الحداثة عند كانط ، في رحاب آراء الشيخ مرتضى مطهري / رؤية نقدية معاصرة

الحداثة عند كانط ، في رحاب آراء الشيخ مرتضى مطهري / رؤية نقدية معاصرة

تـاليف

علي أكبر أحمدي

ترجمة

أسعد مندي الكعبي

مقدمة المركز   

يعد الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط ( 1724- 1804) من أشهر فلاسفة عصر التنوير، وقد خلّف كتبا مرجعية هامة تركت أثرها في الأجيال اللاحقة وكانت مثاراً للبحث والجدل إلى يومنا الحاضر، بحيث أصبحت عقبة لا يمكن تجاوزها عند سبر تاريخ الغرب وحضارته، وهذا ما حدا بكثيرٍ من الباحثين والمفكرين إلى الفحص في تراثه الفكري والمعرفي للوقوف على آرائه وما تركه من بصمات للأجيال اللاحقة.

 أما الشيخ مرتضى مطهري( 1919-1979) فهو من أواخر رواد النهضة الإسلامية، حيث اهتم بتأصيل الهوية وصناعة الإنسان المسلم بما يتوافق مع متطلبات الشريعة والعالم المعاصر، من خلال نقد الذات ونقد الآخر، حيث استخدم التراث الإسلامي الضخم وأعاد قراءته وفقاً للمنظومة العقدية والفلسفية الإسلامية، وأعطى معالجات لتحسين وضع المسلمين وتحصين أفكارهم، كما تعرض لفلاسفة الغرب بالنقد والتحليل أو الاقتباس في ما يتوافق مع المنظومة الإسلامية.

وممن تطرق إليهم الشيخ مطهري من فلاسفة الغرب إيمانويل كانط، حيث ذكر بعض آرائه في فروع معرفية مختلفة وبدأ بتحليلها ونقدها.

وقد حاول الدكتور علي أكبر أحمدي تسليط الضوء على هذه الجدلية، وقام بتحليل أراء كانط وتلخيصها حول الحداثة، ثم مناقشتها و نقدها على ضوء أراء الشيخ مطهري من دون أن يتعرض إلى الأسس و المباني الفلسفية العامة لكلا الشخصين.

والمركز إذ أخذ على عاتقه رفد المكتبة العربية بالبحوث والدراسات النقدية لتاريخ الغرب و حضارته، يقدم هذا الكتاب إلى القارئ العربي، تمهيدا للوصول إلى تكوين رؤية نقدية شاملة للغرب، تعيد الثقة بالذات وتسلب الانبهار بالآخر. 

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرسول الأمين وآله الميامين.

النجف الأشرف

10 ذو الحجة 1438 هـ

عيد الأضحى المبارك

مقدمة المؤلف

مباحث الكتاب الذي بين يديك تمّ تدوينها حسب المعطيات التالية:

1) التحوّلات الفكرية والاجتماعية التي شهدتها المجتمعات البشرية منذ القرن الخامس عشر حتّى السابع عشر الميلاديين إثر انطلاق عصر النهضة، وظهور الحركتين الإصلاحية والبروتستانتية، ورواج النزعة الإنسانية، وانتعاش النهضة العلمية والفلسفة الحديثة التي أرسى دعائمها بيكون وديكارت، وانتشار المطابع، والاستكشافات البحرية الواسعة، واندلاع الحروب الطائفية، وتأجّج ثورات الفلاحين، وتنامي الحركات المناهضة للظلم والاستبداد؛ قد أثمرت برمّتها عن ظهور نهضةٍ في القرن الثامن عشر عُرفت بحركة التنوير الفكري التي يمكن اعتبارها الخطوة الأولى في نشأة العصر الحديث.

حركة التنوير الفكري ارتكزت على النتائج التي تمخّضت عن القضايا المذكورة في أعلاه بحيث أصبحت أساساً أيديولوجياً لها ومصدراً تستلهم منه شتّى الشعارات التي رفعتها ودعت إلى تحقيقها، وقد دعت إلى احترام المبادئ التالية: مركزية الإنسان، الإيمان بقدرة العقل، نبذ الخرافات، الاستحواذ على خيرات الطبيعة، امتلاك القرار لتعيين المصير سياسياً واجتماعياً، وحدة الطبيعة البشرية، الإيمان بفاعلية العقل الجماعي، سيادة القانون، تدوين قوانين وضعية، الفصل بين السلطات الحاكمة، الاتّكاء على النظام الانتخابي والبرلماني في الحكم، إقرار الملكية الفردية، العمل على تحقيق الرفاه المعيشي، تنفيذ برامج تنموية، مواكبة التطوّر الحضاري، التساهل والتسامح مع الآخرين.

