أزمة العلم المعاصر

أزمة العلم المعاصر

اعداد

فريق شبكة العالم الثالث - ماليزيا

ترجمة

هبة ناصر

مقدمة المركز

تدور المقاييس ـ وما زالت ـ في تقييم تطوُّر الدول ونموها، حول مقدار مساهمتها في اكتشاف التقنيات والتكنولوجيا الحديثة، ومدى استخدامها لها، فرغم الجدل القائم حول كيفية تقبُّل الحداثة الفكرية والثقافية من قِبل دول العالم الثالث، يتّفق الكل على قبول الحداثة في وجهها التقني، ولم نسمع صوتًا مشهودًا يغرّد خارج السرب، ومن الذي يجرأ على نقد التقنية مع ما أنتجته من خيراتٍ وبركاتٍ وتقدّمٍ للبشرية.

لكن لهذا الوجه التقني المشرق وجهًا مظلمًا آخر قام باستنزاف قدرات البشر والطبيعة، وكان سببًا في دمارٍ شاملٍ تمّ الالتفات إليه في الآونة الأخيرة، فظهرت جمعياتٌ وتياراتٌ تطالب بالحدّ من تقدّم التقنيات على حساب سلامة الطبيعة والكون ولصالح الشركات الإمبريالية التي لا همّ لها سوى الربح المادي الآنيّ.

هذا الكتاب هو خلاصة ورقات العمل المشاركة في مؤتمر (أزمة العالم الحديث) الذي عُقد في ماليزيا عام 1986م من قبل شبكة العالم الثالث ورابطة المستهلكين في بينانغ، وقد حضره 140 باحثًا ومشاركًا من مختلف الدول، بهدف دراسة أضرار التقنية الحديثة ومحاولة وضع الحلول والمعالجات والدعوة إلى إحياء التكنولوجيا الوطنية القديمة.

ونحن إذ نقدّم هذا الكتاب إلى المكتبة العربية، نأمل أن نحصل على البحوث المشاركة بشكلٍ كاملٍ لكي نزفّها إلى القارئ العربي الحصيف.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

النجف الأشرف

ج 1 1439

مقدمة

من المسلَّم به على نطاقٍ واسعٍ في يومنا الحالي أنّ العلم الحديث والتكنولوجيا قد فشلا في وظيفتهما المأمولة المتمثِّلة بالحدِّ من المشاكل الاجتماعية الكبرى، ولا سيّما في دول العالم الثالث. قد يُجادلُ كثيرون بأنّ اللومَ لا يقعُ على العلم الحديث بحدِّ ذاته بل على المؤسَّسات المعاصِرة وحالات عدم المساواة التي تحولُ دون تحقيق وعد العلم الحديث. بالرغم من ذلك، توجدُ أدلّةٌ مُتزايدةٌ تُفيدُ أنّ منطق العلم الحديث وتطبيقاته يُؤدّيان إلى تكاليف ومخاطر كثيرةٍ تُواجه الحضارةَ والوجودَ الإنسانيّ بحدِّ ذاته. علاوةً على ذلك، أصبح العلمُ الحديث أداةً قويّةً بيد العالم الثري الذي يستغلّه مع غيره من العوامل الاقتصادية والاجتماعية ليُواصل سيطرته على العالم الثالث.

هذه هي الخلفية التي دفعتْ «شبكة العالم الثالث» (Third World Network) و«رابطة المستهلكين في بينانغ» (Consumers’ Association of Penang) إلى تنظيم مؤتمرٍ دوليٍ يتناولُ «أزمة العلم المعاصر» في تشرين الثاني 1986، وقد جمع هذا المؤتمر بين العلماء والأكاديميين والصحفيين والناشطين العاملين على الصعيد الشعبي القادمين من بُلدانٍ عديدة، حيث بلغ عددُهم 140 مُشاركًا من دولٍ كالهند، سريلانكا، الأرجنتين، الولايات المتّحدة، اليابان، الصين، وتايلاند.

تمثّلت إحدى الأهداف الرئيسية للمؤتمر ببحث الاستخدام المطلق والتأثير الطاغي للعلم والتكنولوجيا المعاصرَيْن باعتبارهما أداةً لتطوير العالم الثالث، وأحاط هذا الاستخدام والتأثير بكافّة بلدان العالم الثالث بغضِّ النظر عن اختلاف منظوماتها الفكرية وسياساتها وأديانها وثقافاتها. لقد تسبَّب استخدامُ العلم والتكنولوجيا المعاصرَيْن كأداةٍ شاملةٍ وحياديّةٍ وموضوعيةٍ ظاهريًا في عددٍ كبيرٍ من المشاكل في العالم الثالث، وإنّ العلم والتكنولوجيات الحديثة التي تمّ تطويرها من نظريات المعرفة الغربية وتعتمدُ على تجربتها لديها قواعد داخلية لا تُناسبُ احتياجات العالم الثالث.

من الأمثلة على هذه القواعد الداخلية:

- النظرة الكونية الميكانيكية والمختَزَلة للعلم الغربيّ الحديث التي تُدمِّرُ المقاربات الشمولية والبيئية.

