أجوبة الشبهات الكلامية (5) المعاد

أجوبة الشبهات الكلامية (5) المعاد

تـاليف

محمد حسن قدردان قراملكي

تـرجمة

موسى أحمد قصير

المقدمة

إن هذا الكتاب الذي نقدّمه للقارئ هو الجزء الخامس من سلسلة (أجوبة الشبهات الكلامية)، يتضمن هذا الجزء تحليل ونقد الشبهات المثارة حول المعاد (بما فيه البرزخ والقيامة) والإجابة عليها، حيث تبنّى المؤلّف الإجابة على سبعين شبهة تقريباً فيما يخصّ: إنكار المعاد، الموت وعالم البرزخ، أقسام المعاد (من حيث الجسماني والروحاني) القيامة والحشر، الجنة والعذاب الأخروي.

يسعى المؤلف أن يعالج شبهات المعاد من وجهة نظر كلامية (الكلام الفلسفي)، وهو المنهج الغالب لكن ربما تتم الاستعانة بالمنهج العرفاني أيضاً. والأمر المهم هو أنّ جواب الشبهات كمّاً يقدّر بحسب أهمية الشبهة حيث ربما تستغرق شبهة أكثر من عشر صفحات. والمطالع يرى في هذا الكتاب مضافاً إلى جواب الشبهات، آراء ونقاط جديدة كانت حصيلة تأملات المؤلف ومن بنات أفكاره.

لا يخفى أهمية الموضوع على القارئ الكريم، إذ إنّ المعاد من أركان الإسلام، وقد طُرحت حوله شبهات كثيرة منذ النبوات السابقة، مضافاً إلى محاولة إعادة صياغة تلك الشبهات من جديد في الآونة الأخيرة من قبل بعض المتنورين وبثّها في مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت، كما أنّ الهدف من هذا الكتاب هو التبيين العقلاني لمسألة المعاد ودفع الشبهات.

مزايا هذا الكتاب:

[يمتاز هذا الكتاب بعدّة أمور]:

1. كون الموضوع جديداً: فيما يخص موضوع المعاد وتبيين مسائله، وإن تم تدوين كتب وبحوث متنوعة تمّ فيها الإجابة عن بعض الشبهات، ولكن ندعي أنّ التدوين المستقل والجامع لمختلف الشبهات والإجابة عنها كلامياً وفلسفياً، لم يسبق بمثيل، ولذا يُعدّ هذا الكتاب هو الأوّل في هذا المجال.

2. الإبداع في الإجابة عن بعض الشبهات وإعطاء تقرير جديد في مقام التبيين. حاول المؤلّف في هذا الكتاب عند التطرّق لمسائل المعاد من قبيل القبر، والعذاب، والسؤال، والصراط، وميزان الأعمال، وصحيفة الأعمال...، اصطياد أفضل الأجوبة وأتقنها من خلال التأمّل في النصوص الدينية وتراث العلماء والفلاسفة من قبيل صدر المتألهين والفيلسوف والمفسر الكبير المعاصر العلامة الطباطبائي، ولذا تم البحث في كثير من النصوص الفلسفية والكلامية والتفسيرية مع الاستعانة بمختلف البرامج الإلكترونية، وفي الواقع قد تمّ إعطاء تقرير جديد لمختلف الأجوبة المبثوثة في الكتب الفلسفية والكلامية. مضافاً إلى هذا فإنّ بعض الأجوبة والآراء من قبيل علة عدم لزوم اجتماع نفسين في الجسم الأخروي (شبهة التناسخ) من منظار المعاد الجسماني والروحاني، وكذلك ترميم وتكميل نظرية ملا صدرا في المعاد الجسماني، فإنّها من بنات أفكار المؤلّف.

3. الإحاطة بالشبهات. جمع هذا الكتاب بين دفتيه بحدود سبعين شبهة من مختلف المصادر سواء كانت الكتب التاريخية القديمة أو الجديدة، وكذلك الشبهات المثارة في مختلف المواقع الإلحادية.

4. التنوع في الإجابات. حاول المؤلّف في مقام إعطاء أجوبة مقنعة وعلميّة أن يستعين بالمنهج العقلي (الكلام، الفلسفة والعرفان) والمنهج النقلي (الآيات، الروايات والتاريخ) وفي الواقع قد يعطى للشبهة الواحدة عدّة أجوبة مختلفة من وجهات نظر متنوّعة كي تلبّي حاجة القارئ وما يحمله من خلفيات معرفية مختلفة. وقد تكون بعض الإجابات ثمرة تأمّلات المؤلف.

5. الاستناد والتوثيق. من مزايا هذا الكتاب أنّه يختلف عن باقي الآثار التي تكتفي بذكر الشبهة وجوابها، حيث يحتوي هذا الكتاب على ذكر صاحب الشبهة ومن أجاب عنها وكذلك توثيق المصادر، وذلك للاطمئنان بالأجوبة مضافاً إلى إعانة الباحثين والمحققين في الاطلاع على متون المصادر.

وفي الختام أقدّم شكري للهيئة العلمية في قسم الكلام والدين التابع للمجمع العلمي للثقافة والفكر الإسلامي، ومدير القسم الباحث الفاضل الأستاذ قاسم أخوان نبوي، وكذلك الدكتور حميد شاكرين والدكتور أبو الفضل كياشمشكي للمراجعة العلمية وإبداء بعض الملاحظات التكميلية.

محمد حسن قدردان قراملكي

تمهيد

■  الأول ـ الروح وإثبات تجرّدها:

من المباحث الهامّة والأساسية في بحث المعاد قضية الروح والتعرّف إليها. لذلك نبدأ بتعريف الروح وتبيانها من وجهات نظر مختلفة:

أ) التفسير المادي: الماديون الذين تبنّوا حصر الوجود بالمادة، أنكروا كلّ وجود غير مادي مثل الله تعالى، وتبعاً لذلك أنكروا وجود الروح والظواهر الروحية أيضاً، واعتبروا أنّ حقيقة الإنسان في وجوده المادي، وأنّ الإدراكات والمعلومات البشرية هي نتاج للدماغ وخلاياه. وكان الماديون أكثر المؤيدين لهذه النظرة([1]).

واعتبر ملحدون آخرون أنّ الروح «طاقة»([2]).

أمّا الماديون الجدد فقد قدّموا رؤية جديدة حاولوا من خلالها اعتبار الحياة والذهن والفكر قائمة بمساعدة التوجيه الكهربائي للدماغ وقوانين الحياة الكيميائية، وأنّ الإنسان آلة أو جسم مركّب ومعقّد([3]).

ب) اعتبار الروح جسماً لطيفاً: بعض المؤمنين بوجود الله أقرّوا بوجود الروح، لكنّهم أنكروا تجرّدها واعتبروا أنّ الروح نوع من الوجود المادي، لكنّه لطيف وأرقّ من المادي، وأنّ الله تعالى خلقها لتدبير بدن الإنسان([4]).

ويقصدون بالجسم اللطيف أنّه وجود كالنور والدخان والماء والزيت السائل الذي يستطيع النفاذ إلى الأجسام الأخرى لرقته. كالماء الذي ينفذ إلى الشجرة بسهولة، ليصل إلى الفاكهة بعد اجتياز الجذور والجذوع.

ج) الوجود المجرّد: فيما اعتبر الفلاسفة وبعض المتكلمين([5]) أنّ وجود الروح جوهر (وجود مستقل) مجرّد([6]). أي إنّ الإنسان يتشكّل من عنصرين: عنصر مادي هو البدن، وعنصر ما فوق الطبيعة أو مجرّد يسمّى الروح([7]).

وهناك ثلاثة آراء معروفة حـول مبدأ النفس والروح ومنشئهما، لكن لا مجال للإشارة إليها هنا([8]).

لكن الوجه المشترك للآراء الثلاثة هو أنّ الحاكم والمدبّر الأساس للإنسان هي قوّة تصدر عنها الأفعال كالإدراك والتعقّل والإحساس والفرح والحزن والخوف والهيجان. وبتعبير آخر، فإنّ الأفعال المذكورة لا تتم بأعضاء خاصّة ماديّة من البدن؛ بل بقوّة ثابتة بسيطة شاملة. وهذه القوّة ليست من جنس المادّة والطبيعة؛ بل إنّها أوسع منهما، وعناصر البدن خاضعة لأمرها. فبأمرها تتحرّك أعضاء البدن، ويجول الفكر وقوّة التخيّل لتسيح زوايا بعيدة، مثلها كمثل قبطان السفينة الذي يمسك بيديه مقود السفينة.

إشارة إلى أقسام الوجود:

قبل تبيان أدلة وجود النفس، نقدّم توضيحاً موجزاً لأقسام الوجود:

أ) الوجود المادي: وهو وجود ملموس ومحسوس لنا، وله خصائص مثل: الطول والعمق والعرض والجرم واللون والتغيير وقابلية التقسيم وقابلية الإشارة الحسيّة ويمتلك البُعد الرابع أي الزمان([9]).

