وهم دوكينز ؟ ، الأصولية الملحدة وإنكار الإله

وهم دوكينز ؟ ، الأصولية الملحدة وإنكار الإله

العنوان الاصلي

The Dawkins Delusion

تـاليف

ليستر إدغار ماكغراث

جوانا كوليكات ماكغراث

مراجعة

السيد إبراهيم الموسوي

ترجمة

محمد عودة

مقدمة المركز

باسمه تعالى

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الإلحاد وامتداداته، ومع قطع النظر عن كونه أصبح ظاهرة أم لا، فإنّ له وجوداً بارزاً بيننا سيما بعد الثورة المعلوماتية الهائلة التي نشهدها اليوم وعولمة الشبهات والأزمات الفكرية، وقد يختلط أيضاً مع حالة العزوف عن الدين عند طبقة الشباب بحسب اقتضاء العمر وفترة المراهقة.

والمجتمع الإنساني لم يكن بمعزل عن الالحاد يوماً مّا، بل ربما يكون من اقتضاءات هذه الدنيا الهابطة المبنيّة على ثنائية الهداية/الضلال، نعم كانت هذه الحالة بين الجزر والمد تختلف باختلاف الزمان والمكان والأسس التي تعتمد عليها، ففي كل فترة كان يجد الإلحاد مناخاً وملاذاً يلوذ به وعماداً يتكئ عليه، إلى أن تخيّل وجود منفسح رحب له في الآونة الأخيرة جراء تطور العلوم الطبيعية ومحاولة تفسير الكون بمعزل عن الغيب، فباض وفرخ وبذر بذوره بأمل أن يحصد جناه لاحقاً بدءاً من عصر التنوير ووصولاً إلى إعلان موت الإله وانتهاءاً إلى مقولة وهم الإله.

هذا.. وقد تصدى المركز الإسلامي للدارسات الاستراتيجية - تلبيةً لمهامّه في رسم خطط وبرامج وحلول ومعالجات في مجالي الدين والمعرفة - لإصدار سلسلة جديدة تحت عنوان (نقد الإلحاد) بأقلام دعاة الدين لمعالجة هذه الحالة المتفشية في أوساطنا نوعاً ما.

هذا الكتاب الذي ألفه:

ليستر ادغار ماكغراث العالم الفيزيائي الايرلندي الملحد أولاً، والعالم اللاهوتي المؤمن ثانياً، أستاذ اللاهوت في جامعة اكسفورد و كامبريدج وكلية ريجنت، له ثلاث شهادات دكتوراه: في الفيزياء الحيوية الجزيئية، في علم اللاهوت وفي الآداب / التاريخ الفكري. وله مؤلفات عدّة في الدفاع عن الدين والرد على الملحدين منها: شفق الالحاد، اله دوكينز والجينات، وهم دوكينز، اللاهوت العلمي وغيرها.

جوانا كوليكات ماكغراث، درست علم النفس التجريبي في جامعة اكسفورد، وتخصّصت في علم النفس العصبي السريري، ثم درست لاحقاً اللاهوت المسيحي وأصبحت استاذة في علم النفس الديني في كلية هايثروب في جامعة لندن.

تصّدى مؤلفا هذا الكتيب لدحض مزاعم دوكينز في كتابه (وهم الاله)، وقد كان انطباعهما العام عن هذا الكتاب في نظرةٍ تقييميةٍ محايدةٍ أنّه يستند إلى تحليل علمي بسيط، وفيه تكهنات زائفة أغلبها مستعار من كتابات ملاحدة أقدم، وفي كلمة أخيرة: (إنّه في أغلبه ليس سوى مجموعة من الأخبار الموجزة الملائمة والمبالغ فيها بغية تحقيق أقصى الأثر، وهو مرتب بصورة فضفاضة من أجل الإيحاء بأنّه يملك حجة).

لذا يغوصان معه في نقد الأسس والبنى التي اعتمدها في كتابه (وهم الاله)  ليثبتا أنّ الدين ليس خرافة والإله ليس وهماً.

ونحن إذ نقدّم هذا الكتاب ضمن (سلسلة نقد الإلحاد)  إلى القراء الكرام نتمنى إلحاقه بدراسات أخرى بأقلام دعاة الإيمان والدين تأليفاً وترجمةً، كما نلفت نظر القارئ الكريم إلى أن المؤلفيّن ينطلقان من منطلق مسيحي في نقد دوكينز.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الأنبياء والمرسلين سيما خاتمهم وآله الميامين.

