أميركان انتربرايز انستيتيوت

أميركان انتربرايز انستيتيوت

تقديم ونقد

جهاد سعد

ترجمة و عرض

محمود المقيد

المقدمة

 مراكز التفكير الغربيّة :  أدوارها ــ أنواعها ــ وتأثيرها

تهتمّ هذه السلسلة بتعريف وترجمة وعرض ونقد نتاجات ما يسمىّ اليوم «بمراكز التفكير» Think tanks  اصطلاحاً، باعتبار هذه المراكز الفاعلة والمؤثرة في مختلف المجالات الحيويّة  اليوم، امتداداً معاصراً للجهود الاستشراقية عبر التاريخ، بل ونسخة متطورة جدّاً لآليات المسح والتدخّل الغربيّ في العالم كلّه وخصوصا عالمنا الإسلاميّ.

وقد اعتمدنا أسلوب الترجمة الأمينة لما يقوله المركز عن نفسه، مع قراءة نقديّة تحت عنوان «المركز في الميزان» ، توضح حقيقة أهداف المركز وأدواره منظوراً إليها بعين الآخرين بعد تقديم أبرز آراء الباحثين فيه. وسنلاحظ دائما أنّ اللغة التي تستخدمها المراكز في تقديم نفسها تخفي حقيقة دورها أكثر ممّا تظهره كلما اقتربت من عالم السياسة والمخابرات. بينما يجب أن نلتفت إلى أنّ تلك المراكز ليست مقتصرة على المجال السياسيّ، وهي بحدّ ذاتها تمثّل وجهاً إيجابياً هو استثمّار المعرفة وحسم الصراع بين المثقف وصاحب القرار، ووجهاً سلبياً هو توظيف معطيات البحث العلمي ومخرجاته لبسط السيطرة وإدامة الهيمنة والتخطيط للحروب واستثمّار نتائجها لمصلحة الشركات والدول الكبرى.

وتحتضن هذه المراكز جيشاً من الخبراء والمفكّرينَ والسياسيّينَ المخضرّمين والباحثين الجامعيّين، ولكلّ منهم   ملف أو أكثر يهتمّ به وتتمحور نتاجاته حوله، وهنا أيضاً عرضنا الآراء بأمانة مع تعريف بالخبير يشير إلى خلفيته الفكريّة ودائرة اهتمامه. ولن يكون من الصعب على القارىء الكريم ملاحظة عمق تأثير هؤلاء الخبراء في السياسات العامّة خصوصاً في الولايات المتّحدة الأميركيّة، ممّا جعل الدول الطامعة بالحضور في القرار الأميركيّ ولوبيّات الضغط تتسابق على تأسيس مراكز تفكير أو شراء الموجود منها تحت عنوان التبرّع والمساعدة في البحث العلميّ.

 1. مراكز التفكير: طريقة عمل أميركيّة

سنة 1918 قدّم وودرو ويلسون للكونغرس بصفته رئيساً للولاياتِ المتّحدةِ الأميركيّة، ما يسمّى اليوم  في القانون الدوليّّ بمبادىء ويلسون  الأربعة عشر وركّز فيها على السلم وإعادة بناء أوروبا من جديد بعد الحرب العالميّة الاولى حتّى إنهاء الاستعمار. ويتحدّث الموقع الرسميّ للوثائق الاميركية الحكومية باعتزاز عن هذه المبادىء، معتبراً أنّها كانت قاعدة لمفاوضات السلام في نهاية الحرب... وأنّ مجموعة من مئة وخمسين عالماً سياسيّاً واجتماعيّاً بقيادة صديق قديم للرئيس هو العقيد إدوارد هاوس، ناقشت سرّاً كلّ ما يمكن أن يناقش في مؤتمر السلام، وأجرت مسحاً للعالم من النواحي السياسيّة والاجتماعيّّة والاقتصاديّة وأنتجت تمهيداً لهذه المبادىء 2000 تقرير منفصل مع وثائقها وما لايقلّ عن 1.200 خريطة. وهذه التقارير والخرائط تحديداً تكشف خلفيّة المبادىء المعلنة، وهي التحضير لدور عالميّ للولايات المتّحدة في وراثة أوروبا المنهكة بحروبها.

من الواضح أنّ الولايات المتّحدة  الأميركيّة قد  حسمت الصراع بين المثقّف والمفكّر من جهة وصاحب القرار من جهة أخرى بهذه الطريقة الإبداعيّة. وهي إشعار المفكّر بأنّه مستشار حقيقيّ للسلطة السياسيّة، وإشباع أنا المثقّف باعتماد أفكاره في الإستراتيجيّات الكبرى. وساهم العقل البراغماتيّ أيضاً في زوال الحاجز المثالي من أمام التعاون الذي صنع بحقّ عظمة الدولة التي هي عبارة عن اتّحاد فيدراليّ لخمسين دولة.

أدركت النخبة الأميركيّة أنّ المعرفة لطالما كانت في تاريخ الغرب حقلاً من حقول السلطة، وأنّه لا بد من التخادم المتبادل لتسخير العلم في سبيل التوسع والهيمنة والغلبة على عدوّ حقيقيّ أو مفترض.

وكما أشرنا في الكلام عن مبادىء ويلسون كانت هذه هي طريقة العمل الأميركيّة من بدايات القرن العشرين، وليس من قبيل المصادفة أيضاً أن يكون هذا القرن حصيلة جهد استشراقيّ مكثّف شهده القرن التاسع عشر الذي كان  موسماً لأغزر النشاطات الاستشراقيّة على مستوى الغرب كلّه كما نستفيد من موسوعة العقيقيّ: "فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، طفق المستشرقون يعقدون المؤتمرات الدوليّّة مرّة كلّ ثلاث سنوات أو سنتين أو بعد أربع، وتشرف على تنظيم كلّ مؤتمر لجنة من علماء الدولة التي يعقد فيها، لبحث جدول أعماله، ولها زيادتها أو إنقاصها، وتحديد موعد انعقاده ومدّته.

