البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الوعي الدينيّ وثورة الوسائط الجديدة بحث في علاقة الدّين بعلم الاتّصال

الباحث :  يونس إمغران
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  66
السنة :  السنة السابعة عشر صيف 1433 هجـ 2012 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  522

الوعي الدينيّ وثورة الوسائط الجديدة
بحث في علاقة الدّين بعلم الاتّصال

يونس إمغران (*)

إنّ علاقة الدّين بالوسائط التقليديّة والجديدة علاقةٌ موغِلةٌ في التاريخ، استفاد منها الدّين، وتطوَّرت بها بُنية الوسائط نحو احترافيّةٍ أكبر... إنَّها علاقة القلب بالجوارح إذا صحَّ هذا التوصيف، باعتبار أنَّ مصدر الدين (الإيمان والإحسان) هو القلب، وأنَّ صور الوسائط تبدو أعمق التحاماً بالجوارح كالفم واليد والعين الناظرة والبصيرة.
لكن المؤكَّد حسب بعض الفلاسفة والدارسين هو أنَّ علاقة الدين بالوسائط والوسائل الإعلاميَّة تستمدُّ شرعيَّتها من الإنسان ذاته... فالإنسان متديِّنٌ بطبعه، وإعلامي بطبعه في الآن نفسه... أي إنّ تديّنه وحسّه الإعلاميّ من طبيعته الخلقيّة وتكوينه البيولوجيِّ والفيزيولوجيّ.
فإذا كان أرسطو قد عرَّف الإنسان بأنَّه حيوان ناطق، أي يُحسن التفكير ويوظِّفه في معرفة ما حوله والتعاطي معه سلباً أو إيجاباً، فإنَّ غيره قد وصفه بأنَّه (حيوان متديِّن). وفي هذا السياق ذهب هيجل إلى أنَّ الإنسان وحده «هو الذي يمكن أن يكون له دين، وأنَّ الحيوانات تفتقر إلى الدّين بمقدار ما تفتقر إلى القانون
________________________________________
(*) كاتب صحفي، رئيس تحرير المجلة المغربية، من المغرب.

[الصفحة - 37]


والأخلاق »(1) .. ومن ثمّ فإنّ الأمر لا يدعو إلى الاستغراب عندما نجد أنَّ كلَّ الحضارات الإنسانيَّة - البدائيّة منها والحديثة - تشترك في انتصارها لدينٍ معيَّن. بما في ذلك المجتمعات التي اختارت أن تكون علمانيّةً أو ملحدة أو ذات مرجعيَّة ماديّة بتحويلها لمرجعيّاتها إلى دينٍ وعقيدةٍ(2)تنافح عنها بتعصّب، وتروِّج لمبادئها تحت طائلة المتابعة القانونيّة. بل ليس هناك قوَّة تعادل قوَّة الدّين في هذه المجتمعات تدفع الانسان إلى الانضباط والسلم الاجتماعي والمواطنة. فالإنسان ينساق من باطنه المتديّن، لا من ظاهره حيث قوانين الدولة أو سلطان حديدها، إلى بناء جماعاته محترِماً فيها الحقوق، ومؤدّياً بالتالي واجباته الكاملة من أجل تحقيق المدينة الفاضلة(3) .
إنّ أوَّل ما انفرد به الإنسان وتميَّز به عن غيره من المخلوقات أو الكائنات الجماعيّة الحيّة، - «هو تشكيل الأدوات الحجريّة بواسطة تقنيَّات (بسيطة). وبعد ظهور الأدوات الحجريّة ترك لنا الإنسان الأوّل إلى جانب أدواته شواهد على وسطه الفكري، تشير إلى بوادر دينيّة لا لبس فيها، وتبيِّن ظهور الدين إلى جانب التكنولوجيا كمؤشِّرين أساسيين على ابتداء الحضارة الإنسانيّة »(4) . لذا فهناك من يرى أنّ «كلَّ نواتج الحضارة الإنسانيّة (ما هي) إلا استمرار لهاتين الخصيصتين الرئيسيتين للإنسان، فكلُّ ارتقاء مادّي تكنولوجيّ قد تسلسل من تلك التقنيات الحجريّة الأولى، وكلُّ ارتقاءٍ فكريٍّ قد تسلسل من تلك البوادر الدينيّة الأولى وتطوَّر عنها »(5) .
كما أنّ وظيفة الإعلام والاتِّصال لم تكن حدثاً جديداً في حياة الإنسان، لأنَّ هذا الأخير إعلاميٌّ بطبعه، شديد الاستعمال للأدوات الاتصاليَّة، حيث امتاز منذ العصور الأولى لظهوره بنقله شفاهةً أو كتابةً أو إشارةً أو نحتاً أخباراً وأفكاراً، وطرق عبادته للكواكب وللأوثان وللماء وللبقر... واتَّخذت وسائل إعلامه صوراً شتَّى منها: المنادي، وإشعال النار على الجبل، ودقّ الطبول، والرسائل المكتوبة، والشعر وندواته، والخطابة في أوقات السلم والحرب معاً.
________________________________________
(1)- جفري بارندر، المعتقدات الدينيّة لدى الشعوب، ص 60ـ 61، ط 1، سلسلة عالم المعرفة، الكويت.
(2)- مالك بن نبي، القضايا الكبرى، ط1، دار الفكر المعاصر، بيروت.
(3)- محمد عبد الله دراز، الدين، - ص 99، ط2، دار القلم، الكويت.
(4)- فراس السوّاح، دين الإنسان، بحث في ماهيّة الدين ومنشأ الدّافع الدينيّ، ص 19، ط 4، - 2002، دار علاء الدين، سوريا.
(5)- المصدر نفسه.

