البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإيمان الدينيّ بين العقل والعاطفة وليام جيمز أنموذجاً

الباحث :  محمد هادي شهاب
اسم المجلة : 
العدد :  1
السنة :  العدد 66 السنة السابعة عشر صيف 1433 هجـ 2012 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  495

الإيمان الدينيّ بين العقل والعاطفة
وليام جيمز أنموذجاً

محمد هادي شهاب(*)

تمهيد
إنّ موضوع الإيمان أو الاعتقاد الدينيّ إن لم نقل إنّه الأهم, فإنّه على الأقل أحد أهمّ اهتمامات الحياة لكلّ إنسان مفكّر، والأكثر مصيريّةً فيها. يمكن معالجة هذه المسألة من أبعاد وزوايا مختلفة. ولكن مسألة عقلانية الإيمان وإمكانيّة الإثبات المنطقيّ للعقائد الدينيّة لا تزال إحدى النزاعات المطروحة في ساحات النقاش. ودون أن ندخل في نقاشات مطوّلة ومتشعِّبةٍ حول الإيمان, - لأجل الدخول في موضوع هذه المقالة - نشير إشارة عابرة الى ساحات الوجود الإنسانيّ وعلاقتها ببعضها بعضاً:
إنَّ فصل الساحات الوجوديّة للإنسان ودراسة علاقتها وتأثيرها على بعضها بعضاً هو إحدى المسائل التي تشغَل اهتمام الكثير من المفكّرين في عالمنا اليوم. وإحدى الآراء التي أصبحت متبنّاة من قِبَل الكثيرين حالياً, القول بالفصل بين الميادين العقائديّة (cognitive) والعاطفية (Emotion) والإراديّة (conative)(1) .
________________________________________
(*) باحث وأستاذ جامعي، من إيران.
(1)- Radharkrishnan, 1988, Essentials of psychology, oxford University, press.p. 13

[الصفحة - 243]


سنتصدى في ساحة المعرفة أو العقيدة لمجموعة من أفكار ومعتقدات الإنسان. ففي مجال الاعتقاديّات ثمة العديد من الموضوعات التي تشكّل محوراً للمعالجة والبحث - كمسير تكوين ونشأة المعتقدات ودورها في تكوين الحالات التي يعيشها الإنسان وسلوكه وشخصيّته والتقسيمات المختلفة للمعتقدات، ومن هذه التقسيمات ما يراد منه فصل المعتقدات الدينية عن غيرها.
إنّ ساحة المشاعر والعواطف تشكِّل ميداناً مستقلا يَتعامل مع وظائف جسم الانسان وتفاعلاته. في هذه الساحة يواجه الإنسان الملذّات واللآلام و... بالترحاب, حيث تتضمّن حالات مثل الخوف, الحزن, الفرح, الأمل, الحبّ, العشق, البغض, العداوة, الصداقة و... . الساحة الإرادية تشمل أيضاً الرغبات, الأمنيات, الميول, النوايا, القصد, واتّخاذ الإنسان لقراراته.
ثمة رؤى مختلفة اليوم فيما خصّ موضوع العقائد الدينيّة وعلاقة هذه المجموعة من العقائد التي ترتبط بالبعد الفكريّ والمعرفيّ مع ساحات أخرى من الوجود الإنسانيّ. فبعض المفكّرين لا يؤمن بتأثّر العقائد الدينيّة بالأبعاد العاطفيّة والإراديّة ويؤكِّد على استقلاليّة البُعد العقائديّ وانفصاله عن غيره من الأبعاد. ويمكن تقسيم أصحاب هذا الرأي إلى مجموعتين، فبعضهم يعتبر العقائد الدينيّة مبنيّة فقط على الشواهد العينيّة والعقل الآفاقي، ويدخل في هذه المجموعة ريتشرد سوينبرن (Richard Swinburne) و تشارلز ساندرز بيرس (C.S. Peirce). فهؤلاء يعتبرون أنّه وعلى طريقة العسكر يجب أن نزيل العواطف والمشاعر والميول من عمليّة الاستدلال. ويرى هؤلاء أنّ جعل العقائد خاضعة لتأثير المشاعر الذاتيّة هو أمر مرفوض من الناحية المعرفيّة والأخلاقيّة؛ لأنّ أمنياتنا وميولنا ليست أدلّة يُعتمد عليها للوصول إلى الحقيقة(2) . وتسمّى هذه النظريّة (الاتجاه المتماثل) أو (اتّجاه السيطرة).
وأمّا المجموعة الأخرى فهي التي تتبنّى القول بالفصل بين الأبعاد المختلفة, فالعقائد الدينيّة تتمّ معرفتها عن طريق النفس أو القلب وحده.
________________________________________
(2)- وين رايت, وليام, 1385, العقل والقلب, ترجمة .

