البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

حقوق الانسان بين الاسلام والشرعية الدولية

الباحث :  المنتدون: العلامة الشيخ نعيم قاسم د. سليم الضاهر د. محمد طي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  9
السنة :  السنة الثالثة ربيع 1418 هجـ 1998 م
تاريخ إضافة البحث :  January / 4 / 2015
عدد زيارات البحث :  1367
حقوق الانسان بين الاسلام والشرعية الدولية
المنتدون:
العلامة الشيخ نعيم قاسم
د. سليم الضاهر
د. محمد طي
عقد منتدى المنهاج ندوته الدورية، وهي التاسعة، في مقره، وكان موضوعها: ((حقوق الانسان: بين الاسلام والشرعية‏ الدولية))، يوم الاربعاء الواقع فيه 25/5/1998 الساعة السادسة والنصف مسا. قدم للندوة وادارها رئيس مركز الغدير للدراسات الاسلامية ورئيس تحرير مجلة المنهاج، فضيلة الشيخ خالد العطية، وشارك فيها العلامة الشيخ نعيم قاسم ،نائب الامين العام لحزب اللّه، والدكتور سليم الضاهر، الاستاذ في الجامعة اللبنانية، كلية الحقوق الفرع الاول، والدكتور محمد طي، الاستاذ في الجامعة اللبنانية، كلية الحقوق الفرع الرابع.

رحب فضيلة الشيخ خالد العطية بالمشاركين والحضور، وقدم موضوع البحث، فقال: يذكر المؤرخون ان جرهما، كانوا سكان مكة قبل قريش، وان ثلاثة منهم، اسماؤهم كلها مشتقة من لفظة ((الفضل))، وهم: الفضل ‏بن فضالة، والفضل ‏بن وداعة، والفضيل‏ بن الحارث، قد تحالفوا في ما بينهم على ان يردوا الحقوق الى اهلها ، وعلى الا يظلم بين ظهرانيهم احد من الناس.

وقبل البعثة النبوية الشريفة بعشرين عاما دخل رجل من قبيلة ((زبيد)) مكة، وعرض بضاعته للبيع فاشتراها منه((العاص‏ بن وائل))، وحبس عنه حقه فاستعدى عليه الزبيدي بعض بطون قريش فابوا ان يعينوه، فاوفى على ((جبل ابي ‏قبيس))، المشرف على الكعبة، وقريش في انديتهم حولها، فصاح باعلى صوته: يا آل فهر لمظلوم بضاعته ببطن مكة نائي الدار والنفر ومحرم اشعث لم يقض عمرته يا للرجال وبين الحجر والحجر ان الحرام لمن تمت كرامته ولا حرام لثوب الفاجر القذر فاثارت هذه الابيات حمية رجال من قريش، وهيجت غيرتهم، فقام الزبير بن عبد المطلب، وعزم على نصرته، وايده في ‏ذلك آخرون، فاجتمعوا في دار عبد اللّه بن جدعان فتعاقدوا، وتعاهدوا على ان لا يجدوا بمكة مظلوما من اهلهاوغيرهم، ممن دخلها من سائر الناس، الا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته. ثم مشوا الى ((العاص‏ بن‏ وائل)) فانتزعوا منه سلعة الزبيدي وردوها اليه.

فسمت قريش ذلك الحلف باسم الحلف الاول، وهو حلف الفضول،

( الصفحة 262 )


وانشد الزبير بن عبد المطلب في ذلك، فقال: ان الفضول تعاقدوا وتحالفوا الا يقيم ببطن مكة ظالم امر عليه تعاقدوا وتواثقوا فالجار والمعتر فيهم سالم وقد دخل النبي(ص) في هذا الحلف وشارك فيه وروي عنه قوله: ((لقد شهدت، في دار عبد اللّه بن جدعان، حلفا ماحب ان لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الاسلام لاجبت)).

(سيرة ابن هشام، 1/133-134).

لعلنا لا نبالغ، ايها السادة، اذا قلنا: ان هذا الحلف، يمثل اول جمعية تشكلت للدفاع عن حقوق الانسان في عصر كان‏ يضج بالوان التعسف والاضطهاد والتمييز بين الناس لا في الجزيرة العربية وحدها، وانما في سائر بقاع الارض.

ولا شك في ان مشاركة الرسول(ص) في هذا الحلف، وقوله الماثور في مدحه، يعبران عن تاييد الاسلام لكل سلوك ‏قويم يمارسه البشر انطلاقا من فطرتهم التي فطرهم اللّه عليها، وتبنيه لكل قيمة خيرة تكتشفها عقولهم، وتتمخض عنها تجربتهم، لان الاسلام ،في الواقع، لم يات الا لتدعيم كرامة الانسان التي اودعها اللّه فيه ولضمان حقوقه، ودعوته الى‏ ممارستها، وحمايتها من تجاوز الغاشمين وظلم المستكبرين الذين يريدون العلو على الناس والفساد في الارض.

وفي مقدمة هذه الحقوق حق الانسان في الارتباط بخالقه الذي وهبه الحياة وكرمه فيها، ومعرفته به من خلال العقيدة‏ الحقة والشريعة القويمة السمحة التي تنظم حياته، وترقى به في مدارج تكامله، وتوصله، مرة اخرى، الى ربه، وقد ادى ‏امانته واحسن خلافته في ارضه.

واذا كان الكثير من الناس يتحدثون، اليوم، عن اعلان الثورة الفرنسية، في اواخر القرن الثامن عشر، لحقوق الانسان ‏والمواطن، بوصفه اول بلورة كاملة في الغرب لهذه الحقوق، وعن الاعلان العالمي لمبادى‏ء حقوق الانسان الصادر عن ‏منظمة الامم المتحدة عام 1948 بوصفه اول وثيقة دولية تنظم حقوق الانسان وتعترف بها معظم دول العالم، وبوصفه ‏صرخة الضمير العالمي عقب حربين عالميتين


( الصفحة 263 )


طاحنتين عانت فيهما البشرية الكثير من المآسي والويلات، وشهدت ،خلالهما وبعدهما، ولا تزال تشهد حتى الان الوان الانتهاكات لابسط حرمات الانسان وحقوقه، فان الجدير بنا ان نذكر ايضا سبق رسول الاسلام(ص) كل الشرائع الوضعية في اعلان حقوق الانسان يوم وقف، على اثر حجة الوداع، في‏ جموع الناس ملخصا ما جاء مرسلا به من عند اللّه الى الناس كافة ومغيرا به اوضاع الجاهلية راسا على عقب: ((ايها الناس، ان ربكم واحد، وان اباكم واحد، كلكم لادم وآدم من تراب، ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم، ليس لعربي على ‏عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لابيض على احمر ولا لاحمر على ابيض فضل الا بالتقوى)).

واذا كان الامر كذلك، فكيف انقلبت الاوضاع واختلت الموازين حتى صار الغرب هو الذي يزايد علينا في رفعه شعار حقوق الانسان؟! اننا نقول، بكل ثقة، وبحكم ما نعرفه من احكام الشريعة الاسلامية المتصلة بحقوق الانسان والتي لا خلاف عليها بين‏ فقها المسلمين، ويقع الكثير منها في دائرة ضروريات الدين الاسلامي: ان المثل الاعلى والاطار الشامل الكامل لحقوق ‏الانسان يجب ان ننشده في هذه الشريعة الالهية، لا في الشرعة التي وضعها الانسان لنفسه، ومن هنا يتوجب على ‏العلماء والباحثين ان يظهروا مكنون هذه الشريعة ومذخورها في هذا المجال الى العالم لتفيد منها البشرية كافة وتظهر لها اوجه الخلل والنقص في ما تشرعه لنفسها، وفقا لادراكها المحدود وتصوراتها النسبية الضيقة.

يسعدنا، في هذا المنتدى، ان نستضيف ثلة من العلماء والحقوقيين للبحث في قضية حقوق الانسان كما قررتها الشريعة ‏الاسلامية، وكما تضمنتها اللوائح والاتفاقيات الدولية.

في البدء نرحب بالسادة المشاركين في هذه الندوة: سماحة ‏الشيخ نعيم قاسم، نائب الامين العام لحزب اللّه، والاستاذ الدكتور سليم الضاهر، الاستاذ في الجامعة اللبنانية كلية ‏الحقوق لفرع الاول، والاستاذ الدكتور محمد ط‏ي، الاستاذ في الجامعة اللبنانية - كلية الحقوق - الفرع الرابع.

كما نرحب، ايضا، بالاخوة الحاضرين، آملين منهم اغنا هذه


( الصفحة 264 )


الندوة بنقاشهم واسئلتهم عقب انتهاء السادة المنتدين من‏ طرح مداخلاتهم.
واترك للاستاذ الدكتور سليم الضاهر، ان يتحدث في المحور الاول من محاور هذه الندوة، وهو: الرؤية الفلسفية التي ‏تستند اليها مبادى‏ء حقوق الانسان لدى كل من الاسلام والغرب وتاريخ تطور قضية حقوق الانسان في الغرب وصفتها وحدودها لدى كل من الاسلام والغرب.

د. سليم الضاهر: في الخامس عشر من هذا الشهر، تلقيت الدعوة الكريمة من مركز الغدير للدراسات الاسلامية ‏للمشاركة في هذه الندوة، فرحبت بها -رغم قصر المدة المتاحة امامي لتحضير المداخلة المناسبة- لاسباب عديدة من‏ بينها انها تتيح لي ولكم الحديث عن حقوق الانسان وعن ممارسات بعض الدول الغربية في هذا الاطار.

ان مداخلتي اليوم هي دعوة الى الحوار، فتعالوا الى كلمة سوا عن طريق الحوار، الذي سيغني مضمون هذه المداخلة ،ويتيح لنا البحث عن الحقيقة الموضوعية، وعن افضل اساليب الدفاع عن القضايا العربية والاسلامية.

في هذه الدراسة سنعالج اولا الرؤية الفلسفية التي تستند اليها فكرة حقوق الانسان في الاسلام، ثم نتناول تلك المتعلقة‏ بفكرة هذه الحقوق في الغرب.

الرؤية الفلسفية لحقوق الانسان في الاسلام سنتناول هذه الرؤية من خلال عناوين اربعة هي: اولا: استخلاف الانسان في الارض لقد حدد الاسلام رسالة الانسان في الحياة من خلال اعتباره خليفة اللّه في ارضه، عندما يبلغ اللّه الملائكة خلقه آدم‏ قائلا: (واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة) البقرة/30» واكد القرآن ذلك في سورة الانعام اذ ورد فيها(وهو الذي جعلكم خلائف الارض) الانعام/165» وفي موضع آخر ايضا يقول القرآن الكريم (وهو الذي جعلكم‏ خلائف الارض فمن كفر فعليه كفره) فاطر/39» واستخلاف الانسان في الارض يعني التكريم والرعاية وانعام الشرف ‏والعزة عليه.

ويؤمن المسلمون ان اللّه خلق الانسان على احسن صورة جسدا وروحا، اذ تقول الاية الكريمة: (لقد


( الصفحة 265 )


خلقنا الانسان في‏ احسن تقويم) التين/4».
ويحدد الاسلام علاقة الانسان بالارض بانها علاقة سيادة، كلفه اللّه بعمارتها، اذ قال القرآن الكريم: (هو انشاكم من ‏الارض واستعمركم فيها) جهود/61» ثم كان تكريم اللّه تعالى للانسان وتفضيله على سائر المخلوقات، اذ تقول الاية:(ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) الاسراء/70». كما مكن الانسان واتاح له الهيمنة على كل ما في الارض وما عليها وما في باطنها وما يحيط بها، اذ يقول ‏القرآن الكريم: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الارض جميعا منه) الجاثية/13».

ويتسال الدكتور محمد ط‏ي عن‏ كيفية تجلي تكريم اللّه للانسان، ويجيب قائلا: ((ان هذا التكريم يمكن ان يتبدى في جانبين: الجانب النسبي، وهو يعني ‏تكريم الانسان باعطائه درجة على ما سواه وتسخير المخلوقات له. والجانب المطلق، وهو يعني اقرار كرامة الانسان‏ وترسيخها في علاقاته الاجتماعية، اي داخل نوعه نفسه، وذلك على اسس اهمها: اولا: معاملة كل انسان وفق الشروط التي يعامل بها الاخر، عندما يكون الاثنان في الوضع القانوني نفسه.

ثانيا: ان تطلق حرية الانسان في التصرف، تعبيرا عن انسانيته ومواهبه بشكل يسمح له بالقيام بكل ما هو غير ممنوع.

ثالثا: ان تؤمن له الوسائل لتامين العيش الكريم بقدر ما تسمح به الاوضاع الاقتصادية ليقوم بدوره سياسيا واجتماعيا على اكمل وجه.

رابعا: امكانية ان ترفع عنه الظلامات فور وقوعها وتعويضه عن كل ما يطال شخصه او حريته او ماله ليستمر من دون ‏عوائق، ممارسا لدوره الذي خلقه اللّه من اجله))(() ).

ثانيا: اللّه مصدر حقوق الانسان
يقول الاستاذ الجامعي المغربي الدكتور محمد اركون في دراسة له عن ((الاسلام وحقوق الانسان)): ان هذه

( الصفحة 266 )


الحقوق تقوم‏ على اساس الاقتناع بان اللّه وحده هو ((مؤلف القانون ومصدر كل حقوق الانسان))، والمفهوم القرآني ((الحق)) ((يطلق‏ على اللّه نفسه بصفته حقيقة مطلقة، متعالية، وبصفته مصدرا ((لحقوق اللّه)) ومآلا لها. واذا ما احترم الانسان هذه الحقوق‏ او التزم بها، فانه يدخل عندئذ في دائرة الحق الاعظم والحقيقة وما ينتج عنها من حقوق بالنسبة للانسان)) هنا يبرز السؤال: ما هي هذه الحقوق؟ والجواب هو ان هذه الحقوق، كما يراها المفكر الايراني العلامة الشيخ محمد علي ‏التسخيري، في كتيب له بعنوان: ((حقوق الانسان بين الاعلانين الاسلامي والعالمي)) هي ((الحالات الطبيعية التي ‏يحتاجها الانسان بطبيعته وفطرته..))، ويضيف ان الحق ((حاجة ثابتة بشكل طبيعي واكدها وحولها الاعتبار الى حالة ‏قانونية)).

