البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

اجتماعيات الدين والتديُّن دراسة في النظريّة الاجتماعيّة الإسلاميّة

الباحث :  ابراهيم منصور
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  66
السنة :  السنة السابعة عشر صيف 1433 هجـ 2012 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  554

اجتماعيات الدين والتديُّن
دراسة في النظريّة الاجتماعيّة الإسلاميّة

ابراهيم منصور (*)

الكتاب: اجتماعيّات الدين والتديّن، تأليف الشيخ حسين أحمد شحادة، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، الطبعة
الأولى، 2010، 416 صفحة
يتألف هذا الكتاب من مدخل وستة فصول.
المدخل: في التأسيسات الإسلامية لعلم الاجتماع
يرى العلامة الطباطبائي في تفسيره (الميزان)، أنّ السنن التاريخيّة تختلف باختلاف الاعتقادات الدينيّة؛ فالمؤمن بمخلوقيَّة الكون والإنسان يبني فلسفة أعماله على هذا الإيمان، وذلك بضبط سلوكه وفق رؤية مفتوحة على طلب الدار الآخرة. كذلك الأمر في الملحد الذي قطع صلة وجوده بالله واليوم الآخر؛ فهو يبني أعماله كلّها على أساس التمتّع بملذَّات الدنيا المحدودة بموته، وانقطاعه عن الحياة(1) .
بهذا الكلام للعلامة الطباطبائي يفتتح الشيخ حسين شحادة كتابه (اجتماعيّات الدّين والتديُّن)، ويستنتج أنَّ الدين - وفق هذا المنظور - هو مصدر من
________________________________________
(*) كاتب وعضو اتّحاد الكتّاب اللبنانيين، من لبنان.
(1)- العلامة محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت 1417هـ/ 1997م، المجلد الثامن.

[الصفحة - 203]


مصادر الوعي بالسُّنن الحياتيّة، ويغذِّي دوافعها تغذيةً تعبِّر عن فلسفة هذا الدين أو ذاك من الحياة.
ويستدرك الشيخ المؤلِّف أنّ المجتمع الإنساني لن ينعم بتقنين أموره من دون هداية من الله سبحانه، تضيء له وشائج الصلة بين عالم الشهادة وعالم الغيب؛ لنظم دنياه نظماً يربط بين منظومة القوانين والغاية المرتجاة من تشريعها بملاحظة أنَّ الكتب السماويَّة هي كتب هداية توقظ في الإنسان معنى الوعي بذاته مبتدأ ومنتهى، وتؤسِّس مفهوم السعادة الإنسانيّة على قواعد المعرفة بتوحيد الله تعالى، وتجلّياتها في اختبارات الواقع.
ويرى الكاتب أنَّ في قصص الأنبياء القرآنيّة أهمّ التأسيسات الأولى لثقافة هذا الوعي المحكوم بالسُّنن التاريخيّة الموصولة بسنّة الله في عباده، على مدى تفاعلاتها في جدل التأثير المتبادل بين عقيدة الإنسان الدينيّة، ومنتوجاتها الاجتماعيّة الناظمة لعلائق وجوده ومصيره(2) . من هنا - يتابع المؤلّف بسط آرائه في التأسيسات الإسلاميّة لعلم الاجتماع - كان سؤال الإسلام والتسليم ضرورةً منهجيّةً لدراسة الظاهرة المجتمعيّة - الدينيّة، في ضوء منابعها ومرجعيَّاتها العليا، وتفهُّم أبعادها؛ حتَّى يصير المقدَّس دنيويّاً ودينيّاً في آن، فتكتسب بذلك مشروعيّة دراستها سوسيولوجياً
ويؤكّد المؤلّف أنّ الإسلام لم يألُ جهداً في إلغاء جميع أسباب استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، من حرب أو مغالبة، فأسَّس مفهوم الحرية المسؤولة بصريح الآية الكريمة: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } (الأنعام، 164).
ثمَّ يلاحق المؤلِّف فكرته معتبراً أن ذلك لن يتيسَّر إلا بشريعة تُقيم العدل الاجتماعيّ، وترتقي بالأخلاق الإنسانيّة إلى كمالاته(3) .
________________________________________
(2)- اجتماعيات الدين والتدين، ص 11ـ 12.
(3)- ص 13.

