صدام الحضارات

صدام الحضارات

دراسة نقدية في جينالوجيا المفهوم

تأليف

قيس ناصر راهي

مقدمة المركز

تكمن أهمية المصطلحات بما تحتويه من معاني ومفاهيم في أنّها:

1- أداة التعارف وتبادل المعلومات بين بني البشر.

2- انّ العلوم والمعارف ليست الّا مجموعة مصطلحات ومفاهيم مترابطة.

3- انّ المصطلحات بما فيها من علوم ومعارف هي التي تصوغ منظومة الإنسان المعرفية وشاكلته الفكرية.

4- انّ سلوك الإنسان العلمي والاجتماعي يُصاغ من خلال هذه المنظومة المعرفية وسلامتها واتقانها وبُعدها عن الخطأ يسلم الإنسان ويستقيم سلوكه وبتبعه يستقيم المجتمع.

فالمصطلح له أهمية مضاعفة لما يمتلكه من محورية في بناء الفرد والمجتمع، ومن هذا المنطلق جاءت هذه السلسلة: (أي سلسلة مصطلحات معاصرة) تسلط الضوء على ما كثر تداوله في الآونة الأخيرة سيما بعد الثورة المعلوماتية الكبيرة التي رفعت الحدود وأزالت القيود، وسهّلت عملية الوصول إلى الأوعية المعرفية لكل أحد حيث أخرجت العلوم بما فيها من مصطلحات تخصصية معروفة لأهلها؛ وأتاحتها لعامة الناس ممّا أدّى إلى فوضى معرفية هائلة.

وقد أدّت هذه الفوضى - في بعض حالاتها- إلى قطع جسور التواصل وعلق باب التبادل والتفاهم المعرفي بين الكاتب والقارئ، فانغلقت النصوص لانغلاق معاني المصطلحات وبُعدها عن ذهن القارئ وعدم أُنسه بها وعدم وقوفه على سير تطورها منذ النشأة والى يومنا الحاضر.

جاءت هذه السلسلة لتسد هذا الفراغ، وتقدّم المصطلحات المعاصرة إلى القارئ الكريم بنظرة تحليلية نقدية، ليقف المطالع على حقيقة الأمر ويأمن الخطأ والزلل.

*      *      *

هذه الحلقة من سلسلة مصطلحات معاصرة، تُلقي الضوء على مصطلح صدام الحضارات، الذي تحوّل إلى مفهوم شائع في الفكر السياسي العالمي المعاصر، كما تُعاين ظروف نشأته والأسباب الفكريّة والسياسيّة، التي أفضت إلى ولادته والسجالات التي ترتّبت عليه بين النخب، وعلى مستوى مراكز الدراسات والأبحاث.

في هذه الدراسة يتناول الباحث العراقي قيس ناصر راهي هذا المفهوم الذي كان المفكر الأميركي صموئيل هنتنغتون من أبرز الذين اقترحوه في سياق التنظير للأطروحة الأميركية وسيادتها على العالم بعد نهاية الحرب الباردة.

يشرح المؤلّف هذا المفهوم ويسلط الضوء عليه في فصول كتابه الثلاثة مع الإشارة إلى جذور المفهوم وأسبابه وامتداداته وما اُخذ عليه شرقاً وغرباً.

والله ولي التوفيق

المقدمة

مع انتهاء الحرب الباردة دأب عدد من المفكرين على البحث واستشراف صورة العالم، والتحديات التي قد تواجه البشرية في المستقبل، وفي هذا الإطار انبثقت أطروحة صدام الحضارات، فذاع صيتها لأسباب عديدة أبرزها وقوف الخطاب الاعلامي الغربي معها وإسهامه بالترويج لها، فضلاً عن عدّ الحضارة محوراً للسياسة العالمية بعد أن كانت الدولة هي المحور، لذلك يبدو أن مفهوم صدام الحضارات للوهلة الأولى يسعى لتوضيح الأسس التي تتحدد من خلالها العلاقات بين الدول في وسط جو من التنافس بين مراكز الحضارة التي تسود عالمنا الكبير، لما لها من أثر واضح في السياسة الدولية بل حتى السياسة الداخلية لعدد من الدول.

ومن خلال نظرة شاملة لمسرح الأحداث العالمية يُلحظ أن الصدام الذي يبدو للعيان هو صدام بين الدول تستنجد وتستنفد تلك الدول بكل ما أوتيت به من قوة عسكرية و سياسية، لكن ما الذي يختفي خلف ستار كواليس الحروب؟ إنها الثقافات، إنها الأيديولوجيات، إنها الحضارات، لذلك نجد أن مؤلف كتاب صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي الجديد قد كشف عن المحرك الذي لا يتوقف في دفع ذلك الصدام بديمومة بين الدول، وهذه ظاهرة بدأت تبدو للعيان.