بعض المفكّرين واجهوا ضغوطاً ومضايقاتٍ جمّةً، لكنّهم صمدوا ولم يستسلموا وبذلوا كلّ ما بوسعهم لإثبات صواب نظرياتهم وآرائهم، والسبب في صبرهم وتحمّلهم المشاق أنّهم امتلكوا رؤيةً مستقبليةً منبثقةً من دقّةٍ ووعي منقطع النظير، وفي الحين ذاته امتلكوا شجاعةً أهّلتهم لانتقاد واقع الأوضاع التي عاصروها؛ لذلك طرحوا نظريات واقترحوا مشاريع فكرية جديدة لتحرير الإنسان الغربي وإنقاذه من قيوده التي كبّلته بها السلطات السياسية والدينية، لذلك تألّقت أسماؤهم في عالم الفكر والمعرفة، لكن بطبيعة الحال لا يمكننا هنا ذكر أسمائهم جميعاً، ولكن نكتفي بالإشارة إلى أشهرهم فيما يلي: فولتير، ديدرو، دالامبير، هولباخ، تورجو، دي كوندرست، مونتسكيو، هيوم، روسو، ليسينغ، كانط، مندلسون، هردر، لامتري، دي كوندياك، جيريمي، بنثام، جيفرسون، آدامز، هاملتون، لوثر، كالفين، أراسموس، مكيافيللي، مونتي، برونو، كوبرنيكوس، تيخو براهه، جاليليه، كوبلر، بويل، نيوتن، ديكارت، سبينوزا، لاينتز، مالبرانش، وولف، باسكال، بيكون، هوبز، جون لوك، بيركلي، بيير بايل.

2) العصر الحديث بشتّى وقائعه أمسى هاجساً يراود أذهان الفلاسفة وعلماء الاجتماع والمؤرّخين منذ باكورته، ومن هذا المنطلق طُرحت مجموعة  من التساؤلات حول طبيعته وأصوله ومقتضياته وواقع ارتباطه بالعصور السالفة ومكانته في التأريخ البشري، كما طرحت مباحث ودارت نقاشات حول ما إن كان حركةً عفويةً أو أنّه شهد الوجود بتدبير مدبّرٍ؛ هذا إلى جانب الخوض في تفاصيل شتّى صوره وميزاته التي اختصّ بها، وما سوى ذلك من قضايا أخرى لا يسعنا المجال لذكرها هنا؛ وهذه الأمور تطرّق إليها فلاسفة البلدان الشرقية والغربية بشكلٍ أخصّ.

3) سوف نتطرّق في هذا الكتاب إلى بيان المعالم الرئيسية لآراء الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 م- 1804 م) ولا سيّما وجهات نظره حول الفكر البشري الأمثل في العصر الحديث، حيث سنعتمد على مختلف آثاره العلمية لاستكشاف معالم أطروحته الجديدة والتعرّف على مغزاها الحقيقي، ثمّ نسلّط الضوء عليها في إطارٍ تحليليٍّ نقديٍّ من وجهة نظر الفيلسوف المسلم المعاصر الشهيد مرتضى مطهّري (1919 م- 1979 م).

لا ريب في أهمية دراسة وتحليل أصول الحداثة الكانطية وتحليلها بوصفها ذات تأثيرٍ مشهودٍ على شتّى التيارات الفكرية والمواقف الاجتماعية في القرنين التاسع عشر والعشرين، ومن هذا المنطلق تطرّقنا إلى ذلك في رحاب آراء الشهيد مرتضى مطهّري الذي عرض لها بالنقد والتحليل اعتماداً على الأصول الفلسفية والدينية؛ إذ إنّ هاجسه الأساسي يكمن في بيان واقع الصلة بين الإسلام والعالم المعاصر، وفي هذا السياق نجد في أحد مؤلّفاته كلاماً في هذا الصعيد فحواه أنّ أهمّ مسألةٍ تواجهها الأديان في العصر الحديث ولا سيّما الإسلام، تكمن في كيفية إقرار تعاليم دينية منسجمة ذات طابعٍ ثابتٍ يتناسب مع ظروف العصر الحديث وقافلة الثقافة المعاصرة.[1] وعلى هذا الأساس سخّر هذا العالم المسلم جلّ جهوده للتعرّف على معالم الفكر المعاصر وطبيعته التي امتاز بها عن غيره، ولاسيما الأصول الفلسفية التي ارتكز عليها، لذلك أجرى دراسات استقرائية حول شتّى آراء أبرز الفلاسفة الغربيين المحدثين وتناول نظرياتهم بالنقد والتحليل، وعلى رأسهم الفيلسوف الشهير إيمانويل كانط.