 ويضمّ المؤتمر مئات العلماء من أعلام المستشرقين وأقطاب الوطنيّين في الغرب والشرق، فقد اشترك في مؤتمر أكسفورد  900 عالم عن 25 دولة، و85 جامعة، و69 جمعيّة علميّة. 

وينقسمون إلى أربع عشرة جماعة، تنفرد كلّ منها بقسم من جدول الأعمال، وهي:

الدراسات المصريّة القديمة، والدراسات الآسيويّة البابليّة، وآثار الشرق الأدنى، والعهد القديم، وآثار الكتاب المقدّس، والشرق المسيحيّ، وبيزنطة، والدراسات الساميّة، والدراسات الإسلاميّة اللغة والأدب، والدراسات الإسلاميّة التاريخ الفنيّ، والدراسات التركيّة، والدراسات الخاصّة بإيران والقوقاز وما جاورهما، والدراسات الهنديّة، ودراسات آسيا الوسطى، ودراسات آسيا الشرقيّة، ودراسات آسيا الشرقيّة الجنوبيّة، والدراسات الأفريقيّة. 

وجدول المؤتمر وما يضاف إليه من خطب وأبحاث وآراء ومقترحات تنشر في مجلّدات بعنوان: أعمال المؤتمر، يُهتدى بها كنظم ومناهج ووسائل للمضيّ في هذه الحركة العالميّة، كما تصبح أصولاً وأمّهات وأسانيدَ للباحثين 

وقد عقد المستشرقون منذ عام 1873م إلى عام 1976م ثلاثين مؤتمرًا دوليًّا، بالإضافة إلى بعض المؤتمرات الإقليميّة؛ مثل: مؤتمر المستشرقين السوفييت ليننجراد 1935 - 1937، وحلقة المستشرقين في بروكسل؛ حيث نشرت أبحاثها في كتاب بعنوان: تطوّر العقيدة الإسلاميّة باريس 1962 ... وقد أحصى العقيقيّ مؤتمرات المستشرقين الثلاثين الدوليّة من سنة 1873 إلى سنة 1976م، فذكر مكان كلّ واحد منها، وتاريخ انعقاده، وحجم أعماله، وكأن تكون مجلدين أو ثلاثة أو خمسة، وهكذا...، كما أورد نماذج ممّا تناولته بالدراسة على جداول أعمالها، مثل إيراده لجدول أعمال المؤتمر الخامس عشر الذي كان مخصّصًا للشؤون التاريخيّة، والذي انعقد في كوبنهاجن سنة 1908م، وجدول أعمال المؤتمر الرابع والعشرين الذي اختصّ باللغات

الشرقيّة قديمها وحديثها، والذي انعقد سنة 1957م في ميونيخ .

 

ومن هنا فإنّ ظاهرة مراكز التفكير أو بيوت التفكير في الغرب عموماً والولايات المتّحدة الأميركيّة خصوصاً، هي ثمّرة هذا التلاقي بين العلم والسياسة والاستشراق في الفضاء الغربيّ، وهي ميزة لا يمكن إنكارها أعطت مقعداً للعالم في ديوان السلطة الغربيّ، أيّام كان السلطان الشرقيّ ممعنا في قتل العلماء أو تشريدهم أو تكفيرهم أو تسخيرهم لأغراض إستبداديّة بحتة.

2. الاستثمّار في المعرفة

إنّ أحدث بحث يتناول مراكز التفكير الأميركيّة صدر عن موقع « أفضل المدارس» تحت عنوان «مراكز التفكير الخمسين الأكثر تأثيراً في الولايات المتحدّة» وهذا البحث يُعرّف مراكز التفكير كما يلي: إنّ المصطلح يشير إلى مجموعة من الأشخاص تتقاضى أجراً لا لشيء سوى القراءة والمناقشة والتفكير والكتابة، عادة لمعالجة مسألة ذات أهميّة حيويّة للبشريّة... ويضيف: يمكنك أن تتصوّر المركز البحثيّ كجامعة مع غياب كامل للطلاب، ونتيجة لذلك، لا أحد من أساتذتها يعلّم كلّ ما عليهم القيام به هو البحث والبحوث والأبحاث. وفي النهاية، كان لدى الولايات المتّحدة 984 1 مركز فكر ـ أي ما يقرب من ثلث مجموع ما في العالم. تعمل مراكز التفكير الأمريكيّة باستمرار على البحث عن حلول لمجموعة متنوّعة من مشكلات العالم، ومن ثمّّ النقاش والدعوة والضغط من أجل إحداث تغييرات في السياسات على المستويات المحليّة والولاياتيّة والفيدراليّة.

ويشرح أوليفيه أوروتيا أسباب الطفرة المعاصرة في مراكز التفكير، سواء داخل الولايات المتّحدة أو خارجها، مشيراً بوضوح إلى وضرورة استعانة السياسيّين بالعلماء والباحثين، وما يسمّيه «لاعبين أجتماعيّين سياسيّين آخرين» أصبحوا فعلاً شركاء في البحث أو التحضير أو الضغط  باتّجاه قرارات وسياسات تخدم مجتمعاتهم أو مصالحهم أو رؤيتهم الخاصّة لهذه المصالح:

ففي عالم معولم يواجه علاقات وتفاعلات متزايدة التعقيد، عالم يولّد بيئة من المخاطر والفرص، تغيّر نموذج الدولة القوميّة، وفتحت الإدارة السياسيّة الباب أمام لاعبين اجتماعيّين سياسيّين آخرين. ويجري إطلاق مراكز التفكير من قبل جماعات اللوبي، والمنظّمات غير الحكوميّة، ووكالات العلاقات العامّة، والشركات المتعددة الجنسيّات، أو المؤسّسات عبر الوطنيّة  بمعدل هائل وبسلطة كبيرة للنقاش بشأن السياسات العامّة وتصميمها في جميع المجالات: الصحّة والتعليم والثقافة، والقانون، والاقتصاد، والأمن، والدفاع، والبيئة، والموارد الطبيعيّة، والطاقة، والعلاقات الدوليّّة. وتؤثر مراكز الفكر على صنع القرار على الصعيدين الوطنيّ والدوليّّ، وهي مورد إضافيّ للإدارة السياسيّة للدول.