المقدمة

منذ نشر كتاب «الجين الأناني» (1976)، بات ريتشارد دوكينز واحداً من أنجح كتّاب الأدبيات العلميّة وأمهرهم، ومع زميله الأمريكي ستيفن جاي غولد، استطاع جعل البيولوجيا التطورية مُتاحة لجيل جديد من القراء وتثير اهتمامه. ولطالما شعرت أنا وثلّة من المعجبين بأعماله العلميّة الشائعة بالغيرة من الوضوح المُستخدم في كتاباته واستخدامه الجميل للتشبيهات المساعدة وأسلوبه المسلي.

لكن كتابه الأخير كان مختلفاً تماماً. فقد أهّل كتاب «وهم الإله» دوكينز لأن يُعتبر المجادل المُلحد الأبرز في العالم، الذي يوجّه انتقاداً لاذعاً ضد أيّ شكل من الدين[1]. إنّه واثق بقدرته على دفع قرائه لتغيير إيمانهم: «إذا كان هذا الكتاب يفي بالغرض الذي أبتغيه، فإنّ القراء المتدينين الذين يفتحونه سيغدون مُلحدين عند إنهائه»[2]. هو لا يعتقد أنّ ذلك تحديداً مرجّح؛ بعد كلّ شيء، هو يوحي بأنّ «أصحاب الإيمان الراسخ حصينون أمام الحجّة».

لكن أن يكتب دوكينز كتاباً من أربعمائة صفحة مُعلنا ًفيه أنّ الله وهمٌ فهذا بحدّ ذاته حقيقة بالغة الأهميّة. فلِمَ كتابٌ كهذا لا يزال ضروريّاً؟ كان من المفترض أنّ يزول الدين منذ سنوات. ولأكثر من قرن، كان كبار علماء الاجتماع وعلماء علم الإنسان وعلماء النفس يعلنون أنّ أولادهم سيشهدون حقبة جديدة حيث يُترك فيها «وهم الإله» من أجل الخير. وإذا عدنا لستّينيات القرن الماضي، لتذكّرنا بأنّه كان يُقال لنا إنّ الدين يخبو وسيحلّ مكانه عالم علماني.

بنظر بعضنا، كان ذلك شيئاً عظيماً. أما أنا فكنت مُلحداً في أواخر الستينيّات وأتذكّر كيف كنت أتطلّع لزوال الدين ببهجة قاتمة معينة. لقد ترعرعت في شمالي إيرلندا وكنت على تماس مباشر مع التوترات الدينيّة والأعمال العنفية المرتبطة بها. وكان الحل واضحاً أمام عقلي المتحرّر. يجب التخلّص من الدين وعندها كلّ توتّر وعنف سيزول. وسيغدو المستقبل ساطعاً- وبدون إله.

أمران تغيرّا منذ ذلك الحين. في المقام الأول، عاد الدين. وهو الآن عنصر هامّ في عالم اليوم لدرجة أنّه يبدو من الغريب التفكير أنّه قبل جيل واحد فقط كان يُعتقد بأنّ زواله يلامس اليقين. الكاتب الإنسانيّ مايكل شرمر، ربما الأكثر شهرة بمدير مجتمع المشكّكين وناشر مجلة المشكّك، بيّن هذه النقطة بشدة في عام 1999 عندما أشار إلى أنّه على مرّ التاريخ لم يكن هناك هذا العدد الكبير وهذه النسبة العالية من السكان الأمريكان الذين يؤمنون بالله[3]. فليس أنّ الله غير «ميت» وحسب، مثلما ادعى الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه قبل الأوان، بل لا يبدو أبداً أنّه كان بهذا القدر من الحيوية.

ثانياً، لكن بأقلّ أهميّة، مواقفي الخاصّة تغيّرت. برغم أنّي كنت كشابّ في مقتبل العمر مقتنعاً تماماً وبشغف بالحقيقة وبكلّ ما له علاقة بالإلحاد، وجدت نفسي لاحقاً مقتنعاً بأنّ المسيحيّة أكثر إثارة للاهتمام وموجودة فكرياً على الصعيد العالمي أكثر من الإلحاد. ولطالما قدّرت التفكير الحرّ والقدرة على رفض المعتقدات التقليدية لأيّ عمر. لكن لم أشكّ يوماً إلى أين سيأخذني تفكيري الحرّ.

