البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

محكّ البراديغم المهدويّ قراءة في فلسفة الثورة الإسلاميّة

الباحث :  عبد العالي العبدوني
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  65
السنة :  السنة السابعة عشر شتاء 1433 هجـ 2012 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  296

محكّ البراديغم المهدويّ
قراءة في فلسفة الثورة الإسلاميّة

عبد العالي العبدوني (*)

تمهيد
ما سوف نحاول أن نقوم به، في هذا الباب، هو إعادة قراءة المشروع الثوريِّ على أساس البراديغم المهدويّ بما هو آليّة قراءة واستفهام آفاقيّة مستقبليّة. ما نقصده بالبراديغم المهدويّ هو تلك الآليّة الآفاقيّة التي تُقرأ بها الأحداث ويتمُّ التعامل معها بمبنىً إيمانيّ نهائيّ، يعني بأنّ المصطلح التركيبيّ الذي تمَّ استعماله في هذا البحث يرمي إلى مقصدين أساسين، المقصد الأوَّل التعامل مع البُعد البراديغمي كجهازٍ معرفيٍّ يتحكَّم في تفاصيل التنظير، والمهدويّ بما هو حركة نهائيَّة للتاريخ طبعاً بالمعنى الإيجابيّ أي وصول درجة الاكتمال الذي ما بعده إلا النقصان، فيصير البراديغم المهدويّ هو الجهاز المعرفيّ الرامي إلى النهاية، بما هو اكتمال فكريّ، لكن بعنوان الصيرورة، أي إنّه جهاز يتكامل على مستوى الآليّة وعلى مستوى الهدف من أجل الوصول إلى الحتميَّة وفق أكمل الأوجه، لكن قبل بسط النقاش بهذا الخصوص يظلُّ من المناسب إبداء ولو تعريفٍ تبسيطيٍّ لهذا البراديغم.
النقطة الأولى: البراديغم المهدوي وسؤال التأسيس
الثقافة المهدويَّة تنبني على مسألتين محوريَّتين، الأولى حقيقة التواجد مع
________________________________________
(*)كاتب وباحث، من المغرب.

[الصفحة - 27]


الانتظار، وحقيقة الظهور مع الاكتمال لدورة التأريخ. فالانتظار كمسلكيَّة حضاريَّة لا يتحقَّق إلا بتحقّق الوجود؛ لأنَّ الإنتظار عنوان غياب شيءٍ موجودٍ مادياً، وفي ما يتعلَّق بالمهدي المنتظر فإنَّ الإنتظار هو عمليَّة إنسانيَّة حضاريّة للموجود المهدويّ.
صحيح أنّه قد تناسلت الأبحاث لدراسة فلسفة الانتظار وكيف يتمُّ ذلك، معتمدةً الجنبة الروائيّة والجنبة العقليّة، وهناك من وزَّع أدوار الانتظار على طرفيِ العلاقة بحيث أنّ هناك من جعل المهديّ المنتظَر (بفتح الظاء) منتظِراً (بكسرها)، وهناك من جعله منتظَراً (بفتحها)، ولكلِّ تصوّرٍ مترتِّبات عقليَّة وواقعيَّة لا تخفى على أصل دور المؤمن في مرحلة الغيبة الكبرى، فهل تتمسَّك بالمعنى السلبيّ لها؟ أم أنّها استعداد وحثٌّ على تسريع الظهور، ما دام الانتظار مرتهناً بقاعدة النصرة.
وقد حدث تحوّل تصوريّ كبير في الذهنيّة الإيمانيّة، إذ إنّ التعامل السلبيّ مع ظاهرة الانتظار تحوَّل إلى جهدٍ إيجابيٍّ متحرِّك مشرئبّ للظهور، بوصف كون مجمل المهام تقع على عاتقه، لا أقلّ الأساس منها.
وهذا التحوّل، في فلسفة الانتظار، دفع إلى إعادة النظر في مجموعةٍ من المباني الروائيّة، بتقليب الفهم التأويليّ لتؤثِّر في عنصريِ الفاعليّة والانفعال بين طرفيِ العلاقة، ليحدث تحوّلاً أساساً في الأولويّات الإيمانيّة، خصوصاً في العقيدة المهدويّة.
أمّا في ما يتعلّق بالأساس الثاني ـ وهي تَعرف إطباقاً إنسانياً ـ فهو أنّ الظهور المهدويَّ هو نهاية اكتمال الدورة التأريخيّة للبشريّة جمعاء، بوصفه دائرة تحقّق العدالة المبحوث عنها.
إذاً ظهور المهديّ هو نهاية الأيديولوجيّات، ونهاية القراءات، ونهاية النسبيّات، ونهاية حجيَّة الظهورات، لبدء حقيقة الحقائق البشريّة، ولمَ لا وهو نهاية التأريخ والرجل الأخير، كما حاول الأستاذ إدريس هاني الدِّفاع عنها، بإعادة تقويم
________________________________________

[الصفحة - 28]