وقد أدّى الجمع بين مختلف التهديدات (الإرهاب والمتمرّدين الحضريّين والحروب السيبرانيّة والاتّجار المتعدّد والتجسّس الصناعيّ وحروب المعرفة والحروب الاقتصاديّة وما إلى ذلك) إلى جانب الأزمة الاقتصاديّة التي اجتاحت العالم منذ عام 2007، إلى إعادة النظر في النموّذج الكلاسيكيّ لسياسات الدفاع والأمن وإدارتها الاقتصاديّة. وفي ظلّ هذه الخلفيّة، أحدثت تكنولوجيّات المعلومات والاتّصالات الجديدة ثورة في النموّذج التقليديّ للبناء العموديّ للمجتمع: الدولة ـ المؤسّسات ـ الإعلام ـ السكان. وبدلاً من ذلك، اتخذت خطوة نحو هيكلة أكثر شبكية للعالم. إنّ عمليّة التحوّل في إدارة الدولة نحو نهج أكثر تعاوناً هي نقطة أساسيّة عند مواجهة هذه التهديدات. وأثارت الأزمة شكوكاً في نموذج الإدارة وطبيعة الاستخدامات المختلفة للخبرات العامّة أو الخاصّة، وهي ضروريّة عند تحديد أو تقييم أو تنفيذ أو نقل الاستراتيجيّات العالميّة المناسبة. وتكتسب مراكز الفكر أهمية كموارد خبرة خاصّة تؤثر في السياسات الوطنية والدوليّة والرأي العامّ، وتهيّئ حّيزاً للحوار بين الحكومات والمجتمع المدنيّ، وتلعب دور الوسيط بينهما.

3. بماذا تتميز هذه المراكز؟   

يعتمد أوروتيا على جماعة من الباحثين ليحدّد  المعايير التالية لتعريف مركز التفكير:

• إنّه منظّمة مستقلّة: ويتحدد مستوى الاستقلاليّة من خلال النظام الأساسيّ، ومصادر التمويل، الخاصّة أو العامّة أو المختلطة وروابطها المباشرة مع سلطات الدولة ، والسياسيّين النشطين الذين يشغلون مناصب في المنظّمة.

• التفاني في خدمة المصلحة العامّة.

•  وجود فريق عمل دائم يركّز في البحث.

• إعداد مقترحات مبتكرة وسياسات عامّة محتملة، بهدف المشاركة في النقاش.

• منظمّة لا تتوخّى الربح. بمعنى أنّها تحرص على أن تبقى ذات منفعة عامة.

• منظّمة لديها موارد الاتّصال الخاصّة بها التي يمكن الوصول إليها بحرّية (الموقع، والمدوّنات، والمنشورات، والمؤتمرات وما إلى ذلك) من أجل نشر المعلومات على أوسع جمهور ممكن.

وبالتالي : فالمؤسّسة الفكريّة أكثر أكاديميّة من اللوبي، وأكثر نشاطاً من الجامعة، وأكثر سياسة من الأعمال التجاريّة. وكمعيار للتمييز، يمكن القول إنّ مركز التفكير ينظم مهامّ بحثيّة، ويتوقّع الإجراءات من جانب جماعات الضغط.

وفي هذا الصدد، فإنّ الشرط الأساسيّ هو التأثير في جدول الأعمال السياسيّ وصنع القرار والرأي العامّ. إنّ إنتاج الأفكار، فضلاً عن القدرة على التأثير، هي خصائص متأصّلة لمراكز التفكير.

 4. الارتباط بالتاريخ العسكريّ

كان تعبير «مركز التفكير» موجوداً فعلاً في نهاية القرن التاسع عشر في اللغة الإنجليزيّة، ومع ذلك  فإنّ معناه «كمنظّمة مكرّسة للتفكير» يرجع تاريخه إلى عام 1959، وفقا لقاموس أوكسفورد الإنكليزي. وقد انتشر هذا المعنى فعلاً في فترة الحرب العالميّة الثانية مع تطوّر منظّمات التخطيط العسكريّ والاستراتيجيّ، مع مؤسّسة راند باعتبارها «الرائد». إن كلمة Tank تعني دبابة أو حاوية  في الأصل  ولكنّه تطوّر ليشمل مركبة صواريخ، أو صومعة (قاذفة صواريخ)، أو رأساً حربيّاً نوويّاً. وتسمية هذه المراكز  «ثينك تانك» يكشف الأصل العسكريّ للمصطلح،   ومن ثمّ فإنّ أصل مصطلح «مركز التفكير» الذي يشير إلى المنظّمات المكرّسة للتفكير والبحث والترويج للمقترحات والحلول للسياسات العامّة يمكن العثور عليه في المجال العسكريّ. وخلال الحرب العالميّة الثانية، استخدم مصطلح «غرفة الحرب» كمرجع واضح للمسائل المتّصلة بالأمن والدفاع، وهي فضاء مغلق ومحميّ يجتمع فيه الخبراء المدنيّون والعسكريّون لوضع استراتيجيّات وإيجاد حلول لمسائل الدفاع والأمن أو العلاقات دوليّة. ثمّّ كان هناك اشتقاق دلاليّ لغرفة الحرب بمعنى احتياطيات الاستخبارات.

وبالموازاة، فإنّ كلّ الدلالات التنظيمّية لها أساس أمريكيّ واضح وتقليد المفردات العسكريّة، ممّا يؤكّد الروابط العضويّة القائمة. مدير المنظّمة هو استراتيجيّ أو كبير الموظّفين، والمقرّ الرئيسيّ للمقرّ، والهيكل التنظيميّ للمنظّمة والأقسام، والإدارات البحثيّة إدارة وحدة البحوث. و السياق  الذي تعمل فيه مراكز الفكر له طابع عسكريّ - وهذا السياق يعرف بأنّه حرب الأفكار. هنا، الفضاء الفكريّ هو ساحة المعركة. الأدوات التقليديّة لمراكز التفكير ـ الشبكات الاجتماعيّّة، وسائل الإعلام، السياسة والشأن العامّ، والأحداث ـ يمكن تعريفها عن طريق القياس كأسلحتها.