[الصفحة - 204]


الفصل الأوَّل:
يطرح فيه الكاتب ستة مواضيع هي على التوالي: التجديد الديني بوصفه شرطاً للنهضة - في علم اجتماع المعرفة - في أنساق المعرفة الدينيّة - أدوات المعرفة وتحدِّيات التديُّن السياسيّ - الدين والعقل وإنتاج المعرفة - تديُّن التعارف وسؤال الوجود.
ففي مطلع الموضوع الأوَّل يطرح المؤلِّف سؤالاً مركّباً: هناك عوامل أزمة في العقل الدينيّ المعاصر وموروثاته.. فهل الأزمة ناجمة عن نقص معرفة الخطاب الدينيّ بثقافته الإسلاميّة النقيّة؟ أم أنّها أزمة ناشئة عن نقص معرفة هذا الخطاب بثقافة عصره؟ ويصل المؤلّف إلى نتيجة هي أنّه تصعب معرفة الجواب عن هذا السؤال المركّب بسبب افتقار التجربة الإسلاميّة المعاصرة إلى برنامج عمل للتجديد، ينطلق من تأصيل مفهوم الحوار، ومفهوم ثقافة الحقّ بالاختلاف(4) .
ويستنتج المؤلّف أنّ الحلقة المفقودة من مهمّات تجديد الخطاب الإسلاميّ وبرنامجه تكاد تنحصر في مسألة مقدرة هذا الخطاب على تحصين هويَّته ووحدته من الفتن والانقسامات. كما يستنتج أنّ دعوة التجديد تهدف إلى ردِّ الاعتبار لمعنى (إسلاميّة خطابنا الإسلاميّ) بروحٍ إسلاميّة بعيدة عن الانغلاق المذهبيِّ في مواجهة استحقاقات معركة الهوية، ومواجهة الحملة الإعلاميّة والثقافيّة التي تقودها الإدارة الأميركيّة ضدَّ الإسلام(5) .
ويطرح الكاتب مسألةً في غاية الأهميّة، هي مسألة التوفيق بين الموروث الإسلاميّ والمعاصرة، فيعتبر أنَّنا إذا كنّا لا نزعم بأنّ موروثنا الإسلاميّ هو النموذج النهائيّ الأعلى للإسلام، إلا أنَّنا ندعو إلى إعادة صياغة هذا الموروث، وإنتاجه إنتاجاً معرفيّاً في ضوء قواعد اجتهادنا الإسلاميّ وضوابطه، ما يؤدِّي إلى صيغة المزاوجة المفقودة بين الأصالة والمعاصرة. ولن يعيب خطابنا الإسلاميّ المتّهم بنزعته التاريخيّة، فيما لو قُدِّر له أن ينجح في فتح نوافذ التاريخ على أبواب الحاضر والمستقبل، فالقرآن الكريم يجري في الزمان والإنسان مجرى الشمس والقمر، على حدِّ تعبير الإمام الباقر( ع)
________________________________________
(4)- ص 33.
(5)- ص 34.

[الصفحة - 205]


(6) ، ما يفتح تجديد الخطاب الإسلاميّ على تجديد مناهج التفكير ومناهج التطبيق في آن.
ويثور هاجس المعاصرة في ذهن المؤلِّف، فينادي بضرورة إيقاظ حسّ المعاصرة هذه في تفكيرنا وخطابنا؛ بأن نعيش منحى العصر، لا أن نسقط أمام العصر، أي بوعينا لتطوّر الزمن فينا. في حديث الإمام علي(ع): «لا تخلِّقوا أولادكم بأخلاقكم، فإنَّهم قد خُلقوا لزمان غير زمانكم ». ويستدرك المؤلِّف قائلاً: فليس المراد بالأخلاق - هنا - الأخلاق الأصيلة من فضائل الصدق والفقه والأمانة والاستقامة... بل الأخلاق المتحرِّكة في تطوُّر الوسائل(7) .
وقد أُعجب جبران خليل جبران بهذه الحكمة التعليميّة - التربويّة للإمام علي(ع) فأخذها - كما أخذ غيرها من نهج البلاغة ـ، فقال: «إنّ أولادكم ليسوا أولاداً لكم. إنّهم أبناء وبنات الحياة.. لا تقدرون أن تغرسوا فيهم أفكاركم؛ لأنَّ لهم أفكاراً خاصّة بهم.. ونفوسهم لا تقطن في مساكنكم، فهي تقطن في مسكن الغد »(8) .
وفي هذا الموضوع، موضوع الحداثة والتطوُّر - مع الحفاظ على الأصالة - يتخذ الشيخ حسين شحادة موقفاً جريئاً فيقول ضمن هذا المنهج: إنَّنا مع الحداثة التي لا تمسُّ الجوهر.. نتطلَّع إلى تجديد خطابنا الإسلاميِّ وتطويره، وإزاحة ما يُعيق ذلك الخطاب من عراقيل وعقبات، ومن الجهل والتخلّف والذهنيَّة المقفلة غير المستعدّة للانفتاح على مواقع التحدّي التي يُوجِّهها أعداء الإسلام إلى الإسلام، في المسألة الثقافيّة والفكريّة. وكأنَّ شعارنا الذي نصرُّ على اجتراره بذهنية الجاهلية الأولى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (الزخرف، 23).
إنّ الإسلام لا ينمو في التخلُّف ولا ينمو في الجهل، إنَّه يملك قوَّة الحقِّ الناصع؛ بحيث يمكن أن ننتقد كلَّ التراث الموروث، ويبقى الجوهر الثابت من الإسلام أصيلاً.
إنَّ الشيخ شحادة، بهذا الكلام، يميِّز بين التراث والموروث، فما كلُّ الموروث تراثاً؛ إذ التراث
________________________________________
(6)- ص 35.
(7)- ص 36.
(8)- موسوعة جبران خليل جبران الكاملة المعرّبة، كتاب النبي، ص 14.