[الصفحة - 244]


وهذه المجموعة تقف في الجهة المقابلة تماماً للمجموعة السابقة. حيث يرى هؤلاء أنّه عندما يتحقّق الإيمان فإنّ العقل الآفاقي يوضع جانباً. ولذلك يعتبرون أنَّ أكبر حيِّز في الإيمان هو من الساحة العاطفيّة والإراديّة للإنسان.
وبعض الباحثين يذهب إلى قيام علاقة تأثّر من الساحة الإيمانيّة بالساحات العاطفيّة والإراديّة, أي إنّهم في الوقت الذي يؤمنون فيه بقيمة الشواهد العينيّة ويعتبرونها ضروريّة لتقييم العقائد الدينيّة, يعتبرون أيضاً أنّ العواطف والمشاعر مؤثِّرة جداً في هذا المجال.
وقد تعرّض وليام واينرايت (William J. Wain Wright) لنظريّة بعض هؤلاء المفكّرين في كتاب العقل والقلب (Reason and the Heart)(3) .
ومن المفكِّرين ذوي المكانة في هذه المجموعة الفيلسوف الأمريكيّ المعروف (وليام جيمز), والذي تعنى هذه المقالة بمعالجة نظريّته. ومن الضروريّ هنا أن نبيّن أنّ جيمز يعالج في كتابه مواضيع مختلفة ترتبط بالاعتقاد وحالات الإيمان والعقائد الدينيّة حيث اعتمد النقاش بمعظمه حول مسألة العقائد الدينية ودور المشاعر والعواطف والإرادة في هذه العقائد، ومعنى منطقيّة الإيمان والعقائد الدينيّة لدى ويليام جيمز.
الإيمان والاعتقاد الدينيّ في رؤية جيمز
لم يكن جيمز ومنذ بداية نشاطه العلميّ والفلسفيّ راضياً عن فهمنا العادي لماهيّة وحقيقة عالم الواقع، فلم يقبل مقولة إنّ عالم الواقع شيء منفصل عنّا وعن أمورنا النفسيّة، وإنّه شيء آفاقي بالكامل, لأنّ عالم الواقع المنفصل تماماً عن انطباعاتنا, لا يعني لنا شيئاً.
وآخر ما عالجه جيمز ممّا يرتبط بالعلاقة بين أفكارنا عن العالم وعالم الواقع كان في كتاب الأصول. ففي بعض طيّات هذا الكتاب يعالج بالتحليل التفصيليّ وضمن قواعد علم نفس الاعتقاد فيقول: إنّ
________________________________________
(3)- المصدر نفسه.

[الصفحة - 245]


الاعتقاد كظاهرةٍ نفسيّةٍ على علاقةٍ وثيقةٍ بانطباعاتنا عن عالم الواقع؛ لأنّ الاعتقاد ليس إلا ذلك الإيمان الذي هو شيء أو حادثة واقعيّة وليس خيالاً أو وهماً. فهو يرى أنّ الاعتقاد عبارة عن (شعور الواقعيّة)(4) .
يعتبر جيمز أنّنا نسعى لكي يكون لدينا إيمان، مضافاً الى ذلك يقول: إنّ ميولنا هي باتّجاه «الحدّ الذي يُمكننا أن يكون لدينا فيه إيمان »(5) .
ويعتقد أنّ ميلنا للتصديق بوجود كلّ شيء نتصوّره في أذهاننا يبلغ من القوّة والمتانة بحيث إنّنا فقط عندما نكون مجبرين لا نصدّق بما نميل للإيمان به, أي متى كانت تجارب الآخرين المخالفة لتجربتنا الحاليّة تمتلك من القرائن والشواهد التي لا مناص لنا معها إلا عدم الإيمان(6) .
ويتابع قائلا إنّ للاعتقاد عوالم متعدّدة؛ كالعالم الذي تدركه حواسنا, العالم الذي يقدِّمه العلم, عالم الرياضيّات والمنطق. فالعوالم التي لا تحصى تخلق ثقافات مختلفة قبل الفرضيّات الخفيّة, العوالم التي تصوّر الإلهيّات من تقاليد مختلفة و... ويشير إلى أنّ معظم الناس لا يقيمون شأناً لكثيرٍ من هذه العوالم, لأنّهم يحلو لهم أن يختاروا من بين جميع العوالم التي يمكن الاعتقاد بها تلك التي يعتبرونها أكثر واقعيّةً من بينها. فبالنسبة لأكثر الناس العالم ذو الواقعيّة المطلقة هو العالم الذي يدور حول محور المعطيات الحسيّة وأمّا العوالم الأخرى فيتعاملون معها بجدّية أقل.
يرى جيمز أنّ المحكّ الأساس لتحديد ما إن كان للحوادث الخاصة واقعيّة أو لا هو أن نرى هل لتلك الحوادث آثار ونتائج يمكن أن نشاهدها في عالمنا الحسّي أو لا.
يعتبر جيمز أنّ هناك عوامل أخرى أيضاً تستطيع أن تهبنا الاعتقاد بحقيقة أمرٍ ما ويعتبر أنّ الحياة العاطفيَّة هي أحد أهمّ هذه العوامل. ولذا يرى أنّ أكثر الناس الذين يعيشون ميلاً شديداً إلى امتلاك حقيقة أمرٍ ما, هم الذين يصدّقون بالوقائع أو الأفكار في الحالة التي تُثار فيها مشاعرهم أو التي تدفعهم للعمل. ومظهر هذا الميل هو أن يشكّل هذا النوع من الأفكار معلومات أساساً لنوعٍ من الإثارة الجسديّة، وتقود الفرد بهذا النوع من الأفكار الى أنّ ما نستطيع أن نشعر به هو بنحوٍ لا يمكن أن يكون
________________________________________
(4)- James, William, 1981, the principles of psychology, 3vols, Cambridge, MA: Harvard University press. Sense of reality, p 913
(5)- المصدر نفسه، 928.
(6)- - المصدر نفسه.

