نقد الفلسفة المعاصرة عند السيد محمد باقر الصدر

نقد الفلسفة المعاصرة عند السيد محمد باقر الصدر

تـاليف

عقيل صادق زعلان الأسدي

المقدمة 

يامن يعطي الكثير بالقليل،  يامن يعطي من سأله يامن يعطي من لم يسأله ومن لم يعرفه تحنناً منه ورحمة. والصلاة والسلام على اشرف الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

لقد كان الطابع النقدي طابعاً واضحاً في مؤلفات السيد محمد باقر الصدر الفكرية والفلسفية فأننا نجد على سبيل المثال في مؤلفاته (فلسفتنا)، (الأسس المنطقية للاستقراء)، (اقتصادنا) نقداً ممنهجاً للفكر الغربي كانت له دوافعه ومنهجيته وآلياته المحددة الخاصة، وعلى هذا الاساس كان اختيار موضوع الكتاب عرضاً وتحليلاً في نقد الصدر للفلسفة الغربية المعاصرة.

أن موضوع الكتاب يمكن أن يثير عدة تساؤلات نجد أن الإجابة عنها يمكن ان ترسم لنا صورة اجمالية عن طبيعة البحث...

فلماذا الفلسفة المعاصرة دون غيرها؟ وما المقياس في تحديد الفلسفة المعاصرة؟ وما المدارس والاتجاهات الفلسفية المعاصرة التي كانت موضوع النقد؟ هذه أهم التساؤلات التي كانت شاخصة في ذهني والتي كانت الإجابة عنها فيما يخصني مرحلة سابقة للدخول في تفاصيل الأطروحة وجزيئات النقد والتحليل.

إن اختيار الفلسفة المعاصرة بالذات جاء لأهمية هذه الفلسفة لا على أساس الموضوعات التي ناقشتها هذه الفلسفة أو أن موضوعاتها ومشكلاتها جديدة في الفكر الإنساني بل على أساس أن هذه الفلسفة تضم مدارس واتجاهات تمثل الأفكار المتصارعة في الثقافات الإنسانية وخصوصاً في الثقافة العربية والإسلامية التي يجب أن يكون لنا موقفاً فكرياً اتجاهها، ولا يمكن أن يكون هذا الموقف إلاّ بعد التعرف عليها ومعرفة جدارتها في الفكر الإنساني، والنقد الموضوعي يتكفل لنا بذلك لأنه يعرضها ويحللها ويختبر صلاحيتها واتّساقها. فالنقد الموضوعي مسألة جداً مهمة وهذه دعوة لمراجعة متبنياتنا الفكرية وقناعاتنا الشخصية. فأهمية الفلسفة المعاصرة راجع إلى حجم هذه الفلسفة في ثقافتنا المعاصرة ومواقفنا الفكرية اتجاهها. ولو جئنا للمقياس الذي وضعناه لتحديد الفلسفة المعاصرة لوجدناه ليس مقياساً جديداً ومبتكراً بقدر ما هو مقياس وجدنا من الباحثين في الحقل الفلسفي والكُتاب يؤكدونه، وهو أن الفلسفة المعاصرة يمكن تحديدها بالأفكار التي ظهرت في العالم مع بداية القرن العشرين أو نهايات القرن التاسع عشر أو بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

أما المدارس الفلسفية التي يمكن أن يشملها هذا التحديد والتي كانت موضوع النقد في الأطروحة فهي الماركسية والوضعية المنطقية والبرجماتية وهنا يمكن أن تبرز مشكلة بحسب هذا التحديد ذلك بأن الفلسفة الماركسية على سبيل المثال هي من الفلسفات التي ظهرت في بدايات القرن التاسع عشر ومنتصفه وتحديداً على يد كارل ماركس فهي بذلك تُعدّ من الفلسفات الحديثة وليست المعاصرة. وهذا الشيء صحيح فيما لو كانت الماركسية ليس لها امتداد فالماركسية لها امتداد يصل إلى وقتنا الحالي. هذا من جهة ومن جهة أخرى. وهذا القول لا يقتصر على الماركسية فقط بل بشكلٍ عام. وهو من منهجية الأطروحة. إننا أولينا أهمية للفكرة أو المشكلة الفلسفية وليس للشخصيات وممثلي هذه الفلسفة المعاصرة، فقد انصب نظرنا على الفكرة وطابعها العام، فعلى سبيل المثال تناولنا الطابع العام للأفكار الماركسية التي يشترك بها ماركس وانجيلز ولينين وستالين وماوتسي تونغ وغيرهم من الماركسيين. أي بعبارة أدق راعينا التركيب الأفقي وليس العمودي.