[الصفحة - 206]


هو ما غربلته أصابع الزمن وبقي خالداً على مرّ العصور. أمَّا الموروث ففيه تقاليد بالية وأفكار جامدة رجعيّة، هي التي تقف حجر عثرة في طريق التطوّر والمعاصرة. وهذا المفهوم للتراث والموروث هو ما أخذ به الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه (تكوين العقل العربي)(9) .
وفي خطوةٍ جريئةٍ ثانية يدعو المؤلِّف إلى التجديد، بل أن يُصبِحَ التجديد نفسُه علماً يبحث في علاقة الدين بالزمن، وفق ضوابط الشريعة وثوابته(10) .
وفي الموضوع الثاني - تحت عنوان: في علم اجتماع المعرفة - يعقد الكاتب مقارنةً بين علم اجتماع المعرفة وعلم اجتماع التديُّن، ويلحظ الصلة الاندماجيّة بينهما انطلاقاً من كون الأوّل يتعامل مع منظومة الإنتاج الثقافيّ الكامل للمجتمع، أفكاراً وعقائد. كما يَلحظ افتراق هذين العلمين عن بعضهما بعضاً انطلاقاً من موقفهما من أزمة الحضارة الإنسانيّة، حيث يلجأ علم اجتماع المعرفة إلى الدِّراسات العلميّة البحثيّة؛ لمعالجة تلك المشكلات، في حين يلجأ علم اجتماع التديُّن - من دون إهمال القيمة العلميّة لتلك الدِّراسات - إلى مرجعيّة النصوص الدينيّة الأولى، وعلومها البحثيّة.
ويأمل الكاتب التوصُّل - من خلال تلك الدِّراسات المقارنة - إلى صياغات تُعيد النظر في مباني العلاقة بين الدين والعلم، أو بين الوحي والعقل، في ضوء المراجعات النقديّة للتراث الدينيّ، من جهة، والحقائق الجديدة لمنجزات المعلوماتيّة والاتِّصال، من جهةٍ ثانيةٍ(11) .
أمّا الموضوع الثالث (في أنساق المعرفة الدينيّة) فيرى فيه المؤلِّف أنَّ مصادر الثقافات الإنسانيّة - حتّى البدائيّة منها - إذا فهمناها على حقيقتها، تنطوي على قِيَم ومبادئ وقواعد خلقيّة ودينيّة وفكريّة، لا تقلُّ سموّاً وعمقاً عن ثقافات الغرب وفلسفاته. بل إنَّها قد تكشف أبعاداً وأعماقاً لم يصل إليها الفكر الغربيّ(12) . وعلى هذا الصعيد الفكريّ يتّفق الشيخ حسين شحادة مع المفكّر الإسلامي روجيه غارودي، في كتابه (حوار الحضارات)(13) .
________________________________________
(9)- محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، سلسلة نقد العقل العربي، ط1 (بيروت دار الطليعة، 1984) ج1.
(10)- ص 38.
(11)- ص 46 - 47.
(12)- ص 55.
(13)- روجيه غارودي، حوار الحضارات، ترجمة الدكتور عادل العوَّا، منشورات عويدات، بيروت - باريس.

[الصفحة - 207]


