البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإيمان والمعرفة الفلسفيّة جدليّة العلاقة المتبادلة

الباحث :  د. نعمة الله بدخشان ـ د. محمّد مزيدي ـ د. سعيد رحيميان
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  67
السنة :  السنة السابعة عشر خريف 1433 هجـ 2012 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  490

الإيمان والمعرفة الفلسفيّة
جدليّة العلاقة المتبادلة

د. نعمة الله بدخشان ـ د. محمّد مزيدي ـ د. سعيد رحيميان (*)

تمهيد
يقع البحث عن العلاقة بين الإيمان والمعرفة تحت عناوين مختلفة من قبيل الإيمان والعقل، والعلم والدين، والحكمة والشريعةـ وهي من الأبحاث المهمّة والشاملة لدى علماء المسلمين والمسيحيّين. وبين متكلِّمي المسيحيّة ثلاثة اتجاهات في مسألة الإيمان هي: النزعة العقليّة القصوى، والنزعة الإيمانيّّة والنزعة العقليّة النقديّة، كما توجد بين علماء المسلمين نظريّات متفاوتة مشابهة لتلك التوجّهات. على الرغم من أنّ التوجه الغالب بين هؤلاء العلماء هو التوجّه العقليّ؛ إلّا أنّ بينهم من هو من أنصار النزعة الإيمانيّّة والاتجاه العاطفيّ.
يسعى هذا المقال إلى دراسة العلاقة بين الإيمان والمعرفة الفلسفيّة وتحليلها ونقدها من وجهة نظر المفكّرين المسلمين، وتبيين نوع وماهيّة المعرفة المتّصلة بالإيمان الدينيّّ والتأكيد على المعرفة الفطريّة لتُجعل مورداً واتجاهاً للبحث التفصيليّ فيما بعد. على هذا الأساس قسِّمت المعرفة ،بدايةً، إلى معرفة فلسفيّة (حصوليّة) ومعرفة فطريّة (شهوديّة) وبيّنت بعض لوازمها. وبناء
________________________________________
(*) د. بدخشان أستاذ في جامعة شيراز، د. مزيدي ود. رحيميان من متخرجي جامعة شيراز. ترجمة الشيخ علي ضاهر.

[الصفحة - 251]


عليه، قسِّمت النظريّات المطروحة حول ماهيّة المعرفة المتعلّقة بالإيمان أيضاً إلى نظريّتين اثنتين: النظريّة الفلسفيّة والنظريّة الفطريّة. ثمّ بعد ذلك، تمّ بحث نظريّة الإيمان الفلسفيّة ضمن منهج تحليليّ ـ نقدي والإشكالات الواردة عليها، وفي القسم الختامي بحثت نظريّة الإيمان الفطريّة بناءً على تعاليم الكتاب والسنّة.
مقدّمة
يعدُّ مفهوم الإيمان وما يقابله، أي مفهوم الكفر، من المفاهيم الأساسيّة في هيكل المفاهيم الدينيّّة. فالإيمان أساس الحياة الدينيّة ومنشأ الفضائل الأخلاقيّة، والكفر أساس الرذائل الأخلاقيّة. والسعادة الخالدة بالمنظار الدينيّ تُضمَن بالإيمان والعمل الصالح والتحرّر من حياة الخسران والضَّياع، فالسعادة رهنٌ بتحقّق هذين الأمرين(1) .
في مسألة الإيمان، طرح علماء المسلمين أبحاثاً مهمّة وواسعة، وعالجوا إشكاليّات متعدّدة. في حديث عن أمير المؤمنين(ع): الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان(2) . ولعلّ من الممكن بحث ودراسة مختلف المسائل المتعلّقة بالإيمان المبيّنة في هذا الحديث ضمن هذه المحاور الثلاثة الكليّة، أي المعرفة القلبيّة والإقرار اللسانيّ والعمل. ليس هدفنا في هذا البحث دراسة جميع المسائل المتعلِّقة بالإيمان ضمن المحاور الثلاثة هذه؛ وإنّما فقط دراسة وتحليل علاقة الإيمان بالمعرفة الفلسفيّة. فالبحث عن علاقة الإيمان بالمعرفة مسألة أساسيّة وفيصليّة حاسمة؛ لأنّها تعدّ المرجع الأصلي لمناهج واتّجاهات الإيمان المختلفة. فعلماء المسلمين قد رتَّبوا نظريّاتهم الموافقة للمعنى اللغويّ للإيمان ـ الذي هو بمعنى مطلق التصديق ـ في تحديد نوع التصديق المندرج في ماهيّة الإيمان، وتعرّضوا ضمن ذلك لمسائل عديدة. إنّ معرفة ماهيّة الإيمان بالنسبة إلى المتديّنين تحظى بأهميّة خاصّة سواء باللحاظ الفكريّ أم باللّحاظ العمليّ. وهذه الأهميّة ترجع من جهة
________________________________________
(1) بيّن الله تعالى في سورة العصر، أن الإنسان في خسر إلّا الذين آمنوا وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
(2) شهيدي، جعفر، ترجمة نهج البلاغة، طهران: شركة النشر العلميّة الثقافيّة، ط15.، ص:398.

[الصفحة - 252]


إلى أنّ أهل التديّن يحتاجون إلى الفهم الصحيح والسليم للمحتوى المفهوميّ لإيمانهم، كما أنّه لا مناص لهم، في حياتهم الدينيّة، من القيام بأعمال وتصرّفات تكون منسجمة مع إيمانهم الداخليّ ـ الباطني وموائمة له. إضافةً إلى ذلك، الإيمان هو لبّ الديانة وجوهرها ولا ترديد أو شبهة في الدور الأساسيّ للإيمان في كافّة التعاليم الدينيّة، وخاصّة ما يرتبط منها بالتربية. كما أنّه في تاريخ الفكر الإسلاميّ قد احتفظ الإيمان والمفهوم المقابل له، أي الكفر، دائماً بدوره المحوريّ في الجدل الفكريّ والسياسيّ ـ الاجتماعيّ.
في الثقافة المسيحيّة أدرجت المقولات الثلاث الإيمان والأمل والمحبة ضمن الفضائل الإلهيّة(3) في مقابل الفضائل الطبيعيّة(4) .
إنّ ما سيُبحث في هذه المقالة دراسة نسبة الإيمان إلى المعرفة الفلسفيّة وبيان ماهيّة المعرفة المرتبطة بالإيمان. وتَعرض المقالة مواقف علماء المسلمين وآراءهم حول نوع هذه المعرفة وهويّتها ضمن نظريّتين: النظريّة الفلسفيّة والنظريّة الفطريّة الشهوديّة. النظريّة الفلسفيّة، هي نظريّة الذين اعتبروا المعرفة المرتبطة بالإيمان معرفة فلسفيّة وأنّها نوع من العلم الحصوليّ. والنظريّة الفطريّة نظريّة الذين اعتبروا هذه المعرفة معرفةً فطريّةً بمعنى كونها معرفة حضوريّة شهوديّة. وعليه، يمكن أن يشكّل السؤال التالي نقطة بداية للبحث: هل المعرفة المرتبطة بالإيمان هي معرفة مفهوميّة، أم معرفة بلا وساطة وحضوريّة؟ يوجد بين أتباع الأديان الإلهيّة مؤيدون لنظريّة الإيمان الفلسفيّ، منهم مسيحيّون ومسلمون. فالجهم بن صفوان (م. 128 هـ. ق.) من فرقة المرجئة يعتبر المعرفة النظريّة هي العنصر الوحيد المقوّم للإيمان، والجهل مقوّم للكفر(5) . كما أنّ الشهيد الثاني من علماء الشيعة يُثبت أنّ المراد من التصديق الإيمانيّ هو اليقين الجازم(6) . ويعدّ الشيخ نصير الدين الطوسيّ الإيمان هو التصديق القلبيّ والإقرار اللسانيّ معاً ولا يكفي أحدهما بدون الآخر(7) . وجعل فلاسفة المسلمين الإيمان على نحو رئيسي في خانة الحكمة والكمالات النظريّة وأنّه عبارة عن المعرفة الفلسفيّة بالله وسائر متعلّقات الإيمان (8).
________________________________________
(3) theological virtues
(4) (ملكيان ، مصطفى، (1378)، مقدمة مفهوم الإيمان في الكلام الإسلاميّ، ترجمة زهرا بورسينا، طهران: نشر سروش، ص 7).Natural virtues-
(5) الأشعري، ابو الحسن، مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلين، تصحيح هلموت ريتر، الطبعة الثالثة طهران، معهد المستشرقين الألمان، ص 132.
(6) اختلاف نظريّات علماء كالشهيد الثاني من الشيعة عن نظريّات آخرين كالجهم بن صفوان من المرجئة هو في أن الفئة الأولى قالوا بنوع من الالتصاق والاتحاد بين الإيمان كيقين جازم ثابت وبين العمل واعتبروا العمل لازماً ذاتياً للإيمان، في حين أن الفئة الثانية اعتبرت أن الإيمان بمعنى المعرفة النظرية أو التصديق القلبيّ مختلف كلياً عن العمل، أي أنّهم لم يعتبروا العمل داخلا في ماهية الإيمان وحسب بل لم يعدّوه في الأصل لازماً ذاتيا له. (مطهري، مرتضى)، الإنسان الكامل، أصفهان: نشر مكتبة أمير المؤمنين(عليه السلام) العامة، ص 56.
(7) الحلي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، مع تصحيحات وتعليقات، حسن، حسن زاده الآملي، قم، نشر جامعة المدرسين، ص 426.
(8) الشيرازي، صدر الدين محمد،الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج6، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ص9.