وهكذا، في البداية الاستطلاع العسكريّ، وبعد ذلك الاستقطاب السياسيّ.. ولا يوافق أوروتيا على الترجمة الإسبانيّة للمصطلح والتي تعني «مختبر الأفكار»  ويعتبرها قاصرة ومضلّلة فيما يتعلّق بالأنشطة العامّة لمراكز التفكير، و«تخون» جوهرها: فهي ليست مجرّد عمليّة تجارب وبحث، ولكن أيضاً خلق أدوات فعّالة تستند إلى الاستراتيجيّة المتاحة لصانعي القرار السياسيّ. ويجري تنظيم مراكز التفكير حول محورين مترابطين: التحقيق ثمّّ التفكير من جهة، والتأثير من جهة أخرى.  وقد توسّعت مصطلحات  مراكز البحوث حول السياسات العامّة بسبب أوجه التشابه بين طريقة عملها وطرائق معاهد التخطيط العسكريّ.

 5. إدارة المعرفة

تمثل مراكز التفكير أداة قياديّة لإدارة المعرفة، في إطار متعولم غزير المعلومات والشبكات التكنولوجيّة، هناك فائض من المعلومات المضرّة التي قد تقود إلى إساءة فهم الأحداث والعواقب من قبل القيادات السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة. ويتطلّب التوسّع المتسارع للمعلومات المتغيّرة مفاتيح للتفسير من أجل ضمان اتخاذ قرارات متفاعلة ودقيقة. وتقوم مراكز التفكير، باعتبارها منظمات مختلطة، بإدارة المعلومات والمعرفة، بواسطة الباحثين الخبراء. وتعتبر البيانات المتعلّقة بالاستمراريّة ـ المعلومات ـ المعرفة ـ الاستراتيجيّة، جزءاً من دورة متوسّطة أو طويلة الأجل وتحتاج إلى أساليب لإدارة الموارد المتاحة والمناسبة. فبفضل سنوات خبرتهم الطويلة ومواردهم الهائلة وعلاقاتهم السلسة مع الدولة والجيش، تقوم مراكز التفكير الأمريكيّة ـ وخصوصاً تلك التي تتعامل مع الدفاع والأمن والعلاقات الدوليّّة ـ بمهمّة تتّبع المجرّة المعلوماتيّة، مما يشير إلى حلول. المعرفة هي نتيجة للربط بين المعلومات وتفسيرها من خلال إطار المراجع (الخبرة، والمعتقدات، والنظريّات، والنماذج، والثقافة) من قبل الباحث أو المفكّر الذي ينظّم ويعطي مجموعة من البيانات. فالمراكز الفكريّة تحبّذ بُعد المشاركة في التواصل، الذي ينشأ عنه الذكاء وهو مزيج من الفهم والمعرفة. مؤسّسة راند هي المعيار الذهبيّ بين مراكز التفكير فيما يتعلق بالمصطلحات وعلم الأنطولوجيا، والاستفادة من منهجيّة التغذية الراجعة: المعلومات والتنظيم والاتّصالات.

وتكمن الفائدة التي يمكن أن يحقّقها وجود مركز تفكير في دولة أو شركة أو جيش في إمكانيّة الحصول على الإمدادات من المعلومات والمعرفة والابتكار. ويركّز العمل البحثيّ في ثلاثة أبعاد زمنيّة: الماضي والحاضر والمستقبل؛ «المعرفة للتنبّؤ من أجل أن تكون قادرة» . وليس مطلوبا من المعرفة أن تكون صحيحة، عادلة أو جذابة، ولكن أن تكون فعّالة. وتتيح اليقظة الثلاثيّة والبحث والبحوث في عمليّة الاستخبارات الاستراتيجيّة  إجراء تعديلات في الحاضر والمستقبل استناداً إلى معرفة الأحداث السابقة. فالمراكز الفكريّة، بسبب طبيعتها، موجّهة نحو المستقبل. وتوضع أنشطتها البحثيّة بقوّة بين الاستشراف والاستراتيجيّة. ويمكن النظر إلى أهميّة كلّ من تحليلاتها ومقترحاتها على أنّها تكمن في قدرتها على فهم الحاضر من منظور الماضي، من أجل تحقيق التبصّر:

«الاستخبارات الاستباقيّة تهدف إلى العمل في الواقع أو النموّذج، لتجنّب المخاطر والتهديدات الناشئة». 

6. التكامل مع أجهزة الإستخبارات

ونظراً لمستوى استقلاليّتها الفكريّة ومزيج الخبراء من القطاعين العامّ والخاصّ، فإنّ العمليّات التي تقوم بها مراكز التفكير تتوافق مع أجهزة الاستخبارات. وإذا نظرنا إلى أساليب العمل المطبّقة داخل هذه الهياكل، فإنّنا نرى أنّ التبصّر هو سمة حاسمة لنشاطهم. صياغة التنبّؤات والفرضيّات هو نشاط معقّد ـ حتّى محفوف بالمخاطر ـ ومكلّف. فالشرکات والحکومات والأحزاب السیاسیّة محدودة إلی حدّ ما فیما یتعلّق بالاستبصار، حیث إنّها تمیل إلی الالتزام بالعمل علی المدى القصیر، فيجري تحدید أنشطتها عن طریق الانتخابات، والحسابات السنویّة، وقلّة الوقت، وعدم الموافقة أو العقوبات من جانب المساهمين أو المواطنين إذا تبيّن أنّ التوّقعات خاطئة. ثمّّ لدينا على المدى الطويل - الطريقة المعتادة للعمل بين مراكز التفكير.

ويمكن القول، كخاتمة عامّة: في حين أنّه قد توجد فعلاً معايير معيّنة لتحديد مركز فكر ذي أهداف مشتركة وأنشطة بحثيّة، فإنّ من الصحيح أيضاً أنَّ هناك أشكالاً هيكليّة مختلفة لها تأثير في طريقة إدارتها، وعلى تناقص استراتيجيّة النفوذ.