ويلقي الكاتب المصري الدكتور محمد عمارة مزيدا من الضوء على العلاقة الوثيقة القائمة بين العقيدة الدينية الاسلامية‏ والحق، فيعتبر ان هذه العقيدة القائمة بجوهرها على الالوهية الموحدة وعبودية الانسان هي ((الحق الذي استوجبه اللّه سبحانه على الانسان لقا انعامه عليه بضرورات الحياة المادية والمعنوية... فلقا النعم ولقا نعمة ((الامن))... استحق اللّه سبحانه من الانسان ان يفرده بالالوهية والعبادة.. انه شكر على النعم الالهية)).

وانطلاقا من الاصل الالهي للحقوق، يستنتج محمد اركون انه ((لا يمكن لاي قائد سياسي او اية حكومة او مجلس نيابي ‏او اي هيئة ان تضيق من تطبيق هذه القوانين التي وهبها اللّه للانسان او تعدل فيها او تلغيها او تنتهكها باي شكل من‏ الاشكال..)) وقد اكد كل من البيان الاسلامي العالمي لحقوق الانسان الذي صدر في مقر منظمة اليونسكو في باريس‏ عام 1981 والاعلان الاسلامي لحقوق الانسان، الذي صدر عن منظمة المؤتمر الاسلامي في اجتماعها في القاهرة عام‏1990 اكد كل من جهته على المصدر الالهي لحقوق الانسان، وبالتالي عدم جواز تعطيل هذه الحقوق او الغائها او خرقها و تجاهلها.

في هذا السياق يشرح استاذ الدراسات الاسلامية في الجامعة

( الصفحة 267 )


اللبنانية ورئيس التحرير المشترك لمجلة ((الاجتهاد))الدكتور رضوان السيد، في بحثه عن ((حقوق الانسان والفكر الاسلامي المعاصر)) ان من يدعوهم الاصوليين، الذين ‏يجعلون من ((اللّه او شريعته المصدر المباشر لكل ما يتعلق بحقوق الانسان))، يريدون اعطا هذه الاخيرة قوة اكبر. يقول ‏الدكتور السيد: ((وهم يعتقدون انهم عندما يؤكدون الاصل الالهي للحقوق والواجبات انما يعطونها قوة اكبر))، ويخالفهم ‏الراي معتبرا انهم لم ((يلاحظوا ان منظومتهم في اكثر اجزائها انما هي اجتهاد واستنباط قاموا به هم، وليست امرا الهيا منصوصا عليه)).

ثالثا: حقوق الانسان ام ضرورات؟ كما يتبين لنا، من عناوين الاعلانين ومن المؤلفات والابحاث التي ذكرناها حتى الان، وغيرها الكثير الكثير، التي كتبت‏ حول حقوق الانسان في الاسلام، فانها كلها تناولتها، حسب علمنا، كحقوق للانسان. الاستثناء الوحيد هو الموقف الذي‏ عبر عنه الدكتور عمارة في كتابه ((الاسلام وحقوق الانسان ضرورات..

لا حقوق)) والذي طرح فيه مصطلحا جديدا بديلا عن حقوق الانسان ذات الطابع ((الاوروبي)) كما قال، ودعاها ضرورات.

في راي هذا الكاتب لقد بلغ الاسلام ((في ‏الايمان بالانسان، وفي تقديس ((حقوقه)) الى الحد الذي تجاوز بها مرتبة ((الحقوق)) عندما اعتبرها ((ضرورات))، ومن ثم ‏ادخلها في اطار الواجبات..)). ويشرح الدكتور عمارة ان الماكل والملبس والسكن والحرية في الفكر والاعتقاد والامن والمشاركة في صياغة النظام العام للمجتمع.. وغيرها، ليست فقط ((حقوقا)) للانسان من حقه ان يطلبها، ويسعى ‏في سبيلها، ويتمسك بالحصول عليها... وانما هي ضرورات ((واجبة)) لهذا الانسان... بل انها ((واجبات)) عليه ايضا...

لذلك ليس من حق الفرد او الجماعة التنازل عنها او عن بعضها، اذ لا سبيل الى حياة الانسان، بالمعنى الحقيقي، من ‏دونها، وبالتالي لا يعتبر الحفاظ عليها مجرد حق للانسان فحسب، بل واجب عليه ايضا.

رابعا: صفة فكرة حقوق الانسان وحدودها في الاسلام
في معرض كلامه عن حقوق الانسان في الاسلام كضرورات، يؤكد

( الصفحة 268 )


الدكتور محمد عمارة على اهمية تقيد المسلمين ‏بمضمونها والالتزام بها، من خلال ربطه بينها وبين الايمان والتدين وصلاح امر الدنيا. فهو يعتبر ان الاسلام ((ليبلغ في‏ تقديس هذه ((الضرورات الانسانية الواجبة)) الى الحد الذي يراها الاساس الذي يستحيل قيام ((الدين)) من دون توفرها للانسان.. فعليها يتوقف ((الايمان)) ثم ((التدين)) بالدين.. ويضيف انه يستحيل ان يصلح امر ((الدين)) الا اذا صلح امر الدنيا ،اي الا اذا تمتع الانسان بهذه ((الضرورات)) التي اوجبها الاسلام..)).

هل يضع الاسلام حدودا لحقوق الانسان؟ يعتبر بعض رجال القانون المسلمين ان رغبة الاسلام في الحفاظ على مصلحة الجماعة، كانت السبب او احد الاسباب ‏في وضع الشريعة الاسلامية قيودا على اكتساب الحق وممارسته. اذ ان ((حد كل الحقوق وممارستها هو ((مصلحة‏ الجماعة)) والحق في هذه الشريعة حق فرد في مجتمع او حق اجتماعي وليس فرديا)).

الرؤية الفلسفية لحقوق الانسان في الغرب لم تولد فكرة حقوق الانسان في الغرب في القرن الثامن عشر كما يعتقد بعضهم، وان كان الاعلان الفرنسي لحقوق‏ الانسان والمواطن الصادر في اعقاب الثورة الفرنسية بتاريخ 26 آب 1789 قد شكل نقطة الانطلاق لصياغة نظرية عامة ‏متكاملة لحقوق الانسان.

ان هذا الاعلان التاريخي لم ينشا من العدم، بل اتى ضمن سياق تاريخي طويل، ونتيجة مخاض فكري شارك فيه‏ فلاسفة ورجال دين ومفكرون بارزون عديدون، بدءا من فلاسفة الاغريق الكبار. ان اعلان العام 1789: لم يؤسس للحقوق ‏الفردية، لكنه جسد فقط المبادى‏ء التي كانت موجودة سابقا، عن الحق الطبيعي، اذ كما قال الماركيز دولا فاييت بتاريخ‏11 تموز 1789 ان هذا الاعلان كان ضروريا للتوضيح بشكل حقيقي وبدقة ((ما يعرفه الجميع، وما يشعر به الجميع)) عن ‏هذه الحقوق.

في هذه الدراسة سوف نتوقف عند الاسهامات الرئيسية، وخاصة تلك المرتبطة بفكرة الحق الطبيعي،

( الصفحة 269 )


القانون الطبيعي ‏ونظرية العقد الاجتماعي، والتي تقوم عليهما معا فكرة حقوق الانسان.

اولا: الحق الطبيعي القانون الطبيعي ان اسس حقوق الانسان كانت تاريخيا عديدة ومتنوعة، اذ انها فلسفية ودينية وسياسية واقتصادية.. ولقد ازداد مفهوم‏ حقوق الانسان غنى، على مر الاجيال. وتعود الجذور الاولى لفكرة حقوق الانسان الى اثينا في القرن الخامس قبل‏ الميلاد.

ان الفكر اليوناني وضع وطور مفهوم الحقوق الطبيعية، والتي بموجبها يملك الفرد حقوقا تحد من سلطة الدولة. وسقراط اكد، حتى الموت، القيمة العليا لهذه الحريات التي ندعوها اليوم، حرية الفكر والتعبير. اذ كان يعتبر ان النقاش ‏الحر هو الوحيد الذي ((يجعل الحياة جديرة بان تعاش)). كما ان ارسطو شدد على افكار الحرية والمساواة كاساس ‏للديمقراطية. باختصار، ان المفكرين اليونانيين، من خلال بحثهم عن اسس المجتمع والعالم، ساهموا في ابراز قواعد الحق الطبيعي كاساس للحريات.

اما فكرة القانون الطبيعي فقد برزت بشكل واضح في كتابات الرواقيين الذين قالوا بوجود قانون طبيعي يحكم العالم ‏ويجب على الجميع احترامه، قانون يتجاوز حدود الدول، لانه يقوم على اساس وحدة الطبيعة الانسانية وعلى ضرورة‏ تحقيق سعادة الفرد.

صحيح ان الدولة الاغريقية كانت في عملها ذات ميول توتاليتارية كما يقول جان مورانج (Jean , Morange) لكن الصحيح ‏ايضا ان الافكار والمبادى‏ء التي اطلقها كبار مفكري الاغريق كانت البذار الذي سيتناوله في ما بعد مفكرون آخرون ،كمنطلق للتامل والتفكير. وعلى سبيل المثال، فان الفلسفة اليونانية، وعبر قنوات عديدة، روت عالم الرومان ثقافيا وفكريا.

تاثر فقهاء الرومان بفلسفة الرواقيين، وكان شيشرون من كبار هؤلا المفكرين الذين تناولوا القانون الطبيعي، محاولا تعميق مفاهيمه وتحديد اطره. ففي كتابه عن التشريع، بين شيشرون نسبية القوانين البشرية وضرورة ايجاد مصدرها الاصلي في

( الصفحة 270 )


الانسان، وفي شعوره بالعدل. فالانسان هو المخلوق الخالد في طبيعته، وهو المصدر الاول لفكرة العدل والقانون الطبيعي بنظر شيشرون هو الذي ينبع من العناية الربانية التي تحكم هذا الكون ومن الطبيعة المشتركة السليمة ‏للكائنات البشرية، قانون العقل الصحيح.. وفي ضوء هذا القانون اعتبر ان كل الناس متساوون، اذ انهم جميعا يملكون‏ عقلا، ومتساوون في تركيبهم النفسي وفي نظرتهم المشتركة الى امور الخير والشر.

ويؤكد شيشرون ان هذا القانون هو ((القانون الاعلى الموجود في كل العصور، قبل ان يكتب اي قانون وقبل ان تؤسس ‏اية دولة)).

ثم ظهرت الديانة المسيحية التي احدثت ثورة هائلة في العالم، كما يقول جان ماري بوك ( Jean Marie Becgt ) ودانيال كولار( Daniel collard ), مؤلفا كتاب ((حقوق الانسان الابعاد الوطنية والدولية)) لقد اكدت المسيحية على الاهمية الاساس‏ لكرامة الانسان، كل انسان فاللّه ميزه عن سائر المخلوقات والكائنات، باعطائه العقل والارادة والحرية. وهو بذلك ‏رفع الطبيعة الانسانية فينا الى كرامة لا تعادلها كرامة.

وتعلم المسيحية المساواة والاخوة بين البشر. وهذه هي باختصار الاسس التي تقوم عليها حقوق الانسان في المسيحية.

ان الايمان بكرامة الانسان والحرية والمساواة التي نادت بها المسيحية، كان لها الدور الاكبر في نشوء فكرة حقوق ‏الانسان النابعة‏ من طبيعته، كما يقول ج. ه. مويرهاد (J.H. Muirhead) ان التاثير الاكبر كان بدون شك للديانة المسيحية ، التي نادت من جهة بحياة اولية من الحرية ‏والمساواة، ومن جهة اخرى بعلاقة للانسان باللّه كانت بشكل اساسي علاقة خاصة.

لكن هذه البذور لفكرة حقوق ‏الانسان كان عليها ان تنتظر مناخا ملائما لها، والذي وجد اولا عندما ادت التقاليد البريطانية الى ثورة ضد الاستبداد الاجتماعي والسياسي في عهد ويكلن)).

ويوضح ايف ماديو (Yves Madiot) كتابه ( حقوق الانسان( ان المسيحية اعطت رسالة كان لها التاثير الحاسم في بروز مفهوم حقوق

( الصفحة 271 )


الانسان. وان العلمانية السابقة لهذه الفكرة لا تلغي ابدا الاسهام الاساسي للمسيحية فيها.

ويستشهد ماديو باقوال القديس توما الاكويني (القرن الثالث عشر) في هذا الموضوع، والتي يمكن تلخيصها بالتالي: انه يدين الحكومات ‏الجائرة، ويميز بين القوانين العادلة وبين القوانين غير العادلة، ويحدد واجبات الحكام او الامرا، ويشدد على حق ‏الانسان في الملكية الخاصة.. ويستنتج ماديو ان ما نادى به المفكرون المسيحيون اسهم في تحرير الانسان.

في العصور الوسط‏ى تولى مفكرون اوروبيون اغنا مفهوم القانون الطبيعي وتطويره، وكان في مقدمتهم جروسيوس (Grotius ) (1583 - 1645) الذي اعتبر زعيم مدرسة القانون الطبيعي وقانون الشعوب. ففي كتابه ((قانون الحرب والسلم)) اكد جروسيوس ان علاقات الدول يجب تنظيمها على اساس المساواة، منوها بان الحياة في المجتمع ضرورة لا غنى عنها للانسان، وان القانون هو ما يعتبره العقل القويم موافقا لطبيعة الانسان الاجتماعية. وتابع بوفندورف ((Pufendorf عمل‏ جروسيوس في ترسيخ اسس القانون الطبيعي الذي يمكن تلخيصه بالتالي: ا- ان مبادى‏ء هذا القانون المطابقة للعقل القويم والعدل، هي مبادى‏ء ثابتة وخالدة، لا تتغير بتغير الزمان ولا تختلف ‏باختلاف المكان.

ب- ان من طبيعة الانسان وعقله ينبثق قانون طبيعي، يسبق في وجوده كل القوانين الوضعية وهو اسمى منها.

وهذا يستدعي وجود مجموعة من الحقوق الطبيعية للافراد، حقوق ملازمة للطبيعة البشرية، وهي كانت ثابتة لدى الانسان ‏وهو في حالته الطبيعية الفطرية، اي قبل قيام المجتمع ونشوء الدولة.

ان مدرسة الحق الطبيعي تسلم انه يوجد لدى الانسان، كل انسان، عنصر مستمر، يميزه كانسان. هذا العنصر هو طبيعته. وهذه تتمتع بميول متعددة، تكون احيانا مشتركة مع ميول الكائنات الادنى، واحيانا اخرى تكون خاصة بالانسان.
وبين‏ هذه الميول هناك بالضرورة تراتبية: ان الميل الى معرفة الحقيقة مثلا، هو انبل من الحاجة الى الطعام. هذه الميول لدى‏ الانسان هي التي في اساس مختلف الحقوق الطبيعية.