[الصفحة - 253]


وأحياناً عرّفوا التصديق الإيمانيّ بالعلم والتصديق اليقينيّ الذي لا يقبل الزوال والتغيّر(9) . واعتبر أبو الحسن العامريّ أيضاً أنّ الإيمان يعني الاعتقاد الصادق واليقينيّ وموطنه القوّة العاقلة(10) .
في الجهة المقابلة، لم توافق جمهرة من علماء المسلمين على هذه النظريّة، وشرحت الإيمان على أساس المعرفة الفطريّة أو الحضوريّة (القلبيّة). وقد عدّ الإمام الخمينيّ (رضوان الله عليه) الإيمان بالله تعالى والملائكة والكتب والرسل ويوم القيامة والدين القيّم من أحكام الفطرة(11) وأنّ الإيمان غير العلم بالله والتوحيد وسائر الصفات الكماليّة الثبوتيّة والجلاليّة السلبيّة والعلم بالملائكة والرسل والكتب ويوم القيامة(12) .
ويرى الإمام أنّه ينبغي للشخص أن يسلّم بقلبه بما علم به عن طريق البرهان العقليّ أو بما علم من ضرورة الأديان وأن يحقّق العلم القلبيّ على نحو الخضوع والتسليم ونوع تقبّلٍ وإذعان ليغدو مؤمناً(13) . ويثبت آية الله الشاه آبادي معرفة النفس (التي هي أساس معرفة الله) على أساس الفطرة ويتحدّث عن الفطرة العالمة، الفطرة العاشقة، الفطرة الكاشفة، فطرة حبّ الراحة وفطرة الحريّة ونفوذ المشيئة(14) . وفي أحاديث المعصومين (عليهم السلام) عُرِّفت الفطرة بالتوحيد(15)وبالإسلام(16) وبالمعرفة(17) وفي القرآن اعتبر الدين «فطرة الله » (الروم/30).
كما يفضّل العرفاء المسلمون طريق الكشف والشهود على طريق الاستدلال والبرهان في معرفة الله وصفاته (التي هي المتعلّق الأساسيّ للإيمان) ويعدّون العلم الكشفيّ ضرورياً ولا يقبل الخطأ. يقول محيي الدين بن عربي: «والطريق الموصلة إلى العلم بالله طريقان لا ثالث لهما، ومن وحَّد الله من غير هذين الطريقين فهو مقلّد في توحيده. الطريق الأوّل، طريق الكشف وهو علم ضروريّ يحصل عند الكشف، يجده الإنسان في نفسه لا يقبل معه شبهة ولا يقدر على دفعه ولا يعرف لذلك دليلاً يستند إليه سوى ما يجده في نفسه، إلّا أنّ بعضهم قال يُعطي الدليل والمدلول في كشفه فإنّه ما لا يُعرَف إلّا بالدليل فلا بدّ أن يكشف له عن الدليل، وكان يقول بهذه المقالة صاحبنا أبو عبد الله بن الكتّاني بمدينة فاس، سمعت ذلك منه وأخبر
________________________________________
(9) الشيرازي، صدر الدين محمد، تفسير القرآن، ج1، قم : انتشارات بيدار،ص 249.
(10) العامري، أبو الحسن، الإعلام بمناقب الإسلام، تصحيح متن: أحمد عبد الحميد قراب، طهران: مركز النشر الجامعي، مع ترجمة فارسية لأحمد شريعتي وحسين منوشهري ، ص 83.
(11) الخميني، روح الله، الأربعون حديثاً، طهران، مؤسـّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، ص 182.
(12) المصدر نفسه، ص 37.
(13) المصدر نفسه، ص 37- 38.
(14) الشاه آبادي، محمّد علي، رشحات البحار، طهران: نهضة النساء المسلمات، ص 6 -10.
(15) الكليني، محمّد بن يعقوب، أصول الكافي، شرح وترجمة الحاج السيّد جواد مصطفوي، ج3، قم: مؤسـّسة النشر العلميّّة الإسلاميّة، ص 19ـ 20،حديث 1 و5.
(16) المصدر نفسه، ص 20،حديث 2.
(17) المصدر نفسه، ص 20، حديث 4.

[الصفحة - 254]


عن حاله وصدق وأخطأ في أنّ الأمر لا يكون إلّا كذلك فإنّ غيره يجد ذلك في نفسه ذوقاً من غير أن يكشف له عن الدليل، وأمّا أن يحصل له عن تجلٍّ إلهيّ يحصل له وهم الرسل والأنبياء وبعض الأولياء. (والطريق الثاني) طريق الفكر والاستدلال بالبرهان العقليّ. وهذا الطريق دون الطريق الأوّل، فإنّ صاحب النظر في الدليل قد تدخل عليه الشبه القادحة في دليله فيتكلّف الكشف عنها والبحث عن وجه الحقّ في الأمر المطلوب »(18) .
فكلا الفئتين المذكورتين تقدّم نظريّة مختلفة عن الإيمان وفي كلِّ واحدةٍ علاقة متينة وغير منفصلة ومعترف بها بين الإيمان والمعرفة؛ لأنّه في واحدةٍ منهما يكون الإيمان مسبوقاً أو متقوّماً بعلم اليقين، وفي الأخرى بعين اليقين. وعليه يمكن أن تسمّى كلا النظريّتين المنهج المعرفيّ في الإيمان.
في الأساس، من غير الممكن تحقّق الإيمان من دون المعرفة؛ لأنّ مفهوم الإيمان من المفاهيم الإضافيّة التي ينبغي أن تتّصل دائماً بشيء أو شخص. والإيمان بمتعلّقاته الرفيعة (اللائقة) مترافق دائماً مع نوع معرفة، وكلّ إنسان مؤمن له في وجدانه نوع معرفةٍ بمتعلَّق إيمانه وهو عالمٌ أيضاً بهذه المعرفة. وحيث لا يُشترط هذا القدر من المعرفة في الإيمان، يتدنّى الإيمان ويقتصر على العواطف والمشاعر الصرفة ويخلو من رصيد ومحتوى معرفيّ وتكون عقلانيته محلّ إنكار وتشكيك. لذلك لا مجال للشكّ والترديد في الاتّحاد بين المعرفة والإيمان. ولكن على الرغم من ذلك لا يلزم أن يتحقَّق تلازم ذاتيّ متبادل بينهما. بمعنى أنّ الإيمان مستلزم للمعرفة لكنّ المعرفة لا تستلزم الإيمان؛ فمن الممكن أن يُظهر شخص ما المعرفة بموضوع واحد أو أكثر من موضوعات الإيمان ولكنّه غير مؤمن. فالإسلام يقرّ وكذلك سائر الأديان التوحيديّة الأخرى بوجود علماء غير مؤمنين أو كفّار ووجود إبليس وجميع هؤلاء عالمون بالله واليوم الآخر (الأعراف/12 و13) وفي الوقت نفسه عرّفهم القرآن بأنّهم كفّار (البقرة/34) هو المصداق الواضح على إمكان المعرفة وتحقّقها بدون الإيمان.
________________________________________
(18) ابن عربي، محمّد بن علي (محيي الدين)، الفتوحات المكية، ج1، بيروت دار صادر ، ص 319.

[الصفحة - 255]


بما أنّنا أذعنّا بوجود علاقة واتّحاد لا يقبل الإنكار بين المعرفة والإيمان، يُطرح سؤال مهم: مع أيّ نوع من المعرفة يتّحد الإيمان؟ وبعبارةٍ أخرى: أيّ نوع من المعرفة يستلزمها الإيمان الدينيّّ؟ وبملاحظة الجواب عن هذا السؤال يتّضح أيُّ نوعٍ من المعرفة لا يستلزمه الإيمان. ولعلّ من المناسب البحث بدايةً في الجانب السلبيّ لهذه المسألة، بمعنى أن نتصدّى للإجابة عن هذا السؤال: هل الإيمان غير مستلزم لأيِّ نوع من المعرفة؟ ثمّ ننصرف بنحو إجماليّ إلى الجنبة الإيجابيّة له التي نتعرّض فيها لإثبات المعرفة التي يحتاج إليها الإيمان.
لم يعالج المتكلّمون والفلاسفة المسلمون مسألة الإيمان والمعرفة الفطريّة ودورها وموقعها في تحقّق الإيمان، ولم يبحثوا في لوازم هذه المعرفة. لهذا السبب تحدَّث الشهيد مطهّريّ بأسف عن عدم وجود بحثٍ مستوفى عن الفطرة وكتب: «مسألة الفطرة هذه هي من أكثر مسائل معارفنا حيويّة ومن الضروري جدّاً حلّ هذه المسألة. ولكن للأسف لا نجد في مصادرنا - سواء أكانت من كتب التفسير أو الحديث وشروح الأحاديث أو الفلسفة - بحثاً مستوفياً لهذه المسألة »(19) .
الكتاب والسنّة هما المصدران الأساسان اللذان يُستفاد منها على نحو رئيسيّ في هذا البحث ويُعقد بحثٌ ذو اتجاه تحليليّّ ـ نقديّ يتعرّض بالنقد للموضوع محلّ الدراسة. وعليه، نتعرّض في البداية لدراسة نسبة المعرفة الفلسفيّة إلى الإيمان، ثمّ نتعرّض بالبحث بنحوٍ إجماليّ للمعرفة الفطريّة ودورها وموقعها في الإيمان.
اعتمدنا في هذه المقالة على اصطلاح المعرفة الشهوديّة المرادفة بنحوٍ رئيسيّ للمعرفة الفطريّة؛ وليس بمعنى المعرفة الناتجة من طريق تهذيب النفس أو طيّ مراحل السير والسلوك المعنويّ التي هي محلّ نظر العرفاء؛ لأنّ المعرفة الشهوديّة بالمعنى الأخير تَظهر بعد تحقّق الإيمان وامتثال الواجبات والطاعات الدينيّّة ومع تزكية النفس، وليس قبل ذلك.
________________________________________
(19) مطهري، مرتضى، نقد الماركسية، طهران، نشر: صدرا ، ص 246.