ب) الوجود البرزخي: وهو وجود يمتلك الخواص الأربعة الأولى للمادي، إلاّ أنّه يفتقر إلى خاصيتي الجرم والتغيير، مثل: الصور والأشكال التي يشاهدها الإنسان في منامه.

ج) الوجود المجرّد: وهو الوجود المفتقر إلى خصوصيات الوجودين المادي والبرزخي، أي إنّه وجود مجرّد يفتقر إلى العمق والطول والعرض والحجم والجرم والتغيير والزمان وإمكانية الانقسام. لهذا وبسبب تجرّده من الخصوصيات تلك سمّي بالوجود المجرّد([10]).

تجدر الإشارة إلى أنّ الوجود المجرّد نفسه ينقسم إلى قسمين: ممكن الوجود، وواجب الوجود. ممكن الوجود هو عالم العقول والملائكة، وواجب الوجود هو وجود الله تعالى.

أدلّة وجود الروح المجرّدة([11]):

نتناول فيما يلي تقريراً موجزاً لأدلّة تجرّد الروح:

أ) الأدلّة العقلية والفلسفية:

نتناول هنا تقريراً لعدّة أدلّة عقلية وفلسفية تثبت وجود الروح المجرّدة وبقائها:

1 ـ التصوّر المزدوج (العلم بتفاوت الروح والبدن):

تنقسم إدراكات الإنسان لنفسه إلى قسمين:

القسم الأوّل العلم بالأعضاء المادية مثل: اليد، الرجل، لون الشعر، وزن البدن، وطوله وعرضه. ووجود العضو المحدّد لازم في حصول هذه المعرفة.

القسم الثاني العلم ببعض الحالات مثل: الخوف والشجاعة، الفرح والحزن، البغض والحنان والمحبة، الرغبة والرفض. إنّ تحقّق هذا العلم لا يحتاج إلى العلم بوجود أي عضو.

واللافت أنّ الإنسان في القسم الأوّل ينسب الأعضاء مثل اليد إلى «البدن» فيقول: يدي. في حين أنّ إدراكات القسم الثاني لا يمكنه أن ينسبها إلى «البدن». فلا يقول مثلاً: بدني فرح أو مبغض. كما لا يصحّ أن تنسب إلى هذه الإدراكات صفات وخواص المادّة مثل: الوزن والجرم، الطول والعمق والعرض، الانقسام، اليمين واليسار. ممّا يشكّل دليلاً آخر على التجرّد الوجودي لهذا القسم من الإدراكات.

عندما نتأمّل في هاتين النسبتين ندرك أنّ جميع حالات القسم الأخير تعود إلى ذات مركزية واحدة، وهي ذات تختلف عن البدن وتفوقه، وهي ما يعبّر عنها بأنا أو «الروح» والتي تؤدّي دور القائد والسلطان الذي يؤثّر على أعضاء البدن وأفعالها. إذاً، فالإنسان مركّب من عنصرين أو ساحتين هما «البدن المادي» و«الروح» ويشعر الإنسان بهذه الثنائية ويدركها.

الفيلسوف الغربي (رينيه ديكارت) يكتب في تقريره لهذا البرهان:

 «في البداية نجد أنّ هناك تفاوتاً عظيماً بين النفس والبدن لجهة أنّ الجسم لا يقبل القسمة دوماً، ذلك لأنّي عندما أتأمّل في نفسي التي تفكّر لا يمكنني أن أميّز أجزاءها، بل أعتبر نفسي شيئاً واحداً وتاماً، وإنّي على يقين أنّه إذا قطعت يدي أو قدمي أو أي عضو آخر من بدني فلن ينقطع بذلك شيء من نفسي»

لإثبات الدليل الفلسفي السالف (التصوّر المزدوج للبدن والروح) يمكننا الإشارة إلى بحوث بعض متخصّصي الأعصاب والدماغ مثل (فيلد واكنر) وسنورد تقريره في المقطع الرابع.

2 ـ انطباع الكبير على الصغير:

يستطيع الإنسان أن يشاهد أشياء مختلفة كالغابة، وعندها تنطبع في ذهنه صورة لوجود خارجي (معلوم بالذات). والأمر اللافت هو أنّ الإنسان عندما يرى صورة ذهنية فإنّه يراها بأبعادها الواقعية والخارجية، وليس بأبعاد وحجم مصغّر. بينما الغابة أو المدينة عندما ترسم في خريطة توضع بمقاييس مصغّرة جدّاً ليطلع عليها الإنسان بنظرة واحدة. في حين أنّ الإنسان يدرك الأشياء بصوره الذهنية بأبعادها الواقعية. فلو كان الذهن، أو بعبارة أدق القوّة التي تتعلّق بها الصورة والمعلوم بالذات، لو كانت ماديّة للزم أن تكون أوسع مساحة وحجماً من الأشياء الكبيرة المنطبعة فيها، ذلك لأنّ حديقة مساحتها ألف متر يستحيل وضعها في حديقة مساحتها عشرة أمتار، وبما أنّ ذلك حاصل مع قوّة التصوّر عند الإنسان، فهذا يؤكّد وجود (الروح) المجرّدة

3 ـ ثبات الصور الذهنية:

استناداً إلى دراسات علماء الطبيعة، فإنّ كلّ أعضاء البدن وخلاياه وحتّى الدماغ تتغيّر وتتبدّل مع مرور الزمان كلّ سبع سنوات تقريباً، ذلك لأنّ جميع الخلايا بحاجة للغذاء، واستهلاك الغذاء يستلزم الاحتراق([12]). وهذا يعني أنّ القوّة الحافظة للصور الذهنية (الخلايا العصبية للدماغ) لو كانت مادية ويشملها الأصل السابق (مرور الزمان وتلف الخلايا الدماغية) لمحيت جميع معلومات الذهن من أخبار وذكريات وصور ذهنية، ولما تمكّن الإنسان بعد عدّة سنوات من استحضار ذكرياته المسموعة أو المرئية، في حين أنّ ما يحدث هو العكس، ذلك أنّ الإنسان يستعيد ذكرياته وصوره الذهنية بإرادة بسيطة من دون استخدام الأدوات المادية، ورغم مرور نصف قرن أو أكثر عليها. (هنري برجسن) العالم الفرنسي الشهير أثبت في كتابه (المادة والتذكّر) تجرّد الروح من خلال مسألة «التذكّر» والذاكرة.

ونشاهد ذلك في أيامنا هذه في أنواع أجهزة الحواسيب مثل: الأقراص المدمجة والهارد ديسك التي تستطيع حفظ المعلومات والصور إلى مدّة معيّنة، فإذا انقضت تلك المدّة انمحت المعلومات عنها.

ردٌّ على شبهة:

قد يدّعي أحد أنّ الخلايا العصبية تنقل معلوماتها إلى الخلايا الجديدة قبل أن تتغيّر القديمة وتتلف.

وفي الإجابة نقول: إنّ دراسات علماء الطبيعة أثبتت أنّه حتّى عندما تختل الخلايا العصبية التي تعتبرحافظة للصور الذهنية، فإنّ المعلومات السابقة تبقى ثابتة ومحفوظة عند الإنسان. وهذا يدلّ على أنّ من يحفظ الصور الذهنية هي الروح وليس الدماغ. جاء ذلك في مجلة العلم والحياة([13])، العدد 162، مارس 1988، في مقالة عنوانها «الدماغ والتذكّر» الصفحة 139([14]).

والجواب الآخر حول تذكّر الصور السابقة سيأتي في الرقم الآتي.

4 ـ تذكّر الصور السابقة:

الملاحظة الدقيقة الأخرى هي علاوة على ثبات الصور الذهنية، فإنّ الإنسان قادر على تذكّر الصور الذهنية السابقة رغم مرور عدّة عقود عليها، ويمكنه أيضاً أن يجري مقارنة وتحليل لها، ويشعر بالسعادة أو الحزن من استعادتها.

السؤال هو لو كانت كلّ تلك المعلومات والصور الذهنية مادية، حتّى لو صرفنا النظر عن الإشكال السابق (زوال الصور المادية) لكن ما هي القوّة التي تذكّرنا بالمعلومات السابقة؟

فالصور الذهنية السابقة للإنسان هي كمحتويات الأجهزة الدقيقة بحاجة لمحرّك وعلّة لإعادة استعراضها وقراءتها، تماماً كجهاز قراءة الأقراص المدمجة.

قد يقال إنّ محرّك الصور السابقة في الذهن هي خلايا عصبية خاصّة عندها يطرح هذا السؤال: ما هي علّة تحريك العصب الخاص؟

فإنّ كان الجواب هي المادّة، عندئذٍ سيستمر السؤال المتسلسل حتّى ينتهي بوجود قوّة فوق المادة تسمّى بالفكر والإرادة، وفي النهاية هي «الروح».

