البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : النزعة الإيمانيّة عند فيتجنشتاين

الباحث : الدكتور محمد لغنهاوزن

اسم المجلة : مجلة المنهاج

العدد : 66

السنة : السنة السابعة عشر صيف 1433 هجـ 2012 م

تاريخ إضافة البحث : June / 16 / 2015

عدد زيارات البحث : 407

حجم ملف البحث : 57.592 KB

 تحميل


النزعة الإيمانيّة عند فيتجنشتاين

الدكتور محمد لغنهاوزن (*)

تمهيد
يمتلك فيتجنشتاين شخصيّة معقَّدة، وهذه الشخصيَّة المعقَّدة هي سرّ جاذبيّته، فعلى الرغم من أنّ غالب أفكاره وآرائه المعقَّدة بُنيت في قالبٍ من المصطلحات الخاصّة، ولكن شخصيّته المعقّدة لا ترجع في نشأتها إلى أفكاره المعقّدة أو المصطلحات المبهمة والصعبة، بل ترجع إلى خصوصيّات المرحلة التي عاش فيها، مرحلة شهد فيها حربين عالميتين، كما أنّ الأوضاع الاقتصاديّة المضطربة كانت تسيطر على المرحلة الفاصلة بين الحربين.
يُعتبر النصف الأوَّل من القرن العشرين مرحلة النضوج والابتكار الثقافيّ للغرب؛ الذي كان له إلى حدٍ ما أبعاد تدميريّة قويّة، ففي هذه المرحلة احتلَّت الإستالينيّة مكان (قِيَم الثورة البلشفية) وفيها أيضاً تخلّى العازفون لموسيقى القرن التاسع عشر عن مكانهم لصالح الأعمال التجريبيّة بسبك الـ(Atonalism) «وصف لموسيقى لا تكون على النغم ولا تراعي التسلسل ». وفي النهاية طرحت جانباً التصوّرات الواضحة لمرحلة ما بعد الانطباعيّة (Post
________________________________________
(*) بروفيسور أميركي، باحث في قضايا الفكر والفلسفة الإسلاميّة.

[الصفحة - 225]


impressionusm) لأجل كيل المديح لابتكارات المستقبليين المتجدّدة والميل الفارغ الواضح لثورة (الدادا - dada)(1) التي أكّدت على الحريّة الكاملة في الأسلوب. حيث كان التصوّر السائد مبنيّاً على أنّ بالإمكان تفسير كلِّ شيءٍ ببضع أصول علميّة، سواء أكان هذا الشيء أثراً فنياً أم أمراً مرتبطاً بالموسيقى، وعلم النفس أو السياسة، وهكذا قضت على الأنظمة المهيمنة في القرن التاسع عشر وظهر تصوّر علميّ جديد بديل لها.
لقد أدّت نظرة أولئك إلى العالم بهذا الشكل إلى نتائج مشرقة جداً، فقد أنجزت خطوات عظيمة في الرياضيّات والعلوم الطبيعيّة، وأمّا في حقل الأدبيّات والعلوم الإنسانيّة فقد اختلفت النتائج فحيث تظهر اللطافة في آثار بيكاسو، تجد أنّه في الغالب لا يعتني كثيراً بالجمال.
وأمّا شعر T.S.Eliot فقد امتاز بأهميّة فائقة جعلت الأدباء الأمريكيين والإنجليز يختلفون فيه فكل يدّعي أنّه يرجع إليه، فأشعار Eliot من حيث المضمون غنيّة بالرمزيّة والدقّة لكنّها لا تراعي الوزن والقافية اللذين يشكلان ماهيّة الشعر الجميلة، وذلك لأنّ Eloit أراد أن يصوّر بشعره ذلك العالم الذي واجهه والذي وصفه بأنّه أرض من دون ريع.
كانت مشكلة فيتجنشتاين هي العيش في هكذا أرض غير منتجة. ولأنّه كان تحت التأثير العميق لتلك الأحاسيس الدينيّة والأخلاقيّة كان على إيمان بأنَّه لا يمكن بأيِّ وجهٍ الوصول إلى تفسير لهكذا مسائل بشكل عقلائيّ وفلسفيّ. كان فيتجنشتاين إنساناً مصاب القلب يعيش بعيداً عن سائر الناس، ويملك روحاً عميقة غير مستقرّة. شعر الجميع بمخاوفه، فقد كانت شخصيّته تتمتّع بتلك الجدية التي في الغالب يمكن البحث عن أمثالها بين أولئك الذين غاصوا في أعماق أنفسهم حتّى يجدوا الله. كانت مشاكل ومخاوف فيتجنشتاين إنعكاساً لعصره. فقد أقدم ثلاثة من إخوته على الانتحار وعائلته كانت آمنت
________________________________________
(1)- حركة ثقافية انطلقت من زيوريخ (سويسرا )، أثناء الحرب العالمية الأولى ، كنوع من معاداة الحرب، بعيداً عن المجال السياسي ، وإنما من خلال محاربة الفن السائد. يطلق عليها أيضاً (الدادائية)، وقد برزت في القترة ما بين عامي: 1916 و 1921. أثرت الحركة على كل ما له علاقة بالفنون البصرية ،الأدب ، الشعر ، الفن الفوتوغرافي ، نظريات الفن ، المسر ح ، والتصميم .