[الصفحة - 38]


لكنّ السؤال الذي يطرحه معتنقو الدين وخصومه هو: هل الدين والعلم يتوافقان ولا يتناقضان، يتكاملان ولا يتصادمان في النظر إلى الأشياء وتقريرها أو الحكم عليها؟ إنَّ الدين في تعريفه البسيط هو نظرةٌ (متحرِّكةٌ) إلى الحياة تستند إلى تعاليم وتوجيهات يصفها المتديّن بـ (الإلهيّة)، بينما العلم هو دراسة العالم المحسوس بالتجربة والمشاهدة، ممَّا يعني أنّ لكلٍّ من الدين والعلم مجالات واسعة ومختلفة(6) ... فهل يمكن للدين والعلم أن يتحالفا من أجل وحدة النظر إلى الحياة، وتوجيه الإنسان نحو الخير والسلام والانتصار للحياة؟ إنّ تاريخ المجتمعات الإنسانيَّة أو الأوروبيّة على وجه الدقة، تاريخ صراع بين الدين والعلم. وقد آل هذا الصراع في آخر المطاف إلى العلم باكتشافاته المذهلة والجبَّارة، وبانحياز الناس إلى الظنّ بأنَّ الحاجة لم تعد قائمةً إلى الإيمان بالله أو الدّين، وبأنَّ الإنسان هو الذي يُنتج الدين، وليس الدين هو الذي ينتج الإنسان، بل إنّ الدين هو الإنجاز الرائع للكائن البشريِّ، رغم أنّ هذا الإنجاز أصابه بالاغتراب، وأضرَّه بالاستغلال، وسلبه حريَّته بالاستعباد(7) .
لكنَّ انتصار العلم على الدين لم يكن إيذاناً بنهاية الحرب والصدام بينهما، بقدر ما كان إعلاناً عن ربحٍ لمعركةٍ سيعود بعدها الدين قوياً مشاكساً إلى ساحة مختلف المجتمعات ليستقطب ليس الآلاف من المؤمنين به الخاضعين لتصوّراته ورؤاه بل مئات الملايين.. وأكثر من هذا سيحاول الدين - بنجاحٍ كبيرٍ - مساندة العلم وتوظيفه في التمكين لمعتقداته وفلسفته في الأرض كما في السماء.
الوعي الدينيّ بين السلبيّ والإيجابي في علاقته بالوسائط الجديدة
لقد تطوَّر الوعي الديني لدى الإنسان منذ إدراكه لِمَا حوله من مخلوقات، وازداد هذا التطوّر في شكل صِيَغ تساؤليّة وجوابيّة متعدّدة: هادئة ومنفعلة وثائرة ومتطرِّفة ووسطيّة، وذلك بفعل تحوّلات المجتمعات الإنسانيَّة ونزوعها المستمرّ إلى الإبداع والابتكار والاختراع. أي أنّ
________________________________________
(6)- وحيد الدين خان، الدين في مواجهة العلم، ص 62، ط 1، دار الاعتصام.
(7)- دانييل هيرفيه - ليجيه وجان بول ويلام، سوسيولوجيا الدين، ص 18ـ 19، ط 1، - 2005، المجلس الأعلى للثقافة، مصر.

[الصفحة - 39]


بُنيَة الدين المفاهيميَّة والفكريَّة تحوَّلت من البسيط إلى المعقَّد عبر السؤال عن الله والخير والشر والبعث والحلال والحرام والمتشابه بينهما، وعبر الاعتقاد الداخليِّ الهادئ كمرحلة التأسيس، ثمّ الاعتقاد الثائر المتعصِّب المتفجّر كمرحلة الهيمنة وتحقيق الغلبة.
والواقع أنّ الوعي الدينيَّ لدى الإنسان لم يأخذ شكله الأصوليّ (بمفهوم العودة إلى الأصل العقدي) وصورته المتوهِّجة، وتجليّاته الصاخبة، وتأثيراته الماديّة والمعنويّة، إلا في نهاية العقود الأخيرة من القرن العشرين وبداية الألفيّة الثالثة، أي حين تمكَّن الإنسان من خلق وسائل الإعلام والاتِّصال الجديدة: من طباعةٍ وصحافةٍ مكتوبةٍ وإذاعةٍ وتلفزيون وسينما وهاتف وحاسوب وآلات تصوير عادية ورقميَّة وأقمار اصطناعيّة وشبكة عنكبوتيَّة للمعلومات وهلمّ جراً.
ونتيجة لذلك أضحى الدين في ظلِّ (الميديولوجيا) أيّ في ظلِّ تقنيَّات الإعلام والاتِّصال والإعلان والانتشار الواسع واللامحدود للأفكار والرؤى والرموز المسموعة والمرئية والمذاهب والمناهج وطرق التدبير الإنسانيّ للأشياء، معطىً ضرورياً للحضارات، وهويةً تتنافس وتتصارع من أجل احتلال مكانتها البارزة في التوجيه والتأثير والتشكيل الذهنيِّ والسلوكيّ للإنسان والمجتمع والدولة.
وهكذا في الوقت الذي اعتقد فيه الكثيرون - أي في ظلِّ اعتقادهم باستمرار الصراع بين الدين والعلم - أنّ ثورة الوسائط الجديدة (باعتبارها سلاح تفوُّق في المعركة الثانية مع الدين) ستحدّ من حيويّة المحرِّك الدينيّ، وتدفع خلاياه النشيطة إلى التقوقع والانحسار مجتمعياً، لإفساح مجال البناء والإبداع أمام العلم ومناهجه الدقيقة، أي الإعلان عن موت الدين والوعي به (لكونه خرافة وأسطورة)، وتمكين العلم بوسائله التفاعليَّة - بدلاً منه - من ملء المساحة في العقل والنفس والروح، فإنَّ هذه الوسائط منحت للدين دعامةً مادّية وروحيّة، ووسَّعت من أفقه، وأحيت في الشعوب موجات من الرغبة والإرادة والالتزام بإقامة دولة، وتشكيل أمّة، وخلق تاريخ، وقيادة العالم (نموذج الحركات الإسلاميّة والدول الدينيّة كإيران).
________________________________________