بعض علماء الطبيعة أكدوا على تأثير الإرادة (الوجود الروحاني المجرّد) على نشاطات أعصاب الدماغ، أي نظرية ثنائية الفهم والإدراك في الساحة البشرية، فها هو (أيان بربور) يقرّر في هذا المجال:

إنّ ثنائية الإدراك بين الذهن والدماغ أمر يعتقده كثير من علماء الطبيعة المتخصصين في الأعصاب. ففي ندوة بريطانية أذعن كلّ العلماء الحاضرين أنّ النشاط العصبي للدماغ يتفاعل مع عالم الذهن الافتراضي. على سبيل المثال، فإنّ (فيلد) يقول: «هناك عنصر روحاني ذو ماهية متفاوتة هو الذي يسيطر على هذه الحركة... إنّه شيء مختلف يستقر بين مراكز الحسّ والنشاط الذاتي يدير ويدبّر هذه الدائرة».

ويعتقد (أكلز): إنّ إرادة الإنسان يمكنها أن تغلق المدارات العصبية من دون أن تتخطّى القوانين الطبيعية. ذلك لأنّ هذه الطاقة موجودة في إطار أصل عدم حتمية هايزنبرغ. إنّه يقول: إمّا أن يكون للذهن أثره على حوادث الكوانتوم الواحد (ويزداد أثرها من خلال عمل تحريكي) أو باحتمال أكبر أن يكون هناك استبدال مستمر في كثير من مثل هذه الحوادث. وفي كلا الاحتمالين فإنّ التصوّرات تغيّر النشاط بسبب عامل «غير طبيعي»([15]).

الملاحظة الأخرى هي أنّ القوّة المادية ـ بغض النظر عن الإشكال السابق ـ إذا قامت باستعادة الصور السابقة، فإنّ المقارنة بينها وإصدار الأحكام حولها أمر خارج عن قدرة المادة، ما سيأتي توضيحه تباعاً.

5 ـ التنسيق بين الصور الذهنية والحكم عليها:

إنّ الإنسان يدرك ويتصوّر صور مختلفة ومتعدّدة، ثمّ يصدر حكمه عليها، فيدرك أنّ تلكما الصورتين متشابهتين أو متباينتين أو متماثلتين أو متساويتين، أجمل أو أبشع، أقدم أو أحدث.

على فرض أنّ الصورة مادية وقد خزنت في عضو مادي خاص كالعصب، وأنّها كصور الحاسوب يجري إدخالها ثمّ تخزينها ثمّ عرضها عند الحاجة، فهذا يقتضي أنّها لا تعرف شيئاً عن غيرها كما هو حال الصور والأفلام في الحاسوب أو آلة التصوير، لكن كما أشرنا فإنّ قوّة الإنسان وقدرته أوسع من ذلك، حيث يجري المقارنة وإصدار الأحكام حول موضوعين أو أكثر، وهذا دليل على وجود ما هو أشمل وأوسع من الدماغ والخلايا العصبية، إنّها قوّة موجودة تقوم بتنسيق الصور الذهنية، وهي قوّة مجرّدة([16]).

ملاحظة:

إنّ قضية كيفية العلاقة بين البدن والذهن كانت طوال القرون المتمادية مجال بحث وجدل بين الفلاسفة، لكن خلال القرون الثلاثة الأخيرة قام علماء النفس وفلاسفة العلم وبصورة خاصّة في «فلسفة الذهن» قاموا بتبيان العلاقة بينهما، نحيل القارىء الفاضل ومحبّي هذه الدراسات إلى مصادرها([17]).

6 ـ تصوّر العموميات أو الكليات:

تنقسم المفاهيم التي يتصوّرها الإنسان إلى قسمين: جزئي وعام أو كلي. فالجزئي هو وجود خاص ومتعيّن مثل: الحسن والحسين اللذين عندما يشاهدهما الذهن في الخارج يقوم برسم صورة لهما.

والقسم الثاني هو العام أو الكلّي، وينقسم بدوره إلى ثلاثة أقسام، مثل: مفهوم الإنسان، مفهوم العليّة والمفهوم الكلّي. ويعبّر عن الأوّل أنّه «معقولات أولى» وعن الثاني أنّه «معقولات ثانية فلسفية» وعن الثالث أنّه «معقولات ثانية منطقية».

الأقسام الثلاثة هذه لا وجود لها في الخارج بقيد الكليّة أو العموم، لكن مكان اتصاف القسمين الأوليين مثل: «حسن إنسان» و«الألف علّة الباء» هو عالم الخارج، مع وجود فرق هو أنّ عروض القسم الأوّل واتّصافه في الخارج، أمّا القسم الثاني فإنّ عروضه ذهنية واتّصافه في الخارج.

القسم الثالث أي المفهوم الكلّي فإنّ عروضه واتّصافه في الذهن([18]).

والسؤال المطروح هنا: أين هو موطن الأمر الكلّي كالإنسان الكلّي مثلاً ما دام غير موجود في الخارج بسبب قيد كلّيته؟

فإن قيل إنّ موطنه «الذهن المادي» ينبغي القول في الإجابة عليه: عند حلول الصورة الذهنية في المادّة فإنّها تبعاً للمحل ستأخذ خصوصية المادّة، أي الجزئية والاتّصاف بالقلّة والوضع المعيّن، وهو ما لا يتلاءم مع وصف «الكليّة». وبما أنّ «الإنسان الكلّي» قد احتفظ بكليّته، يعلم من ذلك إنّها ليست منطبعة على الذهن المادي، إذاً فوعاء الصورة الذهنية هو أمر وقوّة مجرّدة اسمها «الروح المجرّدة»([19]).

سيأتي تباعاً توضيح وملاحظات أخرى حول الروح وإحضار الأرواح في فصل «الموت وعالم البرزخ» تحت عنوان «إحضار الأرواح».

ب) الشواهد العلمية والتجريبية:

من خلال الأدلة والتوجهات العلمية والتجريبية المختلفة يمكن إثبات وجود الروح وبقائها بعد موت الإنسان. إنّ بقاء الروح بعد الموت وفناء البدن يدل على ثنائية البدن والروح ووجود الروح في ما فوق الطبيعة، وهذا ما نوضحه باختصار:

1 ـ الارتباط بالأرواح:

لو كانت حقيقة الإنسان ووجوده مرتبطة بالمادّة والجسم حصراً، للزم أن تنتهي جميع معلومات الإنسان وما يملكه بمجرد موته وتلف خلايا دماغه؛ لكن الارتباط والاتصال بأرواح الموتى وإحضار أرواحهم وتقديمهم للمعلومات والأخبار هو أفضل دليل على بقاء الروح بعد الموت.

الارتباط مع الأرواح والاتصال بها أمر قديم، لكنّه أضحى خلال القرنين الأخيرين محط أنظار علماء تجريبيين، بحيث شكّلت في بعض الدول اتحادات علمية تحت عنوان «إحضار الأرواح»([20]) يقوم فيها شخص متخصّص بدور (الوسيط) لإحضار روح إنسان محدّد ويطرح عليه الأسئلة، وتجيب روح ذلك الميت على الأسئلة([21]). نشير هنا إلى (دانيال دانغلاس هوم) المقيم في أميركا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي ذاع صيته في أميركا وأوروبا. وأقرّ بأعماله الخارقة للعادة وتواصله مع الأرواح علماء من أمثال (السير ويليام كروكس) عالم الفيزياء والكيمياء البريطاني الشهير وعضو الاتحاد الملكي([22]).

تقريراً لهذا الموضوع وإثباتاً للتواصل مع الأرواح ألفت عدّة روايات متواترة وكتب متعدّدة، نشيرهنا إلى كتاب (الروح والعلم الحديث) وكتاب (الإنسان روح لا جسد) حيث جرى تسجيل ردود الأرواح على أسئلة الوسيط؛ بل جرى تصوير تمثّل الأرواح من خلال آلة تصوير خاصّة. وخلال العقود الأخيرة ومع تطوّر العلوم التطبيقية استطاع المتخصصون أن يحصلوا على بصمات الأرواح أيضاً([23]).

خلال العقود الخمسة الأخيرة اخترع العلماء آلات تسجيل صوت يمكنها تلقي أمواج صوتية بتردّدات منخفضة، تمكنوا من خلالها تسجيل أصوات الأموات وتلقيها. يمكننا أن نشير هنا إلى: فريدريك يورغنزن، فردبرت كار الفيزيائي، وكنستانتين روديو عالم النفس. وقام (روديو) بنشر كتابه عام (1969) في ألمانيا ذكر فيه نتائج دراساته. يقول الدكتور ليال واتسن في هذا المجال:

 «لم يعد هناك أي شك حول صحة وجود هذه الأصوات. ذلك أنّ مئات الباحثين من أنحاء العالم بحثوا فيها وسجلوا تلك الأصوات، وهذا ما قمت به شخصياً أيضاً» ([24]).