[الصفحة - 226]


بالمسيحيّة بدل اليهودية، قبل جيلَيْن من ذلك.
ولد لودفيج فيتجنشتاين عام 1889. وبدأ دراسته في الهندسة في برلين ومن بعد في جامعة منشستر البرياطانيّة، قادته دراسته في هذا التخصّص إلى دراسة الرياضيّات وبالنهاية الى مطالعة كتاب (مباني الرياضيّات) لبرتراند راسل الذي كان عرضاً عظيماً لمتانة ودقة الاستدلال التحليلي.
ينسب راسل رؤيته المنطقيّة العميقة في آثاره الرائعة إلى (غوتلاب فريجه)، الأمر الذي دفع فيتجنشتاين عام 1911 إلى أنّ يذهب للقاء (فريجه) في جنا (ألمانيا). هناك أوصاه فريجه أن يعود أدراجه للدّراسة عند راسل. أمضى فيتجنشتاين خمسة فصول في كليّة (ترنيتي) كمبريدج في الأعوام 1912 و 1913، وهناك ترك تأثيراً عميقاً على راسل وجورج ادوارد مور، بحيث إنّ راسل لم يكمل كتاباً في باب (نظريّة المعرفة) كان يعمل على تأليفه، لأنّه شعر بأنَّه لن يستطيع الإجابة عن إنتقادات فيتجنشتاين.
ترك فيتجنشتاين الكليّة من دون أن يحصل على أي شهادة، وانتقل إلى مكان بعيد في (النروج) وعاش في كوخ متواضع بناه بنفسه. وكان مور يذهب إلى هناك للقائه ويكتب مذكراته التي يُمليها عليه. ترك والد فيتجنشتاين إرثاً كبيراً حين وفاته عام 1913، وكان رجلا مهماً في قطاع صناعات الحديد والفولاذ في النمسا. عندما اندلعت نار الحرب العالميّة الأولى خدم فيتجنشتاين في الجيش النمساويّ بصفته (قنّاصاً)، خلال الحرب، أعطى (بيدٍ مبسوطة) كلّ ثروته التي ورثها عن أبيه إلى سائر أفراد أسرته. وعندما أراد راسل أن يلتقي بفيتجنشتاين في هولندا لم يكن معه من النقود ما يكفيه لشراء (تذكرة قطار) حيث أجبر على بيع جزء من أثاث المنزل، الذي أبقاه لنفسه في (كمبريدج) إلى راسل. كان الهدف من المقابلة البحث والمناقشة حول مذكرات كان فيتجنشتاين قد جمعها في مجموعةٍ واحدةٍ. بعد عامين، في عام 1931، تمّ نشر تلك المجموعة، طبقاً لقول بعضهم، بإقتراح من
________________________________________

[الصفحة - 227]


قِبَل (مور) تحت عنوان (الرسائل المنطقيّة - الفلسفيّة)، وشعور فيتجنشتاين آنذاك كان بأنّه قد تمكّن من حسم حلول لكافّة المسائل المهمة التي تدخل في نطاق البحث الفلسفيّ.
أمضى السنوات الست التالية في التدريس في المدارس الإبتدائيّة في القرى النمساويّة. خلال هذه المرحلة كتب قاموساً باللغة الألمانيّة للاستفادة منه في المدارس الابتدائيّة حيث يُعتبر الأثر الوحيد من آثاره مع (كتاب الرسائل) الذي نشر في حياته.
على ما يبدو أنّ تعرّفه إلى (موريتز شيلك - Moritz Schlick) أحيا مرّةً أُخرى علاقته بالفلسفة. كان موريتز من الأعضاء المؤسّسين لمجموعة البحث والتبادل النظريّ والتي عُرِفت فيما بعد بـ(حلقة أو دائرة فينا) والتي منها ظهر (المنطق الوضعيّ). إشترك فيتجنشتاين من العام 1927 إلى 1939 في جلسات هذه المجموعة ولكن كان يشك بـ(كارناب) ويعتقد أنّه كان يسرق أفكاره. يقول (إي.جي. آير): لعلّه بسبب هذا قام بقطع علاقته بهذه الحلقة. فقد كان فيتجنشتاين حساساً جداً بالنسبة لسرقة أفكاره، حتّى عندما كان الآخرون يعترفون أنّهم يمتلكون القدرة على تفسير وشرح آرائه كان يوجّه نقده إليهم غالباً، لقد كان يعتقد أنّه لا يستطيع أحد، مطلقاً، أن يصل إلى عمق آرائه ونظريّاته.
في عام 1939 استطاع شخص، من البارزين في علم المنطق في كمبريدج ويدعى (فرانك رمزي - Frank Ramsey)، أن يقنع فيتجنشتاين بالعودة إلى (كامبريدج).
قَدَّمَ فيتجنشتاين (الرسائل المنطقيّة - الفلسفيّة) كرسالة للدكتوراه فشكّلت مادّة للبحث عند (راسل) و(مور)، حيث بقي في كامبريدج ست سنوات، وخلال هذه المدّة، أقام الصفوف، وكتب المذكرات. حضر (جورج ادوارد مور - G. E. Moore) غالب محاضراته
________________________________________