خلاصات فوكويام(1)، وإن كنت شخصيًّا أستنكف عن هكذا مقاربات لما فيها من تدثير للمباني الأصلية والتأصيليّة لظهور المهديِّ عجَّل الله تعالى فرجه الشريف.
وانطلاقاً من هاتين الحقيقتين، فإنّنا نستيقن بأنَّهما تحتاجان إلى حركةٍ إنسانيّةٍ ساعيةٍ لإنهاء حالة الانتظار بالبناء المعارفيّ الأكمل ليتناسب هذا البناء، ولو استدلالياً مع منطق النهاية الكبرى، بمعنى أنَّ مجمل التصوّرات يجب أن تتحرَّك في اتِّجاه تحقّق الاستعداديّة المتكاملة مع هذا الظهور الأتمّ، بما هو فردوس العقل البشريّ.
وبهذا المعنى فإنّ العقيدة المهدويّة تتحوّل إلى آليّةٍ معرفيّةٍ كبرى للتحرّك البشريّ بصفةٍ عامّة، تضمن له الغائيّة المُثلى، وهي تحقيق العدالة في العالم، وشبه العصمتيّة في الأحكام الوقتيّة ما دام التصوّر الإنسانيّ الانتظاريّ مدخولاً بهذه العقيدة، بمعنى أنّ هذه العقيدة بمجمل تفاصيلها تشكِّل آليّةً استقرائيّةً للمستقبل، ما دام الظهور من الأمور الحتميّة في الذهنيّة الإنسانيّة، وبالأحرى الإيمانيّة منها.
وعندما تنقلب العقيدة إلى معرفة تُقرأ بها الأشياء فإنّنا بالضرورة نتحدَّث عن ولادة براديغم جديد يهدم غيره من البراديغمات، ولو في مباحث العلاقات الدوليّة لنتخلَّص من رقعة الشطرنج وكرات البليار وتزاحم الحضارات حدّ الصراع. والحقيقة تُقال إنّ الثورة الإسلاميّة لم تكن في مجمل تصوّراتها إلا مبنىً معرفياً كبيراً لهذه الغاية؛ لأنّها أرادت لنفسها أن تكون لا شرقيّة ولا غربيّة، تحكمها المباني المعرفيّة الدينيّة الكبرى والمتوسّطة، ويتمُّ التعامل مع الواقع الخارجيّ الدوليّ بهذه الخلفيَّة الفكريّة، لا احتكاك المصالح؛ لذا نجد بأنّها، حتّى في قراراتها السياسيّة الكبرى، كانت تنظر إلى الصراع الزمنيّ مع قوى الشر بما هو توطئة للظهور، فلا أحد يمكنه أن يدافع عن موقف الجمهوريّة الإسلاميّة من المقاومة والممانعة للعقليّة الإمبراطوريّة الأمريكيّة، بأنَّها ثمرة تشخيص مصالح، فليس ثمّة دولة على وجه الأرض، بالمعنى الفكريِّ الإنسانيِّ العلمانيِّ، تقبل أن تدخل في مشاحنات سياسيَّة عالميَّة وحصارٍ اقتصاديٍّ وحرب استعلامات لمصالح ترى بأنّها
________________________________________
(1)ـ إدريس هاني: المهدي المنتظرـ فلسفة الغيبة وحتميّة الظهور، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 2009، وخصوصاً مبحث دولة الموعود ومآزق الفكر السياسي.

[الصفحة - 29]


تخدم غرضها في قِبَال دعم توجهٍ مقاوم هو بالحسابات السياسيّة والاقتصاديّة مكلفٌ أكثر منه منتِجاً. إلا إذا خلصنا إلى أنّها تعمل على أساس معيارٍ دينيٍّ فكريٍّ متجذِّر في التراث الحيّ وناظرٍ إلى المستقبل المنتظَر. وربما باعتماد البراديغم المهدويّ كآليّةٍ كبرى لاستفهام العلاقات الدوليّة، والسعي إلى تسريع المقتربات لضمان هذه الرساليّة الكبرى، يُمكن أن يحدث تواصلٌ فعليٌّ بين الدول المجاورة للجمهوريّة؛ لأنّ القراءة الخارجيّة للمنظومة الفكريّة الإيرانيّة دائماً منبثقة من معامل المنفعة والمصلحة الدنيويتين، فيحدث سوء تفاهم بهذا الخصوص.
نعود إلى أصل الأفهوم لنعاين بما هو جهاز معرفيّ يحقّق المقصوديّة له، والمنبنية على إرثٍ فلسفيٍّ تأريخيٍّ كبير، راءٍ إلى الكمال بما هو كدّ إنسانيّ وسعي أخلاقيّ، وبالضرورة هي غير متوافقة مع عنصر الاستفادة من التوازنات السياسيّة الكبرى.
صحيحٌ أنّ التوازنات الدوليَّة لها دور في التعامل ـ لأنّني لست طوباوياً ـ لكنّها لا تصبح حاكماً في الرؤية بقدر ما تشكِّل تحدياً حضارياً وعقبةً أمام الرؤية البراديغميّة المهدويّة، تداريها وتتّقيها في اتِّجاه حفظ الخطّ العامّ لها.
إذاً خطّ الإمام الخميني(رحمه‏ الله) كما أفهمه، ليس هو تلك المفاهيم الفضفاضة على أهميّتها من عدالةٍ اجتماعيّةٍ ورفاهٍ اقتصاديٍّ وشرف الوقوف إلى جانب المستضعفين، بل هو أعمق من ذلك، هو عرفانٌ سياسيٌ يتعالى عن منزلقات الواقع الخارجيّ، ويتعامل معها بعنوان القيمة العليا ليتحقّق التكامل الذاتيّ، وما دامت مهجوسةً بالغيريّة وبالكثرة البشريّة، فإنَّها تتحوّل إلى تكاملٍ أمميّ ولِم لا بشري، وهو عين النهاية التأريخيّة. وربما هناك جهد معرفيّ عند الأستاذ إدريس هاني بخصوص سعيه لإعطاء دواء لتجاوز الأمّة العربيّة لمعامل كبوتها، أسماه بالتبنيّ الحضاريّ والتجديد الجذريّ، ويحدّده كالآتي:
ـ التبنيّ الحضاريّ: هو مشروع يتعدّى السؤال: كيف يكون المسلم مسلماً
________________________________________