[الصفحة - 256]


تاريخ المسألة
بداية الجدل حول مسألة الإيمان وماهيّتها تمحورت بين مفكّري المسيحيّة في موضوع العلاقة بين العقل والإيمان. ولعلّ موضوعات من قبيل الموت الفداء للمسيح وتجسيد الله في المسيحيّة التي يصعب على الذهن تصديقها، أدّت إلى انتظام البحث عن ماهيّة الإيمان حول هذا المحور بشكل رئيس. والعلاقة بين العقل والإيمان لدى هؤلاء المفكِّرين علاقة غير مستقرّة ومثيرة للجدل. ينظر جماعة من متكلِّمي المسيحيّين إلى العقل نظرةً سلبيّةً، ولا يرون أيّ انسجام بينه وبين الإيمان. ويرى هؤلاء أنَّ بينهما تعارضاً كلّيّاً، ولكنّ هناك جماعة ترى أنّ هذا التعارض جزئيّ. يكتب بولس الحواري: «انتبه فلا يأخذنّك شخص إلى الفلسفة والمكر الباطل » (رسالة بولس إلى كولسيان؛ الباب الثاني، 8). يسأل ترتيليون (من مسيحيّي الصدر الأوّل 160-220): «ما علاقة أثنا بأورشليم؟ » (مقصوده من أثنا الفلسفة اليونانية، ومراده من أورشليم الكنيسة المسيحية). وجوابه المقدّر : «أبداً، الإيمان والفلسفة لا يلتقيان ولا وجه مشترك بينهما وكلٌّ واحد منهما ضدّ الآخر بالتمام والكمال ». كتب باسكال (1623-1662): «للقلب أدلّته الخاصّة والعقل لا يخبر ولا يعلم بهذه الأدلّة »(20) .
والسائد بشكل عامّ بين مفكّري المسيحيّة ثلاثة اتّجاهات مختلفة عبارة عن: النزعة العقليّة القصوى (الاتجاه العقليّ الإفراطيّ؟) (21) ، النزعة الإيمانيّة(22) ، والنزعة العقليّة النقديّة(23) . يعتقد أصحاب النزعة العقليّة القصوى أنّه حتّى يكون نظام المعتقدات الدينيّة مقبولاً واقعاً وعقلاً ينبغي أن يَثبت صدقه بنحوٍ يكون مقنعاً لكافّة العقلاء. يبيّن الرياضيّ الإنكليزي كليفورد (1845-1879) الذي يتبنّى هكذا اعتقاد، من منطلق نزعة إنكاريّة ورفض للدين أنّه «لا يستطيع أيُّ نظام من المعتقدات الدينيّة تحقيق هذه المعايير الشاقّة للإثبات. ولذلك لا ينبغي أن يكون للشخص العاقل (والملتزم بالأخلاق) اعتقادات دينيّة »(نظريّة الافتراق بين العقل والإيمان). وهناك جماعة أخرى مثل
________________________________________
(20) بيترسون، مايكل وآخرون، العقل والاجتهاد الدينيّ، ترجمة أحمد النراقي وإبراهيم سلطاني، طهران: طرح نو، ص70.
(21)strong rationalism
(22)fideism
(23) critical rationalism

[الصفحة - 257]


جان لاك (1632-1704) يعتقدون أنّه يمكن أن تحقِّق المسيحيّة تلك المعايير، لكن بشرط أن تُفهم بنحو صحيح وأن يكون الدّفاع عنها ممكناً » (نظريّة انسجام العقل والإيمان)(24) . أمّا اتجاه النزعة الإيمانيّة فلا تعتبر أنّ المعتقدات الدينيّة تخضع للتقييم العقلاني»(25) . يرى أصحاب هذه الاتجاه أنّ الإيمان بالله لا يحتاج إلى أيِّ قرينةٍ أو استدلال على وجود الله، وكلُّ محاولةٍ لإثبات وجوده أو إنكار ذلك هي باطلة.
وبرأيهم، كما ينبغي في النهاية أن تنتهي البراهين إلى مقدّمات معلومة وبديهيّة حتّى تكون مقبولة، وليس لدينا قضية أكثر أوّليّة لإثبات هذه المقدّمات، فالشخص المؤمن يجد في نظام المعتقدات الدينيّة أكثر المفروضات أوّليّةً وأساسيّة عنده. ولذلك لا حاجة في القبول بالإيمان إلى أيّ معيار عقلانيّ أو خارجيّ. يطرح المفكر الدانماركي سورن كيركيغور ( 1813-1885) نظريّة الإيمان بالرغم من الدليل، حيث يمكن بيان مضمونه في العبارة الآتية: أنا أؤمن لأنّه ضدّ العقل(26) .
أمّا الاتّجاه العقليّ النقديّ فيرى أنّه يمكن وينبغي عقلاً أن يُجعل نظام الإعتقادات الدينيّة في معرض النقد والتقييم، مع أنّ الإثبات القاطع لهكذا أنظمة اعتقاديّة غير ممكنٍ(27) . ولذلك فإنّ أصحاب الاتّجاه العقليّ النقديّ ـ وخلافاً لأصحاب الاتّجاه الإيمانيّ ـ يقبلون بإمكانيّة النقد والتقييم العقلانيّ لنظام الإعتقادات الدينيّ، وخلافاً لأصحاب النزعة العقليّة القصوى، لا يبنون على مقولة أنّ الدّراسات والأبحاث العقلانيّة قادرة على إثبات صحّة نظام اعتقادات دينيّ بشكل قاطع يقنع جميع العقلاء(28) .
ويُطرح تقسيمٌ آخر في هذا المجال من قبل آتين جيلسون (1884-1978)، فهو يصنِّف الاتجاهات الفكريّة في العلاقة بين الإيمان والمعرفة الفلسفيّة إلى ثلاثة: الأوّل، ترتولياني «عالم لاهوتي من القرن الثالث الميلاديّ » الذي يعتقد أنّ هناك تعارضاً محكَماً بين المسيحيّة والفلسفة(29) ويرى أتباعه تفضيل العقل على الإيمان. الثاني، اتجاه ابن رشد حيث يقول بوجود مغايرة بين نتائج الفلسفة وتعاليم الوحي، لذلك ينبغي أن نعتبرها نتائج ضروريّة (بديهيّة) حاصلة من التفكير الفلسفيّ؛ ولكن كمسيحيّ يجب أن أؤمن أنّ كلّ ما يقوله الوحي من هذا القبيل «هو
________________________________________
(24) المصدر نفسه، ص74.
(25) المصدر نفسه، ص:78.
(26) المصدر نفسه، ص80.
(27) المصدر نفسه، ص 86.
(28) المصدر نفسه.
(29) جيلسون، آتين، العقل والوحي في القرون الوسطى، ط2، ترجمة شهرام بازوكي، طهران: نشر كروواس، ص 5.

[الصفحة - 258]


صحيح». لذا فلا يوجد تعارض أبداً بين الفلسفة وعلم الكلام أو بين العقل والوحي »(30) . الثالث اتجاه تومائي (توماس آكويناس) يعتقد أنّ هناك وحياً حقيقيّاً واحداً هو الوحي المسيحيّ(31) ، «وأنّه في ظلّ الوحي فقط حيث معرفة الله والإنسان والاحترام تتوفّر السعادة الأبديّة لجميع الناس للفيلسوف ولغير الفيلسوف» (32) . ولهذه المعرفة بنظرهم فرعان أساسيّان هما: الأوّل، الحقائق المنزلة التي أُوحي بها أو أُنزل الوحي بها، ومع ذلك فهي ممكنة الإدراك أيضاً بالعقل المجرّد، من قبيل وجود الله وصفاته الذاتيّة أو وجود الروح الإنسانيّ، وخلوده وعدم فنائه. الثاني ذلك القسم من الوحي الذي هو فوق كلّ مراتب العقل الإنسانيّ كالتثليث(33) والتجسّد(34) والفداء(35) (36) ، «والمراد من الفداء صلب النبيّ عيسى لنجاة الناس من ذنوبهم الأولى (37) . وهؤلاء يرون أنّه لا يوجد أيّ فكرٍ فلسفيٍّ بإمكانه إقامة دليل ضروريٍّ لمصلحة حقيقة من هذا النوع» (38) .
كما تُطرح اتِّجاهات متفاوتة بين الفرق الكلاميّة مشابهة لهذه الاتّجاهات، فأهل الحديث يتبنّون عدم صحّة إعمال العقل في الموضوعات الدينيّة، كما أنّ بعض الحنابلة كإبن تيميّة يعتبر أنّ استخدام العقل في إثبات وتبيين الموضوعات حرام(39) ؛ ويروى أنّه عندما سأل شخص مالك بن أنس إمام المالكيّة عن آية «الرحمن على العرش استوى » أجابه: «استواء الله على العرش معلوم ، وكيفيّة هذا الاستواء مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة »(40) . لذلك فالذين يعتبرون السؤال في الموضوعات الدينيّة بدعة لا يمكنهم الحديث عن دور العقل في الإيمان الدينيّ. فأهل الحديث والأشاعرة من أصحاب نزعة النصّ (أو التعبّد بالنصّ)، مع فارق هو أنّ الأشاعرة استفادوا من العقل في الدّفاع عن عقائدهم الدينيّة، في حين أنّ أهل الحديث يتعبّدون بظاهر النصوص الدينيّة ولا يُدخلون العقل في شرح معتقداتهم الدينيّة والدّفاع عنها، في مقابل هاتين الفئتين، المعتزلة، كانوا من أصحاب نزعة عقليّة من الدرجة الأولى بامتياز، فهم لم يكتفوا باستخدام العقل في إثبات عقائدهم الدينيّة والدّفاع عنها، بل ذهبوا أبعد من ذلك وقالوا بأنّ للعقل دوراً أساساً في كشف المعتقدات
________________________________________
(30) المصدر نفسه، ص 49.
(31) المصدر نفسه، ص 71.
(32) المصدر نفسه، ص 71.
(33)trinity
(34)incarnation
(35)redemption
(36) المصدر نفسه، ص 72ـ 73.
(37)original sin
(38) المصدر نفسه، ص 73.
(39) مطهري، مرتضى، التعرف على العلوم الإسلاميّة (المجلدات 1، 2، 3)، طهران : نشر صدرا ، قسم الكلام، ص 20.
(40) الشهرستاني، عبد الكريم، الملل والنحل، تحقيق عبد الأمير مهنا وعلي حسن فاعور، ج1، بيروت، لبنان، : دار المعرفة، ص93.