[الصفحة - 246]


كاذباً(7) . نعم يعتبر جيمز أنّه في حال مواجهة هذا النوع من الأفكار, يجب علينا أن نتوقّف عن الاعتقاد حتّى لا نعتقد بشيء دون إرادة منّا وهذه إحدى أهم نتائج الذوق الفلسفيّ.
يرى جيمز أنّ مبدأ عدم الاجتناب عن الإيمان الدينيّ هو الاعتقاد بوجود عالم غيب أوسع يرتبط تماماً بالعالم الذي نجرّبه نحن عادةً, ولكن بالإمكان تمييزه وفصله عنه. إنّه يصرّ على أنّ الفرد كي يدخل في عداد الاشخاص المتديّنين يجب على الأقل أن يقبل بأنّ:
ما نسميّه النظام الطبيعيّ الذي يشكّل تجربة هذا العالم, هو فقط جزء من مجموع العالم. وخلف عالم الشهادة هذا ثمّة عالم غيبيّ ليس لدينا عنه أيّ علم قطعيّ ولكن معنى وأهميّة حياتنا الواقعيّة مخبوءان فيما لدينا من عالم الغيب ذاك.
ويرى جيمز أنّه لا ضرورة لكي يكون الفرد متديناً أن يكون لديه علم تفصيليّ عن عالم الغيب هذا ولكن يجب على الأقل: «أن يمتلك اطمئناناً بأنّ نظام الطبيعة هذا ليس أمراً نهائيّاً, بل هو إشارة أو حلم أو خيال, فهو أداة لعالم متعدّد الطبقات تكون فيه للطاقة وللأسباب الروحيّة والمعنوية كلمتها الأخيرة، ويعيش فيه خالداً »(8) .
يعتقد جيمز أنّ هذا الاطمئنان بأنّ عالم الغيب حقيقيٌّ ومفيد هو اطمئنان غالباً ما يَنتج عن التجارب الدينيّة المتينة، ويمكن القول إنّه الفارق الوحيد بين (النظرة المتّسمة بالقلق إلى الحياة) وبين (العقيدة المشرقة بأنّ هذه الحياة تستحقّ أن نعيش فيها). فهو يعتبر أنّ الموقف الإيمانيّ (Faith-stance) له تأثيرات جمّة في أساليب التعاطي مع الآلام. ولذا يرى أنّ الإيمان الدينيّ, إن لم يكن له أي دور، فيكفيه إنّه ينتج ترياقاً قوياً على المستوى النفسيّ ضدّ الآثار المهلكة للعدميّة (العدميّة , nihilism) والتشكيك، ويتمكّن من خلق رغبة شجاعة في التعاطي الإيجابي والمثمر مع مصاعب الحياة.
فالمعتقدات، والتجارب والأعمال برأي جيمز هي أجزاء ثلاثة من ظاهرة معقّدة ذات ردّات فعل متضادّة مع بعضها بعضاً, فلإيماننا جذور في التجارب الدينيّة والتجارب الدينيّة أيضاً تسرّع من الحالة الإيمانيّة. كما أنّ أعمالنا بدورها تنهض من قلب هذه
________________________________________
(7)- (James, William, 1977, The Will to Believe and other Essays in popular philosophy, Cambridge, MA: Harvard University press.p.481.
(8)- المصدر نفسه، ص 58.

[الصفحة - 247]


العلاقات وهي في الوقت نفسه تقوم بتوفير ظروف للإيمان وللتجارب الدينيّة لتعميق الحالة الإيمانيّة وترسيخها.
مكانة الشواهد والأدلة العقليّة في العقائد الدينيّة
لاحظنا كيف أنّ العقائد الدينيّة تتشكّل حول فرضيّات من أهمّها وجود عالم أو عوالم غيبيّة. ومن أهمّ ما يشغل أيّ مفكِّر دينيّ هو البحث عن إمكانيّة تأكيد أو إثبات هكذا عوالم, وهنا تحديداً يتمّ الفصل بين الحقيقة والوهم، بين التفكير الصحيح والخداع النفسي وما إلى ذلك. فيما يؤكّد بعض المفكّرين والفلاسفة دائماً على عدم منطقيّة أي رأي يفتقد للأدلّة الكافية، ومن جملتهم هاكسلي (T. H.Huxley) عالم الأحياء الإنكليزي (1825ـ 1895) و كليفورد (W.K.clifford) الرياضي والفيلسوف الإنكليزيّ (1845ـ 1879) حيث ينقل ويليام جيمز رأيهم على هذا النحو:
«الشيء الوحيد الذي يريحني هو أنّني أعتقد أنّ أجيالنا القادمة مهما كانت سيئة فإنّها لن تنزلق إلى مهاوي الأخلاق الفاسدة متى حافظت على قاعدة أن لا تظهر الإيمان بشيء لا تمتلك دليلاً على الإيمان به, ولو كانت مصلحتها في التظاهر بالإيمان ».
وهذه العبارة أعلاه تعود إلى هاكسلي. وينقل جيمز عن كليفورد أيضاً: «من المذموم أن يتمسّك صاحب الاعتقاد, وإن سبّب له هذا الاعتقاد السكينة والطمأنينة بالقضايا غير الثابتة أو المناقش فيها...، فمن الخطأ دائماً, في أيّ مكان ولأيٍّ كان أن يعتقد بشيء على أساس شواهد وقرائن غير كافية »(9) .
يقوم جيمز في مقالة مشهورة جداً له تحت عنوان (إرادة الاعتقاد) (The will to Believe) بالردّ على مقولة كليفورد وأمثاله ويرى خطأ هذا الرأي. وبعبارة أخرى يرى جيمز أنّ مقولة: دائماً، من الخطأ أن نعتقد بشيء لا دليل كافياً يدلُّ عليه، هي بنفسها لا تقوم على أساس الاستدلال والحكم العقليّ.
من هنا يدّعي
________________________________________
(9)- - المصدر نفسه.