[الصفحة - 40]


بيد أنَّ الوعي بالمتغيِّرات الكبرى التي أحدثتها الوسائط الجديدة في حياة الإنسان: لغةً، وأسلوب حياة، ومنهج حوار، ورؤيةً للكون، لم تكن كلها - أي المتغيِّرات - ذات تأثيرٍ إيجابيٍّ على المسألة الدينيّة والوعي بها، بل عمَّقت من الإشكاليَّة الدينيّة، وجعلتها في أحايين عديدة أكثر خطورةً وأشدّ تهديداً لعددٍ من القِيَم الإنسانيّة كالتسامح والتعايش والسلم والتعاون على البرِّ والتقوى... وهذا ما تفسّره أطروحة صراع الحضارات أي صراع الأديان والملل والنحل في جوهر الأمر والشيء.
إنَّ ثورة (الميديولوجيا) - في معناها ومبناها - تأتي كنقيضٍ للاستبداديّة في الترويج لعقيدةٍ معيّنةٍ، أو منهجيّة تفكيرٍ ما، أي إنّها تلعب دوراً رئيسياً في تكريس مزيدٍ من شروط التعدديّة الإعلاميّة والثقافيّة والسياسيّة والدينيّة، لكن سوء توظيفها دينيا، وتحريف خطابها الأصلي، - ومحاولة (قتل) فلسفتها المبدئيَّة التي أنشئت من أجلها، جعلتها أداة تدمير - بامتياز - لكلّ ما هو جميل في الإنسان والحياة والكون.. لقد باتت بفعل هذا التوظيف السيئ للدين مدخلا لكلِّ الشرور والفتن (تبرز الصورة واضحةً في القنوات الفضائية التي تتبنى مبدأ الفتاوى العابرة للقارات، والدعوة لإراقة الدماء - حتّى - بين نفس الطوائف والعقائد).
نعم، من الصعب جداً تحرير وسائط الإعلام والاتّصال الجديدة من المؤثِّرات الإيديولوجيّة، لكونها - أولاً وأخيراً - مجرّد آليات لحمل مضمون الرسالة الموجّهة من خلالها. ولكن يمكن فرض ضوابط أخلاقيَّة وقِيَميَّة لتهذيب الرسالة، والتقليل من مضاعفاتها الجانبيّة... مع التأكيد - بطبيعة الحال - على أنَّه ليست هناك عمليَّة إعلاميّة مستقلَّة ومتحرِّرة من إكراهات الواقع والتاريخ والثقافة، أو متعالية عن المصالح الماديّة والمعنويّة(8) . وبذلك لا يكاد يوجد عمل إعلاميّ يؤدّي دوره دون أن ينطلق من إطارٍ عقديٍّ أو رؤيةٍ مذهبية؛ لأنّ كل عمل إعلاميّ يقوم بالتعبير عن معتقدات المجتمع الذي ينشط فيه وينتمي إلى بنائه الاجتماعي والثقافي، كما يروج لقيمه حين يرمي إلى تشكيل اتِّجاهات الجماهير وتوجيه نظرتهم
________________________________________
(8)- الدكتور حسن جابر، الإعلام والقيم والحقيقة، مجلة المنطلق، العدد 107، ص 5، 1994، لبنان.

[الصفحة - 41]


لمختلف قضايا هذا المجتمع وانشغالاته المختلفة.
أ - المنهج الإعلاميّ في المنظور الإسلاميّ
ليس بِدْعاً أن يضع الإسلام منهجه الإعلاميَّ وفق ثوابته وأصوله، فهو يلتزم بما شرّعه الله سبحانه وتعالى وينطلق منه في التعاطي مع مواضيع الإعلام ومفرداته التقنيّة والمهنيّة والفلسفيَّة. على أنَّ منهجيَّة الإعلام في النظام الإسلاميّ - وباتِّفاق كثيرٍ من علمائه - تُعد مساحةً كبيرةً للخطأ والصواب، ويُتاح فيها للناس أن يعبِّروا عن آرائهم وتصوّراتهم وانتقاداتهم واقتراحاتهم بكلِّ حريّةٍ ومسؤوليّة. ولعلّ تاريخ الصحابة رضوان الله عليهم مليء بمجاهرتهم بذلك، كما أنَّهم أفصحوا عن آراء معارضة ومخالفة للخلفاء الراشدين انطلاقاً من أنّ الدين لم يقهر إرادة الآخرين في تبنّي واعتناق ما يرونه حقاً أو صواباً مع التزام شريعة الله وضوابطه(9) ، قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ } (البقرة، 256).
والمنهج الإعلاميِّ في المنظور الإسلاميّ إذا كان يعتمد على أسلوب الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن كسمةٍ أصليةٍ فيه، فإنّه يتقاسم مع المناهج الإعلاميّة الأخرى سِمَات عديدة، كالحرص على تزويد المتلقِّي بالمعطيات المجرَّدة، والأخبار الصحيحة، والمعلومات الموضوعيّة، والحرص على تنمية عقله وتربية نفسه تربيةً سليمةً شفّافةً وجريئةً تدفعه بوعي ونضج إلى قبول منتوجه الإعلاميّ أو رفضه، وإلى الاقتناع به أو نقده، وإلى تأييده أو استنكاره.. وإذا كان الإسلام قد فتح باب الإجتهاد على مصراعيه بمنح المجتهد إذا أصاب أجرين، وإذا أخطأ أجراً واحداً، فإنَّ المنهج الإعلاميّ في الرؤية الإسلاميّة يعتمد في تفاعله مع الأحداث والوقائع والمستجدّات على مقوِّم الاجتهاد بحمولته التعدديّة، وبمقصده المعادي للتقليد والجمود والرتابة.. على أنّ لهذا المنهج ضوابط تمنع الجنوح إلى الفتنة داخل المجتمع، كفتح النقاش أو الجدل حول ثوابت الدين وأركانه من وحدانيّة الله أو الصلاة أو الصوم أو الزكاة.. لكنّه بالمقابل يسمح باستعمال جميع وسائل الاتِّصال والإعلام في مناقشة قضايا العدل والجور، والاغتناء الفاحش وسوء توزيع الثروة ونهب مال الأمّة، والاستبداد بالسلطة، واحتكار أدوات الاتصال.
________________________________________
(9)- الدكتور محيي الدين عبد الحليم، إشكاليّات العمل الإعلاميّ بين الثوابت والمعطيات العصريّة، ص 80 و85، كتاب الأمة رقم 64، ط 1، قطر.