[الصفحة - 228]


ودروسه التي عادة ما كان يشارك فيها نحو عشرين طالباً.
كانت عادته أن يجلس على كرسي وسط الصف حيث يعطي حقّ الدخول لمن يعتقد أنّه طالب يملك جديّة البحث الفلسفيّ. وكان يعطي دروسه دائماً دون أن ينظر في مدوّناته. فأحياناً يتعرّض للبحث بسلاسة عن موضوع في المنطق واللغة أو الجمال، وأحياناً يطأطئ برأسه ويبدو عليه اليأس ويستغرق في التفكير وبصعوبةٍ ما يعرض فكراً جديداً. وكان على الدوام يعطي تصوراً مفاده أنّ الكلام في الفلسفة أمرٌ عظيم، فطلابه لم يكونوا ليتجرأوا على أن يقطعوا سكوته الطويل. وأحياناً كان يطرح أسئلة ولكنه لم يُجِزْ مطلقاً البحث الحرّ ولم يفسح المجال لطلابه لطرح الأسئلة.
خلال هذه المدّة، تبدّل موقفه سلباً من رسائله وبدأ سيراً فكريّاً فلسفياً جديداً انتهى به إلى تدوين كتاب (الدّراسات الفلسفيّة). لم يستحسن راسل هذا العهد الجديد في فكر فيتجنشتاين ولكنّه كما في السابق، كان يكنّ له الاحترام كفيلسوف؛ ينقل راسل قصة مشهورة حول كيفيّة مجيء فيتجنشتاين للقائه في منتصف الليل قائلا له: إنّه في تلك الليلة كان يخطو مثل النمر المحبوس ما له من قرار. قال له فيتجنشتاين بوضوح إنّه كان يريد الانتحار عندما خرج من المنزل، ويدَّعي راسل أنّه لأجل هذا السبب لم يغلق الباب بوجهه. وعلى الرغم من منامه الموحش أنصت إلى كلامه. يقول راسل: في مثل هكذا ليلة وبعد ساعة أو ساعتين من السكوت المميت قلت له: فيتجنشتاين هل تفكر بالمنطق أم بذنوبك؟! قال في الجواب: كلاهما. وعاد ثانية إلى سكوته المميت.
ترك فيتجنشتاين كامبريدج لمدة عام. وخلال هذا العام ذهب إلى كوخه في النروج لأجل تأليف (الدِّراسات الفلسفيّة). بعدها عاد إلى كامبريدج. وعندما تقاعد (مور) احتلّ مكانه كأستاذ للفلسفة.
كان تأثيره غريباً على الطلاب، كان يشعر (برآود) بأنّ هذا المستوى من التأثير والنفوذ مضرٌّ بنموّ التفكير المستقل
________________________________________

[الصفحة - 229]


للطلاب، فطلابه كانوا يقلّدون أداءه وأطواره.
لم تحظَ فلسفة فيتجنشتاين بكثيرٍ من التأييد، ففي مرحلة الشباب كان قد تأثّر بـ (شوبنهاور) وكان يعتبر (باركلي) إنساناً عميق التفكير. كان يلتذّ بقراءة آثار أفلاطون لكن لا توجد دلائل كافية لمدى تأثير فلسفة أفلاطون على فلسفته. ومن دون شك فإنّ (غوتليب فريجه) و(راسل) تركا تأثيراً أساسياً عليه. أمّا (ألفريد واينرايت) والذي كان لفترة تلميذه واحتلّ مكانه لاحقاً كأستاذ الفلسفة فقد كان يقول: إنّ فيتجنشتاين قد تأثّر كثيراً بآثار (أغوسطين القديس) و(كيركغرد) و(داستايوفسكي) و(تولستوي).
امتلك الجنسيّة البرياطانية عندما احتلّ الإلمان النمسا، وعمل خلال الحرب العالميّة الثانية في إحدى مستشفيات لندن. بعد نهاية الحرب بقليل قدّم استقالته من مرتبة (الأستذة) وذهب ليكمل حياته في كوخٍ على سواحل إيرلندا. يُقال إنّ الصيادين هناك وقعوا تحت تأثير مهارته في صيد الطيور. وعاش مدة قصيرة في (دوبلين).
كان (مالكوم نورمن) من عداد طلابه الذين ارتبط بهم بعلاقةٍ جيدة. وبعد وصوله إلى مرتبة الأستذة في تخصّص الفلسفة في جامعة (كُورنيل) في مدينة إيتاكا (في ولاية نيويورك) دعا فيتجنشتاين ليزوره هناك. قَبِل فيتجنشتاين هذه الدعوة وبقي مدة عند عائلة مالكوم ولكن بعدها ابتلي بمرض سرطان البروستات وعاد إلى (فينا) وهناك حرّر أثره المعروف بـ (في باب الحتميّة). تدهور وضعه الصحيّ حتّى عاد إلى كمبريدج وتوفي عام 1951م. كانت آخر كلمات أتى بها على لسانه: «قل لأولئك بأنّني امتلكت حياةً غريبة ».
تأثير فيتجنشتاين فلسفياً
لقد كان تأثيره عظيماً وواسعاً على فلسفة القرن العشرين، مع ما في هذا الأمر من
________________________________________