[الصفحة - 248]


جيمز أنّ العوامل غير العقليّة كالعامل العاطفيّ والإراديّ تتدخّل في إيجاد معتقداتنا، ومن المؤكّد من وجهة نظره أنّ هذا التدخل ليس باطلاً. وفيما يرتبط بمقولتيّ هاكسلي وكليفورد يقول:
«نحن لا نعتقد بالكثير من الواقعيّات أو النظريّات التي لا نحتاجها. إنّ اندفاع وشوق كليفورد اللامحدود للمشاعر المسيحيّة لا قيمة له. فهاكسلي يهاجم الأساقفة ما استطاع لأنّ ما يرسمه من شكلٍ للحياة لا مكان فيه للمقدّسات ولا فائدة منه. وخلافاً لهما يتّخذ نيومن من جميع الشواهد والقرائن دليلاً على وجوب الالتزام بمنهج الكاثوليكيّة لأنّه يجد أنّ النظام القائم على أساس الروابط الدينيّة هو حاجة حياتيّة تبعث البهجة في الروح »(10) .
إذاً الفرق بين كليفورد ونيومن في نظر جيمز, ليس في الوصول أو عدم الوصول إلى الشواهد والأدلّة الوافية, بل في مستوى التعلّق القلبيّ والعلاقة العاطفيّة بهذه الشواهد والأدلّة؛ لأنّ ذلك يشكّل سبباً ليتنبّه لإحداها وليعبِّر عن سائرها بشكل عادي, ولهذا يعتبر أنّ التحكيم بينها يقوم على قاعدة عاطفيّة لا منطقيّة.
والحالة الأخرى التي يُشير إليها جيمز, هي عدم ملاحظة العلماء الشواهد المؤكِّدة لظاهرة تبادل الخواطر. حيث يرى أنّ أصل هذه المسألة يعود أيضاً إلى ما يطلبه العلماء ويريدونه حيث لا تتعلّق إرادتهم بوجود هكذا شواهد؛ لأنّهم يتصوّرون أنّ هذه الشواهد تنتقص من أسس دراساتهم العلميّة المبنيّة على وحدة الطبيعة, ولكنّهم إذا ما علموا بأنّ تبادل الخواطر يُساعد على تقدّم الأعمال العلميّة فإنّهم لا يُظهرون سعيهم للبحث في القرائن المؤيّدة لها فقط بل إنّهم يتعاملون معها أيضاً على أساس أنّها صحيحة تماماً(11) . بناء عليه يذكر جيمز أنّه من الواضح أنّنا في حالات كثيرة لا يكون الاعتماد على الأدلّة المنطقية هو السبب في قبولنا أو عدم قبولنا ميولنا العاطفيّة وإراداتنا: «إذاً يمكننا بوضوح القول بأنّ الوجه غير المنطقي هو وجود تأثير لطبائعنا على البحث في اعتقاداتنا و إيماننا. فالميول والعواطف والأحساسيس الموجودة لدينا لها قدم السبق على اعتقادتنا »(12) .
________________________________________
(10)- المصدر نفسه.
(11)- المصدر نفسه.
(12)- المصدر نفسه.

[الصفحة - 249]


المعتقدات المستغنية عن الشواهد والأدلّة
يشير جيمز إلى نوعين من المعتقدات يكون الإيمان بها في غنىً عن الأدلّة والشواهد:
النوع الأوّل: يشمل الأمور التي يعبِّر عنها بـ (الحقائق المعتمدة على الجهد الشخصيّ) (truths dependent on personal action) . فيرى أنّ بعض الحقائق تتجسّد أساساً في عملنا الشخصيّ. فبالنسبة لي ليس من الخطأ إذا اعتقدت أنّني (سأجد تحسنّاً) ولو لم أمتلك أيّ دليل على ذلك؛ لأنّ نفس اعتقادي بهذه القضيّة هو أكثر ما يساعد على تصديقها, أي إنّ نفس اعتقادي بأنّي سوف أتحسّن سوف يساعد على تحسّني. وبعبارةٍ أُخرى، من الممكن أن يصبح الإيمان سبباً لتحقّق ما يتعلّق به وهذا النوع من الإيمان والمعتقدات هو حالات ناقضة لمدّعيات هاكسلي وكليفورد.
النوع الثاني: يشمل بعض أنواع المعتقدات الدينيّة، حيث يرى جيمز أنّ مقولات مثل مقولة (الله موجود) هي من القضايا التي تمتاز بخصوصيّات ثلاث: كونها حيّة، إجباريّة وخطيرة، ولهذا كان الاعتقاد بها حتّى في الظروف التي لا أدلّة قطعيّة لصالحها عملاً عقلانيّاً؛ لأنّ لهذه المعتقدات فوائد ونفعاً لنا، وحرماننا من هذه الفوائد ومن هذا النفع لمجرّد عدم امتلاك الدليل عليها ليس أمراً عقلانيّاً. نعم يبقى علينا البحث فيما أراده جيمز من الخصوصيّات الثلاث.
خصوصيّات المعتقدات الدينيّة
للمعتقدات الدينيّة من وجهة نظر جيمز خصائص ثلاث:
1- أن تكون حيّة (Living) في مقابل الموت (dead): إنّ مقولة الحياة هي من المقولات التي تجذب انتباهنا هي ونقيضها. وكمثالٍ على ذلك يقول جيمز بالنسبة لشخصٍ مسيحيّ الاختيار بين أن يكون مسلماً أو صوفياً ليس عيشاً - وليس بحياةٍ - ولكن الاختيار بين أن يكون مسيحيّاً أو لا أدرياً هو الحياة والمهم(13) .
________________________________________
(13)- المصدر نفسه، ص 2.