[الصفحة - 42]


وجدير بالتنويه أنَّ الإسلام استند - منذ ظهوره - في انتشاره وتوسيع رقعة الإيمان به إلى آليَّات وتقنيّات تواصليّة ذات تأثير واضح، منها على وجه الخصوص شعيرة الأذان، وخطبة يوم الجمعة وخطب الأعياد والمناسبات الدينيّة، بل كان الإسلام واعياً لأهميّة الوسيلة التي بإمكانها أن تنقل مضمونه إلى المتلقّين من معتنقيه وغير معتنقيه، وبقدرتها على التأثير فيهم بشكلٍ مباشرٍ أو لا شعورياً بُغية تغيير سلوكهم وأفكارهم الاعتقاديّة.
لقد ذهب بعض الباحثين المسلمين إلى أنَّ من أقوى وسائل الإعلام والاتِّصال الإسلاميَّة تأثيراً في النفوس، وأعظمها نجاحاً في الترويج للقِيَم العقديّة الإسلاميّة، القرآن الكريم، والحديث الشريف والخطب النبويّة، والقدوة الحسنة من جانب الرسول(ص) والصحابة أجمعين، والاتِّصال الشخصيّ والجمعيّ، وأسلوب القصص باعتباره وسيلةً إعلاميّةً أوّل ما ظهرت في القرآن الكريم، ثمَّ ظهرت على أيدي نفرٍ ممّن دخلوا الإسلام أُطلق عليهم اسم القصاصين، حيث كان لهذه الوسيلة أعمق الأثر في تعلّق المسلمين بدينهم، وكذلك مواسم الحج والعمرة باعتبارها مناسبةً أشبه بالمؤتمرات الإسلاميّة الكبرى أو الأسواق العامة، أضف إلى ذلك العلاقات الإنسانيّة، والقصيدة الشعريّة(10) .
غير أنَّ هناك من رأى أنَّ القرآن الكريم لا ينبغي اعتباره وسيلة إعلام، وأنّه يجب أن يبقى له موقعه الخاص في الدين الإسلامي كمصدرٍ شاملٍ لتنظيم حياة البشر(11) في سبيل تحقيق شروط التعايش والسكينة والتنمية بينهم.
وبغضِّ النظر عمَّا صنَّفه الباحثون المسلمون من وسائل إعلام واتِّصال تنبع من الذاتيَّة الفكريّة والحضاريَّة للإسلام، فإنَّ الإجماع على قوّة تأثير خطبة الجمعة وعيدَي الفطر والأضحى في نفوس المؤمنين وعقولهم يكاد يكون يقينياً، إذ إنّ الخطبة احتلَّت مكانة الصدارة في الإسلام منذ أن كُلَّف الرسول(ص) بإبلاغ الدعوة والصدح بها، ثمّ أصبح للخطبة موقع متميز بعد أن أتمَّ الله دينه واستكمله
________________________________________
(10)- الدكتور محمد سيد محمد، المسؤوليّة الإعلاميّة في الإسلام، ص 69 و70، مكتبة الخانجي بالقاهرة ودار الرفاعي بالرياض، ط 1، 1983، نقلا عن كتاب (الإعلام في صدر الإسلام) للدكتور عبد اللطيف حمزة.
(11)- المصدر نفسه.

[الصفحة - 43]