[الصفحة - 230]


بحث ومناقشة، وذلك ما يظهر من موقف (آثر) الذي يرفض أن يكون ترك أثراً كبيراً على الآثار المنشورة لـ(مور)، (غيلبرت رايل - Gilbert Ryle 1900- 1976م)، (استين - L. Astin) وبقية الفلاسفة الإنجليز، الفلاسفة الذين دافعوا عن (اللغة) اللغة المعروفة أو التحليل اللغويّ. في هذا المجال، كان راسل يأسف لهذا، أي لأن تسعى مجموعة لاعتبار المسائل الفلسفيّة مسائل لغويّة بالأصل، وكان يوجّه لومه لفيتجنشتاين بسبب الاتِّجاه الذي يوحي بذلك النوع من التفكير، ومع ذلك لا يمكن لأحد أن ينكر التأثير العميق لفيتجنشتاين على راسل وكثيرٍ من أتباع المنطق الوضعي؛ لأنّهم قبلوا نظريّته في (الذريّة المنطقيّة - Logical Atomism) التي أوردها في (رسائله)، حيث طرح فكرة (جداول الصدق) واعتبر أنّ (قضية توتولوجي) قضيّة صادقة بحد ذاتها وبغض النظر عن كيفيّة قابلية قضايا (أتومية - Atomism) للصدق أو الكذب. كذلك طرح مفاهيم التشابه العائلي، اللغة الفرديّة، وألعاب اللغة. ومن جملة ما طرح نظرية (علم المعرفة الناشئ من الطبيعة) التي ترتبط بعلم النفس حيث كان تشون كواين (Quine) يبتعد عنها، وأخيرا فقد كان يمتلك بصيرة وفهماً عميقاً لعلم النفس الفلسفيّ.
مع أنّ فيتجنشتاين يقول إنّ للدين والأخلاق أهميّة أكبر بالمقارنة مع الموضوعات المنطقيّة واللغويّة، ولكنه لم يكتب الكثير من الأفكار في هذه الموضوعات. كان أبوه بروتستانتياً في الهوية وأمّه كاثولوكية، وعُمِّد فيتجنشتاين بصفته كاثولوكياً. قيل إنّه بعد سنّ البلوغ لم يحضر بشكل منتظم إلى الكنيسة. وخلال الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين عمل ولمدّة قصيرة في صومعةٍ بصفة مساعد حارس وقيل إنّه كان يفكر جدياً بأن يصبح راهباً وبسبب أحساسه بأنّه لا يملك إيماناً قوياً عدل عن قراره.
يعتقد فيتجنشتاين أنّه من خلال هذه الرؤية يمكن فهم الأخلاق ضمن إطار
________________________________________

[الصفحة - 231]


المفاهيم الدينيّة أفضل ممّا لو كانت عن طريق النظريّات الفلسفيّة. ويعتقد أنّه لا يمكن بأيِّ وجه جعل الدين موضوعاً للأبحاث الفلسفيّة. يُنهي فيتجنشتاين رسالته (المنطقيّة - الفلسفيّة) بهذه العبارة: «يجب على الإنسان أن يغلق شفتيه في مجال الحقيقة التي لا تقال »، ويمكن بسهولة تفسير هذا النوع من الفهم بشكل خاطئ كما حصل بالفعل.
كما في المنطقيّة الوضعيّة كان فيتجنشتاين يبني على الاعتقاد بأنّه لا معنى لـ (ما بعد الطبيعة). - بل هي مجرّد نتيجة لمحاولة استعمال اللغة في نسيج غير مألوف. حتّى أنّه كان يستخدم مصطلح (ما بعد الطبيعة) بأسلوب توهيني. ومن أشهر الأمثلة التي كان يذكرها لتوضيح مراده كان هذا السؤال: (كم الساعة الآن؟!) فهذا السؤال له معنى بالنسبة للأفراد الذين يعيشون في الأرض، أمّا للأشخاص الذين - على فرض وجودهم - يعيشون في الشمس فإنّه من دون معنى، وهكذا فالمفاهيم التي تستخدم في (ما بعد الطبيعة) من قبيل الوجود، العلة، الخير، الجمال تعطي معنىً في النسيج المحدود باللغة اليوميّة. أمّا إذا أخرجناها من هذا النسيج وأردنا أن نلحظها بشكل مطلق سوف لن يكون لها معنى. إذاً كان فيتجنشتاين يعارض بشدّة كافّة أنواع الإلهيّات الطبيعيّة أو أيَّ شكل من السعي لإقامة براهين (ما بعد الطبيعة) لأجل إثبات وجود الله.
إنّ أصحاب المنطق الوضعيّ يوافقونه الرأي في هذا بشكل تام، ولذا عدّوه من الموافقين لهم في ردّ وإنكار (ما بعد الطبيعة). ولكن فيتجنشتاين لم يشأ رفض الدين بل أراد فقط أن ينكر (الإلهيّات الطبيعيّة).
ويقول: «نحن نشعر حتّى في حال أنّه لم يتمّ حل وحسم كافّة المسائل الممكنة العلميّة فإنّ مسائل الحياة تبقى مكانها ولا تتغيّر مطلقاً ».
يعترف (آير) أنّه وكسائر أعضاء (حلقة فينا) لا يمتلك القدرة على قبول أيِّ نوع من العرفان. فقد قَبِل إسقاط (ما بعد الطبيعة) إلى الحد الذي اعتبره بمستوى مجموعة من الكلام الخالي من أيِّ معنى من
________________________________________