[الصفحة - 250]


2- القسريّة (forced) في مقابل الممكن الاجتناب (avoidable): إنّ الأمر القسريّ والإجباريّ هو ما لا طريق لنا إلا القبول به أو رفضه والقبول بنقيضه, وبعبارةٍ أخرى لا حالة متوسِّطة بين الأمرين، أي بين أن تقبل ذلك أو تقبل نقيضه. هناك قضايا منفصلة حقيقيّة من هذا القبيل مثل: «إمّا أن تذهب بالمظلّة أو بدون مظلّة »(14) .
3- الخطير (momentous) في مقابل التافه (trivial): والمراد من خصوصيّة وصف الخطير أو ذي الأهميّة، أن يكون الإنسان بين اختيار قبوله أو رفضه على الفور، ولا يمكنه تأخير عمليّة الاختيار بينهما.
يقول جيمز لو كنت أنا الدكتور نانسن واقترحت عليكم أن تنضمّوا الى جمعيّتي المرسلة إلى القطب الشماليّ, لكان اختياركم مصيرياً وخطيراً. فإنّ مثل هذه الفرصة من المستبعد أن تتاح لكم مرّة أخرى.
يرى جميز أنّ المقولة التي تتّصف بهذه الخصوصيّات الثلاث، يكون اختيارها حتّى مع فرض عدم امتلاك شواهد وأدلّة قطعيّة لصالحها أمراً عقلائيّاً، والمقولات الدينيّة كمقولة (إنّ الله موجود) هي مقولات من هذا القبيل.
وقد تساءل بعض منتقدي جيمز عن السبب في تبنّي جيمز لوصف مقولة (إنّ الله موجود) بالخصوصية الثانية، أي الإجبارية، وأنّ الأمر فيها يدور بين القبول والرفض أي بين يعني أن نقبل بـ : (إنّ الله موجود) أو (إنّ الله غير موجود)، أليس الشك طريقاً ثالثاً وحداً وسطاً هنا؟ ومتى كان الأمر كذلك فهذا يعني افتقاد مقولة (إنّ الله موجود) للخصوصيّة الثانية. وبعبارةٍ أخرى، عندما لا نجد دليلاً على ترتب أي فائدة أو ضرر على مقولةٍ ما, ألسنا مكلّفين أخلاقيّاً بأن لا نلتزم بشيء اتجاه تلك المقولة؟ ولماذا كانت النتيجة المنطقيّة لحديث جيمز رفض التشكيك (scepticism) أو اللاأدريّة (agnosticism)؟
يُشير جيمز بل ويصرّح في مقالة (إرادة الاعتقاد) بالموضوع الأخير إذ يرى أنّ موقف التشكيك في المسائل الدينيّة غير مبرّر، وأنّ الإنسان مكلّف بالحذر منها.
________________________________________
(14)- المصدر نفسه.

[الصفحة - 251]


«لا نستطيع البقاء في حالة الشك وانتظار أن تتّضح الصورة أكثر لكي نتفادى حصول مشكلةٍ, لأنّنا بهذا إن كان الدين باطلاً نكون قد تفادينا خطأ، ولكن إن كان الدين حقّاً نكون قد خسرنا خيراً عظيماً. وبهذا حتماً إن كنا نختار عدم الإيمان لخسرنا قطعاً. كما لو أنّ رجلاً تردّد في الزواج بامرأة، فقط لتردّده في أنّه لو تزوج منها فهل ستكون ملاكاً في حياتها الزوجيّة، فلو أنّ هذا الرجل تزوج من امرأة أخرى ألم يحرم نفسه من إمكان أن تكون تلك المرأة ملاكاً في حياتها الزوجيّة؟، إذاً التشكيك لا يعتبر تجنّباً لعمليّة الاختيار بل هو بنفسه اختيار يترتب عليه نوع من المخاطرة »(15) .
ويظهر من كلام جيمز بوضوح أنّنا لو تنصّلنا من الاعتقاد في دار الدنيا هذه واتّجهنا نحو التشكيك فإنَّنا سوف نلحق بأنفسنا ضرراً كبيراً. ولذا يرى أنّنا في هذه الحياة الدنيا سنجني بإيماننا خيراً عظيماً وسوف نخسر ذلك عندما نختار الكفر(16) . ولذا يقف بشدّة أمام مسألة التشكيك في الدّين. ويرى جيمز حاجةً متعدّدة الجوانب إلى الإيمان الدينيّ. إلى حدٍ يرى فيه أنّ الفرق بين الحياة التي تستحقّ أن نعيشها والحياة التي لا تستحقّ ذلك تتمثّل بوجود الاعتقاد والإيمان الدينيّ أو عدمه. وفي عام 1904 - وضمن طلب استبيان أجاب عن هذا السؤال: هل لديك إيمان بوجود الله بناء على دليل عقلي؟ بالتالي: بالطبع لا. وفي الجواب عن السؤال التالي: هل لأنّك عشت تجربة مع الله فإنّك تؤمن بوجوده؟ قال: كلا، بل إنّني معتقد بوجوده لأنّني بحاجة إلى الاعتقاد به، فهذا الاعتقاد لا بدّ أن يكون صادقاً. نصل من خلال مراجعة مؤلَّفات جيمز إلى أنّه كان يستند إلى تجاربه الحيويّة والإبداعيّة في معتقداته الدينيّة. وكان يؤمن بأنّ تلك القوة الجديدة مرهونة بمعرفة أوسع وأنّ معرفته المحدودة جعلته أقرب. إنّ العيش في ظلّ التشكيك يؤدّي الى فقدان هكذا تجارب.
يعتمد جيمز على الحاجة الماسّة إلى الاعتقاد لمواجهة التشكيك. فحالة الشك تضع الفرد في معرض الخطر النفسيّ العظيم. ويرى أنّ في ذلك مضافاً إلى
________________________________________
(15)- المصدر نفسه، ص 26.
(16)- المصدر نفسه.