( الصفحة 272 )


وهذه الاخيرة هي حقوق الانسان، كل انسان، والتي تسبق وجوداي مجتمع وهي غير قابلة للتغيير.

ان نظرية الحق الطبيعي لا تزال تحافظ على اهميتها الاساسية، بالرغم من مرور ما يقارب الالفين وخمسمئة عام على‏ ظهورها. وهذا شي‏ء مدهش، في نظر الاستاذ في جامعة پواتييه (Poitiers ) ايف ماديو، الذي يعتبر انه في الحقيقة لا يمكننا الا ان نعجب باستمرار الحق الطبيعي المدهش منذ خمسة وعشرين قرنا. انه البرهان على حيوية النظريات التي ‏تهتم بربط حقوق الانسان بمبادى اسمى من الدولة.

باختصار لقد اثرت نظرية الحق الطبيعي في افكار فلاسفة عصر الانوار في فرنسا (امثال فولتير وروسو وديدرو وغيرهم)،كما شكلت اساس الاعلان الفرنسي لحقوق الانسان والمواطن، واعلان الاستقلال الذي اصدرته الولايات الثلاث عشرة‏ الاميركية في الرابع من تموز 1776.

ويبقى التساؤل قائما منذ القدم: كيف السبيل الى حماية هذه الحقوق الطبيعية للانسان؟ وهذا يقودنا الى الكلام على‏ العقد الاجتماعي ونشاة الدولة.

ثانيا: العقد الاجتماعي من ابرز من كتب في هذه النظرية المفكران: البريطاني جون لوك والفرنسي جان جاك روسو.

يعتبر لوك واضع فلسفة حقوق الانسان. فهو، في كتابه ((حول الحكم المدني))، راى ان البشر كلهم، بطبيعتهم، احرار ومتساوون ومستقلون، ولا احد يمكنه ان يستملك خيرات الاخر، ولا يمكن اخضاع انسان لسلطة الاخر السياسية، اذا لم يكن هو قد قبل بذلك. ويقول لوك ان الافراد كانوا سعدا في الحياة البدائية، وانهم سعوا لتنظيم هذه الحالة الطبيعية ‏اجتماعيا من اجل الحصول على سعادة اكبر، من خلال ابرامهم العقد الاجتماعي. اذ ان اتفاق الافراد على العيش معافي مجتمع واحد يتيح لهم ان يحصلوا على الرفاهية والامن والسلام، حيث الاكثرية هي التي تملك عادة سلطة القرار. وسلطة الحاكم ليست مطلقة، اذ في ابرامهم العقد الاجتماعي، لا يتخلى الناس عن كل حقوقهم الطبيعية وحرياتهم.

( الصفحة 273 )


لقد تخلوا فقط عما هو ضروري لتامين الحياة الاجتماعية، في ضوء مصلحة الجميع. ويشدد لوك على ان السلطة المطلقة‏ هي غير شرعية، وهي محدودة بالحق الطبيعي وقبول الناس لها. ويبرز من بين الحقوق الطبيعية، حق الملكية الخاصة، والحق في مقاومة الطغيان، ويؤكد مبدا فصل السلطة الاشتراعية عن السلطة التنفيذية، من اجل ضمان الحرية.
اما روسو فينطلق، مثله مثل لوك، من رؤية متفائلة للحالة البدائية، ويؤمن انه اثنا قيام العقد الاجتماعي، يحتفظ الافراد، بشكل ضروري، بمبدا المساواة فيما بينهم وبحريتهم.
وهي على كل حال الحرية الكاملة الموجودة في الحالة البدائية، والتي من الضروري ان يجدها كل انسان في قلب الجسم الاجتماعي، وليست الحرية المنتقصة. وفي العقد الاجتماعي ‏يلتزم كل عضو بالتخلي كليا عن حقوقه الطبيعية، حتى تتحقق المساواة المطلقة بين الجميع. والمجتمع السياسي هو الذي يكفل حقوق الفرد، والجميع ملزمون بالخضوع للقانون، كتعبير عن الارادة الجماعية. وبهذه الطريقة لا يخضع ‏الانسان الا لنفسه. وكل انسان يتعرف الى ذاته من خلال قرارات الارادة الجماعية، وهو لذلك يشعر انه حر كليا .
ويتميز روسو عن لوك في انه طرح فكرة الحقوق الطبيعية بشكل جعل السلطة خاضعة لارادة المجموعة، اي لسيادة ‏الشعب، بينما اعتبر لوك ان فكرة الحقوق الطبيعية تشكل تقييدا لسلطة الحاكم. وهو شدد على رضى الافراد عن الحاكم ‏في البدء، وضرورة استمرار هذا الرضى. وبذلك وضع روسو السيادة في يد الشعب، في ضوء قناعته بان الشعب هو المصدر الاول والاخير لهذه السلطة .
ان الافكار التي نادى بها كل من جون لوك وجان جاك روسو كانت في اساس اعلان حقوق الانسان والمواطن في فرنسا عام 1789. وفي هذه الاثنا كانت عقيدة حقوق الانسان قد بدات بالانتقال من الحيز الثقافي الى ارض الواقع واطار القانون ‏والدستور في بعض الدول، كما حدث في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الاميركية. ولاحقا عندما كلفت الجمعية ‏العامة للامم المتحدة لجنة

( الصفحة 274 )


حقوق الانسان بوضع الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي صدر في 10 كانون الاول 1948اخذت هذه اللجنة الاعلان الفرنسي لحقوق الانسان والمواطن وغيره من الوثائق الهامة حول حقوق الانسان، مثل ‏الشرعة الكبرى ( Magna charta) الصادرة عام 1215 وعريضة الحقوق (‏ ‏ Petition of Rights ) الصادرة عام 1628.
وشرعة الحقوق( Bill of Rights ) الصادرة عام 1689 في بريطانيا، واعلانات الاستقلال في الولايات المتحدة الاميركية وشرعة الحقوق Bill of Rights الصادرة اثر الثورة الاميركية في العام 1776.
ان اجرا مقارنة تفصيلية بين الرؤية الفلسفية لحقوق الانسان في الاسلام وتلك المتعلقة بهذه الحقوق في الغرب، ليس ‏من اهداف هذه الدراسة. انما نكتفي هنا بالاشارة الى ان الفلاسفة العرب والمسلمين الذين عنوا بفكر كبار الفلاسفة ‏اليونان واغنوه بتعليقاتهم واضافاتهم، ساهموا ولو بشكل غير مباشر، في نشوء فكرة حقوق الانسان في الغرب، من‏ خلال ترجمتهم كتب هؤلا الفلاسفة، من اليونانية الى العربية، والتي بدورها ترجمت من العربية الى اللاتينية، في ‏القرنين الثاني عشر والثالث عشر، في اوروبا.
الخاتمة
ان التحدي الرئيسي الاول الذي يواجه العرب والمسلمين على مشارف القرن المقبل هو احترام حقوق الانسان في ‏دولهم وتطبيقها. ان حال حقوق الانسان فيها لا تشجع المراقب او المتتبع، على توقع غد افضل. ربما (نؤكد ربما) كان ‏للانظمة في الدول العربية والاسلامية ما يبرر تجاهلها لحقوق شعوبها قبل صدور الميثاق العربي لحقوق الانسان الصادر عن جامعة الدول العربية بتاريخ 15/9/1994 والاعلان الاسلامي لحقوق الانسان الذي اصدرته منظمة المؤتمر الاسلامي ‏في العام 1990. لكن ما هي المبررات اليوم؟ وهل ستاخذ هذه الانظمة مبادرات ملموسة لتحسين حال حقوق الانسان‏ فيها؟ اليس من مصلحتها ان تتعظ من التاريخ ودروسه؟
الشيخ خالد العطية:
اشكر د. الضاهر، واترك لفضيلة الشيخ نعيم قاسم ان يتحدث في المحور الثاني من

( الصفحة 275 )


محاور هذه ‏الندوة، وهو: ابرز نقاط الاتفاق والاختلاف بين الاسلام والشرعة الدولية في قضية حقوق الانسان.
الشيخ نعيم قاسم: يعتبر البحث، في مثل هذا الموضوع، من الامور المعاصرة والمهمة والتي يكثر فيها الجدل وتختلط ‏فيها العناوين بالمضامين الى درجة يحتاج معها المرء الى تقديم بين يدي البحث، لتفكيك بعض التداخل وتوضيح ‏بعض المعالم، ليسهل التعاطي معه. وهذا التقديم يتضمن جملة من المسائل: 1- ان اختيار العنوان: ((في الشرعة الدولية لحقوق الانسان، والمعلن في جنيف عام 1948 قد يوحي، للوهلة الاولى، كانه ‏امر متسالم عليه بين جميع الدول والشعوب، الى درجة يكتسب معها صفة الثبات، والمناقشة فيه اعتراض على بديهة، ما يوقع في شبهة الدفاع لمن اراد التعرض لبنود هذه الشرعة الدولية، علما بانها تمثل اعلانا قابلا للرفض او القبول، الكلي او الجزئي، ولا يعتبر نموذجا فريدا او مقياسا نهائيا او مثلا اعلى، بل هناك جهات كثيرة تعرضت لتوصيف حقوق ‏الانسان وتحديدها، بصيغ مختلفة، ولها آرا تتوافق، او تتباين، مع بنود هذه الشرعة، والموقف النهائي يتخذ على ضوء التحليل وسوق الادلة باتجاه الاصلح. وعليه، لا يجوز ان يكون عنوانا ضاغطا علينا لنلحق بركبه.
2- ان هذه الشرعة، وان تميزت بتعميم في عناوينها تصلح لتفاسير متفاوتة، لكنها تنطلق من رؤية عقائدية فكرية تترجم ‏حقوق الانسان بالصيغة المطروحة، ولا فصل بين المنطلقات والاهداف، وهذا ما يمكن قراته بشكل واضح بين ‏السطور في النظرة الى الاسرة، وحرية الراي، ودور الانسان في المجتمع، وسلطة القانون، والحديث عن الديمقراطية .. ولذا عندما نقارنها مع الحقوق المطروحة في الاسلام لابد من وجود نقاط اتفاق واختلاف، وذلك لاختلاف بعض ‏المنطلقات والاهداف ولو بالحد الادنى.
3- ليس صحيحا ان نتعاطى بسلبية مع الاعلان لمجرد انطلاقنا من الرؤية الاسلامية الكاملة، فالاصل في العلاقات ‏الانسانية تقريب وجهات النظر، والحوار الهادف والبنا، وقبول الحسنات الصادرة عن الانسان بشكل

( الصفحة 276 )


عام كأطار مساهم ‏في خير البشرية، ف ((حلف الفضول)) مع كونه في الجاهلية قبل الاسلام قال عنه الرسول(ص): ((لو دعيت به لاجبت))، لما فيه من افكار ايجابية في نصرة المظلوم ومساعدة الضعيف... وهل الاعلان الا نتيجة لتراكم جهود الانبياء والمصلحين‏ والخبرات البشرية والتجارب السابقة؟! لكن فيه حسن اختيار وفوائد نؤيدها ونسددها، وفيه سوء اختيار واخطاء نناقشها ونرفضها ونطرح بدائلها.
نقاط الاتفاق
اما ابرز نقاط الاتفاق فهي:
1- الناس سواسية
فالاعلان العالمي، في مادته الاولى، يتحدث عن المساواة: ((يولد جميع الناس احرارا ومتساوين في الكرامة‏ والحقوق)).
وفي مادته الثانية: ((لكل انسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الاعلان، دونما تمييز من اي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، او اللون او الجنس..)).
وقد برز الاسلام بنظرته الانسانية العظيمة لبني آدم، حيث اعتبرهم القرآن خلفا للّه على الارض: (واذ قال ربك للملائكة ‏اني جاعل في الارض خليفة) التوبة/30».
هذا الخليفة في حلته الافضل: (ولقد خلقنا الانسان في احسن تقويم) جالتينر4».
ولا تفريق في طبيعة الخلق: (يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها..) النساء/1».
ولا تمييز للون او اللغة، ففي الحديث الشريف: ((لا فضل لعربي على اعجمي، ولا لاسود على ابيض الا بالتقوى)).
وقيمة العمل تدون لمصلحة الذكر والانثى: (من عمل صالحا من ذكر او انثى فلنحيينه حياة طيبة) النحل/97».
2- منع التعذيب
ففي الاعلان، في المادة الخامسة: ((لا يجوز اخضاع احد للتعذيب، ولا للمعاملة او العقوبة القاسية او اللاانسانية او الحاطة بالكرامة)).