وارتضاه لعباده، حيث باتت من الشعائر، سواء في صلاة يوم الجمعة حيث يجتمع الملايين من الناس في مختلف بقاع المعمورة في المساجد ليسمعوا خطبة الإمام، أم في صلاة العيدين وفي الحجّ.
إنَّ الخطبة تحوَّلت في المجتمع المسلم قديماً وحديثاً إلى سلاحٍ قويّ ومؤثِّر في السلم وفي الحرب، وفي تزكية أفراده والارتقاء بهم مادياً وفكرياً ومعنوياً. وتلعب شخصيّة الخطيب في هذه الوسيلة الإعلاميّة دوراً فاعلاً، خصوصاً إذا راعى في طريقة أدائه البساطة والتيسير، وفي نبرة صوته الهدوء والانفعال المناسب، وفي إلقائه جودة الحركة والإشارة، وفي كلامه البيان وفهم الواقع ونفسيّة المتلقّي.
وإلى جانب الخطبة التي شكَّلت العمود الفقريَّ لوسائل الإعلام في الإسلام، يبرز الأذان كدرسٍ بليغٍ في المسألة الإعلاميّة. والأذان معناه لغةً الإعلام، وورد في القرآن الكريم لفظ الأذان والمؤذّن بهذا المعنى، فالإعلان الإسلاميّ بقوانين السياسة الخارجيّة التي تحدّد أبعاد العلاقة بين دولة الإسلام والدول الأخرى، والذي صدر في موسم الحجّ من السنة التاسعة للهجرة صدر بكلمة (الأذان)، وكان المؤذّن فيه أي الرجل الإعلاميّ هو علي بن أبي طالب. قال الله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ } (12) . وكلمة الأذان عريقة في معنى الإعلام والإعلان، يقول سبحانه وتعالى آمراً نبيّه عليه الصلاة والسلام أن يبلِغَ قومه هذا النذير إن أصرّوا على الإعراض عن قِيَم الإسلام وعقيدته: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ } (13) .
إنّ الرسول(ص) اهتمّ بأمر الصلاة وكيف يجمع الناس لها، فكان الأذان. وفي حديث الأذان لمسة إعلاميَّة هامّة تدور حول عنصر الصوت، إذ هو إدراك بأنَّ الصوت الذي يَنساب إلى الأسماع في رقّةٍ وسماحةٍ ويسرٍ لما يتميّز من جمال(14) الإيقاع والنغم، يؤثر في القلوب ويحرّك ما في الصدور وينعش الأبدان ويحملها على الحركة والديناميّة.
ومن ثمة فإنَّ الأذان وسيلة إعلام تعتمد الصوت وترتكز في دعوتها للمؤمنين إلى الصلاة على الترويج لقيَم إعلاميَّة كبرى «تذكِّر بها المجتمع المسلم خمس مرّات في
________________________________________
(12)- الدكتور السيد رزق الطويل، شعيرة الأذان ودرس في الإعلام الإسلامي، مجلة الأمة عدد 69 سنة 1986 ص 24 و25 و26 و27.
(13)- المصدر نفسه.
(14)- المصدر نفسه.

[الصفحة - 44]


اليوم والليلة، وفي مواقيت محدّدة ومحكمة هذه القيَم تتجسَّد في كلمات ذات معانٍ عريضة، أولها كلمتا (الله أكبر) التي تتكرر أربع مرات للإعلان عن الله الخالق الأكبر من كل طاغية وسلطان وجاه ومال ..»(15) .
بيد أنَّ ما يميِّز الفلسفة الإعلاميَّة الإسلاميَّة هو قيامها على مبدأ المسؤوليَّة. يقول الله عز وجل: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً } (الإسراء، 36). ونعتقد أن هذه الآية القرآنيَّة الكريمة تضع مبادئ الإعلام الإسلاميّ وضوابطه في صورةٍ جامعةٍ مانعةٍ، وتُعطي بالتالي لعمله قوَّة ومصداقيَّة. فالإعلاميِّ في المجتمع المسلم يُدرِك أنَّ عمله المهنيَّ من أجل تقديم المعلومة والخبر والرأي، هو مجهود مسؤول عنه أمام الله عزَّ وجل قبل أن يكون مسؤولاً عنه أمام الجمهور المتلقِّي، وقد نهى الله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة «عن اتِّباع الإنسان ما ليس له به علم، ويشمل ذلك قوله: رأيت ولم ير، وسمعت ولم يسمع، وعلمت ولم يعلم. ويدخل فيه كلُّ قول بلا علم، وأن يعمل الإنسان بما لا يعلم »(16) .
وانطلاقاً من هذه الآية يرى كثيرٌ من الإعلاميِّين المسلمين «أنَّ الإعلام في الإسلام يختلف من حيث بواعثه وأهدافه وطرائق توصيل المعلومات فيه عمَّا (ابتكرته الفلسفات الإعلاميَّة الوضعيّة). فالإعلام الإسلاميّ يستمسك بالصدق، ويتَّسم بالأمانة، ويعتمد على الإقناع العقليّ الذي يستمد وجوده من منطق الحق والعدل، ويستهدف الوصول إلى الإنسان أيّاً كان لونه أو لسانه ليستنقذه لا ليستهويه، وليعينه على تحقيق رسالته في الحياة »(17) . يقول سبحانه في سورة الأنعام الآية 152: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا } ، ويقول تعالى في سورة الأحزاب الآية 70: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً } ، ويقول عزَّ من قائل في سورة البقرة الآية 83: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً } ، ويقول جلَّ ثناؤه في سورة الإسراء الآية 53: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } . جميع هذه الآيات
________________________________________
(15)- المصدر نفسه.
(16)- الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ص 380 و381، مكتبة العلوم والحكم ودار الحديث، القاهرة ط 1.
(17)- الدكتور السيد رزق الطويل، المصدر السابق ص 24.

[الصفحة - 45]


