صورة أصحاب الكساء ، بين تجني النص واستباحة الخطاب الاستشراقي ، هنري لامنس أنموذجاً

صورة أصحاب الكساء ، بين تجني النص واستباحة الخطاب الاستشراقي ، هنري لامنس أنموذجاً

تـاليف

شهيد كريم محمد الكعبي

مقدمة المركز

بدأت بوادر الاستشراق بعدما أحسّ الغرب بتفوّق الإسلام سياسياً وثقافياً واجتماعياً، فبدأ علماء الغرب وآباء الكنيسة بدراسة الإسلام، بغية التعرّف عليه، وتوسّعت دائرة الاستشراق بمرور الزمن شيئاً فشيئاً، فأخذت طابعاً سياسياً استعمارياً تارةً، وتبشيرياً تارةً أُخرى، بحسب الأوقات والفترات التي مرّ بها الاستشراق.

وقد فوجئ العالم الإسلامي بآلاف الكتب والدراسات التي تخصّ جميع جوانب حياته الفردية والاجتماعية والدينية وغيرها، وقد تنوّعت وتوسّعت هذه الدراسات بحسب حاجة الغرب من جانب، والتطوّرات الحاصلة في العالم الإسلامي من جانب آخر.

وقد اهتمّ المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية بمتابعة نشاط المستشرقين، ورفد المكتبة الإسلامية بدراسات تحليلية نقدية لمعالجة ما يطرحه المستشرقون من أفكار ورؤى مختلفة.

وبهذا الصدد وقع الاختيار على طباعة اطروحة الدكتور شهيد كريم محمد الكعبي، باسم (صورة أصحاب الكساء بين تجنّي النص واستباحة الخطاب الاستشراقي، هنري لامنس انموذجاً، دراسة تحليلية نقدية) حيث عالج فيها المؤلّف ما طرحه (لامنس) من شبهات حول أصحاب الكساء : بالاعتماد على أهمّ المصادر الإسلامية لدى الفريقين.

ونحن إذ نقدّم هذا الكتاب إلى قرّائنا الكرام؛ نتمنّى أن يحظى بقبولهم وأن نلتقي معهم في حلقات أُخرى تُعنى بتحليل ونقد الاستشراق والمستشرقين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين..

النجف الأشرف

15 رجب الأصب 1436هـ

تقريظ

بقلم الأستاذ الدكتور جواد كاظم النصرالله

بسم الله الرحمن الرحيم

شهدت الجزيرة العربية مطلع القرن السابع الميلادي حدثاً تأريخياً ترك آثاراً بعيدة المدى زمانياً ومكانياً، ذلك هو بعثة النبي الأكرم محمد 9، إذ سرعان ما امتدّت تعاليم الدين الإسلامي على مساحات شاسعة تقطنها شعوب تدين بديانات وحكومات عديدة، فقد أولئك الكثير من مصالحهم السياسية والاقتصادية. وفي أقل من قرن امتدّت دولة الإسلام لتصل إلى جبال البرانس في فرنسا غرباً، وتخوم الهند والصين شرقاً.

هذا الحدث كان مثار تساؤل الأجيال عبر التاريخ، فتمّ تناول سرّ هذا الحدث قديماً وحديثاً، من قبل معتنقي هذا الدين ومن قبل مناوئيه على حدٍّ سواء، ولما لم يستطع البعض مواجهته عسكرياً وفكرياً، لجأ البعض إلى محاولة تشويه صورة هذه الحركة التاريخية، فكان للقاء المصالح ما بين الطلقاء وأهل الكتاب أثر كبير في محاولة تشويه صورة ومسار هذا الدين.

فعمل مسلمة أهل الكتاب على محاولة تزييف حقيقة الدين الإسلامي من خلال التأكيد على أنّ ما جاء به النبي محمّد 9 لا يخرج عمّا جاء في التوراة والإنجيل، وهذا يعني أنّه مقتبس منهما، وتمّ اختراع مسمّيات يهودية ونصرانية كـ(بحيرى) و(ورقة بن نوفل) و(عداس) وغيرهم، ووضع لهم أدوار في حياة النبي 9؛ ليكون هؤلاء ممّن تتلمذ على أيديهم النبي محمد 9 واطّلع على تعاليم التوراة والإنجيل.

ولم يقتصر الأمر على شخص النبي الأكرم محمد 9 وإنّما تعدّاه لأهل بيته:، إذ أنّ النبوّة لم تخطُ الخطوة الأولى إلا مع الإمامة، فبعد تلقّي النبي الأكرم محمد 9 الأمر الإلهي بالبدء بدعوته وأن تكون )وَأَنْذِرْ عَشِيْرَتَكَ الأقْرَبِيْنَ(، جمع بني هاشم ودعاهم لما أمره الله عز وجل، آخذاً بيد أميرالمؤمنين 7 قائلاً كما ورد في تاريخ الطبري: «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا»، فكانت خطى النبوة والإمامة واحدة، ونتج عن ذلك ما عرف بمصطلح أهل البيت : الذين خصّهم القرآن بمزيدٍ من التقديس والتكريم، وعُرفوا بأهل الكساء.

كل ذلك كان موضع اهتمام عبر التاريخ وتعدّدت القراءات لتفسير هذا الحدث التاريخي، ومنها القراءة الاستشراقية التي وإن بدأت منذ الأيام الأُولى لهذا الحدث المهم، لكنّها ازدادت في العصور الأخيرة التي تمكّن بها الغربيون من التوجّه والسيطرة على العالم الإسلامي، لأسباب شتّى تأتي العوامل العقائدية في مقدّمتها، إذ فقدت الكنيسة شعوباً ومساحات كانت تدين بالولاء لها، ممّا أفقدها الكثير من الامتيازات الدينية والاقتصادية في العراق وبلاد الشام ومصر وأفريقيا وجنوب غرب أوربا.

