بتركيا، يظهران بوضوح في هذا التصريح لنائب رئيس الوزراء التركي عقب عملية الدهس التي حصلت في القدس، وأدت إلى مقتل وجرح جنود صهاينة، يقول محمد شيمشك في تغريدة على «تويتر»: إنه يدين عملية القدس، ووصفها بـ«الإرهابية الحقيرة»، مضيفًا: «الإنسانية تستحق أن تتّحد الأمم ضد الإرهاب من دون أعذار»[6]. والتصريح كما هو واضحٌ يُدرج «عملًا مقاومًا» ضد الاحتلال الإسرائيلي في خانة «الإرهاب»، ويدعو إلى اتحاد الأمم ضد هذا الإرهاب، فيما أصبح معروفًا أن تركيا هي المحرك والداعم الأساسي للإرهاب الذي ضرب سوريا منذ  سنوات، نقول الأساسي وليس الرئيسي لأن معها من القوى الإقليمية والدولية من ساهم في صناعة الإرهاب، ولكن في الأزمة السورية تحديدًا فإن ما حدث ما كان ليحدث لولا المساهمة التركية الحاسمة.

في كتابه «أين الخطأ؟» يتساءل لويس عن السبيل للتعامل مع التحدي الغربي، ويجيب:

«تحظى إجابتان على هذا السؤال ـ في الوقت الحاضر ـ بتأييدٍ واسع النطاق في المنطقة، وتتضمن كلٌ منها تشخيصًا للمرض والوصفة اللازمة لعلاجه، أما الأولى فهي تعزو جميع الشرور إلى هجر التراث الإلهي للإسلام وتنادي من ثم بالعودة إلى الماضي، حقيقيًا كان أم متخيَّلًا، وهذا هو السبيل الذي سلكته الثورة الإيرانية، وسبيل ما يسمى بالحركات والنظم الأصولية في أقطار المسلمين الأخرى. وأما السبيل الآخر فهو الديمقراطية العلمانية، وأفضل مثال لها هو الجمهورية التركية التي أسسها كمال أتاتورك.

 أما إذا واصلت شعوب الشرق الأوسط سيرها في الطريق الحالي، فربما تحولت صورة الذي يفجر القنبلة في نفسه والآخرين إلى استعارة للمنطقة بأسرها، ولن يكون هناك مهربٌ من الهبوط المتزايد في درك الكراهية والحقد، والغضب والإشفاق على النفس، والفقر والظلم، وقد يؤدي ذلك كله إن آجلًا أو عاجلًا إلى سيطرةٍ أجنبيةٍ أخرى، سواء بسبب عودة أوروبا إلى عاداتها القديمة، وربما بسبب نهضةٍ روسيةٍ جديدة، وربما من جانب دولة عظمى جديدة في الشرق تنشد التوسع»[7].

والكتاب حديثٌ نسبيًا، حيث صدر بعد أحداث 11/9، وهو من مساهمات لويس في توجيه مسار الأحداث المستقبلية، في فترةٍ كان صوته فيها مسموعًا على أعلى مستوى في الإدارة الأميركية. فيحق لنا أن نفهم تهديداته في آخر النص كالتالي:

ـ  على العالم الإسلامي أن يتبع الخيار التركي العلماني، وإلا فإنه سيشهد مزيدًا من التدهور والتمزق، مما سيغري الغرب بالعودة إلى استعمار المنطقة مباشرةً.

ـ وإذا لم يتحرك الغرب ليستعمر المنطقة من جديد فإن نهضةً روسيةً جديدةً قد تملأ الفراغ.

ـ أو أن دولة عظمى في الشرق تنشد التوسع، يعني (تركيا)، ستبادر إلى الهيمنة.

وبالفعل لا يكف فريق لويس في الإدارة والخارجية ومراكز الأبحاث عن دعوة أميركا إلى العودة المسلحة بقوة إلى الشرق. كما لا يمكننا إلا أن نستحضر هنا كتاب «العمق الإستراتيجي» لأحمد داوود أوغلو، والمطالبات الأردوغانية العلنية بالعودة إلى حدود الدولة العثمانية العظمى.

ولم تجرِ الأمور وفق ما أراد لويس بالفعل، بسبب الانكفاء العسكري الأميركي بعد حرب العراق ودروسها، فنهضت روسيا وعادت تدافع عن حضورها في المياه الدافئة من نافذة الأزمة السورية، وتمدد النفوذ الإيراني ليملأ الفراغ الإستراتيجي ويصارع التمدد التركي.

ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد برز دور التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في تتريك العالم الإسلامي، على إثر «الربيع العربي» الذي أوصل الإخوان إلى الحكم في تونس ومصر وليبيا، وبسرعة برزت خطوط التحالف مع الغرب والمصالحة مع إسرائيل على سياسة الإخوان في مصر، إلى أن سقطت تجربتهم بتدخل الجيش، وتحولت تركيا وقطر وتونس وليبيا إلى حواضن للمشروع الإخواني الذي يعيش اليوم في ظل السلطان التركي.

ورغم ذلك تسير عملية «تتريك العالم الإسلامي» اليوم بخطى ثابتة ولكن بطيئة، بسبب الفشل في سوريا، ولكنها ستشهد انتعاشًا كردة فعل على الصورة المقيتة للإسلام التي قدمتها التنظيمات الإرهابية.. ولذلك سيكون الفصل الثاني متمحورًا حول مشروع «تتريك العالم الإسلامي»، الذي يتخذ من الشبكة الدولية للإخوان المسلمين منفذًا إلى كل ساحات العالم الإسلامي.

3. الدعاية والترويج المكثف:

أفرد الدكتور رؤوف عباس مطالعةً نقديةً ممتازةً لكتاب «أين الخطأ؟» وكان من أهم ما ذكره تلك الهالة الدعائية التي يحاط بها لويس، والتي تلعب دور الإرهاب الفكري الذي يهيئ القارئ لقبول كل ما يقوله الرجل الخبير، يقول الدكتور عباس:

كان أحدث ما دفع به برنارد لويس ـ المستشرق الشهير ـ من الكتب إلى المطبعة، كتابه الذي حمل عنوان: «أين الخطأ؟ التأثير الغربي واستجابة الشرق الأوسط»، كان ذلك في خريف عام 2001، قبيل حادث الحادي عشر من سبتمبر الذي أصاب نيويورك وواشنطن، وفجر ما سمي «بالحرب ضد الإرهاب» وما ترتب عليها من تداعيات. وهكذا عندما صدر الكتاب عن قسم النشر بجامعة أكسفورد في مطلع 2002، حظي بإقبالٍ كبيرٍ من جانب الجمهور الذين كانوا يتلهفون إلى معرفة كل ما يتعلق بذلك العدو الخطير: «الإسلام»، وكانت كتب لويس من أكثر الكتب رواجًا بحكم كونه أشهر مستشرق في الغرب عامة، وفي المجال الأكاديمي الأنجلوـ أمريكي خاصةً. لذلك لم يكن غريبًا أن يكون الاحتفاء بكتابه «أين الخطأ؟» كبيرًا عند صدوره، فدبجت المقالات التي عبّـرت عمّا يحمله الكتاب من إشاراتٍ وإيحاءات، وازدحمت المواقع المختلفة على الشبكة الدولية للمعلومات، بالعديد من المداخلات التي ساهم فيها مئات المسلمين والصهاينة وغيرهم من مستخدمي الشبكة، تراوحت تلك المداخلات بين دحض الأفكار التي يروج لها لويس، وتأكيدها والدفاع عنها حسب رؤية وموقع صاحب المداخلة. ونشرت صحيفة Us News World Report  بعددها الصادر في 3 من ديسمبر 2001 مقالًا مطوّلًا تبشّر فيه القرّاء بقرب صدور الكتاب «أين الخطأ؟»، كتبه جاي تولسن Jay Tolson، واختار له عنوان: «حكيم العصر، صورة لبرنارد لويس»، استهله بقوله:

«إن خريف 2001 جعل الأضواء كلها تتجه إلى أبي الدراسات الإسلامية برنارد لويس، فهو [متخصص الموسم]، إذ استُدعي إلى واشنطن ست مراتٍ منذ حادث البرجين، للقاءاتٍ سرية مع كبار المسؤولين بالبيت الأبيض والبنتاجون. كذلك ظهر مؤخرًا في برنامج [وجه الصحافة] وبرنامج [تشارلي روس] بالتلفزيون. ويذكر الجميع مقاله الهام الذي نشر بالنيويوركر في 19 من نوفمبر 2001 بعنوان [ثورة الإسلام] الذي قدم فيه رؤية خبير بالإسلام والمسلمين».