[الصفحة - 232]


المعاني خلافاً للذي طرحه فيتجنشتاين في (رسائله) من قبوله الظاهريّ له، فذكر مبيّناً: «ذلك الذي يبعث على الحيرة أنّه لم يؤد هذا الأمر بفيتجنشتاين إلى هذه المرحلة، أي إلى أن يرفض دفعةً واحدة التعاليم الدينيّة، كسائر أصحاب المنطق الوضعيّ أمثالي وأمثال نورث، الذين اعتبروا أنّ التعاليم الدينيّة وكلّ ما تبقى من (ما وراء الطبيعة) مسائل لا تملك قيمة تستدعي الاهتمام الجديّ ولعلّها فقط تنفع علماء الاجتماع. أمّا ما هو التصور الذي كان في ذهن فيتجنشتاين حول هذه المسائل فقد بقي مبهماً ».
كان فهمه للدين أقرب إلى حد كبيرٍ لفهم (فريدريك شلاير ماخر) (1834 - 1768) من فهم (الوضعيين).
ولكي يحفظا الدّين من النقد الموجّه إليه سعى الإثنان أي شلاير ماخر وفيتجنشتاين لجعل الدّين خارج دائرة العلم والفلسفة، وذلك من خلال التأكيد على الاستقلال الدينيّ. في هذا الخصوص سعى (شلاير ماخر) إلى إيجاد (إلهيّات) مبنيّة على التجربة الدينيّة ولكن لم يصل فيتجنشتاين إلى هذا الحدّ من الأفق الكلامي.
يعتقد فيتجنشتاين في دروسه وحواراته في باب الجمال وعلم النفس والاعتقادات الدينيّة أنّه إذا قال أحدٌ إنّ الله موجود وأنكر الآخر ذلك فلا دليل حتّى نقول إنّ كلاهما قد قال الضدّ والنقيض. لأنّه من الممكن أن يكونا قد استخدما كلمة الله بمعنى مختلف أحدهما عن الآخر. ويبدو أنّ الشكّ والترديد الذي كان لديه بالنسبة إلى إيمانه ناشئ من كونه لم يعلم هل أنّه واقعاً فهم معنى كلمة الله أم لا. ويستنتج من بعض آثاره أنّ لديه رؤية دينيّة بالنسبة لبعض المسائل، أمّا في أماكن أخرى فيتحدّث كما لو أنّه شخص لا إيمان له، ولكنّه يسعى لأن يفهم معنى (الإيمان بالله). في هكذا أجواء يقول فيتجنشتاين: «إنّه يمكن الوصول إلى معنى الله من خلال جواب المؤمنين على وجود
________________________________________

[الصفحة - 233]


الله ».
لكنّه يعتقد أنّ فهم معنى الله يتطلّب أمراً أكثر من هذا، ويقول إنّه لا بدّ من ضمِّ عنصرٍ إضافيٍّ لفهم ذلك وهو ليس (عنصراً مفهوميّاً) بل يجب أن نتلمّسه في شكل العلاقة وارتباط مفهوم الله بالتجربة الدينيّة والدور الذي يلعبه في الحياة الدينيّة.
بناء على هذا فالشخص الذي لا يؤمن بالله لا يستطيع أن يدرك معنى ذلك، كما لا يمكن للفرد الذي يولد أعمى، نتيجة فقد التجربة اللازمة، أن يفهم كما يجب معنى اللون الأصفر. ولعلّه يمكن من خلال توضيح التناسب الموجود بين اللون الأصفر والأسود والأبيض وبقيّة الألوان أن يُفهََم المفهوم الإجمالي لذلك.
يمكن تتبّع هكذا تفسير لأفكار فيتجنشتاين في كلمات (جري غاتنج) (أستاذ أمريكي مختص بفلسفة ميشال فوكو). حيث يظهر في هذا التفسير وجه تشابهٍ آخر وهو التشابه الموجود بين فيتجنشتاين وشلاير ماخر، وذلك أنّ كلاهما يبيّن أنّ التجربة هي أيضاً من العناصر الضروريّة لفهم الدين. هنا لا بد من الالتفات إلى أنَّه في هكذا نوع من الأبحاث لا يوجد أيُّ ارتباط لمعنى التجربة مع ما يتم في المختبرات، بل يرتبط معناها بالمشاعر والحالات التي تجري في عمق الإنسان. فكلاً من فيتجنشتاين وشلاير ماخر وبالاعتماد على هذه التجربة الدينيّة نفيا ضرورة توجيه المعتقدات الدينية وقالا: لا توجد ضرورة لأن يقوم مؤمنٌ بإعطاء الأدلّة العقليّة للدّفاع عن عقائده الدينية ولأن يدافع عقلائياً عنها في مقابل ما يثار من إشكالات. لأنّ أولئك الذين لا إيمان لهم يفقدون التجربة الدينيّة وبالنتيجة هم عاجزون عن فهم حقيقة الإيمان. ولذا أوصى فيتجنشتاين المؤمنين أن لا يسعوا في ردّهم على إنكار الملحدين للعمل على إثبات وجود الله، فعليهم أن لا يقوموا بالردّ عليهم أو إبطال استنتاجاتهم، بل عليهم فقط أن يظهروا أنّ الملحدين عاجزون عن فهم وإدراك حقائق الإيمان.
فهل يجب على المؤمنين أن يقبلوا هذه الوصية من فيتجنشتاين؟! توجد أدلّة بين أيدينا لا تجعلنا نفكّر على هذا النحو، فكون بعض الأفراد من غير
________________________________________