[الصفحة - 259]


واستنباطها. فهؤلاء بقولهم «إنّ كلّ المعارف الاعتقاديّة معقولة » يرفضون التعبّد في العقائد(41). فأصحاب النزعة العقليّة يُلزمون أنفسهم بالقبول بمضامين النصوص الدينيّة فقط عندما تكون منسجمة مع الأحكام العقليّة، وعند ملاحظة أيّ تعارض بين الظواهر الدينيّة وحكم العقل يلجأون إلى تأويل الظاهر الدينيّ.
وهذا هو الحال مع متكلِّمي الشيعة الذين استفادوا - إلى جانب الكتاب والسنة الشريفة وكلام الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) - من العقل أيضاً كأحد المصادر الدينيّّة. واتّبعوا نمطاً معتدلاً في استخدام العقل.
الإيمان والمعرفة الفلسفيّة
مع أنَّ أيَّ شكل من العلم والمعرفة يعدّ نوع إطلاع وعلم، إلّا أنّ نحو هذا العلم وكيفيّته ليسا على نمط واحد. فالمعلوم بالعلم الحصوليّ يُعرف بوساطة الصور الذهنيّة ومن خلال المفاهيم؛ كعلمنا بالطاولة الموجودة أمامنا. ولكنّ المعلوم بالعلم الحضوريّ هو محل إطِّلاع مباشر من قبل الإنسان؛ كعلمنا بأنفسنا وحالاتنا النفسيّة. ولهذا السبب، من الممكن الشكّ في النحو الأوّل من المعرفة، إذ يمكن أن لا تتطابق الصور الذهنيّة مع الواقع الذي تتعلّق به المعرفة، ولكن في الثاني لا مجال للشك؛ لأنّ هذا النحو من العلم يكون الواقع المعلوم حاضراً مباشرة لدى الإنسان، لا صورته ليأتي الحديث عن مطابقة صورته أو عدم مطابقتها لهذا المعلوم.
المراد من المعرفة الفلسفيّة تلك المعرفة التي تحصل عن طريق المفاهيم الذهنيّة الكليّة. في هذه المعرفة، التي هي معرفة حصوليّة، لا يكون الوجود الواقعيّّ المعلوم متعلِّقاً للمعرفة، بخلاف العلم الحضوريّ الذي يوجب انكشاف واقع الشيء المعلوم للعالم وحضوره لديه بلا وساطة. عندما يأتي الحديث عن دور العقل والمعرفة الفلسفيّة في علاقتها بالإيمان، ينبغي أن نبحث حول الإيمان في ثلاث مراحل: الإيمان قبل التحقّق، والإيمان عند التحقّق، والإيمان بعد التحقّق. في مرحلة ما قبل تحقّق
________________________________________
(41) المصدر نفسه، ص 42.

[الصفحة - 260]


الإيمان يطرح هذا البحث، وهو: ما هي العوامل والأسباب التي تؤدّي إلى تحقّق الإيمان، وبعبارةٍ أخرى ما هي المقدّمة أو المقدّمات التي يحتاج إليها الإيمان؟ وفي مرحلة تحقّق الإيمان يأتي الحديث عن العناصر والأجزاء المؤسِّسة لماهيّة الإيمان أو مقوّمات الإيمان كأمر محقَّق، واصطلاحاً يكون الحدّ الوجوديُّ للشيء محلّاً للبحث؛ وفي مرحلة ما بعد التحقّق يقع البحث عن آثاره ولوازمه الوجوديّة وإمكان أو عدم إمكان عرض تفسيرٍ عقليٍّ له. في عمليّة تحقّق الإيمان، أي عندما تتهيّأ أرضيّة وعوامل تحقّق الإيمان بنحوٍ تدريجيّ لحين تحقّقه، ينبغي التمييز بين مجموعتين من العوامل: فئة من العوامل التي تهيِّئ الأرضيّة لتحقّق الإيمان، ولكنّها ليست حاضرة في صلب الإيمان، ويمكن أن نسمّي هذه الفئة من العوامل «مقدِّمات الإيمان » أو «العوامل الخارجيّة الذاتيّة للإيمان ». والفئة الثانية هي العوامل الموجودة في متن الإيمان ومضمونه، وتُعدّ من العناصر والأجزاء الذاتيّة في حقيقته، ونسمّيها «مقوّمات الإيمان» أو «العناصر الداخليّة الذاتيّة للإيمان».
قد يقع أحياناً خلط واشتباه بين هاتين الفئتين من العوامل، ويُظنّ أنَّ ما هو من العوامل الخارجة الذاتيّة (المقدّمات) من العناصر الداخلة الذاتيّة (المقوّمات). من الواضح أنَّ كلَّ عنصرٍ له دخالة بنحوٍ ما في تشكّل الإيمان وتحقّقه لن يكون بالضرورة من الأجزاء الداخلة في ذاته أو الأجزاء المقوّمة لماهيّة الإيمان؛ لأنّه يقع في مسار حركة وسلوك ينتهي بالإيمان، قد يكون هناك دخالة لعوامل وأسباب، تلازم الإنسان حتّى يرد عتبة الإيمان، إلّا أنّها لا حضور لها في حقيقة الإيمان، ولا تعدّ من الأجزاء المكوّنة لماهيّة الإيمان. وهذا الكلام يصل بنا إلى أنّه لا ينبغي اعتبار العلل المعدّة المهيّئة للإيمان من العلل الإيجاديّة (الموجدة له)، وأيضاً لا ينبغي عدّ العلل الخارجيّة من العلل الداخليّة الداخلة في ذات المعلول ومن مقوِّماته ومن علل قوام ماهيّته.
وعلى هذا الأساس يُطرح السؤال الآتي: المعرفة الفلسفيّة هي من أيّ فئةٍ من هذه العوامل؟ اعتبر البعض، في بحث العلاقة بين المعرفة الفلسفيّة والإيمان، أنّ نوع المعرفة هذا ضروريٌّ ولازمٌ للإيمان؛ ولكن ينبغي التعرّف بنحو
________________________________________

[الصفحة - 261]


أدقّ على مرادهم من لزوم هذه المعرفة للإيمان. فهل المقصود أنّ نوع المعرفة مقدِّمة لازمة للإيمان، أو المراد كونها مقوّمة لحقيقة الإيمان؟. لذلك ينبغي أن تتّضح هاتان المسألتان وأن تتمايز إحداهما من الأخرى حتّى لا نصطدم بأيِّ خلط أو اشتباه. في الصورة الأولى ينبغي أن يتّضح: هل هذه المقدّمة هي المقدّمة الوحيدة اللّازمة للإيمان، أو أنّ هناك مقدّمة أو مقدّمات أخرى لازمة؟ في الصورة الثانية حيث تقدّم المعرفة الفلسفيّة على أنّها مقوّمة لماهيّة الإيمان؛ يعود السؤال ويُطرح من جديد وهو: هل إنّ للإيمان مقوّم واحد؛ وهذه المعرفة هي المقوّمة له وفقط، وعليه يتحقّق الترادف بين الإيمان والمعرفة الفلسفيّة؟ أم أنّه مقوِّم إلى جانب سائر مقوِّمات معنى الإيمان؟
طرح علماء المسلمين في الجواب عن هذه الإشكاليّة ثلاث نظريات وهي ما سنبيّنه في العنوان الآتي.
نظريّات العلاقة بين الإيمان والمعرفة الفلسفيّة
فيما يتعلّق بمقدّميّة ومقوّمية المعرفة الفلسفيّة للإيمان توجد بين علماء المسلمين عدّة نظريّات تستحقّ البحث وهي: نظريّة الذين اعتبروا أنّ المقوِّم لماهيّة الإيمان هو المعرفة الفلسفيّة فقط، ويقولون بترادف هذين الأمرين (أي الإيمان والمعرفة الفلسفيّة). وهؤلاء من القائلين بوحدة الإيمان والمعرفة الفلسفيّة أي إنّهما وجهان لأمر واحد. كما أنّهم لا يؤكِّدون فقط على لزوم كون هذه المعرفة مقدِّمة للإيمان؛ بل يقولون إنّ هذه المعرفة حاضرة أيضاً في محتوى الإيمان، ومع ترادف هذين الأمرين فقد عدّوا المعرفة الفلسفيّة هي المقوّم الوحيد للإيمان، بل لا يعتبرون الإيمان شيئاً غير المعرفة الفلسفيّة المطابقة للواقع بالنسبة إلى متعلّقاته(42) .
نظريّة الذين يعتقدون أنّ المعرفة الفلسفيّة بمتعلّقات الإيمان هي فقط نقطة بداية لحركة الإنسان نحو الإيمان، إلّا أنّها ليست مقوِّماً لحقيقة الإيمان. بناءً على هذه النظريّة، يمكن أن يتحقّق لشخصٍ معرفةٌ فلسفيّةٌ بمتعلّقٍ واحدٌ من متعلَّقات الإيمان أو بكافّة
________________________________________
(42) الشيرازي، صدر الدين محمد، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج6، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ص 9.