الكريمات وغيرها كثيرٌ في القرآن الكريم تَنسج إطارا فلسفيّاً لمفهوم الإعلام وآليَّاته في الإسلام، أو بعبارة فنيّة: إنَّها آيات تكرِّس لمفهوم أخلاقيَّات (المهنة) الإعلام من المنظور الإسلاميّ.
ب - التفاعل الدينيّ من خلال توظيف الوسائط الجديدة
نجم عن استعمال الدين وتوظيفه في معالجة قضايا الإنسان والحياة بروز معرفة ذات خصوصيَّة دينيَّة، وهي معرفة تختلف عن سائر المعارف باعتبار أنَّ مصدرها مغايرٌ تماماً لمصادرها، وهو المتمثِّل في الوحي. ومن ثمَّة فهذه المعرفة لم يصنعها العقل البشريِّ، وإنَّما هي التي صنعت هذا العقل(18) وحدَّدت بالتالي مساحة تحرّكه واجتهاده ونوعيّة عطائه. لكن السؤال هنا هو: هل للبيئة الاجتماعيَّة والثقافيَّة دورٌ في تطوير بُنية هذه المعرفة الدينيَّة والتأثير فيها بما يساهم إلى جانب رافدها الوحي في تعديل أو تغيير مواقفها وحلولها للإشكالات التي تعرض عليها؟
لقد أحدثت الوسائط الجديدة - وهي نتاج لبيئةٍ تكنولوجيّةٍ واجتماعيّة - ثورةً في كثيرٍ من المعارف والثقافات، فبدَّلت فيها وغيَّرت وحذفت وأضافت وعزَّزت جملةً من الرؤى والأفكار التي تقوم بها وعليها. لكنَّها بالمقابل وقفت باندهاش أمام المعرفة الدينيّة، ليس بسبب خصوصيَّاتها فحسب، وإنَّما لكون هذه المعرفة كشفت عن قابليَّةٍ مطلقةٍ للتفاعل والتجاذب والتداخل بينها وبين مختلف وسائل الإعلام والاتِّصال، مؤكِّدةً على قدرتها على توظيف واستعمال التقنية المتطوَّرة في التسويق لقيَمها والترويج لصيغها الجوابيّة عن أسئلة الإنسان والحياة.
1- لقد استطاع الدين أن يعتمد في انتشاره واستقطاب أنصاره على استعمال الإذاعة والتلفزيون والإنترنت فضلاً عن الصحف ومختلف المطبوعات الأخرى، وهو أمر لم يكن مألوفاً لديه من قبل سواء في الزمن القريب أم البعيد، حيث بات عبر هذه الوسائل يفتح نقاشات عريضة حول قضايا دينيّة وسياسيّة واجتماعيّة كانت تخضع للمراقبة، أو تواجَه بالمنع والمتابعة القضائيّة. كما أنَّه وسَّع من مساحة مستهدفيه الذين تضاعفوا إلى مئات الآلاف أو إلى الملايين، ولم يعد يقتصر
________________________________________
(18)- السيد علي عباس الموسوي، المعرفة كموضوع للمعرفة، مجلة المنهاج العدد 57، ص 6 و7 سنة 2010، بيروت.

[الصفحة - 46]


على بضعة آلاف من الجماهير.. بل أكثر من ذلك، أصبح بمقدوره أن يُخاطب الناس من خلال شاشة التلفاز والأقمار الاصطناعيّة والشبكة العنكبوتيّة للإنترنت صباح مساء وبدون انقطاع، وهو الأمر الذي روَّج لخطابه، وأثار العواطف والانفعالات، وساهم في إثراء مظاهر الصحوة الدينيَّة، كما شجَّع على تضاعف أمواجها بما حفَّز أصحابه ومعتنقيه على المضيِّ قُدُماً نحو تشكيل دولة، وكتابة تاريخٍ آخر لهم. وتبدو هنا إيران نموذجاً صريحاً حول ذلك، فضلا عن الحركات الإسلامية التي تمكَّنت من الحضور والعمل والمشاركة في الحكم في مختلف الدول العربيّة والإسلاميَّة.. ويكفي أن نعود إلى القنوات التلفزيونيّة الفضائيّة، لندرك حجم النجاح الذي يحقّقه الدين في مخاطبة الناس وإشراكهم في الحوار والنقاش وصناعة الحدث بتجليَّاته المجتمعيّة المتعدّدة(19) .
ومن ثمة، فإنَّه ليس من الصعب تكوين رأي وموقف واضحين حول الدور الذي لعبته الوسائط الجديدة في الانتصار للدين؛ لأنَّ المبادئ الكونيَّة لحقوق الإنسان تقوم على حقّ الجمهور ووسائل الإعلام في تناول كلّ القضايا والإشكالات المعرفيّة والحضارية بغضِّ النظر عن مصدرها وتاريخها وطبيعتها الإيديولوجيّة. وقيام وسائل الإعلام والاتّصال بفتح فضائها للمناقشات والدعوات الدينيّة، قد يُساهم بشكل أو بآخر في تحسين الخطاب الدينيّ وتقوية ثقة الجمهور في آليّاته ومنهجه، أو نقده ومناهضة طريقته في النظر إلى الإنسان والحياة والكون.
2- غير أنّه بقدر النجاح الذي حقّقه الدين من خلال الوسائط الجديدة وما يسمِّيه بعض القائمين عليه بـ (الإنجازات) الضخمة على مستوى التعريف به وبمبادئه وثوابته، وعلى مستوى إقناع المؤمنين به بضرورة الالتزام بأوامره ونواهيه في المأكل والمشرب والملبس والنظافة والمال والحكم، بقدر ما حوَّل هذه الوسائط (برامج تلفزيونيّة وإذاعيّة ونشرات إخباريّة ومقالات صحفيّة وإلكترونيّة ورسومات
________________________________________
(19)- جميع الأديان السماويّة وغير السماويّة تمتلك قنوات إذاعيّة وتلفزيونيّة فضائيّة ومواقع إلكترونيّة لتسويق منتوجها الديني المتنوّع.

[الصفحة - 47]


