أزمة العالم الحديث

أزمة العالم الحديث

تـاليف

رينيه غينون

ترجمة

عدنان نجيب الدين
جمال عمار
 

مقدمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ جدلية التراث ـ الحداثة أوجدت تيارات مختلفة سواء أكانت في الغرب أم في العالم الاسلامي، فهناك من انحاز إلى التراث وهناك من انحاز إلى الحداثة، وحاول البعض التوفيق بينهما وإن كان على حساب طرف دون آخر .

ولم نقصد بالانحياز نحو التراث تلك الحالة السلفية التي ترفض جميع أنماط الحياة الجديدة وتتقوقع على ماضيها بما فيه من تخلف وتقهقر وأخطاء، بل المراد من التراث (في بحثنا هذا) العبور عن غبار الحداثة والعلم المادي، والوصول إلى الحكمة الخالدة والعلم القدسي المنضوي في التراث والمتوزّع في شتى الثقافات والأديان والمذاهب السابقة.

التراث بهذا التفسير وبهذه الرؤية يتزاوج مع نوع من الباطنية، ويقترب من العرفان والتصوف ليكوّن نظرة كونية تستقي معالمها من الطرق الصوفية وتعاليم الأديان والمذاهب المختلفة التوحيدية والوضعية.

يُعتبر رينيه غينون (1886 ـ 1951) أو عبد الواحد يحيى ـ الاسم الذي انتخبه لنفسه بعدما أسلم في مصر عام 1930م ودخل في الطريقة الشاذلية ـ رائد الدعوة المتحمسة في الرجوع إلى التراث والتمسك بالمدرسة التقليدية في الغرب. المدرسة التي أنتجت علماء وفلاسفة تقليديين أمثال:

آناندا كوما راسوامي (1877-1947) فريتيوف شوان (1907-1998) تيتوس بوركهارت (1908 ـ 1984) ماركو باليس (1895-1990) مارتين لينجز (1909-2005) ويتال بيري (1920-2005) وأخيراً السيد حسين نصر (1933) ووليام جيتيك (1943) حيث تبلورت دعوتهم في نقد الحضارة الغربية المعاصرة وما أنتجته من دمار للأخلاق والفضيلة والإنسانية والبيئة، والدعوة إلى التراث والفلسفة التقليدية أو الحكمة الخالدة، والتعددية المنبثقة من روح العرفان والتصوف.

وقد تنوّعت آراء وكتب وأبحاث رينيه غنون بتنوّع المشارب الفكرية والدينية التي سلكها طيلة حياته، فمن كاثوليكي متحمّس إلى غنوصي يبحث في العلوم الغريبة، وأخيراً إلى مسلم سلك الطريقة الشاذلية، ولكن الصبغة الغالبة فيها تتمحور حول نقد الحضارة الغربية والدعوة إلى الالتزام بالتراث والمدارس التقليدية للحضارات السابقة.

وقد تبلورت زبدة آراء غنون في كتابيه: (أزمة العالم الحديث) و (زمن الكمية ـ أو حكم الكم ـ وعلامات آخر الزمان).

يتمحور هذا الكتاب (أزمة العالم الحديث) بفصوله التسعة حول محورين بيّنهما المؤلف في مقدمته:

الأولى: (أنّ هذه الحضارة التي يتبجح بها المُحْدَثون لا تحتل مكانة مميزة في تاريخ العالم، وأنّه من الممكن أن تلقى المصير نفسه لحضارات أخرى اختفت عبر أزمنة تتفاوت في قِدَمها، وأنّ بعضها لم يخلّف سوى آثار ضئيلة وبقايا تكاد لا ترى أو لا يمكن التعرف عليها إلا بصعوبة) .

الثانية: (أنّه ليس من سبب للاكتفاء بأن نتلقّى بشكل سلبي الفوضى والظلام الذي يبدو للحظات أنّه انتصر).

إنّ المؤلف من خلال استقراء البنى التحتية والأسس التي اعتمدت عليها الحضارة الغربية، يحاول إثبات دخولها في أزمات متعدّدة؛ ليستنتج منها تحقق فرضية (إمكانية انهيار حضارة الغرب كسائر الحضارات). فعليّة هذا الانهيار بعد أن صوّره في البداية كفرضيّة، إذ إنّ تلك الأزمات قد أدخلت حضارة الغرب في مآزق حرجة سوف تطيح بها بالمآل .

وهذا ما يبيّنه بالتفصيل في فصول كتابه من قبيل: (العصر المظلم، العلم الدنيوي، الفردية، الفوضى الاجتماعية) وغيرها من المباحث.

بعد إثبات هذه الظاهرة نصل بشكل طبيعي إلى المحور الثاني وهو عدم وجود أيّ مبرّر لمتابعة هكذا حضارة منهارة وخاوية، بل الأولى التمسّك بالتراث والمدرسة التقليدية والرجوع إلى الحكمة الخالدة والعلم القدسي المنضوي في تعاليم المدارس التقليدية السابقة .

من هذا المنطلق وتماشياً مع رسالة المركز الاسلامي للدراسات الإستراتيجية في رسم استراتيجيات دينية ومعرفية جادة، وقع الاختيار على ترجمة هذا الكتاب ليكون تمهيداً لما يرنو اليه المركز من وضع خطط وبرامج دينية معرفية تعالج الأزمات المحدقة بالانسان في العصر الحديث.

وختاما كان لزاماً علينا أن ننوّه إلى التأثيرات الباطنية والتأويلية في أفكار مؤلفنا هذا، إذ نرى مثلا خيوط الفكر الهندوسي سارياً في جميع فصول الكتاب وذلك في تعيين الدورات التي شهدتها البشرية، ولكن هذا لا يقلل من أهيمة جهد المؤلف في نقد الغرب وحضارته والإشارة إلى ثغراته وما يفتحه من مناخات نقدية للقارئ الكريم.

ونحن إذ نقدم هذا السِّفرَ القيّمَ إلى القرّاء، نُثَمِّن جهود المترجمين له:

الدكتور عدنان نجيب الدين والشيخ جمال عمار حيث تبَنّى كل واحد منهما ترجمة فصول من الكتاب .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

النجف الأشرف

محرم الحرام 1438 هـ