[الصفحة - 252]


الخطر النفسيّ خطراً أخلاقيّاً، وكان يقول إنّه يشعر بأنّه مكلّفٌ بالإيمان لأنّ كلّ إنسان مكلّفٌ أخلاقيّاً بأن يحفظ وحدته الباطنيّة والداخليّة بأي ثمن. ولذا قرّر جيمز وفي سبيل رفع هذا التعارض الأخلاقي أن يعبّر عنه بـ (إرادة الاعتقاد)، لا بمعنى خلق اعتقادٍ ما أو تقرير الاعتقاد بل بمعنى الاختيار العلميّ المقبول لاعتقادٍ دينيّ. وبعبارةٍ أخرى، إنّ تكليفنا الأخلاقيّ بأن نحفظ وحدة وجودنا التي لدينا هي الغالبة والحاكمة على التكليف الأخلاقيّ بأنّ نقف موقف التشكيك وعدم الحكم عند فقدان الأدلة. فإذا كنّا نمتلك الحقّ في الاعتماد على هكذا قرار، واعتبرنا التزامنا الأخلاقيّ اتّجاه أنفسنا أهمّ من تكليفنا بقبول التشكيك - وأساس مقالة (إرادة الاعتقاد) إثبات هذا الحق - ففي هذه الحالة يكون الاعتقاد بفرضيّة دينيّة دون أن نمتلك دليلاً على صحتها وصدقها أمراً مقبولاً وعقلانيّاً أيضاً.
دور المشاعر والعواطف في المعتقد الدينيّ
لو صحّت دعوى جيمز بأنّ لنا الحق عند فقدان الدليل بأن نختار من بين الفرضيّات المختلفة والمتعارضة والمتناقضة مع بعضها بعضاً الفرضيّة التي نشعر نحوها بميل داخليّ وباطني أزيد من غيرها, فلن يكون بالإمكان اعتبار أنّ الإيمان الدينيّ غير عقلانيّ. فهنا وبعد ملاحظة هذه المقدّمات نصل إلى نتيجته المطلوبة وهي إنّ المشاعر والعواطف لها دور في المعتقد الدينيّ:
عندما يكون الاختيار واقعاً (أي عندما يكون حيّاً, قسريّاً وخطيراً)، ولكنّه لم يعتمد بمقتضى طبيعته على أساس الأدلة العقليّة, فلا بدّ لشعورنا العاطفيّ - فضلاً عن كون هذا حقّاً له - من أن يقوم بعمليّة الاختيار؛ لأنّه في هكذا حالات يكون القول: (قرّر ولا تترك المسألة بلا حلّ), قراراً عاطفيّاً(17) .
لا يرجع ما يريده جيمز إلى المعنى الحقيقي لإرادة أن نعتقد ونؤمن بشيء، بل إنّ
________________________________________
(17)- المصدر نفسه.

[الصفحة - 253]