[الصفحة - 262]


متعلّقاته، لكن بسبب عدم ميله وحبّه لها لا يتحقّق لديه الإيمان. وبنظر هؤلاء فإنّ الإيمان عمل قلبيّ. ويمكن التحدّث عن تحقّق الإيمان، عندما تصل هذه المعرفة العقليّة - التي هي بمنزلة مقدِّمة الإيمان ـ عن طريق الرياضات القلبيّة إلى القلب(43) . في الرؤية هذه يُعدّ الميل القلبيّ إلى مضمون المعرفة الفلسفيّة العنصر الأساس للإيمان، وتعتبر هذه المعرفة إحدى مقدِّمات الإيمان لا غير إلى جانب الرياضات القلبيّة(44) .
نظريّة الذين يعتقدون أنّ المعرفة الفلسفيّة داخلة في ماهيّة الإيمان، ولكنّها لا تعدّ المقوّم الوحيد لها. والذين يحملون هذه الرؤية ليسوا على رأيٍ واحد فيما يتعلّق بهويّة سائر مقوّمات الإيمان. فالبعض منهم يقول إنّ الإيمان يتشكَّل من عناصر متعدّدة كالمعرفة (العقليّة)، الميل، الخضوع، المحبّة(45)، وآخرون يؤكِّدون على عنصرٍ كعدم الاستكبار(46) . نظراً لأنّ القرآن (البقرة /34) وصف كفر الشيطان بالتكبّر، فقد جعل عدم الاستكبار عنصراً من العناصر المقوِّمة لماهيّة الإيمان. وقد اعتبر البعض ـ إضافةً إلى التصديق العقليّ ـ أنّ التصديق القلبيّ والالتزام ضروريٌّ في معنى الإيمان(47) .
خلافاً للنظريّة الأولى التي اعتبرت المعرفة الفلسفيّة مقدِّمة ومقوّمة ذاتيّاً للإيمان (علّة محدثة وعلّة مبقية أو علّة تامّة)، اعتبرت النظريّة الثانية هذا النوع من المعرفة مقدِّمة فقط وبداية حركة الإنسان وسيره نحو الإيمان، ولم تجعله بمنزلة مقوّم ذاتيّ في صلب الإيمان ومحتواه؛ بل هو فقط علّة معدّة له؛ لكن يظهر من النظريّة الثالثة أنّ مقدِّميّة أو مقوِّميّة المعرفة الفلسفيّة ليست محلّ إنكار، وأنّ ما هو محلّ تأكيد هو أنّ المعرفة الفلسفيّة ليست فقط عنصراً لماهيّة الإيمان الدينيّ، بل ينبغي الأخذ بعين الاعتبار عناصر أخرى غير هذا العنصر في بُنية مفهوم الإيمان أو في تحقّقه (كون علّة المعرفة الفلسفيّة للإيمان ناقصة).
النظريّات في مجهر النقد والتحليل
الإيمان في النظريّات الثلاث متأخّر عن المعرفة الفلسفيّة بالضرورة، في حين يظهر أنّ القاعدة والمجال الأساس لتحقّق الإيمان هما الالتفات إلى المعرفة الفطريّة بالله والميل الفطريّ إليه؛
________________________________________
(43) الخميني، روح الله، شرح حديث جنود العقل والجهل، طهران، مؤسـّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، ص 89.
(44) هل تحتاج الناس إلى هكذا مقدمة في تحصيل الإيمان بمتعلّقه (الايمان) الأساسيّ، أي الله الواحد، أم انها مقدمة فقط يحتاج إليها الإيمان بنظام اعتقادي خاص؟ على الرغم من أن القائلين بهذه النظرية المذكورة لم يتطرقوا إلى هذا التفصيل، أكدوا في بعض الموارد على حاجة الإيمان بالله إلى المعرفة الاستدلالية(الفلسفية). مثلما كتب بعضهم» إذا قلنا بأن الإيمان بالله فطري، فالمراد أن الميل والانجذاب إلى الله فطري ولو قلنا إن الإيمان استدلاليّ فهو بمعنى أن الإيمان بالله يحتاج إلى البينة والاستدلال (فعالي، محمّد تقي، (1378)، الإيمان الدينيّ في الإسلام والمسيحية، طهران: مركز الثقافة الشبابي، ص 39). لا شكّ أنه في القرآن والروايات الإسلامية ليست الفطرة صرف الميل إلى الله ، بل إضافة إلى الميل، جاء في هذه المصادر حديث عن المعرفة.
(45) مطهري، مرتضى، الإنسان الكامل، أصفهان: نشر المكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة، ص 94-92.
(46) جعفريان، رسول، المرجئة: تاريخ وفكر، قم، نشر خرّم، ص 75.
(47) الطباطبائي، محمّد حسين، تفسير الميزان، ترجمة السيّد محمّد باقر الموسوي الهمداني، ج 18، طهران: نشر مؤسـّسة العلّامة الطباطبائيّ العلميّة الفكريّة، طبعة خامسة، ص 413.

[الصفحة - 263]


ويتشكَّل الإيمان الدينيّ على أساس هذا التوجّه وهذا الالتفات نفسه. وطبقاً للآيات والروايات الإسلاميّة يُعدّ التوحيد أمراً فطريّاً مودعاً في قلوب البشر. ويعرّف القرآن الإنسان أنّه موجود عارف بالله وأنّ روحه نفخة من الروح الإلهيّ ( الحجر/ 29). من هنا يمكن القول إنّ المعرفة الفطريّة والقلبيّة بالله تتقدّم على تحقّق أيّ عمليّة مفهوميّة هي الأرضيّة المهيّأة للإيمان به. إضافة إلى هذا الإشكال، تواجه النظريّات الثلاثة أعلاه إشكالات أخرى سنبحث بعضها ضمن السياق الآتي:
الإشكال الأوّل: هل جميع الناس ملزمون في أيّ زمان وضمن كافّة الظروف بأن يشيِّدوا إيمانهم بناءً على الأدلّة العقليّة والفلسفيّة وأن يحصِّلوا هكذا معرفة كمقدِّمة لازمة وضروريّة للإيمان؟
يظهر أنّ التغاضي «عن المعرفة الفطريّة بالله » التي أُودعت في وجود البشر كهبةٍ إلهيّة يفتح الباب أمام الكثير من الإشكاليّات التي تظهر عند تبيين الإيمان الدينيّ وشرحه. فإذا كانت معرفة الله عن طريق المعرفة القلبيّة الفطريّة فلا مناص لنا من جعل هذه المعرفة مبنىً وقاعدةً في تفسير ارتباطنا الإيمانيّ به. وإذا غفلنا نحن الناس عن هكذا معرفة وأصابنا الضعف والعجز فينبغي حينئذٍ تشخيص عوامل ذلك والعمل على رفعها، وتوفير ظروف تقويتها؛ لا أن نتغافل عن ذلك ونعتبر الله مجهولا ذهنياً لا نتعرّف عليه إلّا بالاستدلال الفلسفيّ الصرف. وقد أكّد الأنبياء الربّانيّون والأئمّة المعصومون خلال دعوتهم الناس إلى الإيمان على أصل المعرفة الفطريّة بالله وعلى بداهة هذا الأصل، وقد سعوا بكلامهم إلى تنبيه مخَاطبيهم من الغفلة. فالكثير من الناس يؤمنون بحقَّانيّة الأنبياء الإلهيّين بشهادة الفطرة بدون الحاجة إلى إعمال الاستدلالات الفلسفيّة المعقَّدة والبحوث العقليّة، ووصلوا من خلال المعرفة الفطريّة وطهارة الباطن إلى مراتب عالية من الإيمان. بالطبع فإنّ هكذا إيمان لا يسدّ الطريق على التعقّل؛ بل يأخذ ببصيرة الإنسان وعقله إلى آفاق أعلى وأسمى تبعث فيه القوّة والرَّشاد. فهؤلاء الناس عندما وجدوا أنّ سلوك الأنبياء ومنطقهم مطابق للفطرة الإلهيّة انجذبوا إليهم وإلى حديثهم وأخذ صدق كلامهم بألباب عقولهم ولهاً وعشقاً.
________________________________________

[الصفحة - 264]