هذا النوع من التواصل موجود أيضاً في أوساط المسلمين والعلماء، إذ إنّ بعض العلماء يقومون بحل مشاكلهم العلمية عبر التواصل مع الأرواح. فمثلاً (العلاّمة الطهراني) ينقل عن (العلاّمة الطباطبائي) أن أحد تلامذة أخيه (السيد محمد حسن الطباطبائي) الذي كان يدرّس العلوم  ومنها الفلسفة في مدينة تبريز قام بإحضار أرواح معظم العلماء من أمثال (أفلاطون) و(صدر المتألهين) وطرح عليهم الأسئلة. وينقل العلاّمة أنّ أخاه أرسل له رسالة يذكر فيها أنّه أحضر روح أبيه، وأنّ أباه لامه لعدم إهدائه جزءاً من ثواب تأليف (تفسير الميزان).

يضيف العلاّمة ويقول: لقد تعجبت عند قراءتي الرسالة، لأنّه لا أحد يعلم بذلك حتّى أخي، علماً بأنّي لم أهديه ذلك لأنّي لم أعتبره عملاً هاماً، لذلك قمت فوراً بإهداء ثواب تأليفه لروح والدي ووالدتي. وما زاد في تعجبي أنّني قبل أن أخبر أخي بإهدائي ثواب ذلك لوالديّ، أرسل إليّ أخي رسالة أخرى يخبرني فيها أنّه أحضر روح والدي ثانية، وأنّه يشكرني على هذه الهدية([25]).

2 ـ الموت المؤقت:

عندما يقع حادث سير أو يصاب المرء بسكتة قلبية تحصل عنده حالة غيبوبة كاملة. ويمكن الإدعاء بأنّ روح ذلك المرء قد غادرت بدنه، لكنّه بعد مدّة تعود إليه الروح ويستعيد وعيه، وتعبّر العلوم الروحية والطبية عن تلك الحالة بـ «أوتوسكوبي»([26]).

الأمر المهم هو أنّ بعض الناس يتذكرون ما جرى خلال فترة غيبوبتهم من أمور مشتركة فيقولون مثلاً: كنت أرى جسدي وبكاء الحاضرين.

 (ريموند مودي) طبيب نفسي حائز على الدكتوراه في الفلسفة، أورد في كتاب (الحياة بعد الموت) إحصاءً لهذه الحالات([27]).

 (ميشال سابون) عالم آخر أجرى مقابلات مع (116) شخصاً من هكذا أشخاص طوال خمسة أعوام، ربع هؤلاء تحدّثوا عن ما شاهدوه خلال إغمائهم وغيبوبتهم([28]).

من الواضح أنّه لو كانت حقيقة الإنسان وقوّة إدراكه ومعرفته منحصرة في جسمه وبدنه المادي، وعلى فرض أنّ جميع قوى البدن وأعضائه بما في ذلك الدماغ والحواس الخمسة تتوقّف وتتعطّل في حالة الغيبوبة أو الأوتوسكوبي، لا يوجد أي تبرير لتذكّر الإنسان بعد فقدانه لسلامته. لكن إذا اعتقدنا بوجود الروح التي هي أشمل من الوجود المادي للبدن، عندئذٍ نجد تبريراً للحالات المذكورة آنفاً.

الرؤيا الصادقة:

خلال النوم يطّلع الإنسان أحياناً على حوادث ماضية أو مستقبلية، أو يشاهد أماكن تثبت له صحة ذلك ومطابقته للواقع الخارجي فيما بعد. ولعل مثل هذه الرؤى تحصل للإنسان نفسه أو لبعض أقاربه. نشير هنا إلى رؤيا مشهورة لآية الله العظمى السيد المرعشي النجفي رأى فيها الشاعر شهريار، يقول:

«توسلت ليلاً أن أرى أحد أولياء الله في منامي. وفي الليلة ذاتها رأيت في المنام أنّي جالس في زاوية من مسجد الكوفة، وهناك أميرالمؤمنين علي 7 مع جماعة. قال أمير المؤمنين: ائتوني بشعراء أهل البيت. فأتوه بعدّة شعراء عرب. ثم قال: ائتوني بشعراء اللغة الفارسية أيضاً. فجاء المحتشم وعدّة من شعراء اللغة الفارسية. عندها قال: أين هو شهريارنا؟ فأتى شهريار. خاطب أمير المؤمنين شهريار قائلاً: أسمعنا شعرك. فأخذ الشاعر شهريار ينشد:

علي أي هماي رحمت توچه آيتي خدا را

كه به ما سوا فكندي همـه سايـه هما را

يقول السيد المرعشي النجفي: عندما أنهى شهريار قصيدته استيقظت من نومي، ولم أكن قد رأيت شهريار من قبل ولم أعرفه. وفي النهار سألت: هل عندنا شاعر اسمه شهريار؟

قيل لي: نعم إنّه شاعر يقطن في تبريز.

قلت لهم: ادعوه نيابة عنّي ليأتي إليّ في قم.

وبعد عدّة أيام جاء شهريار، فوجدته نفس الشخص الذي رأيته في المنام ينشد لأمير المؤمنين 7. فسألته: متى نظمت قصيدة (علي أي هماي رحمت)؟ فتعجّب شهريار وسألني من أين علمت أنّي قد نظمت هذه القصيدة؟ لأنّي لم أعط هذه القصيدة لأحد، ولم أحدّث أحداً بها.

يقول السيد المرعشي النجفي لشهريار: قبل عدّة ليالٍ رأيت في المنام أنّي في مسجد الكوفة، وأنّ أميرالمؤمنين 7 كان موجوداً، فطلب أن يأتوه بشعراء أهل البيت. فجاء جمع من شعراء العرب. ثمّ قال أمير المؤمنين: ائتوني بشعراء اللغة الفارسية. فجاء هؤلاء أيضاً. ثمّ قال: أين شهريارنا؟ ائتوني بشهريار. فجئت أنت أيضاً. عندها قال لك: أنشد قصيدتك يا شهريار. فشرعت بإنشاد قصيدة حفظت مطلعها. فتأثّر شهريار كثيراً وقال: نظمت قصيدتي في الليلة الفلانية وكما ذكرت لك لم أخبر أحداً بنظمي لها.

قال السيد المرعشي النجفي: عندما ذكر شهريار تاريخ وساعة نظمه للشعر تبيّن أنّي قد شاهدت تلك الرؤيا في نفس الوقت الذي أنهى شهريار آخر عجز من قصيدته».

4 ـ الاستشراف:

أضحى الاستشراف للمستقبل أو توقّع المستقبل في الغرب المعاصر فرعاً من علم الميتابسيشيك وإدراكات ما فوق الحس، ويؤيده علماء من أمثال: الدكتور الكسيس كارل([29]) وهانس يورغن آيزنك([30]).

استناداً إلى بعض الوقائع المتعدّدة فإنّ بعض الناس يمتلكون القدرة على توقّع الحوادث البعيدة أو القريبة. ففي الغرب هناك تنبؤات نوسترداموس (1503 ـ 1566) المدهشة، ومنها: سقوط سجن الباستيل، العثور على رسالة غير موقعة في خزنة ملك فرنسا، ظهور نابليون وانتصاره على الثوار، لقبه الجديد وعودته من المنفى، حرب الأسد الشاب (إشارة إلى القائد الشاب الفرنسي هنري الثاني) وفقأ عين الملك وموته بسبب العملية الجراحية([31]).

الأمر اللافت أنّه نسب نبوءاته إلى نور الله ولطفه([32]).

وفي أوساط العلماء والعرفاء المسلمين هناك نبوءات كثيرة منها: الإخبار عن وفاة الشخص نفسه أو وفاة آخرين، على سبيل المثال ينقل العلاّمة الأستاذ الشيخ محمد تقي الجعفري:

 «عندما كنت في النجف أدرس عند الملا تقي الطالقاني، عطل الأستاذ الدرس في أحد الأيام، وعندما أصررت عليه أن يخبرني عن السبب قال: لقد ذهب الطالقاني وبقي جِلاله. بمجرد أن سمعت هذه الجملة أدركت أنّه يخبرني عن قرب وفاته. فطلبت منه أن يعظني فقال:

تارسد دستت به خود شو كـارگر           چوفتى ازكار خواهى زد به سر([33])

هذه الحقائق هي أفضل دليل وشاهد على أنّ حقيقة الإنسان لا تنحصر بجسمه المادي، بل هناك وراء ستار هذا البدن الترابي حقيقة اسمها «الروح» لذلك يستطيع الإنسان أحياناً أن يطّلع على أمور مستقبلية غيبية من خلال وجود فيه هو أبعد من المادة. لكن عندما نعتبر أنّ الإنسان منحصر في وجود المادة والدماغ المادي فقط، عندئذٍ لا نستطيع تفسير المعلومات المذكورة، ذلك لأنّ الدماغ المادي قد يستطيع الاحتفاظ بالمعلومات السابقة، وتذكرها واستعادة تلك المعلومات، لكنّه عاجز عن تنبؤ المستقبل([34]).