إذاً، أنا ودوكينز كان لنا توجّهان مختلفان كلياً لكن بالأساس للأسباب نفسها. كلانا أكاديمي من أوكسفورد يعشق العلوم الطبيعية. وكلانا يؤمن بشغف بالتفكير المستند إلى دليل وينتقد أولئك الذين يحملون معتقدات شغوفة لأسباب غير ملائمة. وكلّ واحد منّا يرغب في التفكير بتغيير موقفه حيال الله إذا كان الدليل تطلّب ذلك. لكن، وفقاً لخبرتنا وتحليل العالم نفسه، توصّلنا إلى استنتاجين مغايرين كليّاً بشأن الله. والمقارنة بيننا توجيهية، لكنّها تنبثق من بعض الأسئلة الصعبة التي طرحها دوكينز.

دوكينز، وهو حالياً بروفسور في الفهم العامّ للعلوم في جامعة أوكسفورد، يؤمن بأنّ العلوم الطبيعية، ولا سيما البيولوجيا التطورية، تمثّل الطريق السريع إلى الإلحاد- كما فعلت به في شبابه. في حالتي الخاصة، بدأت كمُلحد وانطلقت لأصبح مسيحيّاً ـ بالدّقة خلافاً لرحلة دوكينز الفكرية. وكنت نويت في الأصل أنّ أقضي حياتي في البحث  العلميّ  لكن وجدت أنّ اكتشافي للمسيحية أدّى بي لدراسة تاريخها وأفكارها بعمق كبير. لقد حصّلت شهادة الدكتوراة في الفيزياء الحيوية الجزيئية أثناء العمل في الحصص المخبرية في جامعة أوكسفورد مع البروفسور جورج رادا، لكن تخليّت لاحقاً عن البحث  العلميّ  من أجل دراسة علم اللاهوت.

غالباً ما تعجّبت كيف يمكنني ودوكينز أنّ يكون لكلّ منّا استنتاجات مختلفة كلياً كهذه بناءً على تبصرّ طويل وشاقّ حول عالم هو ذاته من الناحية الجوهرية. قد يكون الاحتمال الأول أنّه، لأنّني أؤمن بالله ومضطرب ومخدوع ومُضلَّل ومُضلِّل، فإنّ قدرتي الفكرية تُشوّش من خلال خطفها من قبل فيروس الله المعدي والخبيث. أو لأنني مضطرب ومخدوع ومُضلَّل ومُضلِّل، فإنّ قدرتي الفكرية تُشوّش من خلال خطفها من قبل فيروس الله المعدي والخبيث، فأؤمن بالله. كلاهما، أخشى، موضوع الإجابة التي وجبتها في صفحات كتاب «وهم الإله».

قد يكون ذلك جواباً، لكنّه ليس بالضرورة جواباً مقنعاً. هو قد يناشد المُلحدين المتشدّدين الذين لا يسمح إيمانهم الراسخ لهم بالعمل خارج صندوق «اللا إله». لكن آمل أنّ أكون محقّاً في اقتراحي بأنّ دوغماتيين بدون تفكير كهؤلاء ليسوا نموذجيّين للإلحاد. وقد تكون الإجابة الأخرى عن سؤالي تكراراً لعدم المنطق نفسه، لكنْ هذه المرة تطبيقه يكون على دوكينز. (برغم أنّي في هذه الحالة، أفترض أنّه يجب علينا طرح فرضية اختطاف عقله بنوع معينّ من فيروس «اللا إله»). لكن لا نيّة لي بالكتابة عن أمر غير قابل للتصديق. فلمَ أُهين دوكينز؟ الأكثر أهميّة حتى، لمَ أستخف بذكاء قرائي؟