( الصفحة 277 )


وفي الاسلام توجد حدود وضوابط لنظام العقوبات، بحيث لا يجوز تنفيذ الحد الشرعي الا بضوابطه التفصيلية، فلا ينفذ في حر او برد، ولا يعرض لعوامل اضافية على العقوبة، ويتطلب الامر اجازة من الحاكم الشرعي، فلا يبادر اي احد لاخذ حقه بطريقته او يختار العقوبة باجتهاده الشخصي، وعند الجرح او الخدش، بسبب سوء المعاملة او الخروج عن ‏الضوابط، فالدية لازمة على المعتدي لحماية المعتدى عليه، سوا كان ذلك في دائرة العلاقات العادية اليومية في ‏داخل الاسرة ام بين افراد المجتمع في علاقاتهم او في تنفيذ نظام العقوبات للمخالفين.
3- حماية القانون
في الاعلان: ((الناس جميعا سواء امام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز)).
والاسلام يصدح بقول رسول اللّه(ص): ((لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)).
وقد اشتهر الاسلام بانه دين العدل، الى درجة جعلت امير المؤمنين(ع)، في اثناء توليه لامارة المسلمين يعمل على ‏اعادة الاموال التي اخذت بغير حق من بيت مال المسلمين: ((الا ان كل قطيعة اقطعها عثمان‏ بن عفان وكل مال اعطاه من‏ مال اللّه فهو مردود في بيت اللّه، فان الحق لا يبطله شي‏ء، ولو وجدته قد تزوج به النسا، وملكت به الإماء، وفرق في ‏البلدان لرددته)). ويساوي في العطا في التوزيع، ويرفض الحاح عقيل عليه، وهو الاخ الاكبر المحتاج، لان القواعد لاتسمح بتمييزه، والامام امين على حقوق الناس، ورعايته للقانون تتطلب عدم استغلال الموقع لخدمات خاصة. وواجه ‏اخاه بالقول المشهور، بعد ان احمى له حديدة ليشعر بالمسؤولية في يوم القيامة: ((ثكلتك الثواكل يا عقيل، اتئن من ‏حديدة احماها انسانها للعبه، وتجرني الى نار سجرها جبارها لغضبه؟! اتئن من الاذى ولا ائن من لظى؟!)).
4- براة المتهم
الاصل براة المتهم في الاسلام، ف ((المتهم بري‏ء حتى تثبت ادانته))، والادانة لها سبلها، كالاقرار وشهادة العدلين ‏وتفاصيل اخرى تختلف باختلاف الموارد، ولا يعقل

( الصفحة 278 )


ادانة المتهم على الشبهة مع عدم توفر الادلة، ولا يطالب باثبات‏ براءة، بل يطالب الحاكم باثبات ادانته.
والاعلان العالمي في المادة 11 يقول: ((كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا الى ان يثبت ارتكابه لها قانونا في محاكمة‏ علنية)).
5- حرية الاعتقاد
الملاحظ هو التعليل القرآني لحرية الاعتقاد: (ولو شا ربك لامن من في الارض كلهم جميعا افانت تكره الناس حتى ‏يكونوا مؤمنين) جيونس/99».
ويقولها بشكل قاطع: (لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي..) البقرة/256».
وهذه مسؤولية ترتبط بحرية اختيار الانسان مع تبيان الحق من اللّه: (وقل الحق من ربكم فمن شا فليؤمن ومن شاء فليكفر..) الكهف/29».
وهذا منسجم مع الروح العامة للمواد 18 و19 و20 للاعلان.
6- الحقوق العامة
الحقوق العامة، كحق العمل والتملك والتعلم والراحة والضمان الاجتماعي والصحة والثقافة والانتخاب ونمو الشخصية، وهي المذكورة في الاعلان من المادة 21 الى 29.
هذه الحقوق كفلها الاسلام، بل تبرز معالم فيه، عندما نتحدث عن حقوق الانسان في الاسلام، فالكاد على عياله في‏ سبيل اللّه، والملكية الخاصة محمية في دائرة الحلال. وطلب العلم فريضة، وطلبه من المهد الى اللحد، حتى ولو بالصين. والتكافل الاجتماعي من خلال توزيع اموال الخمس والزكاة والصدقات والكفارات، يمتزج بالطابع العبادي. ومن اصبح آمنا في سربه معافى في بدنه فكانما زويت له الدنيا. وتنمية الشخصية روحيا وفكريا وسلوكيا من علامات ‏التكامل في البنا الاسلامي السليم..
وعليه، يعتبر الاسلام معلما حضاريا بارزا في مجال الحقوق الفردية‏ والاجتماعية.
نقاط الاختلاف
اما ابرز موارد الاختلاف فهي:
1- ضوابط الالتزام بالحقوق
يمكن القول: ان الاعلان اقرب الى الوثيقة النظرية او الاعتبارية منه الى الوثيقة العملية، لانه لا يوجد ما يلزم احدا به، اذ لا تحديد لالية

( الصفحة 279 )


التطبيق وعقوبات المخالفة والضوابط التي تعتمد عند طغيان دولة او جماعة، خلافا لما ورد في الاعلان، وانما هي نصائح قابلة للاستغلال وازدواجية المعايير مع التفسير الموجه لها من قبل الدول الكبرى او الجهات الضاغطة‏ والمؤثرة، وقد ذكر الاعلان في المقدمة ضرورة مراعاتها: و((الى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات. وكيما يكلفوا-المجتمع وهيئاته- بالتدابير المطردة، الوطنية والدولية، الاعتراف العالمي بها ومراعاتها الفعلية)). لكن لم تذكر التفاصيل المعتمدة لتحقيق الاحترام او لتحديد ماهية التدابير. ورب قائل بان الاعلان له قيمة بمضمونه اذا تم الالتزام ‏به. وهذا صحيح، لكن اعطاه صفة العالمية وصدوره عن الامم المتحدة، من دون آلية ملزمة لمن يلتزم به على الاقل، يفقده فعالية التبني. وقد لاحظنا ان حقوق الانسان تستخدم في المحافل الدولية فزاعة للدول الضعيفة، فبينما يحرم ‏الجزائريون من حقهم في الانتخاب الحر، وتساند فرنسا العسكر لقمع ارادة الشعب، نرى الدفاع المستميت عن حق‏ سلمان رشدي ((المرتد)) بالتعبير، وايذاء مشاعر كل المسلمين باسم حقوق الانسان، وتحاصر امريكا ليبيا لاتهامها باسقاط طائرة مدنية، وتترك ((اسرائيل)) لتقتل من الشعب الفلسطيني واللبناني في كل يوم، مع التاييد والمباركة، ويطالب‏ بحق كاتب في مصر للاعلان عن آرائه، وتمنع الفتيات في فرنسا من لبس الحجاب بذريعة مخالفة ضوابط المجتمع ‏العلمانية. ونرى حل حزب ((الرفاه)) في تركيا، وضرب الاكراد فيها، من دون اي تحرك من الدول الكبرى، بينما تقوم ‏الدنيا ولا تقعد لرهينة اجنبية نتجت عن مرارة شعب من تسلط الدول الكبرى. وتواجه المقاومة الاسلامية في لبنان من‏ اميركا تحت ذريعة الارهاب، وهي العنوان الساطع لتحرير الارض من الاحتلال الاسرائيلي. ومن الذي نصب دولا لتكون ‏مؤتمنة على الحقوق بحسب تفسيرها، وهي التي تخرقها مرات بمعاييرها ومصالحها.
بينما يطرح الاسلام حقوقا ويضع الى جانبها الضوابط التفصيلية لحمايتها ورعايتها، فالتلازم قائم بين الدين والدولة، بين ‏التوجيهات الثقافية التربوية وبين المثل العليا المطروحة

( الصفحة 280 )


للمجتمع مع اواليات للتطبيق وحماية من الانحراف، ويتكامل‏ دور الحاكم مع القاضي مع الشعب، وتوزع الى جانب الحقوق واجبات، ويحمي نظام العقوبات من التجاوزات ويعاقب‏ عليها، والحق لابد من ان يرد الى صاحبه فانه لا يبطله شي‏ء، ويغفر اللّه للمؤمن يوم القيامة ما تقدم من ذنبه لكن حقوق ‏الاخرين عليه تحتاج الى مسامحة منهم او ردها اليهم.
فالقيمة لاي اعلان لحقوق يجب ان يرتبط بضوابط للالتزام بها وقواعد لملاحقتها بالسواسية بين الناس والمجتمعات والدول.
2- اي قانون؟!
المادة السابعة من الاعلان تتحدث عن ان: ((الناس جميعا سواء امام القانون)).
والثامنة تقول: ((لكل شخص حق اللجوء الى المحاكم الوطنية المختصة، لانصافه الفعلي من اية اعمال تنتهك الحقوق ‏الانسانية التي يمنحها اياه الدستور او القانون)) .
والسؤال المطروح: اي قانون يمكن التسليم له في الدولة؟ ومعلوم ان حكام بعض الدول يفرضون قوانين جائرة، وعلى‏ مقاسهم، ولم تكن باختيار الشعب، وبالتالي فالعودة اليها ظلم، والحق العادل للانسان يقاس بالنظام العادل والقانون ‏العادل. وكان هذا الاعلان يعطي شرعية غير مباشرة للقوانين على اختلافها وتناقضها.
بينما القانون الاسلامي هو الحصيلة الطبيعية للالتزام بالاسلام، ويكون الاجتهاد داخل التفاصيل كما هي مساحة عمل ‏اي قانون له ثوابته وهوامشه، وبالتالي نحن امام رؤية واضحة ومقاييس للعدالة.
3- الحقوق الاخرى
ركز الاعلان على الحقوق للافراد بشكل مطلق واجمالي، وفيما يرتبط بالعلاقة مع الدولة او المجتمع بالاجمال، علما ان‏ حقوقا كثيرة لا تقل اهمية عن المذكورة، وهي العماد الاساس في البنا التربوي للفرد ليكون عنصرا صالحا ومؤثرا بالخير في مجتمعه، كحق الصديق، والجار، والزوج، والاولاد، والمعلم، والجليس، والمظلوم، والمدعى عليه...
وهذه ‏الحقوق قد ذكرتها بتبويب وتفصيل رائع ((رسالة الحقوق)) للامام زين العابدين(ع)، وقد بلغت خمسين حقا.

( الصفحة 281 )


4- حق اللّه وحق النفس
لقد جرد الاعلان العالمي الانسان عن خالقه وعن نفسه، ومعلوم ان الايمان باللّه تعالى اساس في تقويم سلوك الانسان ‏ووعيه والتزامه في مجتمعه، وان اغلب المشاكل والاثام تنشا عن ضعف هذا الارتباط، افلا يستحق هذا الامر اهتمام التوفير الجهود الكبرى التي تبذل كنصائح وتوجيهات دون الالتفات الى لب المشكلة، والتي اذا عالجناها عالجنا الكثير من العقبات في حياة الانسان؟ اضافة الى حق نفسه عليه، من السمع الى البصر واللسان والبطن والفرج، وهي حقوق ‏الجوارح التي ركز عليها الاسلام كثيرا وابرزتها ((رسالة الحقوق)) للامام زين العابدين(ع)، اذ ما ينفع المرء ان يترك ‏لجوارحه العنان دون رعاية حقوقها، ثم يعيش عقدا وازمات نفسية تؤدي به الى الياس والانتحار، حتى ولو كانت كل ‏الامور الخارجية ملائمة ومساعدة له وهو لا يعيش آثارها الايجابية في نفسه المريضة والمنهارة.
ان مشكلة الانسان تبدا من داخله، من قلبه وجوارحه، قبل ان تبدا من الخارج. ونحن بحاجة الى تعزيز الاسس التربوية ‏لنفس الانسان حتى نعينه على ضوابط الاستقامة والفضيلة، ليحصل على الاستقرار النفسي الذي يطلق قدرات الفرد وطاقاته في الاتجاه الايجابي اذا توفر على القواعد السليمة.
5- الاسرة
تحدثت المادة 16 عن ((حق التزوج وتاسيس اسرة))، وهذا امر اساسي في الاسلام، بل شجع على الزواج الى درجة ‏اعتبره مكملا لنصف الدين، او ثلثيه، لما له من تاثير في حصانة الزوجين، ووضع قواعد بنا الاسرة وضوابط العلاقة في ‏داخلها.
والاختلافات ثلاثة: اثنان نظريان وواحد عملي.
اما الاول، فهو قيدية الاسلام لدين الرجل بالنسبة للمراة المسلمة، حيث لا يجوز لها التزوج من غير المسلم، وهذا مخالف لما ورد في الاعلان ((من دون اي قيد بسبب العرق او الجنسية او الدين))، مع الموافقة بعدم قيدية الفروقات‏ الاخرى. والسبب الاسلامي ينطلق من الحرص على حق المراة في المحافظة على دينها،

( الصفحة 282 )


وهذا ما لا يتيسر في الغالبية ‏العظمى من الزيجات، خاصة مع عدم اعتراف الزوج بدين المراة. وتخفي دعوة الاعلان رغبة خفية في الغاء هذه ‏الضابطة، لعدم وجود الاعتبار الفعلي للدين، وينسجم الامر مع الخلفية العامة للاعلان في ابقائه يدور مدار الحياة ‏المدنية المنفصلة تماما عن اي رابط روحي.
اما الثاني، فقوله بانهما ((يتساويان في الحقوق لدى التزوج، وخلال قيام الزواج، ولدى انحلاله))، وهذا مخالف لطبيعة ‏الحياة الاسرية التي تتطلب توزيع ادوار تنسجم مع القدرات الكامنة عند كل من الرجل والمراة، بحيث يختلفان في ‏امرين اساسيين: القوامية للرجل ومسؤولية الانفاق عليه، وواجب الطاعة على المراة، ولهذين الامرين تفريعات ‏محدودة، واما الباقي من الامور فهما يتساويان فيها.
ولذا نفضل الحديث عن ((التوازي في الحقوق)) بما ينسجم مع ‏امكانية كل منهما في القاعدة العامة او عدالة توزيع الحقوق من وجهة النظر الاسلامية. والا كيف تدار اسرة من دون‏ مسؤول عنها؟ وكيف تحمل المراة مسؤولية الانفاق مع خصوصية الولادة والوضع الجسدي؟ وكيف تتلائم الفوارق ‏بينهما مع التساوي في كل شي‏ء؟!
اما المسالة العملية، فترتبط بالاداء الذي تجاوز الاسرة في الغرب قاطبة الى كل العوامل التفصيلية التي تؤدي الى ‏انحلالها، من الاباحية، الى حرية العلاقة من دون زواج وانفراد الاولاد بعيدا عن ضوابط التربية المباشرة للاهل، بل‏ وتوفير كل مقومات الاجهاض وايواء اولاد الزنى والتبني، كل هذا من ضمن عملية مترابطة ومعقدة ادت الى انهيار كبير في واقع الاسرة في الغرب.
ترى: اوليس المطلوب محاكمة تلك الدول والمسؤولين فيها والموجهين لها على هذه‏ الجريمة النكراء التي تضرب اساسا هاما من اسس الاعلان؟! وهل يحق لمن يضرب النواة المجتمعية والانسانية الاولى ‏ان يطالب الاخرين بالالتزام بحقوق تستخدم مطية للاغراض السياسية في الهيمنة الاستكبارية على المجتمعات ‏المستضعفة؟! وقد لاحظنا كيف سعت هذه الدول الغربية، في مؤتمر الاسرة في القاهرة،

( الصفحة 283 )