■  الثاني ـ إمكانية المعاد:

المعاد بمعنى حياة الناس بعد الموت، وإعادة الروح إلى البدن الدنيوي هل هو أمر ممكن؟

عندما ندقّق في هذا السؤال نجد فيه أمرين يمكن تحليلهما، الأوّل وجود الروح وبقائها بعد الموت. والثاني انبعاث البدن الدنيوي وعودته بعد فنائه.

تحدثنا في البحث السابق عن إثبات تجرّد الروح، واتّضح لنا أنّ الروح هي حقيقة مجرّدة لا يفنى وجودها مع موت البدن، ذلك لأنّ الموت يعني موت البدن وفساده وليس الروح، وأنّ الفناء والفساد والتغيّر من صفات المادة، لذا فإنّ تعميم هذه الصفات على وجود آخر «مجرد هو الروح» أمر يحتاج إلى دليل، ففي الحقيقة عند حصول الموت لن تموت الروح لنبحث في إمكانية بقائها وحياتها بعد الموت. كما إنّ أدلة إحضار أرواح الأموات وغيرها تشير إلى بقاء الروح وليس إلى إمكانية حياتها فقط، وقد وضحنا ذلك سابقاً.

إمكانية عودة الحياة للبدن الدنيوي:

وضع بعضهم شبهة حول عدم إمكانية عودة الحياة إلى البدن المادي في البعث بعد الموت ولم يركز على الروح، واعتبر أنّ تجديد البدن الجسماني وإحياءه (المعاد الجسماني) أمر محال. لذلك نشير هنا إلى بعض الملاحظات في نقد هذه الشبهة:

1 ـ الروح هي حقيقة الإنسان:

إنّ حقيقة الإنسان والركن الأساس في وجوده هي الروح وليس الجسم المادي، فللروح حقيقة ثابتة طوال الحياة وبعد الموت. ونسبة البدن إلى الروح كنسبة الملابس إلى البدن، وإذا ما تغيّرت الملابس فلن تتغيّر شخصية الإنسان. لذلك لو افترضنا أنّ عين بدن الإنسان الدنيوي لم يخلق مجدداً، وأنّ الروح ستحل في بدن آخر مشابه للبدن الدنيوي السابق، أو حتّى تحل في بدن آخر متفاوت عن السابق فليس هناك أي خلاف وتباين حول حقيقة الإنسان وبدء حياته الجديدة في عالم الآخرة، كلّ ما في الأمر أنّ هذا الإنسان سيبدأ حياته الجديدة بزي جديد.

2 ـ إمكانية إعادة البدن الدنيوي على القادر المطلق:

إنّ إعادة تكوين البدن الدنيوي للإنسان بعد فنائه وتفككه أمر ممكن على الله القادر المطلق على كلّ شيء، وهناك شواهد نوردها تدل على إمكانية ذلك:

أ) الخلق من العدم:

إنّ عالم الإمكان والمادة ومن جملة ذلك البدن، لأنّه يتصف بالإمكان والحدوث الذاتي فهو مسبوق بالعدم، وخالقه ومبدعه المباشر أو غير المباشر هو الله. لذا، فإنّ الله القادر على خلق البدن من العدم أو من قطرة ماء هو بالأولى قادر على جمع أجزائه المتلاشية. وبعبارة أخرى، فإنّ استبعاد الخلق الابتدائي للعالم وللبدن من العدم هو أولى من استبعاد الخلق الثانوي وجمع أجزاء البدن. رغم أنّ كلا الأمرين سهل على الله القادر المطلق.

ذكر القرآن الكريم هذه الشبهة وردّ عليها([35]):

) كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ( [الأعراف 29].

) أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ * بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ( [القيامة 3ـ4].

وهناك آية أخرى تستدل على قدرة الله المطلقة على خلق البدن والمعاد بخلقه تعالى للسماوات والأرض:

)أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ( [يس 81].

ب) حصول الشيء أفضل دليل على إمكانه:

إنّ أفضل دليل على إثبات إمكان حصول الشيء هو حصوله في الخارج. ورغم أنّ أصل القيامة وإعادة إحياء الأبدان يوم القيامة لم يحصل، لكن بما أنّ الإنكار والاستبعاد قد ركزا على حصول أساس إمكانية إحياء البدن الدنيوي للإنسان وخلقه، لذا، فإنّ حصول مثل ذلك ونظائره يثبت أصل إمكانية حصوله، ذلك لأنّ حكم الأمثال فيما يجوز ولا يجوز سواء.

إذا نظرنا إلى عالم الأعشاب والنباتات والطبيعة، نجد أنّ الأرض والأشجار والنباتات تفقد مرحلة النمو والحياة مع بدء فصل الخريف وحلول الشتاء، لكنّها تستعيد حياتها ونموها بعد بدء فصل الربيع.

هل فكّرنا يوماً في مادة التراب والماء الميتة كيف تخرج عنها كلّ هذه الورود والنباتات والأشجار المثمرة بالفواكه المتنوعة والملونة؟ فهل الله القادر على كلّ هذه الأعمال المدهشة عاجز عن إحياء الأبدان الميتة التي تحوّلت إلى تراب؟

بعض الآيات القرآنية استشهدت بعالم الطبيعة لإثبات المعاد:

)فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَـمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ( [الروم 50].

)وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَـاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ( [الزخرف 11].

الدليل الثاني على إمكانية حصول عودة الوجود والحياة هو سؤال النبي إبراهيم 7 لله عن كيفية إحيائه الموتى، وأمر الله له أن يذبح أربعة من الطير، وأنّ يوزع قطع أجسادها بعد خلطها ويضعها في أربعة نقاط، ثمّ ينادي كلّ طير باسمه على أربعة مراحل، لتنهض أعضاء كلّ طير من النقاط الأربعة وتجتمع لتشكّل الجسم السابق وتعود إليه الروح والحياة:

)وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُـحْيِ الْـمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( [البقرة 260].

الدليل الثالث هو إحياء بعض الأنبياء للموتى بإذن الله:

فمن معجزات السيد المسيح 7 إحياء الموتى: )وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْـمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ ( [آل عمران 49].

والنبي عزير 7 الذي تساءل عن كيفية إحياء الموتى، فأماته الله بقدرته مائة عام ثمّ أحياه: )أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ( [البقرة 259].

وفي زمان نبي الله موسى 7 قُتل رجل ثري، ولم يُعرف قاتله، فأمرهم الله تعالى بذبح بقرة، وضرب المقتول ببعض أعضاء تلك البقرة، فعاد إلى الحياة وأخبرهم باسم قاتله:

)وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْـمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ([البقرة 72ـ73].

وعندما طلب سبعون من أصحاب النبي موسى 7 أن يروا الله رؤية مادية بأعينهم، فشاهدوا النور والتجلّي الإلهي فصعقوا وماتوا، ثمّ أحياهم الله ثانية بطلب من نبيّه وكليمه موسى 7:

)وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَـةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( [البقرة 55 ـ 56].

3 ـ اعتراف العلم بتجدّد حياة البدن الدنيوي:

العلوم التطبيقية المختلفة لم تعد تعتبر تركيب وجمع البدن الدنيوي وإعادته أمراً ممتنعاً ومحالاً؛ بل قامت بإثبات شبيه ذلك في مجالات علمية مختلفة، أسهمت في تبيان المعاد الجسماني علمياً إلى حد ما:

* أصل بقاء المادة والطاقة: خلال القرن الماضي كان العلماء التطبيقيون يظنون أنّ التغيرات الكيميائية التي تحدث مثل احتراق الشجرة يؤدّي إلى فناء بعض وجودها المادي، لكنّهم خلال العقود الأخيرة أثبتوا أنّ المادة لا تفنى أبداً؛ بل تنتقل من حالة إلى أخرى، وتتحوّل في النهاية إلى طاقة([36]). واستطاع العلماء حالياً أن يعيدوا بعض الصور المتغيرة إلى حالتها السابقة، وأبسطها تحويل البخار إلى ماء.

* إمكانية تجديد الحياة: بعد تطوّر العلوم الطبية استطاع المتخصصون أن يعيدوا آثار الحياة لميكروبات ماتت منذ ملايين السنين، حيث استطاع مثلاً الدكتور ديروسكي فعل ذلك من داخل صخور ملحية في ألمانيا وكندا وسيبيريا الروسية([37]).

ويطرح علم الطب حالياً فرضية أوردها الدكتور روبرت أتينغر في كتابه (أفق البقاء) تقول هذه الفرضية يمكن تجميد الإنسان في كبسولات خاصّة داخل آزوت سائل متجمد لإحيائه بعد سنين مديدة([38]). وعليه، فإنّ الموت وفساد البدن وتفسّخه لا يعني فناء وجوده؛ بل يعني تغيّر صوره وعناصره المختلفة([39]). وإذا كان إعادة إحياء الموجودات أمراً ممكناً للبشر بعلمهم المحدود، وهو ما حصل في بعض الأحيان، فإنّ جمع بدن الإنسان وإحياءه أمر ممكن وسهل على الخالق القادر المطلق.