إن بدايات الجواب الصحيح تستند على كلمات حكيمة لستيفن جاي غولد، الذي أدّى موته المؤسف جرّاء السرطان في عام 2002 إلى حرمان جامعة هارفرد من أحد أشهر أساتذتها، وحرمان الأدبيات  العلميّة الشعبية من أحد أمهر كتابها. ولو أنّه مُلحد، كان غولد واضحاً للغاية بأنّ العلوم الطبيعية- من بينها النظرية التطورية- تتماشى مع الإلحاد والمعتقد الدينيّ التقليديّ على حدٍّ سواء. وما لم يكن نصف زملائه  العلميّ ين أغبياء تماماً- فرضية رفضها غولد بحقّ لاعتبارها غير منطقية، أيّاً كان النصف الذي تنطبق عليه - لكان ليس ثمّة سبيل آخر مسؤول عن إضفاء منطق الردود المتنوّعة على الواقع من جانب الأناس الأذكياء والمطّلعين الذين عرفهم[4].

وهذا ليس جواباً سريعاً وسهلاً يمكن أنّ يُحبّذه كثيرون. لكن قد يكون صحيحاً جداً- أو على الأقلّ نقطة في الاتّجاه الصحيح. هو يُساعدنا في فهم السبب الكامن وراء اعتناق أناس كهؤلاء لمعتقدات مختلفاً للغاية بشأن هذه المسائل- وبناءً على ذلك، السبب وراء اعتقاد بعضهم الآخر في نهاية المطاف أنّ تلك الأسئلة لا يمكن إيجاد أجوبة مقنعة لها. وهذا يذكرنا بالحاجة إلى التعامل مع أولئك الذين يُعارضوننا في مسائل كهذه باحترام فكريّ تامّ لا أنّ نصفهم بأنّهم كذّابون ومحتالون ودجّالون.

وفيما يحاول غولد على الأقلّ التفكير مالياً بالدليل، يُقدّم دوكينز ببساطة البديل المُلحد لوعظ جهنمي، مستبدلاً الخطاب المشحون والتلاعب بالحقائق الانتقائي للغاية بتفكير دقيق مستند على الدليل. اللافت للنظر أنّ هناك تحليلاً علمياّ بسيطاً في «وهم الإله»، مما يثير الدهشة. وثمّة تكهّنات زائفة مرتبطة بانتقاد ثقافي أوسع للدين، وأغلبها مُستعار من كتابات مُلحدة أقدم. فيعظ دوكينز كوراله الكاره لله، ومن الواضح أنّ المتوقع من أفراد هذا الكورال أنّ يتلذّذوا بزخّاته البلاغية ويرفعوا أيديهم عالياً بتزلّف. فأولئك الذين يعتقدون أنّ التطوّر البيولوجي يمكن توفيقه مع الدين هم مُخادعون. آمين! هم ينتمون إلى أنصار نظرية التطوّر من «مدرسة نيفيل تشامبرلين»! وهم استرضائيون! آمين! والعلماء الحقيقيون يرفضون الاعتقاد في الله! هللويا! والرب الذي آمن به اليهود في العهد القديم هو مختلّ يعتدي على الأطفال! آمين! فأنت قل لهم، يا أخي!

عندما قرأت كتاب «وهم الإله» شعرت بالأسى والاضطراب على حدّ سواء. تعجّبت، هل يمكن لمُعمِّم موهوب بالعلوم الطبيعية، كان يتمتّع في ما مضى باهتمام شغوف بالتحليل المنطقيّ للدليل، أنّ يتحوّل إلى داعية عدائيّ تجاه الدين مع رفض ظاهر لأيّ دليل لا يُلائم حجّته؟ لِم العلوم الطبيعيّة تُنتهك كثيراً لتعزيز التشدّد الإلحادي؟ ليس عندي أيّ تفسير مناسب. وكغيري من أصدقائي المُلحدين الكثر، لا يمكنني أنّ أفهم حجم العدائية التي يُبديها تجاه الدين. فالدين بنظر دوكينز كالراية الحمراء بالنسبة للثور- لا تستثير ردّاً عدائيّاً فحسب بل آخر يرمي المواثيق  العلميّة العاديّة حول الدقّة المتناهية والعدالة لتذروها الرياح. وفيما كتابه مكتوب بشغف وقوة بلاغيّيْن، الحدّة في تأكيداته هي مجرّد قناع لحجج بالية وضعيفة ومُعاد استخدامها.