وأمَّا في بداية الموضوع الرابع - أدوات المعرفة وتحدّيات التديّن السياسيّ - فيحذِّر المؤلِّف من تلك الأصابع التي تعمل على بتر علم الاجتماع الإسلاميّ عن واقعه المباشر، وإلحاقه بالمنظور الاستراتيجيّ الغربيّ. ويتساءل: ما معنى أن يعمد الباحث الغربيّ، الذي نادراً ما يهتم بقضايا الأسرة الإسلاميّة، إلى تشويه صورتها وتقاليدها، خصوصاً فيما يتعلَّق بالحجاب؟ وما معنى القلق من الصحوة الإسلاميّة، أو الانفجار الديموغرافيّ وعلاقته بالصراع العربيّ الإسرائيليّ؟ وكيف نفهم تصوُّر أو افتعال تعارضات بين العروبة والإسلام؟ كيف نفهم كلُّ ذلك؟ أوَليس لكي يظلّ الأجنبيّ هو الصانع الرئيسيّ لكامل صورتنا الاجتماعيّة الدينيّة، وفق منظورٍ سياسيٍّ لا علاقة له بالحقيقة العلميّة التي يوليها القرآن الكريم كلَّ الأهميَّة في تشكيل المعرفة بالتراث وبالآخر؟
ويَلْفِتنا المؤلّف، إلى أنّ العقل هو إحدى أدوات المعرفة القرآنيّة، فصاحبُ العقل هو صاحب العلم، ولمَّا كان العلم موصولاً بالمنهج السليم كان العقل مصباحاً لأحكامه في مبادئ الحقّ والعدل(14) ، فيما يظهر من كثيرٍ من الآيات، منها مثلاً: {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } (المؤمنون، 80).
أمَّا الحسّ فهو الأداة الثانية للمعرفة - بحسب القرآن المجيد - فقد جاءت المعرفة العقليّة متعاونة مع الحسّ، وهذا ما نجده - مثالاً لا حصراً - في حديث أهل النار، يقرُّون فيه نادمين بما يأتي(15) :{وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (الملك، 10). هنا اعتُبر السمعُ - أي الاستماع إلى ما هو حقٌّ وتفهُّمه - على أنَّه قد يكون نداً للعقل، أو مصاحباً له. فالأسماع والبصائر بمعنى الحجج والبراهين، والإبصار والعمى بمنزلة التعقّل والجهل.
وأما المعرفة الثالثة القرآنيّة - يتابع الشيخ - فهي مستوى الوحي والإلهام والبصيرة والإيمان، أي ما فوق العقل والحس. وهي أداة أكثر أهميّةً للمعرفة من الوسيلتين السابقتين؛ وذلك لأنَّ العلم الحقيقيّ - في نظر القرآن - هو العلم بعالم الغيب، بينما العقل والحسّ يُنبئان عن عالم
________________________________________
(14)- ص 64 - 65.
(15)- ص 66.

[الصفحة - 208]


الشهادة فقط.
الفصل الثاني:
في الفصل الثاني (في التدين الاجتماعيّ ومعضلات التغيير) يعالج الكاتب سبع مسائل، هي على التوالي: مصادر التغيُّر الاجتماعيّ - التديُّن في حدود التجربة الدينيّة - جدل التدين والعلمنة - التغيُّر.. ما هو؟ وعلائقه بالشروط العامّة لعوامل التطوّر - أولويّات التغيير والمنظور الإسلاميّ - نحو قراءة إحصائيّة للظاهرة الاجتماعيّة والتديُّن الاجتماعيّ - التدين الإسلامي وسُنن الهداية.
ويُثير المؤلِّف - تحت عنوان «جدل التديّن والعلمنة » - مسألةً بالغة الأهميّة؛ وينطلق في مبحث هذه المسألة، من مقولة إنّ الدين المسيحيّ يفصل بين السلطتين الزمنيّة والدينيّة، ارتكازاً على قول السيد المسيح(ع): «أدُّوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله ». وبالتالي فإنّ العلمانيّة التي هي في أهمِّ وجوهها استقلاليّة الشأنين: الزمنيّ والدينيّ، أحدهما عن الآخر، هي أكثر ملاءمةً للدّين المسيحيّ(16) .
وقيل، في المقابل، إنّ الإسلام «دين ودنيا »، أي أنّه دين يستند إلى الوحي الإلهيّ لينظِّم شؤون العقيدة، وما يتعلّق بالله والآخرة، إضافةً إلى شؤون الحياة الزمنيّة، الفرديّة والجماعيّة، وفق ما يقتضيه الشرع.
ويصل المؤلِّف إلى تفنيد المقارنة بين المجتمعات الغربيّة المعلمنة، والتي حصدَتْ، جرَّاء ذلك - كما يُقال - قيَماً هي ركائز المجتمعات الحديثة، مثل الحرية والديمقراطيّة والتعدديّة الدينيّة والعقلانيّة والمساواة.. وبَيْنَ ما يُقال ويُشاع عن عجز المجتمعات الإسلاميّة - بسبب الدين الإسلاميّ الذي يأبى فصل السلطة الدينيّة عن السلطة الزمنيّة - عن أن تدخل في الحداثة وتواكب التطوّر والتنمية.
ويكشف المؤلِّف زيف هذه المقارنة الجائرة معتبراً أنَّ هذه الصورة لا
________________________________________
(16)- رياض جرجور، مجلة المعراج، العدد 58، 2005م/ 1425هـ.

