الديمقراطية

الديمقراطية

من الإغريق إلى عالم ما بعد الحداثة

تأليف

هاشم الميلاني

مقدمة المركز

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلاميّ للدراسات الإستراتيجيّة في سياق منظومة معرفيّة يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى درس مفاهيم شكلت ولما تزل تشكّل مرتكزات أساسيّة في فضاء التفكير المعاصر وتأصيلها ونقدها.

وسعياً إلى هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطة برامجيّة شاملة للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضوراً وتداولاً وتأثيراً في العلوم الإنسانيّة، ولا سيّما في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفكر السياسيّ، وفلسفة الدين والاقتصاد وتاريخ الحضارات.

أمّا الغاية من هذا المشروع المعرفيّ فيمكن إجمالها على النحو التالي:

أولاً: الوعي بالمفاهيم وأهميّتها المركزيّة في تشكيل المعارف والعلوم الإنسانية وتنميتها وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرّف إلى النظريّات والمناهج التي تتشكّل منها الأنظمة الفكريّة المختلفة.

ثانياً: إزالة الغموض عن الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالباً ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيّما وأن كثيراً من الإشكاليات المعرفيّة ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقيّة.

ثالثاً: بيان حقيقة ما يؤدّيه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاريّ بين الشرق والغرب، وما يترتّب على هذا التوظيف من آثار سلبيّة بفعل العولمة الثقافيّة والقيميّة التي تتعرّض لها المجتمعات العربيّة والإسلاميّة وخصوصاً في الحقبة المعاصرة.

رابعاً: رفد المعاهد الجامعيّة ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكريّة بعمل موسوعيّ جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحيّة، ومجال استخداماته العلميّة، فضلاً عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. وانطلاقاً من البعد العلميّ والمنهجيّ والتحكيميّ لهذا المشروع فقد حرص لامركز على أن يشارك في إنجازه نخبة من كبار الأكاديميّين والباحثين والمفكّرين من العالمين العربيّ والإسلاميّ.

 *   *   *

تسعى هذه الحلقة في "سلسلة مصطلحات معاصرة" إلى تأصيل مصطلح الديمقراطيّة، بدءًا من جذوره الإغريقيّة وصولاً إلى عصور ما بعد الحداثة في الغرب.

وقد أسّس الباحث السيد هاشم الميلاني عمله هذا على إبراز الكلاسيكيّات القديمة الحديثة التي اعتنت بمفهوم الديمقراطيّة، وأضاءت على تطوُّراته التاريخيّة وخصوصيّاته تبعاً لشروط الحضارات الإنسانيّة المتعددة.

والله ولي التوفيق

المقدمة المؤلف

يمتد البحث عن الديمقراطية إلى العصور القديمة، وإلى مدينة أثينا في اليونان قبل الميلاد، حيث ولدت هناك أول حكومة شعبيّة أعقبتها تطوّرات ومراحل كثيرة حتى بلغت هذه المرحلة التي نشهدها حيث أصبحت الديمقراطية أمل الشعوب ولعبة الملوك.

لقد تحدّث عنها المفكّرون في كتبهم وأبحاثهم العلميّة، ونظّروا لمضامينها ومقاصدها باعتباره السبيل إلى أي إعطاء دور للشعب في تقرير مصيره السياسي ـ وفي عصر النهضة الأوروبيّة، وتسمّت بمسمّيات مختلفة، فتارة باسم المشروطة كما في إيران 1905، وأخرى باسم الجمهوريّة في فرنسا بعد ثورة، وثالثة باسم الديمقراطيّة وهو درجت عليه أدبيات الحداثة منذ القرن الرابع عشر إلى يومنا هذا.

فالاسم وإن اختلف لكنّ المحتوى كان يعنى تفعيل دور الشعب في انتخاب الحاكم ورقابته واستبدال الطرائق السلميّة به.

في عصر النهضة الأوروبيّة، كان لكتاب «العقد الاجتماعيّ» تأليف جان جاك روسو، التأثير الكبير في توعية الناس، وكذلك ما ذكره سائر المفكّرين أمثال: جان لوك (ت 1704 م) وجيمز مل (ت 1733 م)، وجرمي بنتام (ت 1748 م) وجان استوارت مل (ت 1806م) وغيرهم من المفكّرين المنادين بحريّة الإنسان في اتّخاذ القرار السياسيّ وسيادته على نفسه ومجتمعه.

أمّا في العالم الإسلامي فقد ظهرت هذه الأفكار، بعد ما غُزيت البلدان الإسلاميّة من قبل الأوروبيّين ثقافيّاً وعسكريّاً، وشهدت الساحة الفكريّة صراعات عنيفة في هذ المجال، فكان الأمر يدور بين ما كتبه أمثال علي عبد الرازق في كتابه «الإسلام وأصول الحكم» وكتابات عدد من المفكّرين والعلماء أمثال السيد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا والكواكبي والمودودي، دفاعاً عن الأصالة الإسلاميّة في انتخاب الحاكم، وتفعيلاً لدور الشعب من خلال النصوص والتراث الإسلاميّ من قبيل قاعدة الشورى.

ولو راجعنا مجلّة المنار التي كان يصدرها رشيد رضا لرأينا في طيّاتها التنظير المكثّف في هذا المجال، وكذلك ما كتبه المودودي (ت 1979 م) في: «الحكومة الإسلاميّة» و«نظريّة الإسلام السياسيّة» و«الخلافة والملك» و«المسلمون والصراع السياسيّ الراهن» و«الإسلام والمدنية الحديثة».

هذا عند أهل السنة، أمّا في المجال الشيعيّ فكانت فترة النهضة الدستوريّة (المشروطة) هي أوج النشاط السياسيّ نحو الحرية وتفعيل دور الشعب، وقد تصدّى لذلك علماء ومراجع من جملتهم الآخوند الخراساني والميرزا النائيني، وكان لكتاب «تنبيه الأمّة» تأليف الميرزا النائيني دور مهمّ على مستوى التنظير ومناقشة إشكالات المخالفين، ثمّ كانت بعدها الثورة الإسلاميّة في إيران، وما سبقها من تنظير وتوجيه سياسيّ لمشاركة الناس في اتّخاذ القرار السياسيّ، كما رأيناه وسمعناه من مؤسّس الثورة.

ولا يخفى أنّ جدليّة: الله ـ الشعب ـ الحكومة، أثارت تساؤلات ومناقشات كثيرة، وقد استخدمت الأقلام لذلك، فبين من يفصل بين هذه المفردات، وبين من يحاول الجمع بينها مهما أمكن، فظهرت عشرات الكتب بل مئات الكتب والأبحاث في هذا المجال لا يسع المقام ذكرها.

هاشم الميلاني