إن مسألة تحديد الفلسفة المعاصرة التي أشرنا إليها هي من المشاكل التي واجهتنا والتي كان لتذليلها وجوب تحري الدقة والالتزام بإيراد النصوص الماركسية المعاصرة التي تؤكد الطابع العام للأفكار الماركسية، ومن المشاكل والصعوبات الأخرى هي ندرة الكتابات الفلسفية التي تتناول الجانب النقدي عند المفكر الصدر، وهذا ما جعلنا نعتمد اعتماداً كلياً على النصوص الأصلية لمؤلفات الصدر مما كان له الأثر على قلة مصادر البحث بشكلٍ عام، وهذا مما يجعل البحث أيضاً بحثاً جديداً واجتهاداً عسى أن يلاقي التوفيق والقبول.

لقد راعينا في تقسيمنا لفصول الأطروحة أن يكون التقسيم تقسيماً مبنياً على فكرة فحواها أن دراسة النقد بصورة عامة لا يكتمل إلاّ إذا استوعبت الدراسة ثلاثة محاور هي : (النقد) و(الناقد) و(موضوع النقد) ـ أي المنقود ـ وعلى هذا الأساس جرى تقسيم الفصول. فكان الفصل الأول: (دوافع النقد عند الصدر) وهذا هو المحور الثاني خصوصاً وهذا الفصل تناول أيضاً نظرة عامة عن حياة السيد الصدر وشخصيته والبيئة الفكرية التي شكلت أفكارهُ مما لها علاقة وثيقة مع دوافع النقد التي حددناها (بالدافع الحضاري والاجتماعي والديني والفكري).

أما الفصل الثاني: فتناول أشكال النقد عند الصدر، فكان (نقد الأطر العامة للفلسفة الغربية) و(نقد الفلسفة اليونانية) و(نقد الفلسفة الحديثة) هي مباحث الفصل والتي تشكل بعد ضمّ الفلسفة المعاصرة المحور الثالث من العملية النقدية. إن هذا الفصل هو بمثابة المدخل أو المقدمات للفصول الأخرى التي جاءت بعده لما له علاقة وثيقة بالفلسفة المعاصرة ونقدها.

أما الفصل الثالث: فتناولنا فيه نقد الصدر للفلسفات والمدارس التي كانت لها آراء ونظريات عن نظرية المعرفة كمسألة الإدراك وطبيعة المعرفة وحدود المعرفة وقيمة المعرفة.

أما الفصل الرابع: وهو الأخير فلقد خصصناه لنقد السيد الشهيد للفلسفة المادية وخصوصاً الفلسفة الماركسية وأصولها الفكرية ومواقفها الفكرية التي تتلاءم مع ماديتها. ولقد عملنا في هذين الفصلين (الثالث والرابع) على عرض الأفكار والنظريات الفلسفية المعاصرة وعرض آراء الناقد ومن ثم النقد ـ أي نقد الصدر ـ مع تحليل هذه النصوص النقدية وتوضيحها وبيان أصولها وعلاقتها بمفاهيم فلسفية أخرى.

وأخيراً لا يسعني إلاّ أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير لكلِّ من مد يد المساعدة والعون.

المؤلف عقيل صادق زعلان

 

تمهيد

نعتقد أن الدراسة التحليلية لنقد السيد الصدر للفلسفات المعاصرة لا تكتمل صورتها إلاّ بالتركيز ولو بدرجات متفاوتة على ثلاثة محاور. وهي (الناقد) و(المنقود) و(النص النقدي). وعلى هذا الأساس سوف يكون هذا الفصل مخصصاً للناقد.

إن معرفة الدوافع أو المحاور الفكرية التي كانت تقف من وراء نقد السيد الصدر للفلسفات المعاصرة مسألة جداً مهمة بحسبما نرى، لأن معرفة هذه الدوافع سوف يوقفنا بصورة مباشرة على طبيعة المنظومة الفكرية التي كان ينتمي لها الناقد والتي مثلت القاعدة الفكرية والمرتكز الفكري التي استند إليها في نقده، كذلك يمكن أن يكون استخدام المنهج النقدي وآلياته متوافقاً ومتلائماً مع طبيعة هذه الدوافع.

قبل معرفة تفاصيل هذه الدوافع وأشكالها، نرى من المناسب إعطاء نظرة عامة عن حياة الناقد والعوامل التي بلورت فكره لما لها علاقة بدوافع النقد وتأسيساً على ما نعتقده من أننا لا نستطيع أن نُفصل الفكر عن الواقع.