الى ان تشرع العلاقات غير الشرعية ضمن قرار دولي يغير من مضمون الاعلان، لتثبيت الخلفية التي ينطلقون منها في المادية الحياتية، ولولا وقوف ‏ايران والفاتيكان وبعض الدول الاسلامية لاصبح امرا ضاغطا على المجتمعات وثقافة مؤثرة في رسم معالم خطرة في‏ عالمنا الاسلامي عموما.
6- الحرية المطلقة
كيف يمكن الربط بين توقف حرية الفرد عند حدود حريات الاخرين، وفي الوقت نفسه يستطيع الفرد ((باية وسيلة ‏ودونما اعتبار للحدود)) نشر آرائه وافكاره. علما ان الظروف قد تتهيا له ليشكل خطرا توجيهيا على المجتمع، ويحرف ‏الحقائق والمعلومات، ويشكك الناس بمنطلقاتها الفكرية، وبخاصة اولئك المبتدئين او السطحيين الذين يتلقفون اي‏ فكرة من دون قدرة على تحليلها وتحديد صوابيتها. وعندما يواجه الاسلام المرتد الفطري فلأنه يبرز ارتداده ويستطيع‏ استخدام انتسابه السابق للاسلام ليطعنه من الداخل، ويتدخل في تفسير عشوائي واعتباطي لاسس الشريعة، مؤثرا في‏ ضعاف النفوس، ومؤسسا لتيار انحرافي يطال كل شي‏ء.
فاذا اشكل بعضهم بانها حرية!
سالنا: ولم تبررون منع حرية نشر المخدرات او الافكار الاخرى في بعض المجتمعات‏ القريبة باعطائها عناوين الارهاب ولبوسه؟ اليست الممنوعات لمخالفة ما يعيق افكارهم وخططهم وقناعاتهم؟! وهل ‏تصح القاعدة في مجال وتمنع عن الاسلام، الذي يضع التبريرات الموضوعية للحرية المحدودة بحدود حماية ‏المجتمع من كل الاخطار؟ فالمحرمات المادية والفكرية والسلوكية بنظر الاسلام انما كانت كذلك لانها تشكل خطراحقيقيا على الانسانية.
خاتمة
ان الحقوق في نظر الاسلام تنطوي على حالة من القداسة لارتباطها بالتكليف الالهي، وهي من ضمن منظومة كاملة‏وشاملة، بينما الاعلان العالمي يبقى مجرد افكار تنطوي على ايجابيات تصلح كتوجيه عام واسلوب ضاغط لكنها تفتقرالى المحفزات والاليات والحماية الحقيقية والانصاف.
ويجب ان نركز على القواسم المشتركة

( الصفحة 284 )


لتعميمها والاستفادة من‏ مضمونها، من دون التسليم بالاعلان كقاعدة ثابتة، لانه تسليم بالخلفيات والاهداف والنتائج.
وتبقى المطالبة بحقوق‏ الانسان التي نؤيدها جزءا لا يتجزا من واجبنا الاسلامي، ومن الضروري تحفيز الاخرين عليها لفائدتها الكبرى على ‏مستوى الانسانية جمعا.
الشيخ خالد العطية:
اشكر سماحة العلامة الشيخ نعيم قاسم، واعطي الكلام للاستاذ الدكتور محمد طي، ليتحدث في ‏المحور الثالث والاخير من محاور هذه الندوة، وهو: توظيف الدول الاستكبارية لقضية حقوق الانسان، كما تضمنتها لوائح الشرعة الدولية، في خدمة اهدافها الثقافية والسياسية في العالم الاسلامي.
د. محمد طي:
عند تناولنا ممارسات الغرب، في مجال حقوق الانسان، لا سيما تجاه الاخرين، لابد، بداية، من ‏استعراض بعض الامور الحقوقية النظرية.. لنصل بعدها الى قسم اول يتحدث بسرعة عن الاستعمار واستغلاله لمسالة‏حقوق الانسان، ثم الى قسم ثان يتناول الامبريالية الاستكبارية في العصر الحاضر الذي تتم فيه الهيمنة والاستتباع.
بداية، في مسالة حقوق الانسان، في الغرب، هذه الحقوق وردت في مقدمات الدساتير ووقع الاختلاف حول طابعها الحقوقي ومستواها، فاذا كانت ذات طابع حقوقي، اي انها ملزمة للناس، فما هو مستواها؟ من مستوى الدستور ((القانون‏ الاسمى)) او هل هي من مستوى القانون العادي؟ هذا الامر اثار نقاشا طويلا نختصره بان اغلبية الذين درسوا هذا الموضوع توافقوا على ان حقوق الانسان الواردة في مقدمات الدساتير لا ترقى الى مرتبة الدستور.
ثم انهم، اضافة الى ذلك، قيدوها بالقوانين فاصبحت القوانين هي المتحكمة بالموضوع اكثر من الدساتير، ويعني اننا، عندما نقيد حقا اعطاه الدستور للانسان بالقانون، اي نضعه تحت رعاية القانون، ان القانون هو المتحكم، هو المقيد، وهو الذي يحدد محتوى هذا الحق.
في العالم الثالث، طبعا، دخلت هذه الاعلانات والمقدمات، الدساتير لكن هناك استخفاف بالدساتير

( الصفحة 285 )


والقوانين، الامر الذي يجعلها الى حد بعيد شكلية، فلا نستطيع الكلام عن قيمة حقوقية، وبالتالي اذا هي امور للدعاية لا اكثر ولا اقل.
هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان اعلان حقوق الانسان، سوا في نسخته الفرنسية الاساسية ام في الاعلان العالمي‏ لحقوق الانسان، لم يتناول حقوق الشعوب، بل تناول فقط حقوق الفرد، ولم تقنن حقوق الشعوب الا في شرعات‏ ومواثيق اخرى اكملت الاعلان، فمثلا حق تقرير المصير ورد في شرعة الامم المتحدة وفي العهدين الدوليين اللذين ‏صدرا في ما بعد واللذين تحدثا عن حقوق مدنية وحقوق سياسية واقتصادية واجتماعية.
لكن هذه المواثيق وهذه الشرع وهذه القوانين الدولية، على وجه العموم، طرحت مسالة الزاميتها، فالقانون يجب ان‏ يكون ملزما، في تعريفه انه قاعدة الزامية، فاذا لم يكن قاعدة الزامية فلا يكون قانونا. فهو يعتمد حتى يكون قانونا على ‏الالزام، والالزام ليس تمنيا، وحتى تكون القاعدة ملزمة يجب ان تقترن بالجزا. بمعنى ان خرق هذه القاعدة.. ماذا يرتب؟ فاذا كان لا يرتب شيئا فالقاعدة هي ليست قاعدة قانونية.
من هنا عمدت بعض الدول الى ادخال هذه المعاهدات وهذه المواثيق في انظمتها الحقوقية الداخلية، معتبرة ان أي ‏معاهدة دولية تبرمها الدولة تاتي قبل القانون الداخلي.
فعند ذلك، وبشكل غير مباشر، اصبحت هذه المعاهدات ‏والمواثيق من ضمن القوانين.
ومن الحقوق التي شملت الجماعات، الى جانب حق تقرير المصير الذي تحدثنا عنه باختصار، هناك مبدا عدم التدخل‏ في الشؤون الداخلية، وهناك حقوق الاقليات التي ركزت عليها مبادى‏ء ويلسون الاربعة عشر في تاريخ 18/1/1918م.
وهناك كذلك مسائل اخرى رعتها مواثيق وعهود دولية، منها اقتلاع الشعوب وتهديدها وترويعها، وما الى ذلك مما وردفي البروتوكولات الملحقة بمعاهدة جنيف.
اما مسالة اقتلاع الشعوب، فكانت في اساس قيام دول، وبالتالي كيف تستطيع هذه الدول ان تتنكر لهذا الامر؟

( الصفحة 286 )


مثلا اميركا قامت باقتلاع شعب من ارضه. قامت على جثث مئتي مليون من البشر، فهل من الغريب اذا ان تبرر لكل دولة‏ تقوم بهذا الشكل قيامها! وفي ضوء ما سبق يمكن ان نتحدث في القسم الاول، عن ممارسات الاستعمار.
الاستعمار دخل، بشكل او بآخر، على اساس حمايته لحقوق الانسان، واعتبر الاستعمار رسالة للرجل الابيض في ‏العالم غير الابيض، حتى يرفع من مستوى الانسان في هذا العالم الى المستوى الذي يليق بالانسان الذي يمكن ان يتمتع ‏بالحقوق.
اذا.. دخل ليهي‏ء الانسان ليستطيع التمتع بالحقوق.
ولكن على صعيد الممارسات فان الاستعمار الذي كان قد بدا بعدان وردت الاعلانات عن حقوق الانسان على صعيد الدول. (وكانها لا تعني الا الداخل -فكانوا يطبقونها.. يمارسونها في ‏الداخل).
اما في المستعمرات، طبعا الامر يختلف على اساس ان هذه المستعمرات لم تصبح اهلا للتمتع بحقوق ‏الانسان. فنسف المستعمر في المستعمرات اغلبية المواد المتعلقة بحقوق الانسان باستثناء حق الزواج.
ما تبقى كله‏ نسفه: الحق بالحرية الوارد في المادة 3 من الاعلان، الحق بالكرامة (مادة 12) الحق بالملكية الفردية والملكية الجماعية‏ الوارد في المادة 17 الحق باقامة نظام سياسي على اساس المادة 28 مسائل التشويه الثقافي وما اليها، مسائل التعليم، حيث كان الدخول من باب حرية التعليم لفرض التعليم الذي يريدونه.
هذه كانت ممارسات الاستعمار.
ونحن نذكر ممارسات الاستعمار لنقول ان هذه الدول كانت مستعمرة، وقد ورثتها الدول التي تمارس الاستعمار الجديد او ((الامبريالية)) .
لم تتغير هذه الدول في طبيعتها، لم تفقد عدوانيتها، لم يتبدل‏ جوهر مواقفها من الدول الاخرى، انما تغيرت الوسائل.
ونحن عندما نذكر هذه الامور ليس من باب الخروج عن ‏الموضوع وانما من باب التمهيد لمعرفة كيف تتصرف الامبريالية اليوم، ولماذا تتصرف على هذا النحو؟ فالامبريالية، لا سيما منها الامبريالية الاميركية، ورثت الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية، وبرزت اميركا ظاهريا على ‏انها قوة تحررية تساعد حركات التحرر، وتساعد بعض الدول المعتدى عليها،

( الصفحة 287 )


واستخدمت هذا الاسلوب للحلول محل ‏بريطانيا ومحل فرنسا بشكل خاص ومحل سائر الدول الاستعمارية، التي كانت تسود في مناطق العالم الثالث على وجه‏ عام.
الامبريالية قامت على اساس الهيمنة، على اساس مناطق النفوذ وعلى اساس الاستتباع معتمدة على قوة اقتصادية‏ وعسكرية جبارة.
فالقوة هي التي مكنتها من ان تحتل، بعد ازاحة اوروبا عن المسرح العالمي، الجزء الاكبر من الساحة ‏بعدد سكانها الذين لا يتجاوزون 5% من سكان العالم الذين كانوا يستهلكون حتى الاربعينات 50% من الانتاج العالمي.
ورغم هبوط استهلاكهم اليوم نسبيا فهو لايزال يبلغ حوالي 22% اعتمدت الامبريالية اشكالا مختلفة من التدخل، فهي ‏تدخلت في اميركا اللاتينية باستمرار على اساس ان اميركا اللاتينية تشكل حصة محفوظة للولايات المتحدة الاميركية، فلا يجوز منازعتها فيها، وبقي الامر على هذا النحو وما زال قائما حتى اليوم.
فقد تدخلت في الاربعين سنة الاخيرة، على الاقل، في تشيلي وفي نيكاراغوا وفي غرينادا وفي بنما، وفي ما يسمى‏ بجمهوريات الموز بشكل عام، وفي كوبا.
كما مارست تدخلها في جنوبي شرقي آسيا وريثة لفرنسا بعد ان هزمت فرنسا في فيتنام في معركة ديان بيان فو.
دخلت ‏اميركا الى فيتنام وكوريا وكمبوديا وسائر دول جنوبي شرقي آسيا حيث ارتكبت ما ارتكبته، فقسمت كوريا التي قسموها وفيتنام ايضا الخ..
وتدخلت ضد دول المعسكر الاشتراكي، ايضا، بعد بروزه على المستوى العالمي بين سنوات الخمسين والتسعين،حتى زوال هذا المعسكر.
وكانت تدخلت ايضا في الدول الاسلامية. لكن بعد زوال المعسكر الاشتراكي اخذ التدخل في الدول الاسلامية وجهة‏ جديدة باعتبار انه جرى التركيز على العالم الاسلامي بشكل اوضح وافعل مما كان في السابق. سواء كان في شبه القارة ‏الهندية ام في الشرق الاوسط وشمال افريقيا وغيرها.
فقد جرى تدخل ناشط منذ الثمانينات. لماذا هذا النشاط؟ لانه ‏برزت حركات اسلامية ثورية مقاتلة ذات اتجاه تحرري

( الصفحة 288 )


لا سيما بعد قيام النظام الاسلامي في الجمهورية الاسلامية ‏الايرانية وقامت حركات مقاومة هنا وهناك كان لابد من ان تتخذ الامبريالية الاميركية منها مواقف.
واذا بها تقف مع‏ اسلام وتقف ضد اسلام، تقف مع الاسلام المرتبط بها، الاسلام القابل بهيمنتها وبسيطرتها وتقف ضد الاسلام الرافض ‏لهذه الهيمنة ولهذه السيطرة.
فهي ضد الجمهورية الاسلامية وهي ضد المقاومة الاسلامية، وهي ضد حركات التحرر عموما، لكنها مع بعض الانظمة الخاضعة لسلطانها، ثم هي ايضا تتخذ موقفا مشبوها من بعض الحركات الاسلامية ‏المسلحة.
فالموقف المعادي من التحررية لا نلمسه في الموقف من الحركات الاخرى. يعني مثلا عندما يؤيدون بعض فصائل ‏المقاومة الافغانية او عندما يؤيدون بعض الفصائل في الجزائر او يسكتون عنها على الاقل فالامر مشبوه.
هناك اتهامات‏ في هذا المجال تقول انهم يريدون ازاحة فرنسا ليحلوا محلها من طريق تشجيع فصائل مسلحة معينة، ومن طريق تشجيع‏ ايضا صيغ من الاسلام تقاوم المسلمين، من دون ان تقاوم اعدا المسلمين تريد ان تؤكد وترسخ اسلاما خانعا مفرغا. وباختصار هي تتدخل وستبقى تتدخل ما دام الامر متاحا لها، فتحقق ما تشا من الاغراض.
هذا التدخل اتخذ اشكالا مختلفة، فهو احيانا يتم بالواسطة سوا بواسطة العدو الاسرائيلي ام بواسطة دول اخرى. لكن المثال الذي يهمنا اكثر والمثال الصارخ هو مثال العدو الاسرائيلي. فالدول الغربية واميركا من ضمنها ساهمت في اقامة دولته على ارض شعب ‏آخر. وتم طرد هذا الشعب.
فهل اقتلاع الشعوب يأتلف مع حقوق الانسان: ان من ينادي بالحفاظ على حقوق الانسان‏ في بلاده ويخرق حقوق الانسان في الخارج لا يمكن الا ان يكون متناقضا لا سيما عندما يوافق على اقامة دولة على ‏انقاض دولة، وعندما يزرع شعبا مكان شعب.
ولم يقتصر دورهم على تمكين هذه الدولة من القيام. بل ايضا على ‏تمكينها من الاستمرار من طريق المساعدات المختلفة. وهذه الدولة على ابصارهم تخترق حقوق الانسان يوميا، قامت‏ على اساس نسف