[الصفحة - 209]


تتطابق كلياً مع الواقع، وهي مبنيَّة على ثنائيَّات مبسّطة ومشوَّهة للواقع، عدا عن أنَّها من رسم الغرب بشكلٍ أساسيّ. فإنّ هذا الأخير - إبان حملاته الاستعماريّة، لبناء رأسماليَّته ثمَّ إمبرياليّته - راح مستعيناً بمستشرقيه يقسِّم العالم إلى قسمين متعارضين؛ ومن هنا كانت تلك المقارنة الجائرة والثنائيّة المشوّهة: عالٍ يتطوّر ارتكازاً على حضارته المسيحيّة التي لا تُعارض القِيَم العلمانيَّة المذكورة أعلاه، وعالم سُمِّي متخلِّفاً، أو نامياً تلطيفاً ـ.
ويعتبر الشيخ حسين شحادة أنَّ الواقع هو غير ذلك تماماً. الواقع أنَّ العلمنة الغربيّة مسيرة متعارضة مع المسيحيّة كدين، وأنّ مسار العلمنة لم يتحقّق بهذه البساطة، فالحروب الدينيّة والمذهبيّة مزَّقت أوصال المجتمعات الغربيّة لسنين طويلة - كحرب المائة سنة مثلاً - وما زالت نيوب الطائفيّة منغرزة في قلب هذه المجتمعات الغربيَّة المسمّاة علمانيّة(17) .
الفصل الثالث:
في الفصل الثالث من كتاب اجتماعيَّات الدين والتديُّن، يعالج المؤلّف أربعة مواضيع هي: علم الاجتماع الدينيّ من منظور غربيّ - رؤية غربيّة للدين والتديُّن الطائفيّ - الدين وتحدّيات الضبط الاجتماعيّ - التدين الأعمى وحريّة المعتقد الدينيّ.
يبدأ الشيخ شحادة معالجته لمسألة التدين الأعمى وحرية المعتقد الديني، بآية كريمة {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة، 256). وهو يعتبر أنّ (لا) في هذه الآية، نافية (لا ناهية)، وهذا الاعتبار هو أبلغ في الدلالة على بلورة الرؤية القرآنيّة من مسألتي الدين والحرية. ويرى الشيخ أنّ الدين - في منهج القرآن - من أجل الإنسان. ومن هنا تمحورت تعاليمه على نقد المعتقدات الدينيّة كلّما انحرفت عن مسارات العقل والمعرفة والتوحيد، فلا يمكننا تصوّر الحريّة - من منظورٍ قرآنيٍّ - إلاّ إنساناً بخصائص وصفات تحدِّد معناه الإنسانيّ(18) . ثمَّ يطرح السؤال: كيف نشأت إشكالات الحريّة في تراثنا الدينيّ لتغدو مصدراً من
________________________________________
(17)- ص 122 - 123.
(18)- ص 208.

[الصفحة - 210]


مصادر أزمات نهوضنا العربيّ في الفكر والسياسة والثقافة والاجتماع؟ ويقف المؤلِّف متسائلاً: ما فائدة الحريّة من غير تجلّياتها في أرض الواقع؟ وما فائدتها من غير عقل؟ وما جدواها من غير تربة تخصب بأزاهيرها المشتهاة؟ وكأنَّا بعلي(ع) يهتف، من وراء ألفٍ وأربعمائة عام: «ربِّ مَنْ أعطيته العقل فماذا حرمته؟ ومن حرمته العقل فماذا أعطيته؟ »(19) .
ثمَّ يجيب الكاتب عن تلك التساؤلات بقوله: «بالرغم من أخطاء بعض الحركات الإسلاميّة التي لم تسلَمْ من محاكم التفتيش التي شهدتها أوروبا في القرون الوسطى، إلا أنَّ الرؤية القرآنية لمفهوم الحريّة لا يمكن فصلها إطلاقاً عن قيمة التقوى »(20) . ثمَّ إذا به يُقرِّر: ولقد تعلّمنا من أساتذتنا الكبار أنّ الإسلام الذي جاء لتحرير الإنسان من عبوديَّة الأصنام على أساس التوحيد، لا يمكن أن يأذن للإنسان بالتنازل عن أساس حريّته والانغماس في عبوديَّات الأرض وأصنامها.
ويحتجّ الكاتب لإثبات فكرته هذه بأنَّ الإسلام لا يعتبر عقيدة التوحيد مسألة سلوك شخصيّ خاص، بل هي القاعدة المعياريّة لكيانه الحضاريِّ كله.
ويصل المؤلِّف - في مسألة الحريّة والعبوديّة - إلى مقارنةٍ جميلةٍ هي: ولئن كانت الحريَّة في الحضارات العربيّة تبدأ من التحرُّر لتنتهي إلى أنواع من العبودية والأغلال، فإنّ الحريّة - من منظورٍ قرآنيّ - تبدأ من العبوديّة المخلصة لله وطلب رضوانه، لتنتهي إلى التحرّر من كلِّ أشكال العبوديّات المُهينة لجوهر حريّته وكرامته، وبلغة المتصوّفة: مَنْ لم تمُتْ في صدره العوالم فهو محجوب، فإن وصل إلى ها هنا فهو حُرّ. والعبوديّة فوق هذا المقام، وبها يتحقَّق الانعتاق(21) .
ومن هنا - يؤكِّد الشيخ المؤلِّف - على أن لا قيمة لإيمان المكرَه على الدين؛ لأنّ إيمان الحريّة الواعية هو الذي يُحقِّق رسالة الحرية في بناء الإنسان والحضارة، بملاحظة أنّ الإكراه على الدين سيُنتج إسلاماً طقوسياً يتقيَّح بعصبيّات التطرُّف والعنف
________________________________________
(19)- ص 209.
(20)- - ص 210.
(21)- ص 210 - 211.