[الصفحة - 234]


المؤمنين لا يملكون التجربة المناسبة واللازمة لأجل الفهم الصحيح للدّين لا يوجب أن نقول إنّهم لا يمتلكون إشكالات جدّية على المعتقدات الدينيّة. فالشخص الأعمى يملك دليلاً جيداً للشك في صحّة ادعاء شخص يقول إنّه رأى بعينه نوراً كان في نفس الوقت أحمر تماماً وأزرق تماماً، وكذلك عندما يعلم هذا الشخص الأعمى أنّه لا توجد كهرباء أو يلمس بيده برودة المصباح، فهو يملك دليلاً جيداً في أن يشكّك في صحّة ادّعاء الشخص الذي يقول إنّ المصباح مضاء.
بناء على هذا يمكن أن نستنتج أنّه على الرغم من أنّ التجربة أمرٌ ضروريٌّ لأجل الفهم الكامل للدّين فإنّ عدمها ليس دليلاً كافياً يبرّر رفض الإشكالات.
قدّم فيتجنشتاين دليلاً آخر لإثبات امتناع إقامة الدليل للدّفاع عن المعتقدات الدينيّة، وهو أنّه أحياناً يوجد مفهومان متقابلان (الملكة وعدم الملكة) بشكل يفترضان خصوصيّةً ما (شأنيّة موضوع) لذات الموضوع بحيث إنّ الأشياء التي لا تمتلك تلك الخصوصيّات لن تكون لها أيّ واحدة من الخصائص المتقابلة. هذه المسألة واضحة في المنطق التقليديّ، مثلاً لا يمكن القول إنّ الحائط بصير ولا يمكن القول إنّ الحائط غير بصير، فالحائط لا يمكن أن يُنسب إليه ذلك المفهومان المتقابلان. ويرى فيتجنشتاين أنّ المعتقدات الدينيّة هي هكذا ليست عقلائيّة ولا غير عقلائيّة، لا قابلة للاستدلال ولا غير قابلة للاستدلال، فالمعايير العلميّة لا تصدق على الموضوعات الدينيّة.
بناءاً على هذا إذا لاحظنا أنّ فيتجنشتاين يعتبر الفرد القائل بالإلهيّات الطبيعيّة غير منطقيٍّ فلأنّه يرى أنّ مثل هذا الشخص يسعى لإثبات الرؤية للحائط. وبهذا النحو فسَّر فيتجنشتاين نظر (بولس القديس) حيث قال: «ما كان في العالم من حماقة فذاك ما اختاره الله ليخزي الحكماء »(2) . ويرى فيتجنشتاين أنّ بولس لا يوصينا في حديثه هذا بالجهل، بل مقصوده أنّه توجد مسائل مهمّة أوسع من دائرة
________________________________________
(2)- رسالة بولس الأولى إلى أهل قورنتس، الباب الأول، الفقرة 27.

[الصفحة - 235]


