صراع الأجيال

صراع الأجيال
عرّف علماءِ التربية، والاجتماع، وعلم النفس؛ صراعُ الأجيالِ هو: الاختلافُ في الرؤى بين الجيلين الشباب والكبار، واضطرابُ العَلاقة بين الآباء والأبناء، وتأزُّمها؛ فالأبناء يتَّهِمون الآباء بأنهم لا يَفهَمون، وأنهم متأخِّرون عن إيقاع العصر، ويَصِفونَهم بالملتزمِّتين والمتشددين.
بينما يتَّهِم الآباءُ الأبناءَ بأنهم لا يَحتَرِمون القِيَم، ولا العادات، ولا التقاليد، وهم قليلو الخبرةِ، ولا يَحتَرِمون آراءَ وخبرة الكبار.

إن صراعَ الأجيالِ تفاعلُ عَلاقاتـي بينَ عناصرِ ومكوِّناتِ المجتمع، يُولِد عدمَ الحوارِ، وعدمَ الرضا بين الجِيلَين، ونفورَ كلِّ طرفٍ من الآخر، هذا النفورُ قد يَصِل إلى درجةِ الصدامِ والعداء بين الآباء والأبناء. الشيء الذي يهدِّد كِيَان الأسرةِ، وبنيانَ المجتمع، وهُوِيَّته بصفة عامة.
وقد اتَّخذ صراعُ الأجيالِ أبعادًا وأشكالاً متعدِّدة: فكريةً، ولغويةً، وثقافيةً، وسلوكيةً، وسياسيةً، ودينيةً، وتربويةً، واجتماعيةً، وفنيةً.

والصراع الديني أخطرُ أشكالِ الصراعِ بين الأجيال؛ لأن فيه يَتِمُّ التهجُّم على الدين بما فيه من: عقائد، وقواعد، وأحكام، وما يَحمِله من قِيَم إنسانية رفيعة، والتشكيك في النبوةِ، والطعنِ في الحديث النبوي الشريف، كما يتَّخذ طابعَ التهجُّمِ على أهلِ الدينِ المتَّقين، ويتَّهِمونهم بالرجعية والتخلُّف، وأنهم يستحِقُّون الطردَ من الأرضِ، أو القتلَ، أو السجنَ.

ولقد تعدَّدت الأسبابُ التي أدَّت إلى الصراع بين الأجيال:
فمنها: ما هو ذاتي، يتصل بمستوى الوعي، والمستوى التعليمي، والثقافي، والتربوي لكلِّ جيل.
ومنها: ما هو خارجيٌّ موضوعيٌّ؛ كسرعةِ التغيراتِ الحاصلة في الحياة بصفةٍ عامَّةٍ، وما يؤدِّي إليه هذا التغيُّر من تنوُّعٍ في أشكالِ النشاط السياسي، والاجتماعي، والثقافي، والفكري.

وللصراعِ بين الأجيال انعكاساتٍ سلبيةً خطيرةً على الفردِ، والأسرة، والمجتمع؛ فالعجز عن مسايرة قوانينِ المجتمعِ - يَجعَل الفردَ يَشعُر بالنقصِ أمام غيرِه، سواء من الأقاربِ أو من الأباعد، وعلى مستوى الأسرة: فإن الصراع يؤدِّي إلى تصدُّعها، وانهيارِ بنيانِها، ويَجعَل مظاهر الحسدِ والكراهيةِ هي الطاغيةَ بين أفرادها، وهذا يَنعَكِس على المجتمعِ؛ حيث تَفسُد العَلاقة بين فئاته وطبقاته، وتَنعَدِم الثقة بينها، وهذا يؤدِّي إلى انهيارِه، وضعفِ مقاومتِه للتحدِّيات والتدخُّلات القَادِمة من الخارج، وفشله في تحقيق السعادة الاجتماعية. 

والعلاج هو أنّه ينبغي  علينا أن نسعى جاهدين لنبني جسوراً مُشترَكة يصل من خلالها كلّ طرف فينا للآخَر. وأن يظلّ باب الحوار مفتوحاً بيننا دوماً، حواراً صادقاً وأميناً ومُخلِصاً، يرغب كلّ طرف ـ من خلاله ـ أن يفهم ويتفهّم الطّرف الآخَر، وأن يستمع له باهتمام واحترام بالِغَين، لا لكي ينتقده أو يُهاجمه ويُفنِّد آراءه، بل كي نجد معاً أرضيّة مُشتركة نقف عليها معاً، ونموذجاً واحداً واضحاً للتّآلُف والاتّفاق، لأنّنا نعلم جميعنا أنّ قارباً واحداً بذاته يجمعنا معاً، وأنّ أيّ نجاح سنحصد نتيجته سويّاً، كما وأنّ أيّ خطر مُحدِق بنا يُمثِّل سقوطاً مُروِّعاً لنا جميعاً. هكذا فإنّ الأمر جدّ خطير، ويستلزم منّا اتّحاداً واتّفاقاً تامّاً وعملاً مُشتركاً بيننا ـ بِيَدٍ واحدة ـ لدَرء الخطر المُحدق بنا.