[الصفحة - 211]


والانغلاق.
ويرى المؤلِّف أنَّ لنا في الآيات القرآنيّة خير دليل على حرية التديُّن، منها: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } (الإنسان، 3)، و {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } (الكهف، 29)، و {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } (يونس، 99).
الفصل الرابع:
أمَّا الفصل الرابع، وعنوانه: «في الاجتماع الإنسانيِّ وفلسفة التاريخ »، فيُثير فيه الكاتب النقاش في أربع نقاط، هي: أثر القرآن في التحوّل الاجتماعيّ - في الرؤية القرآنيّة لفلسفة التاريخ - التعليل التاريخيّ والإيضاح القرآنيّ - القرآن وعقد الإخاء الإنساني.
في الموضوع الأخير يعتبر المؤلّف أنَّ الإسلام يرتفع بالروابط الإنسانيّة إلى منزلة الأخوَّة المأخوذة من وحدة النسب ووحدة الدين فيكسب الإخاء حقوقاً يستوثقها الأخ على أخيه، من مكنونات الإنسانيّة وعهود الدين. والمسلِم القرآنيّ مسؤول عن صيانة الإخاء صيانةً لتعاليم القرآن وسنة الرسول(ص). يقول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } (الحجرات، 10).
ويتابع المؤلِّف قائلاً: إنّ ظلم المؤمن للمؤمن أشدُّ إيلاماً من أيِّ ظلم؛ لأنَّه يتعدَّى ظلم الجسد إلى ظلم الروح، فيما يظهر من حديث الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع): «المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد، إذا اشتكى شيئاً منه وجد ألمَ ذلك في سائر جسده، وأرواحهما من روح واحدة »(22) .
وفي الحديث النبويِّ الشريف: «للمسلم على أخيه ثلاثون حقاً، لا براءة له منها
________________________________________
(22)- الكليني، أصول الكافي، باب (أخوة المؤمنين بعضهم لبعض).

[الصفحة - 212]


إلا بالأداء أو العفو.. (منها) أن ينصره ظالماً أو مظلوماً؛ فأمَّا نصرته ظالماً فيردُّه عن ظلمه، وأمَّا نصرته مظلوماً فيعينُه على أخذ حقِّه، ولا يسلمه، ولا يخذله. ويحبُّ له من الخير ما يحبُّ لنفسه، ويكره له من الشر ما يكره لنفسه »(23) .
وقد نهى القرآن الكريم مجتمع الإيمان عن الاندفاع نحو أية فتنة تفكِّك بنيان وحدته أو تخطفُ روح العدل والتقوى من بنيان وجوده.
ويرى الكاتب أنَّ المبدأ العام الذي تعمل عليه هداية القرآن، هو ألاّ ينتهي الاختلاف بين الناس إلى اختلاف على الدين، وفي الدين. فإن اختلفت فئتان من المسلمين فليس إلا إصلاح ذات البين، وإلا فقتال الفئة الباغية واجب شرعي {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (الحجرات، 9). وينهي الكاتب هذا الفصل بتأكيده أنّ القرآن يحرص أشدّ الحرص على تأكيد نواظم الأمن الاجتماعي بعقد الإخاء بمفهوم إنساني يربط كل الناس بوحدة النشأة الأولى(24): {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } (النساء، 1).
الفصل الخامس:
وأمَّا في الفصل الخامس «في اجتماعيات التديُّن وتحدّياته » فيطرح المؤلِّف - على بساط البحث - البنود الأربعة الآتية: التديّن المسيحيّ الإسلاميّ وأضغاث الهويّة - التنمية من منظور قرآنيّ - القرآن وفكرة التقدّم الاجتماعيّ - في القرآن والمسألة
________________________________________
(23)- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، الجزء 74.
(24)- ص 286.