فهل يمكن القول إنّ إيمان هؤلاء الناس لا يعدّ إيماناً حقيقيّاً لعدم ابتنائه على المعرفة والاستدلال الفلسفيّ؟ لا شكّ أنّه عندما يخرج الإنسان - قبل دخوله في سلك الإيمان - عن مسير الفطرة من خلال الأوهام والشبهات الفكريّة وارتكاب المعاصي والذنوب، فلا سبيل لرفع هذه الشبهات والأوهام إلّا الأدلّة العقليّة الصحيحة والواضحة، كما أنّ رفع هذه الشبهات الفكريّة الخاطئة هو نفسه من العوامل اللافتة والمنبّهة إلى المعرفة الفطريّة بالله التي لا يَستغني عنها العقل في فهم الحقائق الإلهيّة وإدراكها. وعليه لا يمكن اعتبار إيمان الناس في أيّ زمان مُبتنىً حصراً على المعرفة الفلسفيّة والإدّعاء أنّ هذا الإيمان هو الإيمان الصحيح والحقّ. من المؤكَّد أنّه طبقاً للنظريّة الثانية، يمكن عدّ المعرفة الفلسفيّة بالله، مثل المعرفة الفطريّة به، إحدى مقدّمات الإيمان (الميل والتصديق القلبيّ)؛ ولكنّ هذه المقدمة ليست ضروريّة للإيمان حتّى يضطر جميع الناس أينما كانوا إلى بناء إيمانهم عليها.
حتّى لو أنّ القائلين بنظريّة الارتباط والاتحاد بين الإيمان والمعرفة الفلسفيّة اعترفوا بأنّ المعرفة الفطريّة والشهوديّة مقدِّمة للإيمان، لكنّهم يبنون، في الوقت نفسه، على أنّه لا يمكن الحديث عن تحقّق الإيمان بدون تحقّق المعرفة العقليّة والفلسفيّة؛ لأنّه حسب اعتقادهم وبالنظر إلى بعض الآيات والروايات الإسلاميّة، لا يمكن إنكار وجود الميل والمعرفة الفطريّة للناس من جهة، والمعرفة الفطريّة من جهة أخرى بحاجة إلى المعرفة الفلسفيّة ولو كانت بحد الإجمال والقوّة لا الفعل، ففي النهاية تكون المعرفة الفلسفيّة عنصراً مقوّماً للإيمان. ولعلّ القائلين بهذه النظريّة يستدلّون عليها بأنّه ينبغي أن يُبتنى الإيمان الحقيقيّ بالمعرفة ويتقوّم بها، ولأنّ الشكل الصحيح للمعرفة برأيهم هو المعرفة الفلسفيّة نفسها، يخلصون إلى أنّ الإيمان الحقيقيّ ينبغي أن يُبتنى على هذا النوع من المعرفة وهو متقوِّم بها.
لا نجد، من وجهة نظرنا، دليلاً معتبراً على المقدِّمة الثانية في هذا الاستدلال، أي مقولة انحصار المعرفة الحقّة بالمعرفة الفلسفيّة. ويمكن معالجة هذا الإدعاء من زاويتين: إحداهما، من «خارج الدين » والأخرى من «داخل الدين »،
________________________________________

[الصفحة - 265]


والمقصود من خارج الدين: عرض النظريّات المطروحة في هذه القضيّة من خارج الدين أو خارج الساحة الدينيّة. من هنا سنرى نظريّات الفلاسفة من جهة ونظريّات العرفاء من جهة أخرى. يَعتقد الفيلسوف ـ وخلافاً للعارف ـ أنّ معرفة حقائق الوجود ممكنة عن طريق الحواس والعقل فقط، ويعتبر أنّ نظريّة العرفاء في باب المعرفة الحقيقيّة (الشهود) مجرّد حديث ذوقيّ طبعيّ شاعريّ، ولذلك لا قيمة معرفيّة له. من وجهة نظر هؤلاء المفكّرين ـ أي الفلاسفة ـ العقل هو أداة مشتركة عامّة للمعرفة يمكن لعموم الناس أن يصلوا بوساطته إلى المعارف المعتبرة التي تقبل الإثبات والنقل إلى الآخرين؛ لكنّ المعرفة الشهوديّة لها قيمة فرديّة (شخصيّة) على مستوى الفرد (صاحب هذه المعرفة) ليس إلّا، وهي محلّ قبول واطمئنان لهذا الفرد نفسه، وليست قابلة للتعلّم والتعليم والنقل إلى الآخرين. وبالتالي لا يمكنها أن ترسم مبنىً عامّاً ومشتركاً للتربية والتعلّم والتعليم. فهؤلاء (أي الفلاسفة) يقولون: من أين لنا أن نعرف أنّ ما يقوله العرفاء وأتباع المعرفة الشهوديّة صحيح؟ ومتى قلنا إنّ هكذا معرفة تحتاج إلى الأدلّة العقليّة في إثبات حجَيَّتها واعتبارها، تتحوّل إلى المعرفة الفلسفيّة وفي النهاية يتعيّن نوع المعرفة الصحيح في المعرفة الفلسفيّة. وأمّا إذا اعتبرنا أنّها لا تحتاج إلى الأدلّة العقليّة فحينذاك سيكون حديث أصحابها حديثاً ذوقيّاً صرفاً لا دليل عليه.
من جانب آخر، يعتقد العرفاء أنّ «القلب والإلهامات القلبيّة» هي وسائل المعرفة، ويقولون إنّ طريق مشاهدة الحقيقة في صفاء الباطن ونورانيّة القلب التي تحصل عن طريق تزكية النفس وطيّ مراحل السير والسلوك المعنويّ. وعليه يعدّ طريق الحسّ والاستدلالات العقليّة باطلاً في نظرهم، من هنا قال مولوي إنّ أرجل الاستدلاليين خشبيّة ولا ثبات لها:
رجْل الاستدلاليّين خشبيّة والرجل الخشبيّة لا ثبات لها (48)
ويعتبر محيي الدين بن عربي أنّ محلّ المعرفة هو القلب وأنّ المعرفة القلبيّة هي المعرفة الحقّة لا غير(49). كما عدّ حكماء
________________________________________
(48) بالالتفات إلى سائر الأبيات الشعرية لمولوي حول العقل والاستدلال، لا يبقى شكّ في أنّ مراده من الاستدلاليين الذين يستفيدون في المعارف الإلهية من عقل جزئي صرف هي استدلالات سطحية وليس انتفاعاً من العقل الكلي والايماني: العقل الايماني شحنة عادلة حارس المدينة وحاكمها مولوي، جلال الدين محمد، مثنوي مولوي، بهمة الدكتور كاظم دزفوليان، ج1، طهران: نشر طلائية، طبعة 2، الإصدار الأول، البيت 2128.
(49) جهانكيري، محسن، محي الدين بن عربي، الوجه اللامع للعرفان الإسلاميّ، طهران، نشر: جامعة طهران، الطبعة الرابعة، ص 175.

[الصفحة - 266]


الإشراق المسلمون وبعض فلاسفة الغرب أمثال باسكال، وليام جيمس، هانري برغسُن، أنّ هذه المعرفة معتبرة(50) . كمثال على ذلك يقول شيخ الإشراق في مقدّمة كتابه حكمة الإشراق: «حقائقها ومطالبها (حكمة الإشراق) لم تحصل لي من الفكر، بل بأمر آخر (الكشف والشهود)، وبعد أن تحقّقت لديّ أقمت البرهان عليها فلو أنّ البرهان لم يورث القطع لأحد فإنّه لن يوجب الشكّ عندي أبداً(51) .
ويقول باسكال: «للقلب سبل وأدلّة لا يعرفها العقل، ولا ينبغي أن نحصر الأدلّة في الأدلّة العقليّة فقط »(52) . ويعتقد أنّ: «الفلاسفة أخفوا صورة المفهوم الفطريّ للناس عن الله، ولو لم يظهر الفلاسفة لكان لدى الناس مفهوم فطريّ جاذب عن الله. وقد نسب الفلاسفة صفات إلى الله من قبيل: علّة العلل، واجب الوجود، والمحرّك بلا تحرّك. وأبعدوا عنه صفاته الوجودية المحبِّبة الجاذبة، فمن الذي سيعشق واجب الوجود؟ »(53) . ومعنى كلامه أنّ أوصاف الله الفلسفيّة تتناسب فقط مع العقل والذهن البشريّ، وتخلو من أيّ جنبة معنويّة أو شعوريّة؛ في حين أنّ ربّ الأديان رحيم ورؤوف وغفّار ويمكن الارتباط به بعلاقة شخصيّة قريبة والتوجّه إليه بالدعاء والمناجاة.
أمَّا من «داخل الدين » وبالاستلهام من الكتاب والسنّة فإنّ المعرفة الفطريّة والشهوديّة لا تقبل الشكّ أو الترديد تبوتاً وإثباتاً. ففي هذه المصادر، تمّ تعريف الإنسان على أنّه صاحب معرفة فطريّة بالله وجاء فيها أنّه يمكن للناس، من خلال تزكية النفس وتصفية الباطن، أن تحصل على معارف لا إمكانيّة لتحصيلها عن طريق الحسّ والاستدلالات الفلسفيّة. ولا شكّ بأنّ معرفة الله الفطريّة معرفة عامّة وشاملة لكلِّ الناس وموهبة أكرم الله بها كلَّ الناس. ولكنّ الاهتمام والالتفات إلى هذه المعرفة وتحصيل الإيمان بمقتضاها والقيام بالأعمال المناسبة وتزكية النفس يمكن أن ترفع من هذه المعرفة إلى درجةٍ عالية من الشهود. فالنفس الإنسانيّة متى كانت متوازنة أمكنها أن تصل من خلال المعرفة الإلهاميّة إلى معرفة السيّئ والحسن من أعمالها. كما جاء في القرآن الكريم: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}
________________________________________
(50) المصدر نفسه.
(51) السهروردي، شهاب الدين، حكمة الإشراق، ترجمة: د. سيد جعفر سجادي، طهران: نشر جامعة طهران، طبعة رابعة، ص 18.
(52) ملكيان ، مصطفى، تاريخ فلسفة الغرب، قم: مكتب تعاون الجامعة والحوزة، ص 205.
(53) المصدر نفسه، ص 204.