جيمز يعتبر هذه الفكرة فكرة حمقاء. ومقصود جيمز أنّ الكثير من معتقداتنا ينشأ على نحو غير منطقي ممّا يطلق عليه (طبيعة الإرادة) في البشر. فلو أنّ إيماناً نشأ على هذا النحو وكانت له أهميّة مصيريّة بالنسبة لطبيعتنا الإراديّة أو العاطفية وإن لم يكن هناك أي دليل على فائدته أو ضرره, كان الاختيار بين المخاطرتين على عاتق كل فرد منّا. يقول جيمز إنّ فرضيّةً ما عندما تكون فرضيّة حيّة أي إنّها تضع الشخص في حياته العمليّة في دائرة المخاطرة فإنّ أيَّ واحدٍ من المواقف الثلاثة: (الإثبات، النفي والشك) يمكن أن يكون هو الموقف المتّخذ، وكل فرد هو وحده الذي يمتلك الحقّ في اتِّخاذ الموقف(18) .
فما دام الإحساس قائماً بأنّ في المخاطرة نوعاً من التعارض الأخلاقيّ، فإنّ للنداء الباطنيّ - كما يذكر جيمز - الذي يكون أشدّ استحكاماً من أي شيء آخر، الحق في أنّ يختار واحداً من بين المخاطر الثلاثة أي النفي والإثبات والتشكيك.
ففي بعض الأحيان تكون المخاطرة أمراً ضرورياً وذلك عندما تكون الأحاسيس المرهفة والذوق النفسيّ أو الطبيعة أو الإرادة هي المحدّدة لقراراتنا. ويرى جيمز أنّ تجاهل هذا النوع من الذوق, أو رفضه عن علم وعن عمد، ليس أمراً عقلانياً.
عقلانيّة الإيمان والاعتقاد الدينيّ
لا ينفي جيمز في فلسفة الدين الدليل العيني - الآفاقي بالمطلق، ولكنّه يؤمن: «لكن اعتقاد الشخص بأنّ الدليل الذي يعتمد عليه هو من نوع الأدلة العينيّة - الآفاقيّة هو رأي أنفسي آخر يُضاف إلى الآراء الأنفسية للشخص ».
لكن كون الأدلّة أنفسيّة لا يحدّ من عقلانيّة الإيمان. وكثيراً ما كان يكرّر جيمز مقولة الحاجة الى الإيمان. وشدّة هذه الحاجة في نظره لعبت دوراً أساساً في دفاعه عن حقّ الاعتقاد. ويعتمد على أصل وجود هذه الحاجة لإثبات مقولة إنّ الإيمان أمر عقلانيّ. فهو ينتقل فوراً من إثبات هذه الحاجة إلى الإيمان لإثبات كونه أمراً
________________________________________
(18)- James William, 1969, Collected Essays and Reviews, New York: Russell and Russel.p. 49

[الصفحة - 254]


عقلانياً. بهذا النحو يسير جيمز في طريقة تفكيره، ومن هنا يتضح كيف تبنّى مقولة إنّ الطريق الأنفسيّ مقبول في الفلسفة, لأنّ المفترض وجود تناسق بين عالم الأنفس وعالم الآفاق. فوجود المشاعر والأحاسيس لا بدّ من أن يكون لهدف وغاية. وهي وإن كانت لا تتطابق تماماً مع العالم الخارجي ولكنّها تؤدّي دوراً في معرفة ذلك العالم. وثقة جيمز بأنّ لهذه الطرق الأنفسيّة جانباً معرفياً هو الأساس في العرفان لديه، وهو أساس المعادلة البراغماتيّة التي يتبنّاها بأنّ الحقيقة هي نفس ما يرضيك. وهذا الرأي يؤدّي دوراً في توجيه الحاجة إلى الإيمان باعتباره أمراً فطريّاً، لأنّها ردّة فعل واستجابة طبيعيّة لنفس الأمر، أي إنّ توجيه الحاجة إلى الإيمان ليس بحاجة إلى أمرٍ خارج عن ذاته. لأنّ هذه الحاجة تمثّل ردّ فعل طبيعيّاً للإنسان على واقعيّات العالم الخارجي، ويجعل من العزم على الإيمان وعدم اتّخاذ موقف التشكيك أمراً عقلانياً.
ويرى جيمز أنّ نفس العقلانيّة هي ظاهرة نفسيّة، فالحاجة إلى الإيمان ليست حاجةً فيزيولوجيّة. وليس بإمكان أيٍّ من الاختصاصات العلميّة التجريبيّة أن تقدّم شرحاً واضحاً لهذه الحاجة. فلا بدّ لنا أولاً من أن ننشئ فلسفةً أو فرعاً من علم النفس يعالج مسائل الإيمان, المعرفة, الصدق, المفهوم, الواقعيّة والعقلانيّة. لقد اتّجه ومنذ بداية مرحلة نشاطه العمليّ الى نهايته ناحية تحليل هذه المفاهيم لكي يتمكّن من أن يظهر أنّ العقلانيّة ليست إلا لإرضاء أعمق حاجة لنا إلى الإيمان، ومن هنا يفسح في الطريق أمام الإيمان.
يعتبر جيمز أنّ بعض المسائل المعقولة قد يفتقد لأيّ نوعٍ من الحلول العقلانيّة، فيشعر الإنسان بأنّ المسألة وإن كان لها معنى موجه ولكنّها تفتقد للحل العقلانيّ. فقد نلجأ أحياناً إلى العمل دون أن يكون هذا العمل مضمون العقلانيّة. ولا ينبغي الحذر من ذلك لأنّ العقلانيّة شأن آفاقي لا يتبنّاه بعض الفلاسفة مع أنّه أمر واقعيّ. ولكي يبيّن أنّ العقلانيّة أمر أنفسيّ يقول:
يشبه الفلاسفة العقلانيّة بالأشياء الأخرى التي يمكن تحديدها من خلال ملاحظة بعض العلائم الأنفسية التي تتركها على الإنسان.
________________________________________

[الصفحة - 255]