7. تصنيف مراكز التفكير

يمكن تعريف مراكز التفكير بأنّها منظّمات فريدة نظراً لوجود عدد قليل جدّاً من البلدان التي توجد فيها فئة قانونيّة خاصّة بها. وفي الولايات المتّحدة، تنظّمها المادّة 501 (ج) من قانون الضرائب، إلى جانب منظّمات أخرى لا يمكن اعتبارها مراكز بحث.

ويمكن تصنيفها حسب هيكلها التنظيميّ أو بالنشاط الذي تقوم به:

أوّلاً: العموميّة التي تتعامل مع معظم مجالات السياسة العامّة (الصحّة والتعليم والمواطنة والاقتصاد والبيئة والدفاع والأمن والطاقة والعلاقات الدوليّّة)

II. الجامعات بدون طلاب

III. مجموعات الدعوة، التي تقوم بأنشطة على غرار جماعات الضغط

IV. الخبراء الذين يركّزون في موضوع واحد والقضايا المتعلّقة بهذا الموضوع

 8. أدوار مختلفة لمراكز التفكير

وتؤدّي منظّمات بحوث السياسات العامّة والتحليل والمشاركة (المعروفة أيضاً باسم «ثينك تانكس») دوراً حيويّاً في المجال السياسيّ على المستويين المحلّيّ والوطنيّ في الولايات المتّحدة. إنّ وظيفتها فريدة حيث إنّها توفر أبحاث السياسة العامة والتحليل والمشورة، وهي غير هادفة للربح، وتعمل بشكل مستقلّ عن الحكومات والأحزاب السياسيّة. وفي حين أنّ المهمّة الرئيسيّة لمنظّمات المجتمع المدنيّ هذه هي مساعدة الحكومة على فهم الخيارات المستنيرة على الصعيد المحلّيّ والدوليّّ، فإنّ لها أيضاً عدداً من الأدوار الحاسمة الأخرى، منها:

• القيام بوظيفة الوساطة بين الحكومة والجمهور التي تساعد على بناء الثقة في الموظّفين العموميّين؛

• العمل کصوت مستنير ومستقلّ في المناقشات السیاسیّة.

• تحديد قضايا السياسات والمقترحات والبرامج الحالية؛ وتوضيحها وتقيمها.

• تحويل الأفكار والمشاكل الناشئة إلى قضايا تتعلّق بالسياسة العامّة؛

• تفسير المسائل والأحداث والسياسات المتعلّقة بوسائط الإعلام الإلكترونيّة والمطبوعة، ممّا يسهّل فهم الجمهور لقضايا السياسات المحليّة والدوليّّة؛

• توفير منتدى بناء لتبادل الأفكار والمعلومات بين أصحاب المصلحة الرئيسيّين في عمليّة صياغة السياسات؛

• تسهيل بناء «شبكات القضايا»؛

• توفير إمدادات من الموظفين للسلطات التشريعيّة والتنفيذيّة للحكومة؛

• تحدّي الحكمة التقليديّة، وإجراءات التشغيل الموحّدة، والعمل كالمعتاد من البيروقراطيّين والمسؤولين المنتخبين.

وتشمل الأنشطة المضطلع بها في إنجاز هذه المهامّ تحقيق التوازن بين البحث والتحليل والتوعية. وتشمل مجموعة الأنشطة التي تشارك فيها هيئات التفكير ما يلي: تأطير قضايا السياسات، والبحث وكتابة الكتب، والمقالات، وموجزات السياسات والدراسات، وإجراء تقييمات للبرامج الحكوميّة؛ ونشر نتائج أبحاثها وإجراء مختلف أنشطة التوعية (شهادة علنية في المؤتمرات، ووسائل الإعلام والخطب)؛ وخلق شبكات تبادل من خلال ورش العمل، والحلقات الدراسيّة. ودعم كبار الرؤساء وكبار المسؤولين الحكوميّين عندما يكونون خارج المكتب (ما يمكن وصفه بخزّان من الموارد البشريّة).

والمراكز الفكريّة هي مجموعة متنوّعة من المؤسّسات التي تختلف من حيث الحجم والتمويل والهيكل ونطاق النشاط. ويوجد حاليّاً أكثر من 1500 مركز بحث أو مراكز أبحاث سياسيّة في الولايات المتّحدة، نصفها تقريبا مؤسّسات تابعة للجامعات وحوالى ثلثها تقع في واشنطن العاصمة. وتلك المراكز الفكريّة التي لا تنتمي إلى المؤسّسات الأكاديميّة أو الأحزاب السياسيّة أو مجموعات المصالح توصف بأنهّا مراكز تفكير مستقلّة .

ويتمتّع أكبر 25 مركزاً للتفكير في الولايات المتّحدة ببرنامج بحثيّ متنوّع للغاية يغطيّ مجموعة واسعة من قضايا السياسات على كلا الصعيدين المحلي والدوليّ. ومع ذلك، منذ عام 1980 الغالبيّة العظمى من مراكز التفكير التي أنشئت في أمريكا متخصّصة. وتركّز هذه المراكز «المتخصّصة» أنشطتها في قضيّة واحدة ( كالاحترار العالميّّ) أو مجال السياسة العامّة (أي الأمن القوميّ).

غالباً ما تلعب مراكز الفكر دور المطّلع، وتصبح جزءاً لا يتجزّأ من عمليّة السياسة، مثل مؤسّسة راند والمعهد الحضريّ، والتي توفّر البحوث والتحليلات للوكالات الرئيسيّة داخل الحكومة، أو كخبراء مثل معهد السياسات الاقتصاديّة ومؤسّسة التراث، التي تسعى إلى إدراج أفكارها في السياسة من خلال إجراء البحوث والتحليلات التي يجري تسويقها بعد ذلك بقوّة لنخب السياسة والجمهور. وكثيراً ما يكون هناك صراع داخل هذه المؤسّسات وفي مجتمع السياسات بين أولئك الذين يعتقدون أنّ مراكز التفكير ينبغي أن تكون «علميّة وموضوعيّة»، وأولئك الذين يشعرون بأنّه يجب أن تكون «ذات صلة بالسياسة»، وأن تصل أبحاثهم إلى أيدي صانعي السياسات من أجل أن يكون لها  قيمة. وتعتقد المدرسة الأكاديميّة المنحى أنّ مراكز التفكير يجب أن تلتزم معايير البحوث الأكاديميّة، والتركيز في الصورة الكبيرة والقضايا الأطول أمداً، في حين تعتقد المدرسة ذات الصلة بالسياسات أنه ينبغي لمراكز التفكير أن تكون أكثر توجّهاً نحو السياسات، وبالتالي تركّز أكثر في احتياجات صانعي السياسات والقضايا الراهنة.