[الصفحة - 267]


{ * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} ( الشمس / 7-10). ففي الآية الثانية، يتعلّق إلهام الفجور والتقوى بالنفس البشريّة وهو دليلٌ بيّنٌ على وجود نوع معرفةٍ إلهاميّة لها. وجاء في حديث شخص باسم «وابصة » ينقل عن النبيّ الأكرم(ص) قوله: «يا وابصة استفتِ قلبك، استفتِ نفسك، البرُّ ما اطمأن إليه القلب، واطمأنّت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس وتردّد في الصدر... »(54) . إضافة إلى ذلك، يَعتبر القرآن طهارة القلب أرضيّة ممهّدة لإشراق النور الإلهيّ في القلب وتشخيص الحقّ من الباطل: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً } (الأنفال / 29)، أو اعتبار التقوى موجبة للتعليم الإلهيّ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ } (البقرة/ 282).
ويذكر العلامة الطباطبائيّ في ذيل الآية {وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ } (الأنعام/ 122) الآتي: المقصود من النور هنا علم يولَد من الإيمان وليس علماً يحصل من التعليم والتعلّم(55) ؛ وعليه فأداة المعرفة الفطريّة موقعها القلب لا العقل بمعناه الاصطلاحي. وهذا العلم ليس معرفةً اكتسابيّةً بل نور يفيض به الله على قلب الإنسان، أو يودعه باطنه. وقد ورد في الآيات والروايات الإسلاميّة بيان نوعين من العلم الإعطائيّ وغير المفهوميّ: أحدهما العلم الإعطائيّ العامّ الذي أودعه الله تعالى في وجود كل الناس (العلم الفطريّ) والعلم الآخر هو الذي يحصل لبعض الناس طبقاً لما لديه من القابليّة والاستعداد لتلقّيه من خلال أفعاله وصفاته الاختياريّة، أي التقوى وتزكية النفس، فيفيض الله به عليه، كما عبّر النبيّ الأكرم(ص): «ومن زهد فيها فقَصَر فيها أمله أعطاه الله علماً بغير تعلُّم ، وهدىً بغير هداية ، وأذهب عنه العماء وجعله بصيراً »(56) .
الإشكال الثاني: إذا كان النظر إلى المعرفة الفلسفيّة كمقدّمة ضروريّة للإيمان وحسب، أو كمرادف للإيمان، فلا بدّ وأن يتحقّق الإيمان بنحوٍ مقارن لتحقّق هذه المعرفة في متعلّقات الإيمان، مع أنّ ذلك لا يتحقّق بنحوٍ دائم! بمعنى أنّه قد لا يحصل الإيمان على الرغم من
________________________________________
(54) الطباطبائي، محمّد حسين، تفسير الميزان، (دورة 20 مجلد)، ترجمة محمّد جواد حجتي كرماني ومحمد علي كرامي قمي، ج 5، طهران: نشر مؤسـّسة العلّامة الطباطبائيّ العلميّة الفكريّة، طبعة ثانية، ص 295.
(55) الطباطبائي، محمّد حسين، تفسير الميزان، ترجمة السيّد محمّد باقر الموسوي الهمداني، ج 7، طهران: نشر مؤسـّسة العلّامة الطباطبائيّ العلميّة الفكريّة، طبعة سادسة، ص 517.
(56) محمدي ري شهري، محمد، ميزان الحكمة ، ج4، قم: مكتب الإعلام الإسلاميّ، ص 259.

[الصفحة - 268]


تحقّق المعرفة (هذا الإشكال موجّه إلى النظريّة الأولى وكلّ نظرية ترى أنّ المعرفة الفلسفيّة مقدّمة ضروريّة للإيمان). فمن الممكن أن يتحقّق لدى فردٍ ما معرفةٌ فلسفيّةٌ بمتعلّق من متعلّقات الإيمان، ولكنّه لا يؤمن بسبب عدم ميله لهذا المتعلّق وعدم حبِّه له. والذين يظنّون أنّ تحقّق المعرفة الفلسفيّة بمتعلّقات الإيمان موجب لتحقّق الإيمان فوراً، لم يقم في «علم معرفة الإنسان » بإثبات الفرضيّة المعتمدة لديه والتي تنص على أنّ الإنسان موجود عقليّ تماماً، أو على الأقلّ أنّ الجهة العقلانيّة هي الغالبة على شخصه. وعلى هذا الأساس، يظنون أنّه مع حصول المعرفة الفلسفية بمتعلَّقٍ من متعلَّقات الإيمان يحصل الإيمان بالضرورة، في حين أنّ هذا المدّعى غير مقبول في الواقع. فوجود الإنسان أكثر عمقاً وتشعُّباً من أن نعرّفه على أساس بُعد واحد من شخصيّته. إضافةً إلى ذلك، فقد ميّزت الآيات القرآنيّة بين العلم والإيمان، فهذه الآيات التي عطفت الإيمان على العلم تشير إلى نوعٍ من التغاير بينهما. فلو كان العلم والإيمان مترادفَيْن في المعنى لَمَا صحَّ عطف أحدهما على الآخر. على سبيل المثال جاء في القرآن الكريم: {الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ } (الروم/ 56)؛ وفي مجموعةٍ ثانية من الآيات، قُرن إيتاء العلم لدى بعض الأفراد مع عدم قبولهم الهداية بل وجحودهم وإنكارهم لحقائق الإيمان وهو بيان لعدم ترادف العلم والإيمان. وكمثال على ذلك، يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى } (محمد/ 25)، وفي آية أخرى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً } (النمل/ 14). ويقول أيضاً: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ( البقرة/ 145). وفي هذه الآية أيضا جُمع بين العلم الواضح والصريح مع كتمانه. وعند التأمّل في هذه الآيات يتّضح أنّ العلم والإيمان بشكل عامّ - وحتّى اليقين - ليسا أمراً واحداً.
ويذكر الإمام الخمينيّ الآتي: «اعلم أنّ «الإيمان» غير العلم بالله والوحدة (التوحيد) وسائر الصفات الكماليّة الثبوتيّة والجلاليّة السلبيّة، والعلم بالملائكة والرسل والكتب ويوم القيامة. وما أكثر أن يكون شخص لديه
________________________________________

[الصفحة - 269]


العلم وليس بمؤمن، فالشيطان عالم بكلّ هذه المراتب مثلي ومثلك وهو كافر؛ بل الإيمان هو عمل قلبيّ، فطالما لم يحصل فلا إيمان »(57) . يعرّف الإمام الخمينيّ الإيمان على أنّه تسليم وخضوع ونوع رضا قلبي، ثمّ يتابع ويقول : «التسليم الذي هو حظّ القلب، غير العلم الذي هو حظّ العقل. فمن الممكن أن يحصل لدى الإنسان إثبات الصانع تعالى وتوحيده ويوم المعاد وسائر العقائد الحقّة، لكنّه لا يؤمن أو يذعن لهذه العقائد ( تمايز الإيمان من العلم بنظام المعتقدات الدينيّ) ولا يعدّونه مؤمناً وهو في زمرة الكفار أو المشركين أو المنافقين »(58) .
يعرّف آخرون الإيمان باليقين المنطقي ويرون أنّه المعرفة الجازمة المطابقة للواقع. مع أنّ اختلاف معنى الإيمان والعلم له دلالة بمفرده على اختلاف الإيمان واليقين المنطقيّ أيضاً، ودليل هذا الأمر أنّه علّل بترادف العلم (بمعناه الحقيقيّ) مع الاعتقاد الصادق. ولكي يتّضح هذا الاختلاف والتغاير أكثر، يلزم أن نحلِّل ونشرح معنى العلم (المعرفة) إلى حدّ ما. فلو أنّ شخصاً قال: أنا أعلم أنّ «ألف، هي ب » لكي يعتبر هذا الادّعاء اعتقاداً صادقاً ومعلّلاً ينبغي توفّر شروط ثلاثة: الأوّل قبول(59) الشخص المدّعي لهذه القضيّة بما تتضمّن ويعبَّر عن ذلك بالتصديق(60) ؛ الثاني، أن تكون القضية صادقة أي مطابقة لواقعها. مثلاً إذا أراد شخص أن يقول: «أعتقد أنّ الشمس تدور حول الأرض» فهذا الاعتقاد غير صادق. ويعبَّر عنها اصطلاحاً بـ «الجهل المركب ». الثالث، لتكون هذه القضيّة صادقة(61) ينبغي وجود دليل وشاهد حتّى يكون ذلك معللاً وموجّهاً(62) .
وعليه فإذا تكّهن شخص بشيء ما وصادف أنّه أصاب في ذلك ولكن لم يكن لديه دليل أو شاهد عليه فلا يمكننا أن نسمّي ذلك علماً(63) . عندما يقال إنّ العلم لا يستلزم الإيمان بمعنى أنّه من الممكن أن تتحقّق الشروط الثلاثة بالنسبة إلى المتعلّق أو أكثر من متعلّقات الإيمان اللّازمة ولكن لا يتحقّق، بمعنى أن ما قد فهمه العقل وصدّق به لم يرض به القلب وبقي جاحداً له ومنكراً. والدليل على هذا الأمر أنّ القبول والتصديق العقليّ لا يؤدّي دائماً وفي كافّة الظروف إلى تحقّق الميل القلبيّ. ومن وجهة
________________________________________
(57) الخميني، روح الله، (1384)، الأربعون حديثاً، طهران، مؤسـّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، ص 37، الحديث الثاني.
(58) المصدر نفسه، ص 38.
(59)acceptance
(60) beleive
(61) truth
(62) justification
(63) خندان، علي صغر، منطق كاربردي (المنطق العملي)، قم، نشر: سمت ومؤسـّسة طه الثقافيّة، ص 24-23.