كاريكاتوريّة) إلى أبواق للصراع والشقاق والقتال والفتن والحروب باسم الله، أو باسم القانون الإلهي، أو باسم الانتصار للحقيقة الدينيّة. بل يمكن الجزم - كما ذهب الكثيرون إلى الإقرار بذلك - بأنَّ الصراع الحضاريّ بين الشعوب والأمم أساسه الدين(20) واستغلاله لوسائل الإعلام والاتّصال وتغذيتها بما يكفي من وقود الزيت والنار، إذ أصبحت هذه الوسائط مصدر شلال قويٍّ من فتاوى التمييز والتفرقة والقتل والعصيان والتخريب المعرفيّ، بل أضحت دعوة صريحة إلى فتح آفاق مظلمة ومجهولة للإنسانيّة.
إنَّ ما تمنحه وسائل الإعلام والاتِّصال من أدوات وإمكانيَّات لممارسة حريَّات التعبير والرأي والنشر، وما تقوم به من جهودٍ لتمكين جمهورها من مختلف ضروب المعلومات والأفكار، يزيد من نشاط الوعي الدينيّ، ويُطلق أجنحة طموحة عالية نحو بلورة مشروع الدولة الدينيّة وما ينجم عنها من تضييق للحريَّات العامة، ومنع لانتشار الأخبار والأفكار والمعلومات، وتعطيل للعقل، ومصادرةٍ لمبدأ الاختلاف والتنوّع، وتجييش لحملات التكفير والفتنة، في الوقت الذي يمكن فيه لهذا الوعي أن يتفاعل إيجاباً مع مقدرات الوسائط الجديدة التقنية والفلسفيّة، ويساهم إلى جانبها في بلورة مشروعٍ للنهضة بطابعين مدنيّ ودينيّ، أي برؤية مدنيّة حداثيّة تستلهم كلَّ مضامين التنوير المتمثلة في الحريّة والعدالة والمساواة، وبروح دينيّة أخلاقيّة تستحضر كلّ قيم التسامح والسلم وإشاعة الخير. إنّ وسائل الاتِّصال قد تحلِّق بالإنسان في عنان السماء، وتغوص به في أعماق المحيطات، ولكنَّها لن تعطيه الروح أو القلب المفعم بالإيمان.. ولكنّ الدين قادر على أن يؤثِّر في الإنسان ويمنحه أهدافاً وغايات كبرى للحياة، ويُعيد تشكيله وفق مُثُل عليا تدفعه بعيداً عن الشرّ، وتحفِّزه لفعل الخير... ومن ثمَّة نرى أنّه بات من الضروريّ - في ظلِّ عولمةٍ يعلو فيها صوت الحروب والأسلحة النوويّة وقهر الشعوب واستلاب الأراضي واحتلال البلدان - أن تُقام علاقة تفاعليّة بين الخطاب الدينيّ ومختلف الوسائط الجديدة، علاقة استراتيجيّة متوازنة لا تسمح بأن تشنّ هذه الوسائط حروباً إعلاميّة شرسة للنيل
________________________________________
(20)- لقد أسهب صامويل هنتغتون في الحديث حول ما يشكِّله قديماً وحديثاً الدين الإسلاميّ من تهديد للمسيحيّة والغرب في كتابه الشهير (صدام الحضارات). كما أنّ فرانسيس فوكوياما أكّد في محاضرة ألقاها بالمنظّمة القوميّة للديموقراطية الأمريكيّة سنة 2009 على أنّ الإسلام بات بعد انتهاء الحرب الباردة يشكِّل تهديداً للغرب (نقلاً عن موقع رواق الفلسفة الإلكترونيّ) وغير هذين الرجلين كثير من المفكّرين والساسة ورجال الدين الغربيين.

[الصفحة - 48]


من الدين وتسفيه مبادئه ومنطلقاته الاعتقاديّة أو صيغه الجوابيّة عن مشاكل المجتمع والدولة، كما لا يُسمح فيها للدين بأن يوجّه وسائل الإعلام والاتّصال للدعوة إلى قتالٍ طائفيٍّ، أو التحريض على المضيّ بثباتٍ نحو صراعٍ حضاريٍّ يعبث بالخرائط الجغرافيّة للدول، ويقيم المعتقلات غير القانونيّة لتصفية سجناء أبرياء..
التفاعل الإيجابيّ بين الخطاب الدينيّ والوسائط الجديدة
لقد تغيَّرت وسائل الإعلام والاتِّصال تغيراً عميقا خلال العقدين الأخيرين، وتغيَّرت معها منظومتها الأخلاقيّة المهنيّة بعد أن تغيّر - أيضاً - نمط ملكيّة هذه الوسائل(21) . ومن ثمَّة أضحى هذا التغيير عنصراً أساساً من عناصر تغيير نظم الحكم الموسومة بالاستبداد والديكتاتورية، فضلاً عن النظم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة للدول والشعوب. بل لم يعد صحيحاً أنّ العالم أصبح بفعل أدوار هذه الوسائل مجرّد قرية صغيرة، وإنّما تحوّل إلى شاشةٍ صغيرةٍ ودقيقة الحجم، سريعة الحركة.. غزيرة المعلومات.. قوية الرسائل.. نافذة القرارات.. نافية للجغرافيا وللعرق والألوان البشريّة.
إنَّ الوعي بالديموقراطيّة أو الدّين - باعتبارهما أكثر القوى الفكريّة والسياسيّة تأثيراً في مجالات الحياة - تزايد بحدّة تتجاوز أيّ تصوّرٍ في المجتمعات التقليديّة والسائرة في طريق النموّ، خصوصاً بعد أن وظَّفت هاتان القوّتان التكنولوجيّات الحديثة، كالحواسيب التفاعليّة وأجهزة النسخ الإلكترونيّ والقنوات الفضائيّة والإنترنت، في عمليّة التمكين لخطابهما، ممَّا أدّى إلى بروز حركات احتجاج وتدافع لفائدة التغيير والإصلاح. بيد أنَّ نجاح الدين في تطوير بُنيَةِ وعيه انطلاقاً من استعماله المكثّف للوسائط الجديدة (وخاصّة الانترنت والتلفزيون الفضائيّ والهاتف النقّال)، شجَّعه على نفي التأكيد القائل إنّ وسائل الإعلام والاتّصال خاضعةً لقيَم الغرب وعقيدته الماديّة، ودفعه بالتالي إلى ابتكار استراتيجيّة إعلاميّة للتعريف بخطابه والتسويق لمواقفه، استراتيجيَّة لا نقول إنَّها تتمسَّك بمقوِّمات الشفافيّة والموضوعيّة والحياديّة - لأنّها قيَم نسبيّة - وإنّما هي استراتيجيّة براغماتيّة تستند إلى الوعي بأهميّة الرسائل التي
________________________________________
(21)- مايكل كيربي، عولمة التكنولوجيا الجديدة لوسائل الإعلام، ص 83 من كتاب وسائل الإعلام والسلطة القضائيّة، سنة 2004، مركز التوثيق والإعلام والتكوين في مجال حقوق الإنسان، الرباط، المغرب.