لست وحدي من يشعر بخيبة الأمل هنا. كتاب «وهم الإله» يعلن الحقيقة أنّ كاتبه اعتُبر مؤخراً واحداً من المفكّرين الريّاديين الثلاثة في العالم. وشمل هذا الاستطلاع قرّاء مجلة بروسبكت في تشرين الثاني 2005. لذا، ما الذي فعلته المجلّة نفسها بكتاب دوكينز؟ ناقدها الأدبي ذَهل بهذا الكتاب «غير المبالي والمتعصّب وغير المترابط والمليء بالتناقضات»؟ فماذا كان عنوان المراجعة؟ «دوكينز الدوغمائي».

الرد على دوكينز

واضح أنّ ثمة حاجة لردّ من نوع ما على كتاب «وهم الإله»، لأنّه مع غياب أيّ ردّ قد يقتنع بعضهم بأنْ لا ردّ موجوداً عليه. لذا كيف يجب الردّ؟ أحد الردود الواضحة يجب أنّ يكون عبر تأليف كتاب بمستوى العدائية وعدم الدقّة، ساخراً من الإلحاد من خلال تشويه أفكاره وتقديم دجاليه كما لو أنّهم قدّيسون. لكن ذلك سيكون بلا فائدة وذا نتائج عكسية، دون الحاجة إلى ذكر عدم الأمانة على الصعيد الفكري.

في الواقع، هناك صعوبة حقّاً لكتابة ردّ على هذا الكتاب- لكن ليس لأنّه قويّ الحجّة أو جرّاء متانته لاستناده على الدليل القاطع. بل إنّ الكتاب في أغلبه ليس سوى مجموعة من الأخبار الموجزة الملائمة والمبالغ فيها بغية تحقيق أقصى الأثر وهو مرتّب بصورة فضفاضة من أجل الإيحاء بأنّه يملك حجّة. ومن أجل دحض هذا الإغراء الانتقائي للغاية بالأدلّة يمكن أنّ تكون النتيجة تأليف كتاب مملّ بصورة رديئة جداً، فيكون ردّاً نزقاً وانفعالياً. إنّ كلّ واحدة من تحريفات دوكينز وادعاءاته يمكن دحضها وتصحيحها. لكنّ كتاباً لا يُقدّم سوى سردية من التصحيحات سيكون مملاًّ وجامداً. والافتراض بأنّ دوكينز له ثقة موازية في جميع أجزاء كتابه، لا بدّ أنّ أتحداه في النقاط النموذجية والسماح للقراء بالتوصّل إلى استنتاجاتهم الخاصّة حيال دقّة أدلّته وأحكامه.

من الواضح أنّ لدوكينز اهتماماً بسيطاً في التعاطي مع المؤمنين المتدينين، الذين يجدون أنفسهم ببساطة في حالة من الرعب جرّاء التحريفات الصارخة لمعتقداتهم وسبل عيشهم. فهل حالة الإلحاد حقاً ضعيفة للغاية بحيث إنّه يجب تقويتها بهذا الهراء المرتجل ؟ يُقدّم دوكينز لقرّائه مجاملة مشكوكاً فيها للغاية من خلال الافتراض بأنّهم سيُشاركونه تجاهله للدين والتحامل عليه. وأيّ انتقاد لتحليله سيواجه ببساطة بالردّ التالي: «حسناً، هذا ما ستقوله، أليس كذلك؟» فمن المحتمل أنّ تكون الاعتراضات على تحليله مرفوضة ومنتقص من مكانتها مُسبقاً لأنّه بالتحديد هي صادرة عن أناس متدينين «متحيزين» يتّسمون بالغباء والجهل ما يمنعهم من القدرة على انتقاد المُلحدين «الموضوعيّين» و«المنطقيّين».

هي نقطة خطيرة وشائكة للغاية. إنّ الاقتناع الدوغمائيّ التامّ بالصواب الذي يسود بعض أقسام الإلحاد الغربيّ اليوم- المُبيّن بإذهال في «وهم الإله»- يصطفّ فوراً مع أصوليّة دينيّة ترفض السماح لأفكارها بأن تُفحص أو يُعترض عليها. ودوكينز رافض المعايرة لثوابته الخاصّة، معتبراً إيّاها صحيحة دون ريب وليست بحاجة للدفاع عن نفسها. وهو مقتنع جداً بأنّ وجهات نظره محقّة بحيث إنّه ليس بحاجة إلى الاعتقاد بأنّ الأدلة قد تشرّع أيّ خيارات أخرى- فوق كلّ شيء، الخيارات الدينيّة.