ومتى وضعوا يدهم على هذه العلائم فقد وضعوا يدهم على العقلانيّة. فما هي هذه العلامات؟ إنّها الشعور القويّ بالاستقرار والهدوء والسكينة. الانتقال من حالة الضياع والتيه إلى حالة الفهم العقلانيّ المملوء بالمتعة والراحة الوافرة... بنحو لا حاجة بعده لأيّ نوع من التوضيح والتوجيه والتبيين كالذي أعبّر عنه أنا بالشعور العقلانيّ(19) .
إنّ ما يرمي إليه جيمز هو أن ينبّه القارئ إلى أنّ العقلانيّة أيضاً تُعرف بالاستعانة بمجموعة من العلامات النفسيّة، ويصف وجدان شيء من العقلانيّة بأنّه تجربة. وما يريد قوله إنّنا دائما نعرف العقلانيّة من خلال ملاحظة بعض العلائم الداخلية والنفسيّة، ولذا لا يمكن تعريف العقلانيّة بنحوٍ مستقلٍّ عن حالاتنا النفسيّة.
يستفيد جيمز من مقولة أنّ العقلانية أمر داخليّ ونفسيّ لإثبات مشروعيّة الشعور الدينيّ؛ لأن التصوّرات والأفكار العقلانيّة هي فقط تلك التي تثمر آثاراً ونتائج نفسيّة خاصّة. والتصوّرات والأفكار الدينيّة عقلانيّة أيضاً لأنّها تستطيع أن تحقِّق السكون أو الرضا العاطفيّ والعقليّ.
يدخل جيمز في عمليّة شرح وتفصيل لمقولة الإيمان العقلانيّ، من حيث إنّه لا يقتصر دوره على بثّ السكينة والطمأنينة في النفس بل يعد بالسكينة الدائمة. ولذا اتّصف الإيمان بالله والكمال والحبّ والعقل بهذه الجاذبيّة حيث يؤدّي دوراً في توفير هكذا حالات بشكل حتميّ. فإذا كنّا نقوم بربط نظريّاتنا بالمصالح العمليّة فهذا يعني أن نعتبر أنّ كلّ اعتقاد لا يحقّق السكينة, لا يكون اعتقاداً عقلانيّاً. وهذا الكلام هو نفس مدّعى البراغماتية الذي يقول إن النظريّات المتكاملة يجب أن تكون باعثاً على الرضا عملاً، وهذا الرضا العمليّ يشمل العوامل النفسيّة فتصبح عقلانيّة(20) .
يوضح جيمز في مقالة (Reflex Action and Theism) (الفعل اللاإراديّ والإيمان بالله)
________________________________________
(19)- المصدر نفسه، ص 84.
(20)- James, William, 1977, The Will to Believe , p 82

[الصفحة - 256]


العلاقة بين تعريفه هو للعقلانيّة وفلسفة الدين، فيرى أنّ الفكر في نهاية المطاف بالنسبة إلى العالم الخارجي هو إمّا فعل أو ردّة فعل. فالفكر العقلانيّ يوفّر أجابات شافية للبيئة المحيطة, أي أجوبة تتناسب مع الواقع المحيط. إنّ الله هو من أكثر الموضوعات عقلانيّة ممّا يشغل أذهاننا؛ لأنّ واقعيّته العينيّة تسبق كلّ شيء، ونشعر بالرضا في ردّة فعلنا اتجاه هذه الواقعيّة.
إنّ كلّ فكرة أدون من فكرة الله هي غير عقلانيّة؛ وذلك لأنّنا لو قمنا بمقايسة ذلك بأعلى معيار للعقلانيّة فإنّ كلّ فكرة أدنى سوف تكون أدنى إرضاء للنفس من فكرة الله. أي ليس في الإيمان بالماديّة (materialism) عقلانيّة ولا في الإيمان بأنماط مختلفة من الإلهة أو وحدة الوجود (pantheism) (كالذين لا يعتبرون الله موجوداً محدّداً بل يرونه نفس الوجود). ويؤكِّد جيمز أنّ الله كموجود محدّد هو أشد تناسباً مع حاجاتنا العاطفيّة ولذا كان من أكثر الأفكار عقلانيّةً. متعلق الإيمان التام (أي أشدّ أنواع الإيمان عقلانيّةً) هو الله أو (روح العالم)(21) .
يبقى السؤال أنّ الدّين إذا كان عقلانيّاً إلى هذا الحد فهل هو بحاجة إلى الإيمان؟ إذا كان الجواب نعم, فأيّ نوع من الإيمان؟ يظهر أنّ جيمز يرتضي القول إنّ في الإيمان نوعاً من عدم العقلانيّة, فلنلحظ كلامه التالي:
في النهاية هذا هو إيماننا, وليس منطقنا الذي يبتّ بالمواضيع الدينية وما بعد الطبيعة، وأنا لا ألتزم بأي منطق يعارض هذا الحق والذي يتعارض مع إيمانيّ(22) .
عندما نواجه موضوعاً غير قابل للحلّ ونريد معالجته بواسطة العقل, فلا مناص أحياناً إلا أن نختار أحد الطرفين ونحسم الموضوع. وهذا الاختيار والحسم هو ما نطلق عليه العمل الإيمانيّ. نعم بناء على هذا لا يلزم أن يكون للإيمان تبعات دينيّة ومذهبيّة، فالعلماء غالباً ما يُقدِمون على العمل على أساس ما لديهم من إيمان، والإيمان في هذه الموارد يترتّب عليه العمل، ولا شيء يكفي كالإيمان عند فقدان الدليل.
الإيمان كنمط حياة لدى جيمز
إنّ دين الإنسان هو أكثر الأشياء عمقاً وأكثرها حكمة في الحياة. ويجب بصراحة أن
________________________________________
(21)- James, William, 1981, the principles of psychology p.377
(22)- (James, William, 1907, Pragmatism: A New Name for some old ways of thinking, , New York: Longmans, Green and company.p. 190

[الصفحة - 257]