■ الثالث ـ ضرورة المعاد:

ومن الإشكالات المطروحة حول المعاد السؤال عن ما هي الضرورة في تحقّقه ما جعل الله يخبر عن وقوعه في كتبه السماوية؟ وفي الردّ على هذا السؤال ملاحظات عدّة:

1 ـ صفة الحكمة الإلهية:

ثبت في الفلسفة والكلام أنّ الله يمتلك صفات كمالية منها الحكمة، ما يستدعي أن تكون أعمال الله حكيمة وذات غاية. وبما أنّ الله كمال مطلق، لذا، فإنّ غايته في أفعاله هي (إيصال كلّ ممكن إلى غايته)([40]) ليبلغ الخلق الكمال.

وينقسم الناس في هذه الدنيا إلى قسمين: كافر وظالم ومذنب، ومؤمن ومظلوم وصادق ومستقيم.

أمّا أن يخلق الله بشراً يرتكبون في حياتهم القصيرة الكفر والذنوب والظلم، ثمّ ينهي حياتهم وأساس وجودهم دون بلوغ الكمال والغاية المطلوبة، فإنّ مثل هذا الفعل لا يتناسب مع صفة الحكمة الإلهية.

وفئة أخرى تقضي حياتها بالعبادة والاستقامة وتتحمل أنواع الآلام والعناء ويقع عليها الظلم، ثمّ تختم ملفات حياتهم من دون نيل السعادة والكمال، هذا أيضاً لا يتناسب مع صفة الحكمة الإلهية.

إذاً لا بد من وجود عالم آخر اسمه «المعاد» وهو ضروري ولازم من أجل تحقّق الحكمة الإلهية تجاه البشر.

ملاحظة: استند بعض المعاصرين على صفة «الرحمة الإلهية» في إثباتهم ضرورة المعاد:

)قُلْ لِـمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ قُلْ للهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ ( [الأنعام 12] ([41]).

لكنّنا صرفنا النظر عن توضيحه لاشتراكه مع برهان الحكمة في كيفية الاستدلال.

2 ـ برهان الحركة:

عالم الدنيا هو عالم الحركة والتغيير، والمقصد الثابت لا يتحقّق في الدنيا بسبب تلازمها مع الحركة والتغيير، لذا، فإنّ مقصد الإنسان هذا سيتحقّق في عالم الآخرة، وإلاّ فإنّ نظام الدنيا والإنسان سيكون عبثاً ولغواً([42]).

وقد أكد القرآن الكريم على هذا الدليل:

)أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( [المؤمنون 115].

3 ـ الفطرة:

في فطرة كلّ إنسان حب وتعلّق بالحياة الخالدة، وبعبارة أخرى، فإنّ الحياة السرمدية والابتعاد عن الموت والفناء أمر فطري ومن الغايات الذاتية للإنسان، لكن الحياة الخالدة لا تتيسّر في هذه الدنيا. ومن ناحية أخرى، فإنّ الإنسان إذا لم ينل غايته وفطرته هذه في عالم الآخرة، فإنّ وجود مثل هذه الفطرة التي لا قيمة لها تصبح كطباعة العملة الورقية من دون ضمانة، وهو أمر لا يليق بالله الحكيم القـادر الفياض. وقد استند بعض الفلاسفـة إلى هذا البرهان([43]).

تقرير جديد (ضرورة المتعلق الخارجي للفطرة: التضايف):

التقرير السابق قام على أساس برهان الفطرة اعتماداً على صفات الكمال الإلهية ومن ذلك الحكمة، وهناك تقرير جديد آخر نوضحه:

توجد في النظام الداخلي للإنسان سلسلة من الميول والتجاذبات والإرادة، يدفع الإنسان غريزياً لتلبيتها، حيث يجوع الإنسان ويعطش، ولدى الإنسان غريزة جنسية مع بدء مرحلة البلوغ، يسعى الإنسان لتلبيتها، وهناك ميول أخرى.

عندما ننظر إلى الطبيعة نجد أنّ عالم الخارج يمتلك متعلق تلك الميول والرغبات وأساس تأمينها، فمثلاً يجد الإنسان البالغ في العالم الخارجي عامل إشباع غريزته الجنسية.

اللافت أنّ الإنسان بوصوله إلى متعلق ميوله المذكورة يصل حالة الإشباع ويقتنع أنّه نال مقصوده، لكن لدى الإنسان ميول أخرى يدرك أنّ متعلق تأمينها وأساسه ليس في العالم المادي؛ بل في عالم ما فوق المادة، كنيل الكمال المطلق الذي لا يتحقق بالمعشوق والمحبوب المادي، لذا، فإنّ الإنسان يبحث عن المعشوق والمحبوب المطلق، في الحقيقة إنّ ضالته ومتعلقه الواقعي هو حسّه بطلب الكمال. وإذا كان القسم الأوّل من الميول الداخلية للإنسان يجدها في العالم الخارجي؛ فإنّ القسم الثاني من ميول الإنسان ينبغي أن تكون كذلك، ذلك لأنّ كلا القسمين هما من الميول الغريزية للإنسان، وهي وصف يعكس الواقع، ولا يمكن الفصل بين الميول الغريزية.

وبتعبير منطقي، فإنّ هناك نسبة تضايف بين العاشق والمعشوق والمحبة والمحبوب، كالنسبة بين الأخوين أو الفوقية والتحتية حيث يكون وجود الأوّل يقتضي وجود ثانٍ آخر بالفعل من سنخه. على هذا الأساس، بما أنّ الإنسان يعشق بالفعل معشوقاً ومحبوباً كاملاً، ينبغي أن يكون متعلقه أيضاً موجود في عالم الواقع وليس في الذهن فقط. أخذ بهذا التقرير واعتمده جمع من المعاصرين([44]).

في هذا المجال كتب الأستاذ الجوادي الآملي:

بين العاشق والمعشوق هناك تضايف وتلازم كالعالم والمعلوم. وحيثما كان لمفهوم العاشق مصداق بالفعل، كان لمفهوم المعشوق أيضاً مصداق بالفعل. إذاً، إذا كان الفرد مشتاقاً وعاشقاً بالفعل للكمال المحض واللامحدود، فإنّ المشتاق إليه معشوقه أي: الكمال المحض سيكون موجوداً بالفعل، ذلك لوجود تضايف وفي النتيجة تلازم بين العاشق بالفعل والمعشوق بالفعل ـ والذي هو هاهنا الكمال الصرف ـ ولا يمكن أن يكون العاشق بالفعل موجوداً والمعشوق غير موجود أساساً أو موجوداً بالقوّة فقط([45]).

ما ذكرناه كان توضيحاً لعلاقة التضايف بين ميل المحبة والعشق ومتعلقه. وتمكن الاستفادة من هذا الاستدلال من أجل إثبات واجب الوجود، ولإثبات وجود الحياة الخالدة أي الحياة السرمدية الأخروية. عين هذه التوضيحات تصلح في تبيان الميل والغريزة والأمل بالحياة الخالدة، ذلك لأنّ الإنسان يمتلك بالفعل في حسّه الأمل بمثل تلك الحياة، إذاً لابدّ من تحقّق وجود نسبته الأخرى، أي: وجود عالم الآخرة بوصفه السرمدي في عالم الخارج لتصدق عليهما علاقة التضايف([46]).

4 ـ العدالة:

كما ذكرنا فإنّ الإنسان ينقسم إلى فئتين، فئة مؤمنة من أهل العبادة والمجاهدة وقد يكونون مظلومين، وفئة ظالمة ترتكب المعاصي. ولا يتحقّق الثواب والعقاب لكلا الفئتين في الدنيا، فمثلاً المؤمن الذي قضى حياته في الاستقامة والعبادة المستمرة كتهجّد الليل والصوم الكثير والعيش الفقير ولعله مبتلى بالأمراض، كيف يتحقّق ثوابه في الدنيا بموته؟

ومن ناحية أخرى الشخص السيء والظالم ومرتكب المعاصي والطغيان وقاتل الناس أمثال هتلر وصدام هل تتحقّق العدالة بموته؟

لذلك، فإنّ تطبيق العدالة في حق الإنسان الطاهر والصالح والمظلوم، وفي حق الإنسان الظالم ومرتكب المعاصي، يتطلّب وجود عالم ما وراء الدنيا لتطبيق العدالة بحق الاثنين، وهو ما يتحقّق في المعاد.

وقد استند القرآن إلى آيات عدّة بهذا الدليل([47]).

5 ـ برهان الحركة:

كتب بعضهم في تقريره لهذا البرهان:

إنّ عالم الطبيعة بجميع ظواهره السماوية والأرضية يبدو مترابطاً ومنسجماً ومتناسقاً ليشكّل وحدة حقيقية لااعتبارية. هذه الوحدة الحقيقية هي في حركة دائمة وليس فيها سكون وهدوء.