[الصفحة - 213]


العلميّة.
في موضوع «القرآن وفكرة التقدّم » يُرجِع الشيخ المؤلِّف فكرة التقدّم هذه - من حيث أصولها الأولى - إلى آراء بيكون وديكارت عالِمَي النهضة العلميّة في الغرب. ويستدرك قائلاً: ولكنَّ الفكرة ازدادت انتشاراً في أواخر القرن السابع عشر حين اشتدَّ الجدل بين أنصار القديم وأنصار الحديث من النقّاد والأدباء، فقد اضطرّ أنصار الحديث - دفاعاً عن موقعهم - إلى اتِّهام دعاة القديم بأنّهم قد وقعوا في وَهْم قياس خاص؛ وذلك حين نظروا إلى مَنْ سبقهم من القدماء - بوصفهم أقدم عهداً - فظنّوا أنهم لا بدّ أن يكونوا أرجح عقلاً. ولكنّ الإنسان كما يكبر سناً فتزداد حكمته مع الأيَّام نضجاً وأصالة، فكذلك تمضي الإنسانيّة مع الزمن نحو التقدُّم. فإذا كان للقديم فضل السبق فإنّ للاحق فضل الكمال.
ويُشير المؤلِّف - هنا - إلى أنّ باسكال يُعالج إشكالات الجدل بين القديم والحديث، فيُشبِّه أطوار الحياة البشريَّة على الأرض بحياة إنسانٍ واحدٍ، قُدِّر له أن يظلّ حياً منذ فجر البشريّة مضيفاً إلى معارفه كلّ جديد(25) . «فليس الإنسان وحده هو الذي يتقدَّم في معارفه العلميّة يوماً بعد يوم، بل إنّ البشر مجتمعين يحقّقون تقدّماً مستمراً في معارفهم، كلّما ازداد العالم قدماً »(26) .
بينما يرى الشيخ حسين شحادة أنّ القرآن الكريم يطرح فكرة التقدّم الاجتماعيّ من خلال مصطلحات الخير والمنفعة، والبحث عن الأحسن والأفضل والأجمل من الأفكار والقِيَم.. وما يُطلِق عليه القرآن أنّه الأقرب إلى التقوى، بوصفها المشكاة الثابتة لتنوير العقل والقلب، وبها الاستنارة لتبديد ما يطرأ على الحياة الإنسانية من مصاعب وأزمات: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً } (الطلاق، 2).
وبكلمةٍ - يقول الشيخ - فإنّ كلَّ نشاط فرديّ أو جماعيّ، يحقِّق الغايات النبيلة لرسالة
________________________________________
(25)- ص 313.
(26)- الدكتور عفيف الشرقاوي، في فلسفة الحضارة الإسلامية، دار النهضة العربية، بيروت، ط3، 1981، ص 174.

[الصفحة - 214]


القرآن في الاجتماع الإنسانيّ وعلائقه الوجوديَّة، هو تقدُّم. كما أنَّ القرآن يحمل على كلِّ ركود علميّ أو سياسيّ أو اقتصاديّ؛ يشكّل حركة التقدّم نحو إحقاق الوعي بحقائق الإيمان، ونحو إحقاق الحقّ من جميع جوانبه وقضاياه؛ ليبني نموذجه الخاص في معنى الاستقرار الاجتماعيّ ومسؤوليّاته. ويؤكِّد المؤلِّف أنّ من أعظم ثمرات هذا التصوُّر أنّه ينفي جميع الحواجز المصطنعة بين فئات المجتمع؛ لكنّ الجميع منصرف بكليَّته، بآماله وأمانيه، نحو هدف أعلى تعمل من أجله كلّ القوى المحرِّكة للمجتمع، وذلك بعقيدةٍ ترى أنّ أحلام التقدّم يجب أن تشمل الإنسانيَّة كلها، ودون أيِّ احتكار لمنابع التطوّر، ومقوِّمات التقدُّم.
بهذا فالتقدّم فلسفة متفائلة، ترى أنّ الكمال البشريّ غير محدود، وأنّ تاريخ البشريّة يمرُّ في مسار تقدّمي تتطوّر خلاله معرفة الإنسان، وتقترب شيئاً فشيئاً نحو الهدف النهائيّ للمجتمع البشريّ والذي هو تحقيق الحريّة والكمال(27) .
أمّا الموضوع الرابع من مواضيع هذا الفصل، أي (القرآن والمسألة العلميّة)، فمن بين ما بحثَه الشيخ المؤلّف سؤال جوهري: هل ثمَّة أكثر دلالة على ارتباط المسلم بالأرض، من تسمية سورةٍ كاملةٍ باسم الحديد، وهو من أهمّ الخامات وأخطرها؟ والذي يقرأ كتاب الله - يجيب الشيخ - يتمعَّن في محاولة الإلمام بطبيعة موقفه من العلم، فيجد نفسه أمام حشدٍ من الآيات توازي المسألة العلميّة في اتِّجاهاتها كافّة.
لقد دعا القرآن الناس إلى التبصّر عن طريق النظر الحسيّ إلى ما حولهم، ابتداءً من مواقع أقدامهم، وانتهاءً بآفاق النفس والكون. وأعطى للحواسّ مسؤوليّتها الخطيرة عن كلِّ خطوةٍ يخطوها الإنسان المسلم في مجال البحث والنظر، والتأمُّل والمعرفة، والتجريب فقال له: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً } (الإسراء، 36). وناداه أن يمعن النظر إلى ما حوله وإلى خلْفَه: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ } (الطارق، 5). وإلى خلق الله:
________________________________________
(27)- ص 314 - 315.