المعايير العقليّة. لهذا السببب اعتبر فيتجنشتاين الإلهيّات العقليّة مضحكة لأنّها تسعى لإدخال الدين في مجال الاستدلال، وشأن الدّين فوق هذا الكلام.
يقدّم فيتجنشتاين بعض الأدلّة في معرض جوابه عن السؤال التالي: لماذا يجب أن يُحدَّ العقل بالعلوم الطبيعيّة والأساليب العلميّة، ولماذا يعتبر الدين خارج دائرة المباحث العقليّة. أولاً لأنَّ الالتزام الذي يملكه المؤمن في مقابل المعتقدات الدينيّة ليس من سنخ الإلتزامات التي تحصل من خلال ملاحظة البيّنات والحكم على طبقها، فالإنسان الذي يحكم طبقاً للشواهد يفتقد الشعور، فبمجرد أن تميل البيّنة إلى جهةٍ أخرى فسوف يبدّل عقيدته. أمّا المؤمن فيبقى مثل الشخص الذي يدافع عن نفسه بحماس في مقابل من يريد إلقائه في النار. في هكذا حال لا مكان للاستدلال، فالخوف عام، فالدّافع وحرارة الإيمان تكون عندما يدرك الإنسان مباشرةً حقائق الإيمان، ولذا لا يمكن تتبّع هذا الشوق والشغف في النتائج الحاصلة من الاستدلال المنطقيّ، سواء أكان هذا الإستدلال قياسيّاً كالذي يُستخدم في الرياضيّات ونظائرها أم استقرائيّاً كالذي يُستفاد منه في العلوم التجريبيّة.
ثانياً: أولئك الذين يؤمنون بالله لا يصلون لهذه النتيجة عن طريق براهين المتكلّمين، بل إنّهم يؤمنون أولاً وفي مرحلةٍ لاحقةٍ، إذا كان ممكناً، يُتعبون أنفسهم بإقامة البرهان والدليل. وهذا ليس هو الأسلوب الذي يمكن من خلاله تحصيل معتقدات قابلة للاستدلال، ومع هذا، لا تُعتبر هذه المعتقدات غير معقولة، لأنّها يقينيّة بالنسبة للمؤمن. فليس من اللازم أن يكون العمل بأمرٍ يقينيّ دائماً عقلائيّاً، ولكنه ليس غير عقلائي لأنّ العمل بأمر غير عقلائي موجب للذمّ.
فيتجنشتاين والألعاب اللغويّة
يبيّن فيتجنشتاين رؤية مشابهة من خلال تقديمه لنظريّة (الألعاب اللغويّة). فألالعاب اللغويّة ليست نظير اللغات الطبيعيّة مثل الفارسيّة والعربيّة، بل نظير المصطلحات
________________________________________

[الصفحة - 236]


الفنيّة والأساليب الكلاميّة المختلفة التي تُستخدم في العلوم والفنون المختلفة مثل علم الكلام والأصول ونظائر ذلك. فمثلاً يمتلك كلّ واحد من المتكلّمين والأصولييّن لغةً خاصّةً به ويتكلّمون في قالب مصطلحات خاصة بفنّهم. فمن البديهيّ أنّه يجب عند بحث مسائل علمٍ ما أن يُستفاد من المصطلحات الخاصّة بذلك العلم. وإذا لم يراع أحد هذا الأمر فسوف يقع في الحيرة وخلط المباحث.
ففي (لعبة اللغة الدينيّة) يوجد مكان لبحث مسألة امتلاك فردٍ ما للتقوى أو عجزه عن فهم عمق رمزٍ وسرّ دينيّ ما، ولكن لا مجال لطلب الدليل، فطلب الدليل يرتبط بلعبة اللغة العلميّة لا اللغة الدينيّة، ولكن يمكن أن يَرد على نظرية فيتجنشتاين أنّه حتّى لو قبلنا بمسألة الألعاب اللغوية فلا يوجد دليليٌ قويّ يدلُّ على أنّ العلم والدين لا يتمتّعان بمعايير مشتركة. فتاريخ إلهيّات الأديان العالميّ يشهد بهذه الحقيقة وأنّ كثيراً من المفكرين الدينيين الكبار قد سعوا لتقديم الأديان طبقاً للمعايير العقلية والمنطقيّة والعلميّة لزمانهم.
كما أنّ فصل الدّين عن المنطق والفلسفة والعلم الذي طُرح من قبل فيتجنشتاين لم يكن توصيفاً عينيّاً لإثبات استقلال الدين عن هذه العلوم بل كان رأياً أصولياً، فلا بد من البحث عن منشئه في رؤية فيتجنشتاين المعمّقة بالنسبة لأوضاع وأحوال الدين والعقلانيّة في أوروبا القرن العشرين، والذي اتّخذه خطأً مكان الرؤية العميقة بالنسبة لنفس ماهيّة الدين والعقلانيّة، ففي أوروبا التي عاش فيها فيتجنشتاين، كان الفصل قد بدأ بين العقل والدين شيئا فشيئاً، فقد صار الدين ذهنيّاً وأصبح العقل في خدمة العلوم التجريبيّة والرياضيّات. فالمسألة المهمة التي تُطرح أمام الإلهيّات اليوم هي هل يوجد معنى جامع للعقلانيّة يشمل أسلوب الفلاسفة التقليديّ وأيضاً أسلوب العلوم اليوم بصفتها جزءاً
________________________________________

[الصفحة - 237]