- الميل المتأصِّل للعلم الحديث نحو التدمير والعنف ضدّ الإنسان والطبيعة، وهذا ينتجُ عن نظرته الكونية الميكانيكية.

- منظوماته الإدراية الاستغلالية وأنماطه الاغترابية في العمل.

- عنصريّته.

- استخدامه للأنماط الاستهلاكية المبذِّرة الواضحة.

- تأكيده على قيم التبادل بدلًا من قيم الاستعمال.

- ادّعائه تبنّي الموضوعية والشموليّة والحيادية ممّا يُبرِّرُ أعماله العنيفة والاستغلالية.

في مؤتمر بينانغ، تمّت مناقشة الأبعاد السابقة للعلم الحديث بالإضافة إلى آثارها على العالم الثالث، ومن بين النتائج التي تمّ تناولها وَرَدَ استنزاف المصادر الطبيعية، أثر الثورة الخضراء على الزراعة، استعمال الطاقة، التعبئة العسكرية المتنامية، وفقدان التنوّع الثقافي والوراثيّ. كذلك، بحَثَ المؤتمر في المصادر الغنيّة للعلوم والتكنولوجيات الأصلية التي تمّ تطويرها في العالم الثالث على مدى قرونٍ متمادية، وقد «تخطّى» العلمُ الحديث هذه العلوم الأصلية وحلّ مكانها بحيث وصل الأمر إلى فقدان الثقة بالعلم والتكنولوجيات الوطنية. استشعر أعضاءُ المؤتمر الحاجة الملحّة في الوقت الراهن إلى إعادة استكشاف التراث العلمي للعالم الثالث واستخدامه كقاعدةٍ لنوعٍ من التطوُّر الذي يتضمّنُ بشكلٍ أكبر الطابعَ الكليّ والإنساني والبيئي.

خلال المؤتمر، انقسم المشاركون في ورشاتِ عملٍ لمناقشة مواضيع وقضايا محدَّدة، ومن هذه الورشات ـ بالإضافة إلى الأوراق والمباحثات ـ تولَّت مجموعةٌ من المشاركين وضْعَ «مشروع الإعلان» الذي يُلخِّصُ المشاكل المتعدِّدة المذكورة في المؤتمر ويُقدِّمُ اقتراحاتٍ عمليةٍ لكيفية مُعالجة هذه المشاكل. نُوقش هذا المشروع في اليوم الأخير من المؤتمر وتمَّت الموافقة عليه مع عددٍ من التعديلات والإضافات.

يحتوي هذا الكتاب على النسخة الأخيرة من «إعلان المؤتمر»، وينقسمُ إلى 15 فصلًا تتناولُ المواضيع التالية:

- الحاجة إلى تطوير نوعٍ من العلم والتكنولوجيا يُناسِبُ العالم الثالث.

- وقوع استغلال المصادر الطبيعية للعالم تحت مُسمَّى التقدُّم العلمي، عجْزُ العلم عن تلبية الاحتياجات الأساسية لأغلبية سكّان العالم، والروابط الخفيّة بين العلم والهيمنة الاقتصادية على العالم الثالث.

- الكيفية التي جرى فيها التقدُّم العلمي في المجالات المختلفة كتخطيط الطاقة والاستهلاك، الزراعة، الرعاية الصحيّة، ووسائل الاتّصال أدى إلى وضع العالم الثالث تحت سيطرة الدول الثريّة بشكلٍ متنامٍ.

من أبرز هذه المظاهر:

ـ التعبئة العسكرية وسباق التسلُّح.

ـ العنصرية والتمييز الجنسي في ميدان العلم.

ـ النقائص في المنظومة الحالية للتعليم العلمي والحاجة إلى ربْط العلم بالوقائع العملية والاجتماعية في العالم.

ـ الحاجة إلى ترشيد السياسات العلمية الحالية وأساليب الإدارة من أجل إنشاء علمٍ وتكنولوجيا يعتمدان على نفسهما، ويتّجهان نحو تلبية الحاجات الأساسية، ولا يضرّان البيئة.

فيما عدا الفصل الأول الذي يُمثّل «الإعلان العام»، يتضمّنُ كلُّ قسمٍ اقتراحاتٍ عمليةً لما يُمكنُ أو ينبغي فعلُه من أجل مُعالجة المشاكل العديدة في العالم اليوم. لا يُمكننا أن نأمل التوصُّلَ إلى حلٍّ لها جميعًا في وقتٍ قصير ولكن ينبغي البدء من مكانٍ ما. يتطلّع المشاركون في المؤتمر إلى أن يُحقِّق هذا الإعلان خطوةً أوليةً وأن يُساعد شعوبَ العالم الثالث في إدراك طبيعة العلم الحديث لكي تُتَّخَذ الإجراءات لضمان بقاء أولادنا على وجه هذه الأرض في حريّةٍ وتناغمٍ مع بعضهم البعض والطبيعة. نأملُ أيضاً أن يُثيرَ الإعلان المزيد من النقاش وأن يُوضِّح الحاجة إلى إعادة استكشاف العلوم الأصلية المتعدِّدة في مجتمعات العالم الثالث وترويجها.

 

س. م. محمد إدريس،

مُنسِّق شبكة العالم الثالث 1988