( الصفحة 289 )


الانسان بكليته لا بنسف حقوق الانسان فقط، كما قامت اميركا نفسها، وهي اليوم تمارس وبعد قيامها الفظاعات وترتكب الجرائم بحق حقوق الانسان في مختلف اشكالها.
فكم تناقض، بتصرفاتها هذه، الاعلان العالمي واتفاقيات جنيف وكل الشرع التي تحمي الانسان في الاراضي المحتلة‏ بشكل عام، والتي تمنع التدخل في شؤون الدول الاخرى والتي تمنع حيازة الارض بالقوة. اذا هي تضرب، عرض ‏الحائط بكل المواثيق.
وهي ترفض قرارات مجلس الامن والامم المتحدة منذ قيامها وما زالت حتى اليوم. فرفضت مئات ‏القرارات، ومع ذلك هنالك من يدعمها حتى في رفضها. هناك اذا تبن كامل لهذا العدو وللدول المشابهة له، في مواقفه‏ من قبل اميركا وسائر الدول الامبريالية.
ثم ان هذه الدولة التي تدعم هذا العدو في كل ارتكاباته، هل هي مخلصة لحقوق الانسان في الداخل؟ هل ان الادارة‏ الاميركية مخلصة لحقوق الانسان داخل اميركا؟ انها تستجيب لضغوط اللوبي الصهيوني حتى ضد شعبها، فهي تشوه ‏اختياراته السياسية، فاللوبي الصهيوني يستطيع ان ينتزع المواقف من الادارة الاميركية حتى ولو كانت مناقضة في بعض ‏الاحيان لمصالح شعبها، وهي ايضا تسمح بفرض ((الخوات)) على شعبها، على دافعي الضرائب، من اجل تقديم ‏المساعدات الهائلة لهذا العدو. اذا فالادارة الاميركية ترهن جزءا من حرية شعبها وجزءا من امواله لدعم هذا العدو الذي يخرق حقوق الانسان يوميا والذي قام بخرق هذه الحقوق، فهي اذا شريكة له في جرائمه.
ومن اشكال التدخل ايضا، التدخل المباشر الذي يتم بصيغ متعددة ايضا منها:
التدخل على الصعيد الاقتصادي:
فبعد ان حلت اميركا محل الاستعمار بقواه العسكرية التي كانت تحتل البلدان‏ المختلقة، استغنت عن التدخل العسكري المباشر لتستتبع الدول الاخرى اقتصاديا، وذلك عن طريق المباراة غير المتكافئة بين اقتصادات دول ما زالت تتعثر في تامين الحد الادنى وبين اقتصاد دولة جبارة قلنا: انها كانت تستهلك 50%من انتاج العالم. ثم انها لا تكتفي بهذا،

( الصفحة 290 )


بل هي تفرض اليوم فتح الاسواق للتجارة على اساس دك آخر معاقل الحماية‏ لاقامة اقتصادات في مختلف البلدان لتستطيع ان توفر لشعوبها حدا ادنى من العيش الكريم، ويتم ذلك بواسطة اتفاقية ‏الغات وبواسطة العولمة وما اليها.
ثم على الصعيد السياسي: انها تتدخل سياسيا ضد الانظمة التحررية بهدف قلبها، ضد الانظمة التي تعارض اميركا.
ومن ‏ينظر الى التاريخ القريب ير الامثلة متواترة امامه، على ان اميركا في هذا المجال تتذرع بمسالة حقوق الانسان.
فالمفارقة ‏اذا انها تتلاعب بحقوق انسانها وتشجع على التلاعب والعبث بحقوق الانسان في غير بلادها، تتدخل تحت هذا الشعار لتحقيق سياسات معينة تمكنها من الهيمنة على الشعوب ومقدراتها. ثم هي في ترويجها لنسخة من حقوق الانسان ‏تصور ان الحق (كل الحق) معها على اساس ان هذه الحقوق التي تروج لها والتي تريد فرضها لا ياتيها الباطل من بين ‏يديها ولا من خلفها، وان ليس هنالك من نسخة اخرى لحقوق الانسان يمكن تطبيقها.
اذا، هذه الاحادية والاطلاقية في النظرة تريد ان تعممها على العالم متجاهلة كل ثقافات البشر. كل انتاج الحضارات التي ‏قامت قبل اكتشاف اميركا وانتقال الانسان الابيض اليها بآلاف السنين. انها لا تعترف بهذه الثقافات التي انتجت حقوقا للانسان قد تختلف في بعض صورها عن الحقوق الاوروبية والاميركية، وبالتالي فهي لا تقيم وزنا لكل التاريخ البشري.
على الصعيد الثقافي:
حتى ترسخ تدخلها وتبرره، فهي تتدخل ثقافيا على نحو اوسع. فهي عندما تريد فرض حقوق ‏الانسان تريد فرضها من ضمن ثقافة. هي تبشر بثقافة تؤدي في النهاية لان تكون حقوق الانسان التي تفرضها محصلة لها، وبالطريقة التي تراها. فالتدخل الثقافي يتم من طريق قطع الشعوب عن جذورها. فالثقافة مسالة استمرار، لا يمكن ان‏ ننشأ ثقافة منعزلة في بوتقة معينة. (ثقافة بالانبوب) فالثقافة نتاج التاريخ، فكيف اذا كانت البوتقة والانبوب مستوردين؟ ان يحصل نوع من التلاقح الثقافي. لكن لا يمكن ان يتم زرع ثقافة جديدة على انقاض ثقافة قديمة

( الصفحة 291 )


وان تؤتي هذه الثقافة ‏المزروعة ثمارها، لان زرع ثقافة جديدة مكان ثقافات قديمة يؤدي الى نوع من مسخ الشخصية الثقافية لدى الشعوب‏ وهذا ما يظهر جليا في افريقيا. فالافارقة تعلموا اللغات الاوروبية والطبقة العليا عندهم، او الشريحة العليا المثقفة‏ عندهم، تبنت هذه الثقافات. لكن اين العلما؟ واين المفكرون؟ واين المساهمون في الحضارة الانسانية؟ ان هؤلاء ان ‏وجدوا نجدهم ليس في من تبنوا هذه الثقافة وتنكروا لثقافتهم الاصلية، بل عند من تمسكوا بثقافتهم وتطويرها والالتقاء في ما بينها وبين الثقافات الاخرى. الا ان هناك عاملا معيقا هو مسالة المنافسة في ظروف غير متكافئة. فهناك ثقافة‏ تمتلك كل وسائل النشر، كل وسائل العلم الحديثة، كل التقنيات الحديثة، وفي المقابل ثقافة ما زالت تتعثر في وسائلها البدائية القديمة، فلا تستطيع الانتشار حتى في بلادها. فاذا هذه الثقافة التي تشكل احدى مكونات الشخصية الانسانية‏ يجري مسخها لخلق انسان مشوه يتقبل كل ما يفرض عليه على صعيد الاستهلاك، وعلى صعيد العلم، وعلى صعيد المواقف السياسية، وعلى كل الاصعدة. هم بهذا اذا يحاربون الثقافات الاصيلة التي ترفض الاستعباد ويشجعون نوعا من الثقافة يؤدي الى القبول به.
واخيرا يريدون ابعاد الدين، (الدين) كمعطى روحي ومعطى اخلاقي، وذلك من طريق نشر ممارسات مجافية للاديان، ممارسات تركز على الجنس وعلى العنف، وتحاول نشر هذين الامرين وبشكل سطحي يخاطب الغرائز الانسانية، بحيث انه يمكن ان يجذب كل اولئك الذين لا يمتلكون ثقافة عميقة بعد محاولة اجتناب الثقافات الناجحة نسبيا والذين يستجيبون لدواعي الغرائز، وهم في هذا المجال لا يشوهون الاسلام فقط، بل يشوهون المسيحية. فقد حاولوا تشويه الاسلام عن طريق ابعاده عن الساحة السياسية وعن الساحة الاجتماعية وحصره بعلاقة الانسان بربه، مع كل هذا التاريخ من القيم والمفاهيم التي حملها الاسلام على مدى قرون. نحن لا نقول ان الاسلام كان في كل مراحله الاسلام‏ الناصع الذي بشر به القرآن.

( الصفحة 292 )


لكن هم لا يريدون نسف النقاط المظلمة في الاسلام بل يريدون نسفه جملة وتفصيلا والى ‏جانب نسف الاسلام، يريدون نسف المسيحية. فكيف يتعاملون مع المسيحية؟ معروف ان الدولة الاستعمارية في ‏السابق كانت تحتمي بالمسيحية مشوهة. ولكن الامبريالية اليوم، والتي قامت في معظمها على اساس المذهب‏ البروتستانتي، حاولت استخدام نسخة جديدة من المسيحية للالتقاء مع الصهيونية. فاذا كانت حركة الاصلاح الديني ‏التي اتت بالبروتستانتية، حركة دينية، لكن السياسيين امسكوا بها لا سيما في بريطانيا فقد اتى الملوك ليكونوا رؤساء للكنائس، وبالتالي استغلوا المسالة استغلالا سياسيا وهم الذين التقوا في ما بعد مع الصهيونية على اساس فكرة ((دينية))تقول: انه اذا شجع اليهود على الهجرة الى فلسطين فان ذلك، سيعجل في مجي‏ء المسيح، لان المسيح حسب وجهة ‏نظرهم، سيجي‏ء عندما يتجمع اليهود في فلسطين، وهم يشجعون هذا الامر من طريق دفع اليهود الى الهجرة ودعمهم‏ حتى يسرعوا في مجي‏ء السيد المسيح.
فاذا هم عملوا على تشويه الثقافة الاسلامية، وكذلك الثقافة المسيحية، وعملوا على نشر ثقافة سطحية تخاطب الغرائز من جهة وتصور ان الانسان يستطيع ان يفعل ما يشاء عن طريق طرح نموذج السوبرمان، وهو الرجل الاميركي الابيض ‏الذي يستطيع ان يغامر ويصل الى كل ما يريده ويحقق المعجزات من جهة اخرى، كما انهم من طريقة هذا المثل ‏المغري الذي يظن بعضهم ان باستطاعتهم ان يحققوه في ذواتهم، وعن طريق نشر ما سمي باسلوب الحياة الاميركية، هذا الاسلوب الذي يجعل الحياة سهلة، يريدون اذا ان يستعمروا العالم ثقافيا كما نجحوا في استعماره اقتصاديا الى حد بعيد.
الشيخ خالد العطية: اشكر الاستاذ الدكتور محمد طي، واترك للاخوة الحضور ان يشاركوا، بمداخلات قصيرة، او باسئلة‏ تتناول مسائل اثيرت في كلمات السادة المنتدين او لم تثر.
احد الحضور: يجب الا نلقي اللوم على الامبريالية والاميركان وحدهم في انتهاك حقوق الانسان،

( الصفحة 293 )


فلو نظرنا الى الواقع‏ العربي لراينا كثيرا من هذه الانتهاكات التي لم يشر احد منكم اليها.
واحب ان اسال فضيلة الشيخ نعيم قاسم سؤالا مختصرا عن الحدود المرسومة بين حقوق الانسان وبين حرية التعبيرعن الراي، فاقول: ما هي هذه الحدود التي يمكن رسمها في هذا الاطار، وبخاصة انك تحدثت عن سلمان‏ رشدي؟ الشيخ نعيم قاسم: حرية التعبير عن الراي مسموح بها في دائرة عدم قلب البنية الاساسية للتفكير في المجتمع ‏الاسلامي، اي بطريقة لا تتعرض الى الاسس والمقدسات. فالمرتد هو انسان لم يرفض فقط التزامه الديني، وانما بدا يعادي هذا الالتزام بطريقة يشوه معها الحقائق. فمن يقرا كتاب سلمان رشدي يجد تحليلاته للسيرة النبوية ولقصص ‏القرآن الكريم بطريقة خيالية. يعني لا تستند لا الى واقع تاريخي ولا الى تحليل علمي ولا احد يمنعه من ان يقول: هذا ساقط على المستوى العلمي، لكن ان يختار مجموعة اخبار ويترك حقائقها التاريخية، ويبدا هو بالربط والتفسير بالطريقة التي يريد والتي تخدم سياسة الغرب الاستراتيجية في تشويه الاسلام فهذا امر يؤسس لخطر حقيقي في داخل ‏المجتمع.
الامر الاخر، وهو حرية الراي ويبرز بشكل واضح عند الاختلاف الذي لا يتوصل الى اتفاق مع الاسلام، مثلا عندما يكون هناك مسيحي او يهودي موجود في داخل المجتمع الاسلامي، فهو يستطيع ان يعبر عن مسيحيته وعن يهوديته ‏وعن قناعته من دون ان يكون هناك مانع، شريطة الا يمس قناعات الاخرين بالتشويه والاتهام والتزوير. هو يقول: انا عندي ادلتي الموجودة، ويقدمها ويناقش على هذا الاساس. من هنا الاسلام يفسح في المجال امام حرية الراي الى ‏درجة الاجتهاد الذي يختلف فيه فقهاؤنا اختلافا نضج منه نحن احيانا.
هات لي مثالا على مستوى العالم كله يتيح هذا القدر من حرية الراي حتى اكثر الناس قولا بذلك في العالم الغربي ومنهم ‏المثقفون المعاصرون.. تجد انهم عندما يشعرون بقوة حجتك ومنطقك يبداون بالحرب عليك حتى لا تتكلم،

( الصفحة 294 )