ويرى توماس ميدڤيتز، في كتابه مراكز الأبحاث في أمريكا: أنّ الغموض الذي يكتنف مراكز الأبحاث ويثير الفضول حولها ليس سمة عرضيّة وإنّما هو سرّ تأثيرها، فبجمعها عناصر من مصادر المعرفة العامة الأكثر استقراراً ورسوخاً ـ الجامعات، والوكالات الحكوميّة، والشركات، وأجهزة الإعلام ـ تمارس مراكز الأبحاث تأثيراً هائلاً على الطريقة التي يفهم بها المواطنون والمشرّعون العالم، ويصنعون سياساتهم بمقتضاها، دون الالتزام بالمواقف المحدّدة لتلك المؤسسات التي يعتمدون عليها ويقلدونها. من خلال ذلك غيّرت مراكز الأبحاث آلية حكم هذه البلاد، وصحافتها، والدور السياسي للمفكرين فيها.

9. كيفيّة عمل مراكز التفكير

يذهب «أليك تشانس» في تقريره المفصّل عن «مراكز البحث في الولايات المتّحدة»، إلى أبعد من مجرّد وصف الأدوار مفنّداً أساليب عمل أو طريقة اشتغال مراكز البحث في الولايات المتّحدة، ممّا يعطينا فكرة أوضح وأعمق عن أسباب التأثير العميق لهذه المراكز في السياسات العامّة.

فبالنظر إلى أنّ الرؤية الأصلية لمركز الأبحاث الأمريكيّ كانت «جامعة بدون طلّاب»، فإنّه ليس من المستغرب أن يكون المنتج التقليديّ لهذه المنظّمات هو الكتب والتقارير المماثلة لما يصدر عن الجامعات. ولا يزال التركيز قويّاً في تقارير السياسات الرئيسيّة ودراسة القضايا في معظم المؤسّسات، بالإضافة إلى ما ينشره الخبراء من كتب. وكثيرا ما تهدف هذه المنشورات إلى توفير نماذج لمبادرات سياسيّة للكونغرس، أو تقديم التوجيه لرؤساء الولايات المتّحدة. وتسعى مراكز الفكر إلى تقديم إجابات جيّدة التوقيت لقضايا السياسة المعروفة. على سبيل المثال، يجري توقيت العديد من أوراق السياسات للتأثير في صياغة وثائق استراتيجيّة رئيسيّة أو ميزانيّات، ويمارس الخبراء مهاراتهم القياديّة لترويج وتوزيع هذه  الأوراق ضمن الدوائر الحكوميّة المناسبة. وتسعى أبحاث السياسات أيضاً إلى تسليط الضوء على قضايا قد لا يلاحظها موظّفو الحكومة. وتستخدم مراكز الفكر أشكالاً مختلفة من الاستعراض في عمليّة نشر نتاجاتها، على الرغم من أنّ هذا الأمر أصبح معقداً بسبب انتشار شبكة الإنترنت، إلّا أنّ خطوط الغوص بين أوراق السياسات والمطبوعات والمقالات والمدونّات ليست واضحة دائما. بعض مراكز التفكير مثل «إي» و«بروكينغز» لديها دور نشر لأعمال علمائها. بروكينغز، معهد كاتو، إي وغيرها تنشر أيضاً المجلّات الأكاديميّة التقليديّة ويكتب في هذه المجلّات خبراء وعلماء من خارج هذه المراكز. وفقاً لبعض الحسابات،  يكون عمل مراكز التفكير  أحياناً مؤثّرًا بشكل ملحوظ. فعندما انتخب رونالد ريغان رئيسا في عام 1980، وضعت مؤسّسة «التراث» خطّة شاملة لرئاسته، تضمّنت أكثر من 2000 مبادرة سياسيّة. حملة تلك الخطّة آنذاك عنوان «تولّي القيادة»، وكانت بمثابة «الكتاب المقدّس» لإدارة ريغان. ومع نهاية عهده كان ريغان قد نفذ 60 % من هذه المقترحات.

وتعتمد الحكومة الأمريكيّة على خبراء مراكز التفكير للتزوّد بخبرات من خارج الإدارة في أدوار استشاريّة مختلفة. وتدعو لجان الكونغرس الباحثين بصورة روتينيّة للإدلاء بشهاداتهم بشأن قضايا مختلفة لتوفير المعلومات للمشرّعين. في حين أنّ خبراء المراكز ليسوا بالضرورة أكثر تأهيلاً من أساتذة الجامعات، ولكنّ هذا هو الاعتقاد السائد، على الأقلّ في مبنى الكابيتول هيل. وعلاوة على ذلك، فإنّ مراكز التفكير في واشنطن في وضع جيّد يمكّنها من تقديم مثل هذه الخبرات، وتكمن براعتها في تقديم المعلومات بطرائق جذّابة للمسؤولين الحكوميّين. كما تقدّم المراكز استشارات مباشرة للكونجرس ومسؤولي الفرع التنفيذيّ، ومن المعروف أنّ المراكز تؤمن خطابات السياسة الرئيسيّة لأعضاء الكونجرس. بعض مراكز التفكير لديها مكاتب علاقات مع الحكومة تسهّل التبادلات بين العلماء والمسؤولين الحكوميّين. كما يقدّم خبراء المراكز المشورة للفرق الرئاسيّة في الفترة الانتقاليّة وفي كيفيّة رعاية وتنظيم الأعمال الافتتاحيّة كما حصل في لجنة 9/11.  وتقيس العديد من المراكز نجاحها بمقدار الشهادات أو الاستشارات التي تقدّمها.