إن أردنا التعرّف على آراء الفيلسوف كانط التي طرحها حول الأصول الفكرية للعصر الحديث وحاولنا تقييمها على وفق تعاليمنا الإسلامية السمحاء، فمن الضروري لنا استطلاع دلالاتها ونتائجها على ضوء أطروحات أحد المفكّرين المسلمين؛ ومن هذا المنطلق تحرّينا الموضوع من وجهة نظر الشيخ مرتضى مطهّري.

من المؤكّد أنّ كلّ تحليلٍ وتفسيرٍ فحواه بيان المعاني الدلالية للمفاهيم التي يتمحور حولها الموضوع، لذا لا بدّ هنا لمن يتصدّى لهذه المهمّة الحسّاسة أن يمتلك استقلالاً فكرياً وعليه أن يطرح مفاهيم جديدة تعكس واقع متبنّياته الفكرية؛ ولـمّا وجدنا الشيخ مرتضى مطهّري خير مثالٍ على هذا الأمر، وقع الخيار عليه، إذ سلّطنا الضوء على شرحه وتحليله لآراء إيمانويل وتقييمه لها؛ ولكنّه هل استطاع حقّاً طرح مفاهيم خاصّة من صياغته أو لا؟ وهل أنّ شرح وتحليل آراء إيمانويل كانط ونظرياته في إطارٍ معيّنٍ يعدّ أمراً يسيراً يتسنّى لكلّ مفكّرٍ أو لا؟ وكيف تمكّن الشهيد مرتضى مطهّري من القيام بهذه المهمّة الحسّاسة؟

القارئ الكريم لدى تصفّحه أوراق هذا الكتاب سيلفي أنّ هذا المفكّر المسلم شبّه الأصول الفكرية للفيلسوف الغربي إيمانويل كانط بما تبنّاه الأشاعرة المسلمون في قديم الأيام، إذ إنّ مذهبهم الفكري برأيه يتقوّم بشكلٍ أساسيٍّ على مبدأ الفصل بين العقل والدين، ومن ثَمَّ فصل الإنسان عن خالقه.

والجدير بالذكر هنا أنّ الشيخ مطهّري لا يرى الفكر الأشعري حكراً على أتباع بعض التيارات الفكرية الإسلامية القديمة كالخوارج وأهل الحديث والحنابلة والإخباريين ومن حذا حذوهم آنذاك، فقد عدّه جلياً أيضاً في بعض التيارات الفكرية الحديثة التي أبصرت النور في عصر النهضة العلمية والتجدّد الفكري؛ وعلى هذا الأساس عدّ آراء عددٍ من الفلاسفة المحدثين التي تتّسم بالطابع الأشعري، فآراء كانط من وجهة نظره تعدّ صورةً حديثةً للفكر الأشعري؛ ولا ريب في أنّ الأشعرية الحديثة من حيث الأصول والمبادئ لا تختلف عن تلك التي شاعت في العصور الإسلامية السالفة والتي ما زالت بعض تبعاتها باقيةً حتى عصرنا الراهن[2].

4) يتكوّن الكتاب من قسمين في إطار أحد عشر فصلاً، وقد قمنا بتدوين محاور البحث وفرضياته في مقدّمة كلّ واحدٍ من القسمين، ثمّ تطرّقنا في نتيجة البحث لكلّ قسمٍ إلى بيان دلالات تلك الفرضيات التي طرحت في بادئ الموضوع.

نؤكّد هنا على أنّ الهدف من تدوين الكتاب ليس شرح الأصول الفلسفية وتحليلها للشيخ مرتضى مطهّري وإيمانويل كانط، وإنّما نروم استعراض الوجه الحقيقي للحداثة في إطار متبنّيات كانط الفكرية على ضوء شرحها وتحليلها من قبل هذا المفكّر المسلم، ونحن على ثقةٍ بأنّ هدفنا هذا لا يمكن وأن يصقل ويبلغ درجة الكمال إلا في رحاب نقد الناقدين ونصيحة الناصحين الذين نرجو منهم التفضّل وإتحافنا بآرائهم.

مؤلّف الكتاب