ومن ثم‏ ياتون الينا ليقولوا: ان الديمقراطية مسموحة للجميع لكن للاسلاميين كلا، لماذا كلا؟ اذا كانت الديمقراطية مسموحة ‏للجميع، فلماذا منعها عن الاسلاميين؟ يقولون لان الاسلاميين اذا استخدموا الديمقراطية يستغلونها، فيمنعون ‏الديمقراطية. من قال لهم ذلك؟ انهم يحاكموننا على التصورات وعلى النوايا، اذا جربني اولا فاذا منعتك من الحرية، قل‏ بعدها: هؤلاء الذين منعوني وعلي ان اواجههم. خذ مثلا قضية الحجاب في فرنسا فهي اسطع شاهد على حقيقة حرية ‏الراي والمعتقد في المجتمع العلماني.
من هنا نقول بصراحة: حرية الراي مباحة ما دامت تحترم مقدسات الاخر، وما دامت تناقش بطريقة علمية، وما دامت ‏تطرح ما تريد من دون ان تطعن بالاخرين بطريقة لا اخلاقية وغير مؤدبة.. الخ. فليتكلم الانسان برايه بشكل حر ولا احد يمنعه من ذلك.
الشيخ خالد العطية: اعتقد ان الاسلام، لا يحجر على الانسان ان يفكر، ولا يسد عليه ابواب حرية الضمير والمعتقد الديني، بدليل ان القرآن الكريم يخاطب الرسول(ص) فيقول له: (ولو شاء ربك لامن من في الارض جميعا افانت تكره ‏الناس على ان يكونوا مؤمنين) ويقول في آية اخرى: (لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي). الضمير لا سلطان لاحد على تغييره من الخارج، وانما يتغير من داخله وفقا للاسباب الطبيعية. هذه حقيقة لا جدال فيها. ان الرسول(ص) نفسه‏ واجه اناسا شكوا في عقيدتهم وطرحوا عليه بعض التساؤلات والوساوس التي عبروا فيها عن شكهم وعن اهتزاز ايمانهم والرسول(ص) لم يواجه مثل هذه الحالات بانفعال وتعصب، انما فتح قلبه لهذا السائل، واجاب عن هواجسه، وخرج السائل من عنده وهو كامل الايمان، واثق اليقين. الحقيقة، المسالة، هنا هي: هل حرية الراي معناها الاساة الى‏ النظام العام؟ هل حرية الراي معناها حرية الانسان في ان يسي‏ء للاخرين ويجرح مشاعرهم من دون ان يقدم افكارا اواي حجج عقلية مقنعة او منطقية؟ هذا هو السؤال .
د. عدنان السيد حسين: اعتقد انه توجد، في العالم الاسلامي عموما،

( الصفحة 295 )


وفي قلبه العالم العربي، اشكاليات ومغالطات‏ كثيرة تحتاج الى جلا ووضوح، والمهمة ليست بالبساطة التي يعتقدها بعض الناس. مسالة الالزام في القانون التي اشار اليها الشيخ نعيم، والتي تحدث عنها د. طي، هي اشكالية قانونية، لا تزال قائمة حتى الان في القانون الدولي الانساني ،اي القانون الدولي المعني بحقوق الانسان، اضافة الى مسالة الخصوصية الحضارية وعلاقتها بحقوق الانسان، على ماذا نوافق؟ وعلى اية مواد نعترض؟! حسنا فعل الشيخ نعيم عندما ايد مواد واردة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وانتقد او رفض مواد اخرى. هذه‏ منهجية مفيدة في الفكر الاسلامي فيما لو تابعناها وافضنا في الدراسات وصولا الى مفاهيم عصرية حول حرية الراي‏ مثلا، حقوق المراة في المجتمع الاسلامي، المساواة امام القانون بين الناس وغيرها من الامور الصعبة التي تحتاج الى‏ علما في الدين، والى علما في القانون، وفي السياسة، وفي الاجتماع، في العالم الاسلامي وغير العالم الاسلامي. مشكلة العالم الاسلامي انه حتى الان لم يدخل هذا الموضوع بجدية كاملة، لقد كان ضعيفا عند وضع الاعلان العالمي ‏لحقوق الانسان عام 1948 وبقي ضعيفا في مؤتمر فينا عام 1993 المؤتمر العالمي لحقوق الانسان، واذكر ان الوفد الماليزي في هذا المؤتمر رفض الطرح الاميركي من منطلق ان حقوق الانسان لا تعني تعميم خصوصية اميركية او غربية ‏او مادية على باقي الشعوب، فلنحافظ على الخصوصيات الحضارية للشعوب.

د. سليم الضاهر: اشار د. عدنان الى اعلان صدر عن منظمة المؤتمر الاسلامي، سنة 1990م، واشير الى حدث اسلامي ‏هام حصل عام 1971 - 1972 في باريس، وهو الاعلان الاسلامي لحقوق الانسان، حبذا لو نرجع اليه ونطوره. وهنا آمل، عندما نتطرق الى هذه الامور العصرية، الا نعود دائما الى المطلق، وهو في الاسلام، معروف: الايات القرآنية الكريمة‏ والاحاديث النبوية، وهذه موجودة، والسؤال هو: ما هو العمل؟ كيف نحول العام الى كيفيات داخل المجتمع؟ كيف‏ نحقق حرية سياسية الان؟ كيف نحقق حرية اقتصادية بما يضمن مصلحة الجماعة او المجتمع.. الخ.

( الصفحة 296 )


انا لا اريد ان استطرد كثيرا، لكن المشكلة او الاشكالية الكبرى هي في الدخول في التفاصيل، في الكيفيات وهنا ياتي ‏باب الاجتهاد.

اولا: العالم الاسلامي لا يحكمه منهج اجتهادي واحد، ثم هو محكوم بدول اسلامية متعددة الاتجاهات السياسية وفي‏ منطلقاتها، وهناك فارق كبير بين حقوق الانسان في الاسلام وحقوق الاسلام في العالم الاسلامي كما هي اليوم.

كنت‏ اتمنى ان ندخل في موضوع حقوق الانسان في العالم الاسلامي، لكن هذه بداية خير.

احد الحضور: اريد ان اوجه سؤالين الى سماحة العلامة الشيخ نعيم قاسم،
اولهما: اليوم لا يوجد احد يتحدث عن ‏الحرية في العالم، الا ويتحدث عن البيئة، تعلمت في المدرسة، ثم قرات التوراة وقليلا من القرآن من دون توسع، لم ارفي الانجيل او التوراة اية كلمة عن احترام النبات او الحيوان وهما ظاهرة اساسية لا يقدر الانسان ان يتخلى عنهما؟ اذا لماذا هذا الاهمال في الكتب السماوية للبيئة التي يتوقف عليها مصير الانسانية اليوم، لماذا الديانات المسيحية‏ واليهودية وحتى الاسلامية لم تعط هذه الناحية اهميتها؟ وثانيهما: الحرية هي الباب الواسع للدخول الى حقوق ‏الانسان، ولا نستطيع الكلام على حقوق الانسان اذا لم نتكلم على الحرية، وانا ارى ان مشكلة الشرق اليوم هي مشكلة ‏الحريات ونحن لا نستطيع ان نواجه الغرب اذا لم نكن احرارا، (واشار السائل الى مسالتين اولاهما: مسالة سلمان ‏رشدي
وثانيتهما: مسالة الشيخ الذي ضاق صدره براي محاوره في ندوة متلفزة)
الشيخ نعيم قاسم: نبدا بالسؤال الثاني المتعلق بموضوع حرية الراي، اولا: لا يوجد احد منع حرية الراي، وانا ذكرت ‏بعض الحدود الموجودة وهي لحماية المجتمع العام، وليست لمنع الافراد من التعبير عن آرائهم وقناعتهم بكل ‏صراحة، واكثر من ذلك، حتى الفتوى التي صدرت بحق سلمان رشدي هي في الواقع صدرت بحق عقلية، اكثر مما هي ‏بحق فرد، لان ورا سلمان رشدي مشروعا غربيا

( الصفحة 297 )


متكاملا لضرب الواقع الاسلامي من خلال افراد ينتسبون اليه ‏ويخرجون عليه حتى يقال: ان المشكلة عندكم كذلك.
لعلك تلاحظ ان في الباكستان مفكرين ومثقفين كثرا لهم آرا متنوعة، والغرب يختار واحدة فقط من الكتاب‏ الباكستانيين ويصنع منها قضية كبيرة لانه يتخذها مدخلا لتحطيم البنية الاساسية الموجودة في مجتمعاتنا الاسلامية .ومن هنا، لا يجوز ان ناخذ الموقف من نماذج محدودة جدا، ليس هناك احد يمنع الاخرين من التعبير عن آرائهم‏ بالكامل، والمشهد الذي شاهدته على التلفزيون من قبل شخص لا يصلح للتعميم على كل الاشخاص، كان المفروض ،اذا قدم المحاور المسيحي انتقادا او اعتراضا على حقوق المراة في الاسلام، ان الشيخ، او الشخص الاخر، يقف ويقول ‏له هاهي حقوق المراة في الاسلام ويصحح له، وهو بالنتيجة حر سواء اقتنع ام لم يقتنع.
فهذا عائد له.
المهم ان يكون هناك ادب ولياقة في علاقة الافراد، بعضهم ببعض، عند الاختلاف في الراي، يمكن لبعضهم ان يقول: ان الزواج في الاسلام لا يعطي حقوقا للمراة، وهو حر ان يقول هكذا! والثاني يرد عليه. لكن ان يقول احدهم ان طريقة‏ الاسلام في التعاطي مع المراة طريقة مهينة مذلة.. الخ.

فهذه صارت مسبة لا فكرة يريد ان يناقشها او يحاورها، نحن ضد الشتائم لكننا مع الحوار وابدا الراي والتفنيد والتفصيل الى اقصى حد ممكن وصدورنا ليست ضيقة ابدا.

والناس‏ جميعهم يتكلمون ويعبرون عن القناعات الموجودة لديهم حتى عندما نرفض الزواج المدني او نرفض اي شي‏ء مطروحا، نقول: اننا نرفضه مع تبيان اسباب رفضه! من حقنا ان نرفض كما هو من حق الاخرين. اتذكر انه كان هناك لقاء منذ اسبوع في الجامعة اللبنانية.. الفرع الخامس في صيدا، وكان لقاء مع الطلاب، احد الشباب المسيحيين يقف ويقول: انتم لماذا تهجمون على الزواج المدني بطريقة كانكم تمارسون ضغطا، دعوا الناس تعبر عن رايها.

قلت له: انت لماذا تقف وتمارس علينا ضغطا. فنحن نقول: لا نقبل بالزواج المدني لانه فيه مصائب كذا وكذا،

( الصفحة 298 )


وانت قل: انا اقبل بالزواج المدني لان فيه الحسنات التالية. هل منعك احد من قول ذلك، ولكن اذا بدا كلامنا كان فيه ضغطا، فهذا يعني انه لم تتوفر لديك الارضية الكافية لمواجهة اعتراضنا على الزواج المدني فتبدا تتكلم: ازيحوا الضغط، فما معنى ‏هذا؟ انه يعني امتنعوا عن الكلام. طيب لماذا يحق لك ان تتكلم، ونحن لا يجوز لنا ذلك؟ من هنا اريد ان اقول: حرية الراي مسموحة ما لم تصل الى الشتائم، ما لم تصل الى انتهاكات في عقيدة الانسان‏ وتفسيرات وتهم ليست صحيحة.

واحدة من الاشكالات في واقعنا اللبناني، وتخص المفكرين والاحزاب، انهم معلّبون، قبل ان يناقشوا، بحيث ان ‏الواحد معبا حول قناعته ويقول لك: قبل ان ابدا معك. لا تقترب مني وسابدا احاورك، اذا لا يوجد حوار. يوجد تكهرب، يوجد واحد يسجل نقطة على الاخر.

لذلك نحن ندعو دعوة صريحة وواضحة الى مناقشة كل الافكار والتعرف على كل الافكار، ومنها الفكر الاسلامي‏ بالكامل. يعني نحن في مجتمع ليس من الصحيح ان يخرج علينا مثقف ويقول: انا.. عندي ملاحظات على الاسلام لكن ‏لا اعرف الاسلام.

اما بالنسبة لموضوع الرفق بالحيوان والنبات والبيئة... الخ فانني لست مدققا كثيرا في التوراة والانجيل حول البيئة، لكن‏ من روح الاسلام العامة يفهم الانسان طريقة لاحترام الحيوان وحقوقه وطريقة التعاطي مع كل الامكانات الموجودة في‏ الطبيعة.

اذكر حادثة تفيد ان الرسول(ص) قد تحدث عن امراة دخلت النار في هرة اقفلت عليها الباب، فلا هي اطعمتها ولا هي ‏تركتها.

الشيخ خالد العطية: ارجو ان يسمح لي باضافة بسيطة، بخصوص النقطة الاخيرة في ما يتعلق بالبيئة. الحقيقة نجد ان‏ الاسلام عني عناية شديدة بموضوع البيئة، باعتبارها المجال الذي يتيح للانسان ان يظهر فيه طاقاته وقدراته، ويمارس ‏فيه خلافته ودوره في الارض. ونجد ان اول خطاب الهي عن البشر متمثل في

( الصفحة 299 )


خطاب اللّه عز وجل للملائكة: (اني ‏جاعل في الارض خليفة) اي ان الانسان مطلوب منه ان يخلف اللّه عز وجل في عمارة الارض واصلاحها: (وهو الذي‏ انشاكم في الارض واستعمركم فيها) اي ان المطلوب من الانسان هو عمارة الارض واصلاحها.

ومن ناحية اخرى، نجد في احكام الشريعة الاسلامية، وهذا يمكن استخلاصه من ابواب شتى ومتفرقة في الفقه ‏الاسلامي، ان الاسلام حرم على الانسان ان يعبث بمحيطه وبيئته ويفسد هذا المحيط، فنجد احاديثا كثيرة تنهى ‏الانسان عن تلويث بيئته بفضلاته واوساخه، ونجد انه حتى في الحالات التي تثور فيها النزاعات والحروب المسلحة‏ بين البشر، حرم الاسلام حتى على المجاهدين، وهم يخوضون حربا مقدسة، ان يمتد نزاعهم فيؤثر على البيئة وعلى ‏الارض وعلى النبات وعلى الحيوان، فنجد ان احكاما كثيرة مثلا توصي المجاهدين، وهذا ماخوذ من وصايا مباشرة ‏واقوال ماثورة مسجلة ومحفوظة في كتب الفقه عن الرسول(ص) وعن الائمة‏ عليهم ‏السلام بان لا يقطعوا شجرة ولا يقتلوا حيوانا، ويحرم عليهم القا السموم في مصادر المياه وفي الارض.

احد الحضور: تفضل سماحة الشيخ نعيم وقارن بين شرعة حقوق الانسان وبين حقوق الانسان كما جات في الشريعة ‏الاسلامية، واني ارى في ذلك مقارنة بين قانون يطبق وقانون لا يطبق.

عندما نتحدث عن حقوق الانسان في الغرب، نتحدث عن قوانين تطبق على الارض، وكل قانون يطبق على الارض له ‏اخطاؤه طبعا. اما ما هو نظري، فينتظر الممارسة واعتقد انه لم تسنح الفرص كثيرا، في دول الخلافة الاسلامية وفي ‏الدويلات التي نشات في ما بعد، وفي الدول الاسلامية المعاصرة، لكي تطبق هذه الشريعة بحذافيرها كي نقارن ‏ونستنتج.