ممّا جعل الكنيسة تقف موقفاً معادياً من الإسلام ودينه، توّجته بما عرف بـ(الحرب الصليبية) التي شحنت بها الفرد المسيحي بالعداء للإسلام ودينه، وخلقت جيشاً من حملة العلم على مختلف المستويات لتشويه صورة النبي الأكرم محمد 9 ودينه الحنيف، وكان من بينهم المستشرق اليسوعي (هنري لامنس).

يصنّف هنري لامنس من أشدّ أعداء النبي الأكرم محمد 9 والدين الإسلامي، ولقد كان لتوجّهاته العقائدية ـ كونه مبشراً مسيحياً ـ فضلاً عن استيطانه بلاد الشام التي كانت ولازالت موطناً للنصرانية، وللموقف السلبي الذي اتخذه معاوية والطلقاء من النبي وأهل بيته :، ولاتخاذه الشام مقرّاً لدولته، كلّ ذلك جعل من هنري لامنس يميل إلى جانب معاوية ممجّداً له وللأمويين قبال موقفه المعادي للنبي الأكرم محمد 9 وأهل بيته، لذا كرّس هنري لامنس جهوده الفكرية ضدّ النبي الأكرم محمد 9 وأهل بيته من أصحاب الكساء (أميرالمؤمنين والسيدة فاطمة وولديهما الحسن والحسين :).

وكان هنري استفاد من الروايات التي وضعت إثر التقاء المصالح الأموية ـ الإسرائيلية، إذ غدت بلاد الشام موطناً آمناً لرجالات اليهود والنصارى الذين فقدوا رجالاتهم بسيف أميرالمؤمنين 7، الذين وضعوا كثيراً من الروايات التي تحطّ من قدر النبي الأكرم محمد 9 وأهل بيته، وترفع من مقام معاوية والأمويين، وشكّل معاوية لجنة من الصحابة والتابعين تتلمذوا على يد رجالات اليهود والنصارى مقتبسين منهم الروايات الموضوعة، ثمّ قاموا بنشرها في الوسط الإسلامي، فما كان من المجتمع إلا ويتقبلها ظنّاً أنّها عن الصحابة الذين أخذوها عن النبي الأكرم محمد 9، ولو علم الناس أنّها موضوعة لما روّجها الكثير.

من هنا كانت خطوة الدكتور شهيد كريم محمد الكعبي في دراسته للسيرة النبوية من خلال قراءة استشراقية لهذه السيرة، ومع وجود قراءات استشراقية إيجابية عن السيرة النبوية، لكنّه تناول أخطر هذه القراءات وهي قراءة المستشرق (هنري لامنس) الذي يمكن القول انّه فاق من سبقه في عداءه للنبي الأكرم محمد 9 وأهل بيته، موظفاً مناهج البحث العلمي الحديثة بما يخدم توجهاته العدائية تلك، وتبيّن من خلال الدراسة الدقيقة للباحث كيف أنّ (لامنس) كان يتتبع الروايات الضعيفة والموضوعة ويوظفها ويترك الروايات الصحيحة التي ترويها نفس المصادر، وكان لا يقدم إلا صورة سلبية عن النبي وأهل بيته ممّا يدلّ على توجّهاته العدائية.

لقد بذل الباحث جهوداً مضنية في تقديم صورة عن الاستشراق وطبيعته، ثمّ تناول بشكل مفصّل السيرة الذاتية للمستشرق (هنري لامنس) ليضع القارئ أمام حقيقة هذا المستشرق وجذوره اليسوعية، ثمّ حلّل منهجه في التعامل مع النصوص الخاصّة بسيرة النبي 9 وأهل بيته :.

بعدها استعرض الباحث بشكل مفصّل في فصول خمس أصحاب الكساء حسب الصورة التي قدّمها هنري لامنس، وكان منهج الدكتور شهيد قائم على استعراض النصوص التي قدّمها (هنري لامنس) عن كلّ واحدٍ من أصحاب الكساء، ثمّ يقوم بنقد تلك النصوص وبيان زيفها ووضعها، ثم يقوم بتقديم الرواية الصحيحة.

لقد أبان الباحث أنّ (هنري لامنس) اعتمد الرواية الشامية التي مثّلت الرؤية الأموية الممزوجة بالرؤية الإسرائيلية، والغريب أنّ هذه الرؤية أخذت طريقها إلى كتب الصحاح والسنن والتاريخ، حتى غدت تمثّل اتجاهاً فكرياً قائماً إلى اليوم، مزّق شمل الأُمّة، وكأنّ التأكيد على هذه الرؤية لإسباغ مشروعية على مقررات السقيفة وما تلاها.

وختاماً، كان لي شرف الإشراف على هذه الأطروحة عن رؤية استشراقية عن أصحاب الكساء، إذ وجدت في الباحث الدكتور شهيد محبّاً للبحث والمعرفة، فكان نعم النصير لأصحاب الكساء بقلمه ولسانه، أسأل الله أن تكون في سجل أعماله، وأن تكون سبباً يوصله بالنبي الأكرم وأصحاب الكساء : إذ كل سببٍ ينقطع يوم القيامة إلا السبب المتصل بالنبي الكريم، وآمل أن أرى له نتاجات أُخرى في مقام نصرة النبي وأهل بيته الذين أُمرنا بمودّتهم، ولعلّ هذه الدراسة تأتي في سياق مودّة أهل البيت :.

وآخر دعوانا أن الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

أ.د. جواد كاظم النصرالله

أُستاذ الفكر الإسلامي ورئيس قسم التاريخ

البصرة / كلية الآداب