وبما أنّ الحركة تشكّل خروجاً من بالقوّة إلى بالفعل، أي الاستعداد الخاص للسير نحو كمال خاص. إذاً، لا بد من وجود هدف ومقصد للحركة. أي: إنّ الحركة من دون هدف أمر محال.

وإذا كان لذلك الهدف مقصد آخر، فهذا يعني أنّ الهدف الأوّل ليس المقصد النهائي؛ بل إنّه مسار ومعبر، ذلك لأنّ من لوازم الهدف الحقيقي أن يهدأ المتحرّك ويسكن عند بلوغه، وتتحوّل الحركة إلى ثبات.

وعليه، فإنّ لمجموع عالم الحركة هدف نهائي، إذا ناله بلغ الفعلية المحض والكاملة، أي: إنّ أصل حركة العالم لا تتوقّف حتّى تبلغ المقصد النهائي للحركة وعنده تبلغ الثبات والسكون الدائم([48]).

وبعبارة أخرى، لو لم يكن هناك معاد من سنخ الوجود المجرّد لكانت حركات عالم المادّة من دون هدف ومقصد، وهو أمر محال للحركة. إذاً، لابد من وجود مقصد نهائي من سنخ المجرّد لتبرير حركة عالم المادّة.

استشهد صاحب هذا الدليل بعدّة آيات قرآنية منها:

)وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ ( [غافر 39].

6 ـ تجرّد الروح:

في الصفحات السابقة ثبت لدينا وجود الروح وتجرّدها. وعلى أساس ذلك، فإنّ الإنسان مركّب من أمرين «بدن مادي» و«روح مجرّدة» وعند موته يتلف «البدن» المادي فقط، ذلك لأنّ التلف والفساد من لوازم الوجود المادي، أمّا الروح فإنّها بسبب ماهيتها المجرّدة فإنّها تستمر بحياتها الدائمة لمجرد تلقيها الفيض من علل ما فوقها، والتي تنتهي بالله دائم الفضل والبرية. إذاً، فحياة الإنسان تستمر ذاتياً عبر روحه من دون حصول أيّ خلل.

من الواضح أنّ الحياة المجرّدة للروح ستستمر في عالم «البرزخ» المجرّد حتّى يوم القيامة، وليس في العالم المادي.

ملاحظة: استعان بعض المعاصرين في إثباتهم لضرورة المعاد ببراهين أخرى مثل: برهان الصدق، الرحمة والحقيقة. لا مجال لاستعراضها هنا([49]).

■  الرابع ـ الأدلة العقلية:

لإثبات حتمية وقوع المعاد يمكننا الإفادة من ثلاثة اتجاهات عقلية ونقلية:

1 ـ الاتجاه العقلي:

الأدلة العقلية السابقة في إثبات ضرورة المعاد (دليل الحكمة، العدالة، الحركة وتجرّد الروح) بالشرح والتوضيح الذي مضى تثبت حتمية وقوع المعاد.

2 ـ الاتجاه العلمي والتجريبي:

أشرنا في بداية الكتاب أنّ علم التحقيقات الروحية في الغرب كان من العلوم الرائجة خلال العقود السابقة. نتائج بحوثهم تلك هو الإذعان بوجود أرواح الأموات؛ بل أكثر من ذلك، أي: إحضار الأرواح والتحدّث إليها وحتّى تصويرها. ممّا يثبت استمرار حياة الإنسان في عالم البرزخ بعد الموت.

3 ـ الإتجاه النقلي:

الإتجاه الثالث في إثبات المعاد هو التمسّك بالأخبار التي جاءتنا من ذات الأحدية بصفاته الكمالية اللامتناهية والصدق، حيث أخبر الله تعالى في الكتب السماوية ـ ومنها القرآن ـ عن المعاد، بعد صدق المخبر يحصل اليقين بصدق الخبر «القيامة». وقد أطلق بعض المعاصرين على هذا الاستدلال «برهان الصدق»([50]).

لتعدّد آيات المعاد في القرآن الكريم، وسهولة الاطلاع عليها لن نوردها، لكنّنا نشير إلى آية واحدة للتبرّك والتي تثبت المدّعى عبر صدق المخبر:

)اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً ( [النساء 87].

-------------------------------------------

([1]) «عندما تلتقي أجزاء المادة في زمان ومكان خاص تصبح من ذوات الروح، والروح هي أجزاء ذي الروح. وعندما تتغيّر هذه العلاقة بشدّة تصبح المادّة دون روح. وكان البشر في خطأ عند تناولهم لموضوع الروح، عندما اعتبروا أنّها موجود خاص، وتصوّروا أنّها ما وراء المادّة. في حين أنّ الماديّة الديالكتيكية تبحث عنها بما يتعلّق بالمادّة. واعتبروا أنّ المادّة تنتج الروح، وليس للروح وجود خاص، خلافاً لعقيدة الميتافيزيقيين». )تقي أراني، بسكولوجية الروح: ص31ـ32(.

([2]) مسعود الأنصاري (روشنگر)، الله أكبر: ص102/ وشهريار الشيرازي، أنبياء الحكمة في مواجهة الظلام، إعداد هوشنگ معين زاده: ص81.

([3]) أيان باربور، العلم والدين، ترجمة بهاء الدين الخرمشاهي: صص8، 352، 357.

([4]) محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار: ج58، صص35 و75 وما بعدها/ وج61، ص1/ومحمد باقر ملكي، توحيد الإمامية: ص16/ ومحمد رضا إرشادي نيا، نقد وتحليل نظرية التفكيك: ص382.

([5])  العلاّمة المجلسي خالف نظرية الفلاسفة، واعتبر أنّ آراء بعض المتكلمين أمثال: الغزالي والكعبي والحليمي والقاضي أبو زيد الدبوسي ومعمر السلمي ونوبختيان والشيخ المفيد والطوسي مشابهة لآراء الفلاسفة (محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار: ج7، ص52 وج58، ص 27، و97).

([6])  تجدر الإشارة إلى أنّ فلاسفة اليونان القدامى قبل سقراط وأفلاطون لم يكن المفهوم والوجود المجرّد عندهم واضحاً، لذلك كان تعبير معظمهم عن النفس تعبيراً مادياً موهوماً. لكنّهم كما أشار (كابلستون) لا يمكن اعتبارهم ماديو المسلك. (كابلستون، تاريخ الفلسفة: ج1، ص34/ وللاطلاع أكثر على آراء الفلاسفة راجع: رضا أكبري، الخلود: ص100).

([7]) رسائل ابن سينا: ص216/ شرح الإشارات: ج1، ص135.

([8]) القول الأوّل لأفلاطون وأتباعه الذين يعتقدون أنّ الروح كانت في عالم المثال قبل خلق البدن، وأضحت للبدن عند خلقه. (مجموعة مؤلفاته: ج2، ص632، وج4، ص2200).

القول الثاني لأرسطو وأتباعه الذين اعتبروا أنّ حدوث النفس توأم لخلق البدن.

القول الثالث: لصدر المتألهين الذي يعتقد أنّ المادة بحركتها الجوهرية والتكاملية، أي حركة المني وتكامله إلى جسم نباتي ثمّ إلى نفس حيوانية ثمّ إلى نفس إنسانية.

 (صدر المتألهين، الأسفار: ج8، صص23 و233 و244 و326).

والجدير ذكره هنا أنّ المقصود بتجرّد النفس هو التجرّد في مقام الذات. أمّا النفس في مقام الفعل، فإنّها بسبب تعلّقها بالمادة (البدن) تحصل علاقة متبادلة من نوع التأثير والتأثّر، التي تناولت شرحها الكتب الفلسفية، وجاءت اليوم في كتب فلسفة الذهن.

([9]) راجع: محمد تقي مصباح اليزدي، تعليم الفلسفة: ج2، ص132.

([10]) راجع نفس المصدر.

([11]) منكرو تجرّد الروح قسمان: الملحدون وبعض المتكلمين والإخباريين، ومن المعاصرين المذهب التفكيكي. القسم الأوّل ينكر أصل المعاد، والقسم الثاني يقسّم الوجود المادي إلى كثيف كالجسم الدنيوي، ولطيف كروح الجسم الأخروي. ومنكرو المعاد الروحي الذين يعتقدون بانحصاره بالمعاد الجسماني (سيأتي توضيح ذلك في الصفحات اللاحقة) والأدلّة التي تثبت تجرّد الروح الواردة في المتن تركّز بمعظمها على القسم الأوّل من المنكرين.

([12]) يقول (موليشوف) في هذا المجال: «إنّ بدننا يتغيّر في كلّ شهر مرّة. ويعتقد (فلورانس) أنّ كلّ سبعة أعوام تتجدّد كلّ خلايا بدننا». (قاعدة الفلاح: ص84/ نقلاً عن: محمد باقر شريعتي السبزواري، المعاد من وجهة نظر العقل والدين: ص239/ مرتضى مطهري، مجموعة المؤلفات: ج11، ص451).