 وكتاب لويس «أين الخطأ؟» ليس فيه جديد سوى عنوانه، وهي مهارة انفرد بها برنارد لويس، لو فعلها غيره لما غفرت له، فهو يصوغ مقولاته الأساسية مستخدمًا نفس المادة في مواقع مختلفة وسياقات متنوعة. وهذا الكتاب الجديد ـ القديم، يجمع في فصوله الكثير مما جاء في كتب لويس السابقة «الإسلام والغرب»، و«اكتشاف المسلمين لأوروبا»، و«اللغة السياسية للإسلام»، و«ثقافات متصادمة»، وهي كتب اتسمت كثيرًا بطابعٍ مميز، لعل من الأفضل أن نستخدم هنا تقييم تولسون لها في مقاله سالف الذكر:

«إن كتابات لويس عن تاريخ وثقافة وسياسات الشرق الأوسط، محملةٌ بأجندة إيديولوجية، تجمع بين المركزية الأوروبية والصهيونية، مما جعلها وصاحبها مصدرًا للجدل على مدى يزيد على الثلاثين عامًا..»[8]. انتهى.

إن تولسون يمجّد بالكاتب في أجواءٍ مشحونة، صحيح أن الكتاب دفع إلى المطبعة قبل أحداث 11/9، ولكنه صدر بعد أيلول 2001، وبالتالي فإن الاهتمام بأي شيءٍ يُكتب عن الإسلام  آنذاك كان يساعد على ترويج الكاتب والكتاب. ومن المعروف من الناحية النفسية أن حملة التحريض على الإسلام والمسلمين بقوة الدولة حينها استمرت تصاعديةً، وفي خضم الحملة يرفع تولسون برنارد لويس إلى مستوى «حكيم العصر»، وصاحب النبوؤات التي تتحقق، ثم يشير في ذيل المقالة إلى الأجندة الإيديولوجية المهيمنة على كتابات لويس، ومن يلتفت للنقد الخجول في مواجهة التحريض والترويج؟.

وسنة 2003 يصدر كتاب «أزمة الإسلام» ليؤكد على الأفكار نفسها ويوظفها في الإطار نفسه، وهو تأخُّر المسلمين عن اللحاق بركب الغرب، والحقد الذي يحرك المسلمين «ولماذا يعبر المسلمين عن غضبهم بشكل تصاعدي بأعمال إرهابية» على حد تعبير دانييل جونسون في «الدايلي تليغراف»[9] مما يعمق أزمتهم...

وهكذا فإن لويس كان جزءًا  أساسيًا من الحملة الشرسة التي قادها المحافظون الجدد ضد الإسلام والمسلمين، ومروجٌ أساسيٌ لأفكار الصدام بين الحضارات حتى قبل هانتنغتون. وفي الوقت نفسه ركز الإعلام الغربي على الدعاية المكثفة لشخصه كخبير أو «حكيم العصر»، لكي تمارس الهالة التي يحاط بها دور «الإرهاب الفكري» الذي يسلب الحس النقدي من المتلقي أو القارئ، في لحظةٍ تاريخيةٍ شعرت فيها الصهيونية أنها في ذروة ما تحلم به من سيطرة على الإدارة الأميركية، وبالتالي عليها انتهاز الفرصة لإشعال الحرائق في كل ما يحيط بإسرائيل أو يهدد أمنها أو وجودها.

----------------------

[1]- راجع السيرة الذاتية في مكان آخر من هذا البحث.

[2]- برنارد لويس، استنبول وحضارة الخلافة الإسلامية، تعريب ونقد سيد رضوان علي، الدار السعودية للنشر والتوزيع، ط2، 1402ـ 1982م، ص 5.

[3]- برنارد لويس، الإسلام والغرب، ترجمة فؤاد عبد المطلب، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2007، ص 153.

[4]- م. ن، ص 143.

[5]- الإسلام والغرب، م.س، ص 108 ـ 109.

[6]- http://www.al-akhbar.com/node/270599.

[7]- برنارد لويس، أين الخطأ؟، ترجمة محمد عناني، تقديم رؤوف عباس، أوكسفورد، 2002، ط1، سطور، 2003، ص 265.

[8]- أين الخطأ؟، م. س، ص 24 - 27.

[9]- من تعليقات الإطراء الواردة على غلاف النسخة الإنكليزية لكتاب أزمة الإسلام.