كما أنّ مراكز التفكير هي أيضاً مورد مهمّ للصحفيين. العديد من المنظّمات تحرص على توفير  خبرائها للتعليق على وسائل الإعلام الإخباريّة، من خلال إدراج القضايا التي يكونون على  استعداد لمناقشتها. لدى الولايات المتّحدة العديد من القنوات التلفزيونيّة على مدار 24 ساعة وهذه القنوات  لديها شهية كبيرة للمعلّقين والمحلّلين على الشاشة، وغالباً ما يكون علماء المراكز «رؤساء الحديث». ويلاحظ العديد من المراقبين في العالم  أنّ الظهور على التلفزيون أو الاستشهادات في الصحف أصبحت أيضاً مقياسا مهيمناً، يمكن من خلاله تقييم تأثير مؤسّسة بحثيّة وأهمّيتها. ومن الواضح أنّ بعض مراكز التفكير أكثر شعبيّة من غيرها في وسائل الإعلام، ووسائل الإعلام بدورها تفضل منظّمات مختلفة. ويعرب بعض المعلّقين عن قلقهم من أنّ العلاقة الوثيقة مع مراكز التفكير، وتولد صناعة الأخبار ديناميكيّة ضاغطة على العلماء  لتحويل أبحاثهم  لـ«قفير النحل» المهيمن على الوسط الإعلاميّ. ويكون الوضع أكثر سوءا عندما تتحكّم وسائل الإعلام بتوجيه البحوث نحو مزيد من الاهتمام بموضوعات محدّدة فتستولي بذلك على جدول البحوث.

تشارك منظّمات أبحاث السياسات في مجموعة متنوّعة من الاستراتيجيّات لتثقيف أو التأثير مباشرة على الجمهور الأمريكيّ ـ سواء العامّة أو مجموعات معيّنة مثل المستثمّرين وقادة الأعمال والنخب الأخرى ـ وقد نشر مجلس العلاقات الخارجيّة منذ فترة طويلة مجلّة «الشؤون الخارجيّة»، والتي هي أكثر صلة بالسياسات وهي موجهة للقراء المتعلّمين عموماً ومتّصلة بمعظم مجلّات العلوم السياسيّة. نشرت مؤسّسة كارنيغي للسلام الدوليّّ «السياسة الخارجيّة» سنوات عديدة، وتنتمي المجلّة الآن لصحيفة الواشنطن بوست. يقدّم مركز العلاقات الخارجيّة ملخّصات جذّابة متعددة الوسائط، و خلفيّات لتحليل الخبراء وسياق القضايا التي تظهر في الأخبار. ويجري إنتاج العديد من هذه الإعلاميات بطرائق مفيدة لمعلّمي الجامعة، أو المدرسة الثانويّة للسياسة العامّة أو السياسة الدوليّة. العديد من مراكز التفكير تنتج نسخاً إعلاميّة من المحاضرات أو مناقشات المؤتمرات. وعلى نحو متزايد، يقومون بإجراء المقابلات والمناقشات التي سيجري إنتاجها تحديداً كتسجيلات صوتيّة كما هي الحال في تسجيّلات بروكينغز أو كوجيتاسيا من مركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة. معظم المنظّمات لديها حملات البريد الإلكترونيّ العدوانيّة إلى حدّ ما، وتستخدم استراتيجيّات وسائل الإعلام الأخرى للحفاظ على ولاء الجمهور لوجهة نظر المؤسّسة من الأحداث الجارية، وتسليط الضوء على المنشورات أو القضايا الرئيسيّة.

معظم مراكز التفكير تنظم فعاليّات حرّة  توفّر رؤى خبرائها لعامّة الناس، أغلب الحضور يكون من صحفيي واشنطن، والموظّفين الحكوميّين، ورجال الأعمال. ولا يجري إنشاء جميع برامج الفعاليّات بالطريقة نفسها: مركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّّة، على سبيل المثال، يرعى أكثر من 2000 فعاليّة في السنة. وهو يلقي نظرة عامّة على هذه الجلسات الإعلاميّة، والمنتديات، والخطب، وحلقات النقاش. وكثير من هذه الفعاليّات هي غاية في حدّ ذاتها بدلاً من الجهود الرامية إلى التعريف بأعمال أخرى. ومن ناحية أخرى، تميل معظم مراكز التفكير الأخرى إلى استخدام الأحداث أساساً لإبراز تقرير جديد ونشره أو إطلاق مبادرة جديدة. و يستضيف مركز العلاقات الخارجيّة: حوارات جماعيّة مع قادة الأعمال تسمح بالوصول المباشر إلى وجهات نظر الخبراء الخاصّة بالأعمال التجاريّة الدوليّّة. ومعظم مراكز التفكير تنظّم المؤتمرات الأكاديميّة الكبيرة التي تدعو العلماء والمفكّرين والأكاديميّين التقليديّين والمسؤولين الحكوميّين. العديد من هذه المؤتمرات باهظة الكلفة وكذلك الفعاليّات رفيعة المستوى التي ترعاها الشركات الكبيرة.

وتوفّر مراكز التفكير منتدى يمكن فيه لقادة قطاع الأعمال والحكومة والماليّة والأوساط الأكاديميّة أن يعبّروا عن مساراتهم، كما يصفها رئيس مجلس الإدارة ريتشارد هاس، وتعمل المراكز في هذه الحالة بصفتها الجهة الداعية. إضافةً إلى ذلك، فهي توفّر حيّزاً هامّاً «غير حكوميّ» للحوار والمناقشة الدوليّّين بين العلماء والمسؤولين الحكوميّين أو العسكريّين المتقاعدين من مختلف البلدان. ويمكن للدبلوماسيّة هنا أن تكون موازية «المسار 2» وأن تكمل المناقشات الجارية بين الدول، بل يمكن أن تكون أيضاً بديلاً للدبلوماسيّة الرسميّة بشأن قضايا حسّاسة جدّاً يصعب على  المسؤولين الحكوميّين التعامل معها. وكانت مراكز التفكير الأمريكيّة محافل للحوار تتناول الصراعات الهامّة في جميع أنحاء العالم. وقد استضافت كارنيجي سلسلة من الحوارات بين فصائل جنوب أفريقيا، وشرعت اللجنة في تنفيذ برامج تسعى إلى سدّ الفجوات بين المجموعات المتصارعة في الشرق الأوسط ويوغوسلافيا السابقة، واستضافت حواراً بين اليونان وتركيا. وتشمل الأنشطة الأخرى، تمارين على الطاولة ومعالجات للأزمات تساعد على تثقيف العلماء من مختلف البلدان بشأن طرائق نظرائهم في التفكير وأنماط السلوك.