من المجموعة أو أن هكذا معنى شامل لا وجود له؟! تصدَّى عددٌ من المفكِّرين الدينيّين في الفترة الأخيرة لهذا الأمر سعياً منهم لإيجاد جواب إيجابيّ عن هذا السؤال وقد استفادوا في بعض الأحيان من عناصر في فلسفة فيتجنشتاين. أمَّا جواب فيتجنشتاين نفسه وطلابه فقد كان سلبياً، فبرأي هؤلاء يعتبر العلم والدين مجالين مختلفين من الحياة لا يمكن الصلح بينهما.
نظريّة اللامعرفة الدينيّة
الآن يطرح هذا السؤال: إذا كان الوضع هكذا فما هو مصير مسائل ما بعد الطبيعة المهمَّة التي يسعى الدين والعلم لتقديم إجابة عنها؟!
ما هي حقيقة الواقع ؟! أي لعبة لغة تَبحثُ عن الحقيقة؟!
سعى فيتجنشتاين نفسه لتجنّب وضع نفسه في موضع الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال ما قام به من تشكيك في أصل قابليّة هذه الأسئلة للفهم. ولكن بقيت هذه المسائل حاضرة بقوّة، وأدّت المساعي التي قام بها طلابه للإجابة عن هذه المسائل إلى أخطر النتائج وأوسعها على المسائل الدينيّة ممّا شهدته الإلهيّات إلى الآن، وهي عبارة عن طرح نظريّات (نزعة اللامعرفة في مجال الدين).
لقد شكّلت أقوال فيتجنشتاين المعقّدة مصدراً لنظريّة اللامعرفة في المجال الدينيّ تُضاف إليها المصادر الأخرى. ولذا لم يكن القائلون بهذه النظريّات متّحدي المشرب مع فيتجنشتاين، ولعلّ أبرزهم (فيليبس) ( Philips D.Z.) الذي يُعتبر من أتباع فيتجنشتاين، حيث يدّعي أنّ للدين طريقة مستقلّة في الحياة لا يحتاج معها إلى حماية من الخارج ولا إلى الإجابة عن الإشكالات؛ لأنّ الدين لا يخبر عن العالم الخارجيّ. فالإخبار عن العالم الواقعيّ وظيفة العلم، فالدين من وجهة نظر الإلهيّات المبنيّة على (اللامعرفة) ليس إلا تبلوراً وانعكاساً للعواطف والمشاعر الباطنيّة للفرد. من هنا يحكم بخطأ كافة المفكِّرين الدينيّين في دعواهم المستمرّة طوال التاريخ بأنّ الدين يرتبط بالعالم الخارجيّ، فمن وجهة نظر (عدم إمكانية المعرفة) لا يحمل الدين أي مضمونٍ مرتبط بعالم الواقع.
________________________________________

[الصفحة - 238]


حتّى حقيقة (الله) يمكن تغييرها من خلال قبول حركات خاصة في (لعبة لغة) ما.
ولذا يذكر فيليبس: «ما يتعلّمه المؤمن هو اللغة الدينية، اللغة التي أسهم فيها الآخرون، ما أريد أن أقوله هو أنّه يجب تعلم طريقة استخدام هذه اللغة لأجل معرفة الله ». يَعتبر فيليبس أنّ المعتقدات المرتبطة بعالم الواقع والتي تُستقى من ظاهر الأقوال الدينية هي أمور بحت خرافية ولا يرى أنّ باطنها يحكي بأيِّ شكل من الأشكال عن وجود أمور متعاليّة، فقط تبقى العواطف، الخضوع، الإيمان، المشاعر، الألعاب اللغويّة وأنماط الحياة التي تشكل وجود الإنسان.
يقول فيليبس في ردّه على الاتّهام الموجه إليه بأنّ هذا الكلام هو وجه من وجوه الإلحاد المقنّع: الله الذي ينكره ليس الله الذي يعرف في الدين؛ لأنّ (الله) الديني ليس له علاقة بـ(تعالي) ما بعد الطبيعة، صرف الوجود، العلة الغائية أو الفاعليّة الكاملة.
وطبقاً لما يقوله فيليبس: (الله الدينيّ) لائق بالعبادة والمشاعر العميقة التي تتجلّى في عبادته. وقد استدعى هكذا نوع من الأقوال المتخالفة المنتقدين لتوجيه سؤال لفيليبس: هل يعتقد أنّ الله موجود أم لا؟! لا يجيب فيليبس بشكلٍ مباشر، ويقول: لا يجب أن يكون فهمنا للغة المعتقدات والأقوال المتعلّقة بوجود الله نفسه مثل لغة المعتقدات الأخرى والأقوال المتعلّقة بوجود الأشياء الأخرى، وعندما نرجع إلى كلماته حول عالم ما بعد الموت نكتشف أنّ تفسيره الذي يعطيه للحياة بعد الموت لا يشبه بأيِّ وجه من الوجوه ما نجده في الأديان. بل لعلّه يتناسب أكثر مع الإلحاد؛ لأنّه في موردٍ ادّعاء الحياة بعد الموت وأنّ الأموات أحياء يقول: يمكن تفسير هكذا أقوال بمعنى حضور الأموات في أفكار وآراء الأفراد الأحياء. وهكذا تفسير يترك الباب مفتوحاً للملحدين، حيث يعترضون بالقول: إنّ هذه الصورة التي يعطينا إيّاها فيليبس ليست شيئاً غير ما كان عليه الملحدون مع فارق يرجع إلى أنّه يلبس الإلحاد قالب اللغة الدينيّة.
لا يقف
________________________________________

[الصفحة - 239]