عالم الروح الفرنسي الشهير (ليون ديني) يؤكد على تغيير كلّ خلايا البدن من دماغ وغيره (طبيعة الحيوان: ص32/ الهورمونات: ص11). ومن خلال بحثي في موقع غوغل وجدت أنّ كلّ خلايا الجلد والعظام تتلف خلال فواصل زمنية مختلفة، وأنّ الخلايا العصبية الرمادية للدماغ لا تتلف، ويبقى عددها ثابتاً، وعندما تتم عملية الاحتراق تترك الذرات مكانها لخلايا مشابهة، أي تتم عملية تغيير واستبدال. ورغم ذلك يؤكد متخصصو العلوم الطبية على عدم وحدة الجسم عند الإنسان بعد مرور سبع أعوام (الدكتور مسعود الناصري، دكتوراه عليا في الأساليب العددية في معادلات التصدير من انكلترا، موقع أدوات سينا www.sina-soft .com).

([13]) Science et vie.

([14]) نقلاً عن: مقدمة علي قلي بياني على كتاب المادة والتذكّر إطلالة على العلاقة بين الجسم والروح لهنري برجسن، ص20.

([15]) أيان بربور، العلم والدين، ترجمة بهاء الدين الخرمشاهي: ص384ـ385.

([16]) راجع: محمد تقي مصباح اليزدي: تعليم الفلسفة: ج2، الدرس 49.

([17]) جون أر سيرل، الذهن والدماغ والعلم: الفصل الأوّل/ باول شرشلند، المادّة والوعي: الفصل الثاني/ جولين جينز، منشأ الوعي: الكتاب الأوّل/ كيت ميسلين، إطلالة على فلسفة الذهن/ مايكل تالبوت، عالم الهولوغرافيك، ترجمة داريوش مهرجويي/ علي عابدي الشاهرودي، الجو والزمان في الفيزياء/ هنري برغسن، المادة والذاكرة إطلالة على العلاقة بين الجسم والروح، ترجمة علي قلي البياني/ فرويد، البحث النفسي/ جون هرمان رندل، إطلالة على الفلسفة: ص192/ مجلة النقد والرأي: العدد 35، و36.

([18]) للاطلاع أكثر راجع: محمد تقي مصباح اليزدي، تعليم الفلسفة: ج1، الدرس 15.

([19]) صدر المتألهين، الأسفار: ج8، ص261 و280ـ290.

([20]) Spirtism.

([21]) أيزنغ واتسن، الروح والعلم الحديث، ترجمة محمد رضا غفاري: ص 65 و201.

([22]) نفس المصدر: ص 211 و252/ رؤوف عبيد، الإنسان روح لا جسد، ترجمة زين العابدين كاظمي الخلخالي: ج2، ص682.

([23]) تجدر الإشارة إلى أنّ وجود الإنسان يمتلك جسماً مثالياً إلى جانب بدنه، وتمكن رؤيته كصور الرؤى الليلية، كما أنّ الروح المجرّدة يمكنها أن تتمثل، وقد دلّت العلوم التطبيقية والروحية على وجود جسم ألطف وأرقّ من الجسم المادي الفعلي للإنسان، وعبّرت عنه بالبدن الأثيري أو حياة البلازما (آيزنغ واتسن، الروح والعلم الحديث، ترجمة محمد رضا الغفاري: ص44/ مايكل تالبوت، عالم الهولوغرافيك، ترجمة داريوش مهرجويي: ص234/ رؤوف عبيد، الإنسان روح لا جسد، ترجمة زين العابدين كاظمي الخلخالي: ص 666 و882/ ناصر مكارم الشيرازي، عودة الأرواح/ المعاد: ص200).

([24]) أيزنغ واتسن، الروح والعلم الحديث، ترجمة محمد رضا الغفاري: ص65.

([25]) السيد محمد حسين الطباطبائي، موسوعة معرفة المعاد: ج1، ص184.

([26]) Autoscopy

([27]) مايكل تالبوت، عالم الهولوغرافيك، ترجمة داريوش مهرجوئي: ص332.

([28]) راجع: جوديت هوبر وديك ترسي، عالم الدماغ المدهش: ص557 ـ 569/ أحمد الواعظي، الإنسان في الإسلام: ص88.

([29]) راجع: الكسيس كارل، الإنسان ذلك الموجود المجهول: ص140.

([30]) راجع: هانس يورغن آيزنك، الصحيح وغير الصحيح في علم النفس، ترجمة إيرج آيين: ص92.

([31]) راجع: ريدرز دايجست بوك، عالم العجائب، ترجمة ارغوان وشهكام جولائي: ص153 وما بعدها.

([32]) راجع: شرف الدين الأعرجي، تحليل لنبوءات نوستر داموس: ص17.

([33]) سمعت هذه القصة منه شخصياً.

([34]) للاطلاع أكثر راجع: ناصر مكارم الشيرازي، المعاد وعالم ما بعد الموت: ص186ـ226.

([35]) راجع الآيات: الإسراء 49/مريم 66/ هود 7/ الرعد 5.

([36]) في عام 1789م اكتشف (لاوازيه) قانون بقاء المادة، ثمّ جرى إبداع قانون تحوّل المادة إلى طاقة وسمّي (ماترياليزسيون).

([37]) مجلة رسالة الإسلام، السنة السابعة، العدد 11: ص71 نقلاً عن: محمد باقر شريعتي السبزواري، المعاد في نظر العقل والدين: ص200.

([38]) صحيفة كيهان، 9/7/1967، العدد 7178 نقلاً عن: محمد باقر شريعتي السبزواري، المعاد في نظر العقل والدين: ص201.

([39]) في معرض ردّه على شبهة الزنديق حول فساد بدن الميت في القبر قال الإمام جعفر الصادق 7: «كلّ ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض» (محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار: ج3، ص199).

([40]) مرتضى المطهري، الملاحظات: ج7، ص107.

([41]) راجع: عبدالله جوادي الآملي، عشرة مقالات حول المبدأ والمعاد: ص289/ جعفر السبحاني، الإلهيات: ج4، ص175. وخلاصة الاستدلال أنّه لما كان الله تعالى قد أوجب على نفسه الرحمة وإفاضة النعم المختلفة على عموم عباده، وهذا الأمر لم يتحقق في الدنيا، لذا لا بد من وجود عالم آخر لتحقّق هذا الوعد الإلهي.

([42]) «الأمور المتغيرة التي تنتهي بالفناء والبطلان ولا تنتهي بالثابت يصدق عليها أنّها لعب وعبث باطل، لكن إذا كانت نهايتها إلى غاية ومقصد عندئذٍ يصبح لها معنى ولا تعود هباءً. وبعبارة أخرى، فإنّ الطبيعة التي تتغيّر وتطوي المنازل دوماً... والآخرة والملكوت هي المقصد. وأيّ سفر وحركة لها مقصد وهدف فليس طي منازله عبثاً وباطلاً. أمّا إذا لم يكن هناك مقصد فسيكون كعمل الأطفال، والذي لا يؤمن بالآخرة يرى أنّ العالم وعمله والولادة والقتل والإخفاء، عمله كصانع الاكواز الذي يصنعها ثمّ يحطمها، كلّ شيء عنده سير وعناء ولهاث...» (مرتضى المطهري، الملاحظات: ج7، ص108).

([43]) صدر المتألهين، الأسفار: ج9، ص241/ محسن فيض الكاشاني، علم اليقين في أصول الدين: ج2، ص837/ السيد روح الله الموسوي الخميني، الأربعون حديثاً: ص186 ـ 187.

([44]) نقلاً عن: السيد روح الله الموسوي الخميني، الأربعون حديثاً: ص156.

([45]) عبدالله جوادي الآملي، عشرة مقالات حول المبدأ والمعاد: ص111/ عبدالله جوادي الآملي، التفسير الموضوعي للقرآن: ج12، صص299 و312/ عبدالله جوادي الآملي، تبيين براهين إثبات الله: ص287.

([46]) راجع: السيد محمد حسين الطباطبائي، تفسير الميزان: ج2، ص289/ هامش الآية 53 من سورة النحل/ عبدالله جوادي الآملي، تبيين براهين إثبات الله: ص284/ عبدالله جوادي الآملي، عشرة مقالات حول المبدأ والمعاد: ص85.

([47]) ص:28/ القلم: 35/ الجاثية: 21/ يونس: 4/ إبراهيم: 50.

([48]) راجع: عبدالله جوادي الآملي، عشرة مقالات حول المبدأ والمعاد: ص289.

([49]) راجع: عبدالله جوادي الآملي، التفسير الموضوعي للقرآن: ج4، القسم 5.

 ([50])راجع: عبدالله جوادي الآملي، التفسير الموضوعي للقرآن: ج4، القسم 5.