ان ما جاء في الكتاب السماوي هو حق طبعا، لكن كيف مورس هذا الحق على الارض. يجب ان نعترف ان حقوق‏ الانسان في الغرب مصانة للمواطنين وحتى المسلمون الذين يعيشون في هذه الدول يتمتعون بحقوق لا يتمتعون بهافي بلادهم. ولقد عشت في استراليا مهاجرا مدة

( الصفحة 300 )


اربع او خمس سنوات، وكنت ارى كيف نمارس حقوقنا مباشرة بما فيها عاشورا، وبما فيها كل الامور الاخرى وحق الزواج الديني وكنا نشعر ونحن الغرباء عن تلك البلاد باننا محترمون‏ وبان الحقوق مصانة اكثر بكثير مما هي مصانة في الدول الاسلامية التي نعرفها. كيف يمكن ان نناقش هذا الامر؟ او المثل الذي ضرب عن منع الحجاب في فرنسا، فهذا قانون لقي انتقادا حتى من الفرنسيين ومن كل الديمقراطيين في ‏العالم. لكن بالمقابل نحن وكل الناس تعترف ان حرمان الفتاة من ارتدا حجابها في فرنسا هو ضد حقوق الانسان، لكن‏ اجبار الفتاة على ارتدا الحجاب في الدول الاسلامية اليس انتقاصا من حقوقها اذا كانت لا تريد ارتدا هذا الحجاب ؟ الا يمكن اعتبار ذلك انتقاصا من حقوقها؟ ويخطر في البال سؤال آخر؟ لو جات امراة فرنسية الى دولة اسلامية ‏وارادت ان تمشي بالشورت، مثلا، هل يجوز لها ان تمارس حقها او ان هناك ما يمنع ذلك؟ عندما اطرح هذا السؤال ‏ابتغي طبعا ان اسمع اجابة لانني احتك بمن يطرح علي هذا السؤال في الخارج، واريد طبعا من سماحتكم رحابة صدر واجابة مفصلة لو سمحتم، وشكرا.

الشيخ نعيم قاسم: انا موافق باننا يجب ان نميز بين النظرية والتطبيق. فتحدثت عن نقاط الاختلاف النظري بين نظرية ‏الاسلام في حقوق الاسلام ونظرية الاعلان في حقوق الانسان، فوضعت عنوانا يتحدث عن ضوابط الالتزام بالحقوق، وهذا يعني انني انتقد الاعلان العالمي لانه لم يضع ضوابط للذي لم يلتزم بها. هذا كتحليل نظري. ثم انتقدت تعميمهم ‏للقانون على كل الدول لان القانون قد يصلح في دولة، وقد لا يصلح في دولة اخرى. وهذا نقاش نظري ايضا. ثم تحدثت ‏عن الحقوق الاخرى وحق اللّه وحق النفس بانها لم ترد، وهذا نقاش نظري. وتحدثت عن الاسرة، اذ قلت توجد ملاحظتان نظريتان وملاحظة عملية، ففي الملاحظتين النظريتين تحدثت عن قيد التزوج من غير مسلم وقيد التساوي ‏في الحقوق بالكامل في كل شي‏ء مع اختلاف البينة، وتحدثت ايضا في النقاش النظري عن ان الحرية التي يتحدثون ‏عنها في الاعلان.. حرية تبدو مطلقة،

( الصفحة 301 )


لكن في واقع الحال لا يمكن تطبيق حرية مطلقة في اي مكان في العالم حتى في ‏البلد الذي يطبق الحريات العامة، ويقول انه حامي الحريات كفرنسا او اميركا.

من هنا اريد القول: في البحث كان النقاش نظريا بشكل اساسي، وعليه يكون الانصاف عندما تقارن النظرية بالنظرية، ثم عرجت على ممارسات عملية رايت فيها اساة لاعلان الحقوق عندما تستغل ضدنا وهم يطبقونها على ذوقهم او كما قال ((الدكتور))، وجدت حرية بين الفرنسي والفرنسي واحتراما بين الفرنسي والفرنسي، لكن فقط عندما ياتي آخر من جنسية اخرى، وبخاصة من عالمنا الثالث (التعبير الملطف للعالم المتخلف) يختلف الامر تماما.

اذا اشكاليات التطبيق موجودة، وهذا ما نذكره في كتبنا وتحليلاتنا، وحتى عندما كانت الخلافة الاسلامية موجودة، كنا ننتقد الخلفاء الامويين والعباسيين والذي نحكيه عنهم، انهم لم يكونوا عادلين ولا منصفين، وبعض القضاة نعتبرهم ‏فسقة منحرفين خارجين عن الضابطة الاسلامية، مع انهم يحكمون باسم الاسلام لانهم لم ينسجموا في تطبيقهم العملي ‏مع النظرية الاسلامية، فحتى بالمستقبل، اي تطبيق لنظرية اسلامية، يمكن ان تشوبه اخطاء، انا احاكم المخطى‏ء حتى ‏يطبق النظرية، لا احاكم النظرية على ضوء خطا التطبيق والذي عملته في البحث هو هذا، قارنت نظرية الاعلان مع ‏النظرية الاسلامية وانتقدت الاعلان من الناحية النظرية، ثم عرجت على بعض التطبيقات العملية حتى الفت النظر الى ‏اننا نحن لا ناخذ بفكرة حقوق الانسان التي يطرحها الغرب، لان هناك ايضا مشكلة معاصرة، نعيشها في عالمنا الثالث، هي انهم اشطر لانهم متقدمون علينا كثيرا اعلاميا.

لاحظ، مثلا، عملية احتلال فلسطين، بشكل منظم، سموها ((عملية ‏السلام)) فاذا اردت ان تناقش صار عندك مشكلة المصطلح، اولا، فعندما تقول انا ضد احتلال فلسطين، فيكون الجواب: انت ضد السلام! معقول ان احدا يكون ضد السلام، عقدة المصطلح تشغلنا، فلا ندري كم من الوقت نبقى في النقاشات ‏حتى نقدر ان ندخل في المضمون.

( الصفحة 302 )


اعترف انه توجد تطبيقات عملية جيدة، وتوجد تطبيقات عملية سيئة، وان اردت ان اقارن بلداننا مع الدول الغربية، فمن المؤكد اني سارى في البلدان الغربية بصرف النظر عن الاشياء التي نخالفهم فيها في التطبيق العملي، احتراما لبعض ‏الحقوق والحريات يشعرنا انها تطبيقات اسلامية بينما في بلداننا الان، لا نجد هذا الامر نهائيا.

اما، في ما يتعلق بموضوع حرية الفتاة في ان تلبس كيفما تشاء، فيجب ان نتفق، اولا، على امر هو: هل الحرية في اي‏ مكان مطلقة او مقيدة؟ الحرية في كل العالم، وحتى في اميركا، هي مقيدة، بالمخدرات مقيدة، يمنع سوق السيارة عندما يكون السائق سكران، مقيدة ان الولد تحت 16 سنة لا يمكنه دخول الخمارة وحده لانه يحتاج لاجازة. حسنا اليست هذه قيود؟ الذي يريد الكلام على حرية كان المفروض الا يضع امامها اية ضابطة، اذا لماذا توجد ضوابط للحرية، ياتي التحليل ‏ليقول: لمصلحة الانسانية تكون هذه الضوابط، هنا اختلافنا.

من الذي يحدد المصلحة؟ من يحدد الموقف العادل؟ هم عندهم قواعد لتحديد المصلحة، ونحن عندنا قواعد لتحديد المصلحة.

وانني اسال السؤال بطريقة معاكسة، انت سالتني عن البنت التي تلبس ((الشورت)) انا اسالك عن شخص يظهر عاريا في ‏اميركا. هل يسمحون له؟ لا، بل يضعونه في الحبس، اذا ما الفرق بين مرتدي الشورت والعاري (قطعة ثياب نريد ازالتها).

اذا قيل لنا. لماذا؟ نقول له لان ضوابط المجتمع الامريكي لا تتحمل مثل هذا الموضوع.

اذا، توجد خصوصيات حضارية تراعى. الذي اريد قوله: توجد ثقافة مجتمعية، المشترع، او الذي يتابع الوضع القانوني ‏يراعي الخصوصيات الموجودة. هو عنده مراعاة لحدود، انا عندي مراعاة لحدود اخرى، اذا قلت ان حدودي‏ صحيحة، يقول ان حدوده صحيحة، ما يعني اننا نناقش الحرية في المطلق، انه لا يتعامل مع الحرية المطلقة لماذا يطلبها مني مطلقة؟ يستخدم فزاعة المطلق عندي. اقول له: انت عندك حرية محدودة وانا عندي حرية محدودة.

( الصفحة 303 )


تعال لنناقش ‏اي حرية محدودة افضل ونحقق المصلحة لكن ضمن اية قواعد وضوابط؟ اذا اتفقنا على الاسس، وقتها يسهل النقاش ‏بالتفاصيل.
مرة حضرت ندوة عن الايدز، وكان فيها اطباء وعلما نفس بريطانيون وفرنسيون تمنيت في هذه الندوة ان يقول‏ احدهم: اتركوا العمليات غير الشرعية حتى نخلص من موضوع الايدز، لكن الكل كانوا يتحدثون ضمن قاعدة: كيف ‏نوفر لهذا الجيل جميع الامكانات المناسبة حتى يبقى على فساده من دون ان يصاب بالايدز؟ هذه رؤية فكرية متكاملة تترك انطباعاتها، انا ايضا عندي رؤية واناقش وفقها. اقول لهم: ان مجتمعكم اوصلتموه الى‏ هذه النتيجة، والذي وصل اليه مجتمعكم بالتطبيق العملي بنا على النظرية التي وضعتموها، صح ام خطا وانا اضع ماعندي، صح ام خطا، ونجلس للنقاش.

من هنا اريد القول: ان الحرية مقيدة في الغرب وهي عندنا مقيدة بحدود، ولا اريد الحديث عن ممارسات العالم ‏الاسلامي، لكن اذا حددت بلدا اسلاميا مثل ايران وهي الان عندها الحجاب الزامي بشكل عام في المجتمعات العامة، اقول: هذا جزء من اعتبارهم ان حماية المجتمع العام، تكون بفرض الحجاب العام في الساحات العامة والا في بيوتهم ‏وحفلاتهم وخصوصياتهم هم احرار يلبسون ويعملون بالطريقة التي يريدون، يعني عندهم حرية في الموضوع، وهذا يشبه منع التدخين في الاماكن العامة، فبلد يمنع وآخر يسمح عندما تسال يقال لك: نحن نرى المصلحة العامة هكذا. فهنا يسمح لاناس وهناك لا يسمح لاخرين، ايضا هم يضعون قواعد تحمي المجتمع، ولها علاقة بالوضع التربوي ‏العام.

من هنا، انا افضل اننا يجب دائما ان نبدا بالنقاش بالاسس، وبذلك سنصل وبشكل طبيعي الى الجزئيات المرتبطة ‏بالنظام العام والقواعد العامة.

د. سليم الضاهر: اول شي‏ء، تعليقا على ما قاله سماحة الشيخ نعيم، عن حال حقوق الانسان في الدول العربية ‏والاسلامية،

( الصفحة 304 )


من المؤسف ان نضطر الى اعادة التاكيد على ان البيان الاسلامي العالمي لحقوق الانسان الذي اتخذ قرار فيه من قبل الدول الاسلامية، ومنها الدول العربية، سنة 1990 منذ ثماني سنوات ولليوم لم نر فرقا كبيرا في هذا المجال.
شي‏ء ثان، انا احب ان اشكر الشيخ خالد العطية حينما اوضح رايه حول اهل الذمة واعتبر هذا التوضيح دليل محبة لنا جميعا، انما التفاعل معه ونحن نتحدث في ندوة عن حقوق الانسان. ربما هذا المفهوم (مفهوم اهل الذمة) ارتبط بتاريخ ‏معين، ونحن اليوم على مشارف القرن الحادي والعشرين اليس من الافضل طالما ان هناك حق يدعى اليوم (حق ‏المواطنة) وهو يجمعنا كلنا على اساس المساواة على اساس مشاركة في اطار المواطنية، اليس من الافضل ان يكون هنا الجامع المشترك بدلا من ان نستمر بالتمييز بين المؤمن (او المسلم) وبين اهل الذمة؟ وانا حسب قراءاتي الاسلامية، اميل الى الاعتقاد، وصححوا لي هذه القراءة، ان هناك في الاسلام ما يوازي مفهوم المواطنية والذي يدعى مفهوم‏ الرعية في الاسلام. طالما ان هذا موجود في فقه الاسلام، لماذا لا نتبناه جميعا، وهو يكون من اجل سلامة المجتمع‏ وتماسكه.

الشيخ خالد العطية: الحقيقة ان المسالة كما قلت، ليست مسالة الفاظ او مصطلحات، وانما علينا ان ندقق في جوهر الاحكام الشرعية التي تنظم حياة اهل الذمة في البلاد الاسلامية. وكما تفضلت فان هناك مصطلحا آخر يشمل ‏المسلمين وغيرهم، وهذا المصطلح ايضا له دلالته الهامة، وهو مصطلح (الرعية) الذي يفهم منه ان الناس الذين‏ يعيشون في كنف الدولة، مسلمين وغير مسلمين، يتمتعون بحقوق الرعاية من قبل السلطة الحاكمة ويتساوون مع‏ المسلمين امام القضاء، ولهم حريتهم الدينية. والحقيقة وكما تفضلت انت ايضا واشرت الى ان هناك بعض الاسقاطات‏ التاريخية على لفظة اهل الذمة وارتبط هذا المفهوم ببعض الممارسات الخاطئة في السابق فحملت هذه اللفظة اكثر مما تحتمل. ومعناها، على اية حال، هو كما قلت معنى ايجابي، فهؤلاء الذين

( الصفحة 305 )


يدخلون في ذمة المسلمين الذين يشكلون ‏الاكثرية الساحقة في المجتمع، هم يدخلون في ضمانهم ورعايتهم.

اشعر ان هناك المزيد من الاسئلة التي سوف تسهم في اثرا هذه الندوة واغنائها، ولكني، مع الاسف، مضطر الى انهائها احتراما لاوقات السادة المشاركين، آملا ان يجمعنا اللّه واياهم في ندوة قادمة، ومجددا لهم الشكر مرة اخرى.

( الصفحة 306 )