اعتاد كثير من الباحثين التعبير عن صدام الحضارات بصراع الحضارات، فهل هذان المفهومان مترادفان أم إنهما مختلفان؟ هذا ما سنحاول الوقوف عنده في المبحث الأول من الفصل الأول من خلال تحديد مفهومي الصراع والصدام، ولأن فكرة صدام الحضارات لها امتدادات في الفكر المعاصر، فقد جاء المبحث الثاني تعريفاً بهذه الامتدادات عند كل من توينبي، وبرنارد لويس، والمهدي المنجرة، وربما يكون هناك من الباحثين من قال او أشار إلى فكرة صدام الحضارات من غير المذكورين سابقاً، لكن هؤلاء هم الأبرز بناءً على ما تضمنته دراساتهم من استغراق في بحث الفكرة والتنظير لها، أما المبحث الثالث فقد تضمن تعريفاً بالسيرة الفكرية لهنتنغتون وعرضاً لمؤلفاته ولاسيما كتابه الذي تضمن فكرة صدام الحضارات، والتعرض لأبرز الأفكار التي احتواها. 

لقد استثمر هنتنغتون كل ما يمكنه من حقل الدراسات الفلسفية لصياغة أطروحته (صدام الحضارات)، ووظفها أيديولوجيا، فقد لجأ إلى فلسفة العلم ليستعير منها فكرة الأنموذج لتأييد أطروحته فضلا عن لجوئه إلى فلسفة التاريخ لتمكنه من تقديم تفسير حضاري للسياسة العالمية المعاصرة، وهذا ما سنسعى إلى الوقوف علية في الفصل الثاني، ولهذا عني المبحث الأول بمعالجة فكرة الأنموذج، وكيفية توظيف هنتنغتون لها، أما المبحث الثاني فقد تضمن معالجة التفسير الحضاري عند هنتنغتون، ومقاربة رؤيته مع رؤى ابرز رواد هذا التفسير. 

وكان للباحث وقفة نقدية مع هذه الأطروحة (صدام الحضارات) لمعرفة الدور الذي تلعبه الدولة بعد أن جعل هنتنغتون الحضارة هي محور السياسة العالمية، حين ازداد الصدام بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، في الوقت الذي تبدو فيه الصحوة الإسلامية في عالمنا وهذا ما دفع هنتنغتون إلى أن يُضفي صبغة دينية على النزاعات السياسية الجارية فيه. 

وحين يأتي الحديث عن المشاريع الحضارية يكون هناك أيضاً الحاح سؤال عن المستقبل وعن وعي الإنسان بشكل عام، وعلى وعي الإنسان العربي المسلم بشكل خاص، وهو ما يدفعه إلى التوتر وطرح سؤاله القلق عن موقعه الآتي من مسيرة الحضارة، والقلق على مصيره في زمن شهد و يشهد فيه الفكر الانساني تحولات مختلفة منذ نشأته، وصعودا إلى زمننا الحاضر، فمن الثورة الزراعية مرورا بالثورة الصناعية وصولا إلى الثورة المعلوماتية والتكنلوجية هو زمن التقدم اذن. لكن بما ان العالم العربي الإسلامي طرف يعيش فيه على وفق سياقات وشروط خاصة به تفرض عليه تلك السياقات ان يقدم نظرة اكثر واقعية لتحديد موقفه مما يستجد من خطابات، وهنا يبدو ان الخطاب الهانتغتوني قد فعل فعله، فحين يكون هناك من يدعو إلى حوار وتعارف بين الحضارات اذن كان هناك من دعا إلى صدامها مسبقا منبعثا من غايات، فكان هو الوسيلة لتحقيقه، فلم يتركها عاجزة عن تنفيذ ما عجزت عنه الحروب؟، ولاشك في ان كلا من الحوار والتعارف يمثلان الشكل الاسمى من الصراع، فلينظر كل إلى اي ينتمي.

وحين يكون كل ذلك اين نكون ؟ أنكون في ظل الاعتزاز بالتراث لنعود إلى بدء؟ التراث الذي أُنتج في لحظات مماثلة للحظة الأزمة التي يشهدها الإنسان المسلم في الوقت الحاضر او في ظروف أخرى أيضا، وما كان لمفكرينا الآن إلا إعادة استرجاعها وإعادة إنتاجها وتطوير خطابها بما يتلاءم والظروف المستجدة لتلبي حاجات العصر. هكذا يبدو المشروع الحضاري الإسلامي سواءً في تعارف الحضارات أو حوار الحضارات فمصطلح التعارف يعود ابتكاره إلى القرآن، أما مصطلح الحضارة فهو موضوع محمول في النص القرآني أيضا بالمعنى والدلالة التي يتم تداولها اليوم حين وردت في الآية الكريمة))وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ(((سورة الأعراف 163).