[الصفحة - 49]


يمكن تصريفها من خلال هذه الوسائط العالية التأثير، كما تقوم على استيعاب كلِّ التناقضات وحالات الاختلاف والنفور التي يمكن أن تنجم عن الواقع أو الثقافة أو السياسة عند هذا الفرد أو هذا المجتمع أو هذه الدولة، وذلك في أفق تقديم تعريفات وتفسيرات دينيّة بديلة تجاه قضايا السياسة والاقتصاد والتنمية.
وبعبارةٍ أدقّ، فإنَّ الدين بَعد تزايد مساحة وعيه، وبعد عودته القويَّة إلى منافسة الديموقراطيّة في تدبير شؤون الناس والمجتمعات، بات يمارس(22) (شأنه في ذلك شأن المذاهب والإيديولوجيّات الأخرى) على الأفراد والجماعات - انطلاقاً من احتمائه بفعاليّة الوسائط الجديدة ونجاعتها - كلَّ أشكال (الاغتصاب الفكريّ والإيديولوجيّ) بدفعهم إلى تبنّي آراء ومعتقدات جديدة مناقضة لآرائهم ومعتقداتهم السابقة(23) .
لكن ما هو السبيل لزعزعة الأهداف التقليديّة للدين، وتكريس منطلقاته الأربعة: إرادة التغيير، وكراهيّة التقليد، وعلميّة التخطيط(24) وبناء تصوّر واقعيٍّ للحياة تؤسّسه قيَم الخير والتسامح - والتعاون الإنسانيّ؟
إنَّنا نعتقد أنّ أيَّ علاقةٍ بين الدين والوسائط الجديدة يجب أن تقوم على التربية الإعلاميّة ومهارات الاتِّصال، باعتبارهما من الآليَّات التي تمكِّن الإنسان من إعداد نفسه لمواجهة أشكال الحياة في عالم يتميّز بكثافة الرسائل المصوّرة والمكتوبة والمسموعة. بل إنّ الإنسان المعاصر يعيش اليوم في ظلِّ فيضٍ جارف من المعلومات من طبيعة مختلفة ومتنوّعة تأخذ فيها المعلومات الدينيَّة حصَّة الأسد فيها، ممَّا يطرح معه السؤال التالي: هل المعلومات الدينيّة تشكِّل مصدر قوَّة لبناء الإنسان والمجتمع؟ أم أنَّها مصدر لاستعبادهما لفائدة قيَم سلبيّة من تعصُّب وكراهية وعنف؟ ثمَّ كيف يمكن التعاطي ومواجهة طوفان المعلومات المؤدلجة وسط بيئةٍ تنعدم فيها قنوات الاتصال وتفتقر إلى أدوات تعين وتيسّر قراءة الرسائل الإعلاميّة الواضحة والمشفّرة؟
إنَّ التربية الإعلاميّة قد تشكِّل أداةً فعَّالة لحماية الجماهير من الآثار السلبيّة للرسائل الإعلاميّة(25)
________________________________________
(22)- نعني هنا الدين الذي يستعمل الإذاعات والتلفزيون والإنترنت للدعوة والتبشير.
(23)- الدكتور رالف رزق الله، الدعاية التجاريّة والاغتصاب العقائدي، ص 93، مجلة المنطلق، العدد 107، لبنان.
(24)- الدكتور صبحي الصالح، الدين والتقدّم، ص3، مجلّة الفكر الإسلامي، العدد 4، السنة 1975.
(25)- الدكتور بدر بن عبد الله الصالح، التربية الإعلاميّة.. لماذا؟، مجلة المعرفة، العدد 145، ص 9، المملكة العربيّة السعوديّة.

[الصفحة - 50]


المتعدّدة الأفكار والإيديولوجيّات، وتحويل استهلاك هذه الرسائل إلى عمليّة نقديّة نشطة، تساعد على تكوين وعيٍ متقدِّم حول طبيعة تلك الرسائل وفهم دورها في بناء وجهات النظر بشأن الواقع الذي تعيش فيه الجماهير(26) .
ومن ثمَّة، فإنَّ الحاجة ملحّة إلى إدراج التربية الإعلاميّة ضمن المناهج الدراسيّة الوطنية، لتنمية ملكات النقد لوسائل الإعلام والاتّصال، وتمكين الأفراد من النفاذ إلى الطبقات المتعدّدة للرسائل الإعلاميّة، للوصول إلى المعاني التي تخدم أهدافهم(27) . كما أنَّ الدين الحقّ «في جوهره ووجوده الفعليّ تغيير دائم نحو الأفضل لأطوار الإنسان، وأوضاع المادّة، ونظم الاجتماع، فأنَّى له أن ينسلخ عن واقع الحياة، ويتخلَّى لأيِّ سببٍ كان عن كلٍّ فاعليّة وتأثير؟ »(28) .
________________________________________
(26)- المصدر نفسه.
(27)- الدكتور راشد بن حسين العبد الكريم، تنمية ملكات النقد لوسائل الإعلام، مجلّة المعرفة العدد 145، ص 26، المملكة العربيّة السعوديّة.
(28)- الدكتور صبحي الصالح، معالم الشريعة الإسلاميّة، ط 3، سنة 1980، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان.

[الصفحة - 51]