[الصفحة - 215]


{أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} (الغاشية، 17). ولفَتَ إلى الطبيعة وهي تنبعث من قلب الفناء برحمة من الله ومقدرته: {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } (الروم، 50). وإلى الحياة الأولى كيف بدأت، وكيف تمَّت وارتقت،: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ }(العنكبوت، 20).
ويتابع الشيخ المؤلِّف معالجته لموضوع (في القرآن والمسألة العلميّة)، مؤكِّداً أنّ القرآن انتقل إلى خطوةٍ أُخرى سائلاً الناس أن يحرِّكوا (بصائرهم) تلك التي تستقبل، في كلِّ لحظةٍ، مدركات حسيَّة سمعيّة وبصريّة لا حصر لها. ومن ثمَّ تتحمّل البصيرة مسؤوليّاتها في تنسيق هذه المدرَكات وتمحيصها وموازنتها وفرزها من أجل الوصول إلى الحقّ الذي تقوم عليه وحدة نواميس الكون والخليقة. {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } (الأنعام، 104).
الفصل السادس:
في الفصل السادس والأخير - وهو بعنوان (في أزمات الاجتماع الدينيّ) - يُعالج مؤلِّف كتاب (اجتماعيات الدّين والتديّن)، المواضيع الأربعة الآتية: الإنسان وأزمة الحضارة - التقدّم العلميّ وأزمة التديُّن - التدين بعد الحرب وصعود الأصوليّة المسيحيّة - التديُّن الإسلاميّ وإشكالات النهوض.
يختم الشيخ حسين شحادة كتابه القيِّم بموضوعٍ مهم وحسّاس وخطير، وهو (التديُّن الإسلاميّ وإشكالات النهوض). فعن إشكالات التأخّر والبحث عن التقدّم في الفكر الإسلاميّ الحديث يقول الشيخ المؤلِّف: لقد شهدت النهضة الثقافيّة في العالم الإسلاميّ - في العصر الحديث - توسُّعاً واضحاً، وذلك ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر. وكان من نتائج هذا التوسّع إثارة التفكير النقديِّ لدى العديد من المفكِّرين المسلمين
________________________________________

[الصفحة - 216]


في الحالة العامة لمجتمعاتهم في عالمٍ يموج بالمتغيِّرات. وكانت جهود هؤلاء المفكِّرين تنصبُّ في تقييم الواقع الإسلاميّ وإمكاناته، في جميع المجالات بالمقارنة مع متطلّبات العصر الحديث.. فقد كانت هذه القضيّة تشكّل أحد المحاور الكبرى والثابتة في مجلة (العروة الوثقى) التي كان ينشرها - في باريس - السيّد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده.
وقد حاول محمّد عبده - عندما كان مفتياً لمصر - أن يُحدِّد الأسباب المسؤولة عن ضعف العالم الإسلاميّ، فوجد أنّ أهمَّ هذه الأسباب يكمن في المجهود الاجتماعيّ والسياسيّ الذي أصاب المسلمين، وفي عيوب طبقة علماء المسلمين، وفي الجهل والخرافات الشعبيّة، وفي أُمِّية النساء وعدم تعليمهنَّ، وفي إهمال علوم الطبيعة في الوسط الإسلاميّ. وقد حمَّل محمد عبده النظام العثمانيّ بعض المسؤولية أيضاً؛ بسبب استخدامه الدين في خدمة السلطة السياسيّة، وعدم تشجيعه نشر العلم والمعرفة، وتقييده الحريّات العامّة.
وفي السياق نفسه - أسباب تأخّر المسلمين - يذكر الشيخ حسين شحادة جزءاً من أطروحة أرنست رينان (1823 - 1892م) التي ألقاها في السوربون (29 آذار 1882م) عن الإسلام والعلم: «يستطيع أيُّ شخصٍ محدود الاطلاع على شؤون عصرنا الراهن، أن يرى بوضوح الحالة المتردّية والدونيّة التي تشهدها البلاد الإسلاميّة في الوقت الراهن، وأن يُلاحظ انحطاط الدول الإسلاميّة، وانعدام الكفاءة الفكريّة للأعراق التي تستند في ثقافتها وتربيتها إلى الدّين الإسلاميّ فقط »(28) .
كما جاء في أطروحة رينان، بالنسبة إلى الثقافة التي ظهرت في بلاد الإسلام، وإلى الدين الإسلاميّ بشكل عام: «إنّ الحركة الفكريّة الممتازة التي عُرفت في التاريخ الإسلاميّ هي بشكل كامل من نتاج الفرس والنصارى واليهود،
________________________________________
(28)- الأعمال الكاملة، ج1، ص 946.

[الصفحة - 217]