هناك فئة كبيرة من مراكز البحث التي تتخصّص في الدعوة إلى قضايا معيّنة أو تعزيز إيديولوجيّات سياسية معيّنة. وفي حين أنّ بعض هذه المنظّمات، وهي منظّمة رصد حقوق الإنسان، تركز اهتمامها على قضايا ليست حزبية أو أيديولوجيّة على وجه التحديد في السياق الأمريكيّ، فإنّ عدداً كبيراً من مراكز الفكر الدعائيّ تعمل على تعزيز وجهات النظر الحزبيّة أو الأيديولوجيّة. ولا تحتفظ هذه المنظّمات (باستثناء معهد السياسات التقدّميّة) بانتماء رسميّ إلى الأحزاب السياسيّة الأمريكيّة، ولكنّها غالباً ما تعمل كعلاقات عامّة للأحزاب أو لفصائل الأطراف. وأكثرها وضوحاً هي التراث ومركز التقدّم الأميركيّ.

ووفقاً لدراسة واحدة، تنفق «خطّة العمل المشتركة التقدّميّة / الليبراليّّة» ما يصل إلى 40 في المائة من ميزانيّتها على الاتصالات والتوعيّة، ممّا يشير إلى التركيز الأساسيّ في نشر الأفكار أو«تسويقها» بدلاً من إنشائها. ويصف برنامج المساعدة المشتركة مهمّة بهذه المصطلحات: «من خلال توظيف جهد واسع النطاق للاتّصال والتواصل الذي نكيّفه مع المشهد الإعلاميّ المتغيّر بسرعة، ننتقل بأفكارنا بقوّة في النقاش السياسيّ الوطنيّ». وتحقيقاً لهذه الغاية، فإنّ المنظّمة التابعة له، أي «مركز صندوق العمل التقدمي الأمريكي (كاباف)» يدير «برامج التدوين الغزيرة» وعمليّة جمع الأخبار التي ترسل للصحفيّين في الميدان. وبالنظر إلى مركزيّة هذه الأنواع من العمليّات، يحتفظ البرنامج المشترك وشركته التابعة بعدد كبير نسبيّاً من الموظّفين المبتدئين والمدوّنين أو الصحفيّين المتفرّغين مقارنة بعلماء الدكتوراه.

وقد أُسّست مؤسّسة التراث بشكل واضح لتوريد الخطاب الوطني بأفكار أكثر تحفّظاً، كما تعمل على تنمية المواهب الحزبيّة الشابّة. أحد المنتجات البحثيّة «للتراث» هو ما يطلق عليه بعضهم «التحليل الفوري»: الذي يوفّر معلومات أساسيّة واقتراح الردود المحتملة للأحداث الجارية. ويمكن لمؤسّسة التراث تعميم تحليل حدث إخباريّ على الكابيتول هيل في غضون 24 ساعة من وقوعه. إضافةً إلى الأبحاث التقليديّة المحافظة، يركّز التراث في الرسائل والتوعيّة. وقد أطلقت التراث عدداً من المواقع، بما في ذلك موقع التعليق المحافظ TownHall.com (الآن مؤسّسة قائمة بذاتها). كما أطلقت التراث دعما لرسالتها: مبادرة التصوّرات الأمريكيّة، التي تجري الاستطلاعات لوجهات نظر الأميركيين في مختلف السياسات، من أجل «تقديم الدعم للاستراتيجيّة والرسائل». من أجل مواجهة التحيّز «الليبراليّّ» المتصوّر في البحوث الحكوميّة أو الجامعيّة بشأن القضايا البيئية والاقتصاديّة. كما أطلقت التراث مبادرة تحليل البيانات التي تسعى إلى تقديم تحليل بديل لقضايا مثل تغيّر المناخ.  وقد أنشأت التراث منظّمة للدعوة والضغط، «العمل التراث لأميركا»، التي تسمح لها بالانخراط بشكل مباشر أكثر في السياسة الانتخابيّة والضغط. كما يدير التراث مشروعاً جارياً يصنف أعضاء الكونغرس حول كيفيّة «المحافظة» على مدى 100 نقطة. هذا الجهد يساعد بشكل فعّال على الضغط على أعضاء جمهوريّين معتدلين للاقتراب من رؤية التراث للمحافظة.

تحاول العديد من مراكز التفكير تطوير برامج متخصّصة مثل مجموعات البيانات من أجل سدّ الثغرات في البحوث الأكاديميّة الحاليّة أو قواعد البيانات الحكوميّة. وتهدف مبادرة آسيا والمحيط الهادئ للشفافّية البحريّة (أمتي)، إلى جمع المعلومات الاستخباراتيّة لرصد الأحداث الجارية. وقد حصلت شركة (أمْتي) على الصور الفضائيّة لبحر الصين الجنوبيّ وقامت بتحليلها، وعملت على رفع مستوى حضور النزاعات البحريّة هناك في وسائل الإعلام الأمريكيّة والحكومة. وقد شرع في تنفيذ مشروع مماثل مركز التقدّم الأمريكيّ. وتستخدم مبادرة كفى (التي أصبحت الآن مستقلّة عن عمليّة النداء الموحّد) المراقبة عبر الأقمار الصناعيّة للإعلان عن جرائم الحرب والأزمات الإنسانيّة في أفريقيا.

  مدير التحرير

   جهاد سعد