ما يُثير القلق على تحديداً أنّ دوكينز، دون إدراك لذلك، يتعامل مع البراهين ببساطة كشيء يحشره في إطاره النظري المُسبق. فيُصوّر الدين باستمرار في أسوأ طريقة ممكنة لمحاكاة المزايا الأكثر سوءاً للأصولية الدينيّة في تصويرها للإلحاد. وحينما يكتب بعض العلماء الرياديّين لدعم الدين، يردّ دوكينز بحسم أنّهم ببساطة لا يعنون ما يقولون. من الواضح أنّ  دوكينز يشعر بتهديد عميق ناجم عن إمكانية مقابلة قرّائه لأفكار دينيّة أو متدينين قد يُعجبون بهم حقّاً ـ أو  حتّى  أسوأ من ذلك، احترامهم واعتبارهم يستحقّون الانتباه الجدّي.

يبدو أنّ كلّ ذلك من أجل جعل تأليف كتب كهذه أمراً لا جدوى منه. باستثناء تلك المرة حين كنت مُلحداً واستيقظت من هجوعي المتعصّب من خلال قراءة كتب تحدّت نظرتي المتحجّرة بسرعة. وأظنّ أنّ هذا الكتاب سيقرأه بالأساس المسيحيّون الذين يريدون معرفة ما يودّون قوله لأصدقائه الذين قرأوا كتاب «وهم الإله» ويتحيّرون ما إذا كان المؤمنون هم حقّاً منحرفين جنسيّاً وفاسدين أخلاقياً وجهلة كما يُصوّرهم الكتاب. لكنّ أملي معقود على أنّ يشمل جمهور القرّاء المُلحدين الذين لم تُحبس عقولهم بعد بنمط الانعكاسات الدوكينزية الذاتية. وهناك الكثيرون ممّن يعيشون الضلال بشأن الله، وكنت أنا واحداً منهم.

هذا كتاب قصير، مع إبقاء الحدّ الأدنى من الحاشية لتوفير المساحة. وتركيزه الأساسيّ سهل ومتناسق: انتقاد الحجج التي وردت في كتاب «وهم الإله». وقد يتمنّى القرّاء أنّ يُسهب هذا الكتاب ليطال المواضيع الأخرى- مثل استكشاف ومدح القدرة الفكرية والقوة الروحية للمسيحية[5]. ستُكتب تلك الكتب في الوقت المناسب. لكنّ هذا الذي بين أيدينيا بسيط وقصير ويتعاطى مباشرة مع الموضوع المرجوّ. ولا يشوبه الاستطراد أو الانحراف عن الفكرة. وغايته واحدة لا غير- تقييم الموثوقية في انتقاد دوكينز للإيمان بالله[6]. وبرغم أنّ غاية الكاتب الأول تستند إلى أسباب تاريخية وأسلوبية، وجهات النظر والحجج المذكورة تعود إلى المؤلفين على حدّ سواء.

يكفينا كلّ ذلك كمقدّمة، ولنتّجه فوراً إلى أفكار ومواضيع «وهم الإله».

------------------------------

[1]- Richard Dawkins, The God Delusion (Boston: Houghton Mifflin, 2006).

[2]- Ibid„ p. 5.

[3]- Michael Shermer, How We Believe: Science, Skepticism, and the Search for God (New York: Freeman, 2000), pp. 16- 31.

[4]- Stephen Jay Gould, «Impeaching a Self-Appointed Judge.» Scientific American 267, no. 1 (1992): 118- 21

[5]- 5 For some such books see C. S. Lewis, Mere Christianity (New York: Macmillan,

1984); and N. T. Wright, Simply Christian (San Francisco: HarperSanFrancisco,2006).

[6]- Readers who would appreciate a more extended scholarly and analytical engagement with Dawkins’s “scientific atheism” should read Alister E. McGrath, Dawkins’God: Genes, Memes and the Meaning of Life (Maiden, Mass.: Blackwell, 2004).While this book represents a sympathetic yet critical study of Dawkins’s viewson science and religion up to 2004, The God Delusion develops a broader range of arguments, which clearly invite further evaluation and response.