[الصفحة - 270]


نظرنا فإن هذه الشروط الثلاثة المذكورة هي فقط بيان وشرح لعلاقة الذهن البشريّ بالقضايا وارتباط القضايا بالواقع، ولكن لا كلام عن علاقة القلب بمضمون القضايا!
وقد عرّفت الأشاعرة من بين الفرق الإسلاميّة، التصديق الإيمانيّ بـ«ربط القلب أو عقد القلب» أي ارتباط والتحام القلب أو التعلّق بالذي عُلِمَ من خبر المخبر. واختلاف هذا المعنى عن معنى العلم والمعرفة في أنّ التصديق أمر كسبيّ يحصل باختيار المصدّق ولذلك يترتّب عليه الثواب، بخلاف العلم الذي يحصل أحياناً في النفس بشكل لا إراديّ وبشكل انفعاليّ(64) . من هنا فإنّ مجرّد تحقّق العلم بشيء في القلب وبدون اختيار لا يكون مظهراً للتصديق الإيمانيّ. بل التصديق الإيمانيّ هو ذاك الذي يَنسب الصدق إلى المخبِر بالإرادة والاختيار.
ورد في العديد من الآيات القرآنيّة بيان أنّ القلب محل الإيمان ومَنْشَؤُهُ ولم تنسب آيةٌ من كتاب الله الإيمان إلى العقل الفلسفيّ. بالإضافة إلى استخدام الإيمان في القرآن بمعنى الميل القلبيّ إلى الله والنزوع إليه وسائر متعلّقات الإيمان. إنّ نظريّة وحدة الإيمان والمعرفة الفلسفيّة سوف تؤدّي إلى «تحويل الإيمان والدّين إلى الفلسفة وإلى طورٍ من الإلهيّات الطبيعيّة »(65) ، وتنزيل درجة الإيمان بالله إلى إيمان قوليّ صرف(66) . والمراد من الإيمان القوليّ الإيمان الذي تكون متعلّقاته أقوالاً يجب إثبات صدقها عن طريق الأدلة العقليّة والفلسفيّة ليغدو الإيمان بها ممكناً. وهكذا تعبير عن الإيمان لا ينسجم مع الأوصاف التي ذكرها الله تعالى للمؤمنين. يرى القرآن أنّ المؤمنين الحقيقيين هم الذين يكفيهم ذكر الله لينقدح في قلوبهم الخوف المقرون بالهيبة والاحترام: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً } ( الأنفال/ 2). {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}(السجدة/ 15 -16). فآيات من هذا القبيل فيها
________________________________________
(64) التفتازاني، مسعود بن عمر بن عبد الله (سعد الدين)، شرح المقاصد، تحقيق وتعليق دكتور عبد الرحمن عميره، بيروت: عالم الكتب، الجزء الخامس، 184و186.
(65) النراقي، أحمد، رسالة معرفة الدين، طهران، طرح نو، ص 34.
(66) أي الخبر الذي يحتمل الصدق والكذب لذاته- من المترجم.

[الصفحة - 271]


بيان لعلاقة المؤمنين العاطفيّة والمستحكمة والعميقة بربّهم وهي غير ممكنة التحقُّق بدون معرفة شهوديّة مباشرة. ولذلك لا ملازمة ذاتية بين القبول العقليّ لمضمون هذه القضيّة (إنّ الله موجود) والإيمان بالله بمعنى القبول والميل القلبيّ له. والصحيح أنّه عندما يتمكّن العقل من إثبات حقيقةٍ من الحقائق الإيمانيّة، ولم يكن للقلب تعلّق بما يخالف تلك الحقيقة فإنّ القلب سوف يجد ذلك الميل والتعلّق، ولكنّ تقدّم القلب على العقل، كما يظهر من هذه العبارة، له شروطه ولا يتحقّق من دونها. ولكن متى وجد القلب ميلاً نحو حقيقة ما وسلّم بها وصدّق، تتهيّأ الأرضيّة أيضاً لقبول العقل لها، ودليل هذه الواقعيّّة أنّ للقلب مجالاً وساحة أعلى وأعمق وأوسع من ساحة العقل. وعلى هذا الأساس يقول محيي الدين ابن عربي : «إنّ العقل يقيّد غيره من القوى، إلّا القلب، فإنّه لا يتقيّد وهو سريع التقلّب في كل حال، ولذا قال الشارع إنَّ القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، فهو يتقلّب بتقلب التجلّيات، والعقل ليس كذلك،...» (67) . ولذلك فالقلب عندما يذعن ويسلّم بحقيقةٍ ما فسوف تتبعه سائر القوى الأدنى منه ومن ضمنها العقل، وعلى الأقلّ يحول ذلك دون إنكارها وجحودها، ثمّ تعمّ آثار وتجليات هذا التسليم والتصديق القلبيّ بنحو تدريجي تمام الحالات الباطنيّة والأفعال الجوارحيّة للإنسان، وتقتلع من ساحتها كلّ رياء أو اثنينية بين الظاهر والباطن. وما يجعل الإيمان العقلي ممكناً أنّ الإنسان المؤمن لا يمكنه أن يقبل شيئاً قامت أدلّة قطعيّة على إبطاله ورده، ولكن من الممكن أن يؤمن بما لا يمتلك أدلّة قطعيّة عليه. فتحقّق الإيمان وحصوله مرتبطان بأسباب وعوامل متعددة، ومن غير الممكن بيان الإيمان وشرحه بشكل دقيق بدون نظر إليها. يعتقد الكثير من الأشاعرة أنّ: «التصديق اللازم في الإيمان ليس تصديقاً لا احتمال فيه للخلاف؛ بل إنّ الاطمئنان والظنّ الغالب أيضاً في حالة عدم احتمال خطور النقيض في الذهن له حكم التصديق »(68) . وعليه، لا يمكننا دائماً اعتبار اليقين المنطقيّ الأساس والمقوّم الضروري للإيمان، بل أحياناً يكون الإيمان مبنيّاً على معرفة ظنّيّة. «لا بدَّ في الإيمان من تحقّق درجةٍ من التصديق، ويكفي لتُطلق على الإنسان أنّه مؤمن أن يحتمل وجود شيء او أحد أو
________________________________________
(67) ابن عربي، محمّد بن علي (محيي الدين)، الفتوحات المكية، ج1، بيروت دار صادر ، ص 289.
(68) التفتازاني، مسعود بن عمر بن عبد الله (سعد الدين)، شرح المقاصد، تحقيق وتعليق دكتور عبد الرحمن عميره، بيروت: عالم الكتب، الجزء الخامس، ص 218.

[الصفحة - 272]


أمر حسن وأن يكون احتمال ذلك أرجح من احتمال عدمه بالحدّ الذي يجعله يقدم على المخاطر، ويعقد أمله ورجاءه عليه، ويسعى لسدّ ما لديه من نقص وليزيد من توكلّه وتصديقه ومن تضحيته، فهنا للمخاطرة، والأمل والتوكلّ تأثير أقوى من القطع واليقين »(69) .
النتيجة التي يمكن استخلاصها مما سبق، أنّه إذا توافرت شروط تحقّق الإيمان، فبالمعرفة الظنيّة يتحقّق أيضاً(70) ، ولكن إذا لم تتحقّق هذه الشروط فلن يتحقّق الإيمان ولو باليقين المنطقيّ أيضاً؛ لأنّه مع فرض وصول العقل إلى الأدلّة الكافية فيما يرتبط بصحّة متعلّقات الإيمان إلّا أنّ الجحود والإنكار القلبيّ ممكن، وبالتالي لا يتحقّق الإيمان. وإنّ دور المعارف اليقينيّة والظنيّة ـ كمعارف مفهوميّة ـ في تحقّق الإيمان يرجع إلى مقدار تأثيرها في لَفْتِ الإنسان إلى المعرفة الفطريّة بالله، من خلال رفع بعض الشبهات والموانع الذهنيّة (الفكريّة)، أو أنّها تستخدم بعد تحقّق الإيمان في التوجيه والتعليل العقلانيّ له. إذاً، يقوم الإيمان على المعرفة الفطريّة بالله وضمن الاختيار البشريّ، ولا دور مباشر لأيٍّ من المعرفتين المذكورتين (المعرفة اليقينيّة والمعرفة الظنيّة) في تحقّقه. وما ذُكر من أنّه عند القبول القلبيّ بشيء، تتهيأ أرضية التصديق العقلي به أيضاً قابل للانطباق والتفسير مع خصوصيّة الاختيار التامّ للإيمان. والمراد من تماميّة الإيمان الاختياري أن لا ينحصر الإيمان بالقلب بل يشمل ساحة الوجود الإنسانيّ بتمامه، وتظهر آثاره الداخلية والخارجيّّة في كافّة ساحات الوجود والعمل. ويستثمر العقل هذه الظاهرة القلبيّة في خلق مفاهيم وتنظيمها ضمن نظام معتقدات منتاغم. وهذه الإفادة العقلية يمكن أن تتشكّل تدريجياً وضمن عمليّة تحقّق الإيمان، أو أنّها تحصل بعد تحقّقه من خلال التأمّل في مضمون الإيمان. يتّضح أيضاً نتيجة لهذا التحليل التمايز بين الإيمان ونظام الاعتقادات الدينيّ. فالإيمان نوع إقبال قلبيّ على شيء أو شخص، بينما نظام المعتقدات الدينيّة هو عبارة عن نظام من المفاهيم الاعتقاديّة الذي يتشكّل حول محور الإيمان. وبنظرنا فإنّ الخلط بين هذين الأمرين من قبل
________________________________________
(69) سروش، عبد الكريم، أخلاق الإلهيين، طهران، طرح نو، ص 115.
(70) بهدف تقديم نموذج على عدم لزوم ابتناء الإيمان على المعرفة العقلية والفلسفية (اليقين المنطقي) ننقل هذه العبارات عن محيي الدين بن عربي: «آمنا بالله وبرسوله وبكل ما جاء به ، من المجمل والمفصل. سواء وصل إلينا هذا المفصل أو لم يصل. نؤمن بكل ما جاء به. أخذنا ذلك تقليدا عن والدينا ولم ننظر إلى حكمها العقلي من الوجوب والإباحة والجواز . ثمّ على أساس إيماننا عملنا به حتّى فهمنا من أين جاء إيماننا وماهو ، والله تعالى فتح بصرنا وبصيرتنا وخيالنا ورأينا بعين البصر ما لا يمكن رؤيته إلّا به وبعين البصيرة ما يرى إلّا بها وبعين الخيال (الرؤيا او المثال) ما لا يمكن رؤيته إلّا به، فالأمر مشهود لي والحكم الوهمي الخيالي التقليدي موجود» ( 3، ص52).

[الصفحة - 273]