[الصفحة - 30]


وكفى، في كلِّ الظروف والشروط الممكنة؟ فهذا خلاص فرديّ وأخرويّ. ليصل إلى السؤال: كيف نجعل مسلماً نموذجياً متقدّماً نامياً سيّد دورته الحضاريّة، في ظروفٍ معيّنةٍ وشروطٍ محدّدةٍ؟ فهذا خلاص جماعيّ دنيويّ وأخرويّ، برسم معذريّة أمّة وكائن مستخلَف، بخلاف المعذريّة الفردية الغالبة على التصوّر السابق، وهو عين ما يُصطلح عليه، في القاموس الديني، بالتمكين في الأرض.
ـ التجديد الجذريّ: مقتضاه إعادة تفكيك الأنساق التاريخيّة إلى مستوى التعاليم، أن نعيد الظاهرة إلى مستواها غير المنظوم، فهو تحرير للتعاليم من كلِّ أشكال الفهم المتركِّزة على نمطٍ معرفيٍّ، لعلّه لم يعد له حضور فاعلٌ في زماننا. ممّا يفيد أنّ هذا الأساس هو بحث عن إيجاد مقاربة معياريّة للتعاليم بعيداً عن تشكّلاتها التاريخيّة والسياسيّة، حتَّى يتسنَّى تحقيق التفاعل المبحوث عنه مع الواقع.
وعليه فإنّ هذه المنهجيّة يُمكن اعتبارها عن حقّ صامولة في ماكنة البراديغم المهدويّ لسببين:
أوّلهما، أنّها مدخولة بالبُعد الجماعي في التكليف وغير مرتهنة بعنصر الفردانيّة، محكّ الفكر الليبراليّ، ذلك أنَّها توسَّعت في مقام العرض بعنوان الانتهاك لأصالة الفرد لمصلحة أصالة المجتمع، بمعنى أنّ الفردانيّة لا حقّ لها إلا بالقدر الذي يكون لها من دورٍ إيجابيٍّ داخل المجتمع، ولا يُسمح للحقوق الفرديّة أن تنقلب أزمةً للحقوق الاجتماعيّة، كما عليه الحال في الجغرافيا الليبراليّة، وبذلك يتحقّق قلبٌ في القراءة يؤدّي بالضرورة إلى إعادة ترتيب الأولويّات والرؤى الإستراتيجيّة الكبرى، ولنا عودة، بهذا الخصوص، لكن بعد أن نُنهيَ بسط السبب الثاني.
وثانيهما، أنّها لا تقبل بالمجريات التأريخيّة إلا بعنوان أقنمتها للأحداث المحوريّة والتعامل معها على هذا الأساس، بمعنى أنّ المباني المعرفيّة التأريخيّة
________________________________________

[الصفحة - 31]


والأحداث تتحرَّك معيارياً، حيث لا يكون للمكان أو الزمان من دورٍ في بحث القيمة، وهو عين الاستحضار الذي تمَّت مناقشته ضمن الانشغال بالزمن المقدَّس.
ولا بأس، في هذا المقام، في أن نعكف على بحث سؤالي الإنهمام بالذّات وبالمجتمع ضمن فلسفة الثورة الإسلاميّة داخل السقف البراديغمي، وقد وقع اختيارنا على سماحة الشيخ مرتضى المطهريّ (قده) لمحوريّته المعرفيّة في تجسيد فكر الإمام الخمينيّ (قده)، وفي أدقِّ التفاصيل.
النقطة الثانية: خط الإمام في سؤال الانهمام وحركة الثورة:
سوف نسعى للاهتمام، في العنوان الأوّل، ببحث سقف الانهمام الفرديّ والاجتماعيّ لتداخلهما كما سيتضّح. بعدها سوف نقلِّب النظر في فلسفة الثورة بما هي زخَمٌ انهماميّ حتّى تتضح الصورة للقارئ الكريم بخصوص خطِّ الإمام، ليس كمدخليّةٍ سياسيّةٍ وحسب، بل والأهمُّ من ذلك، كمدخليّةٍ فلسفيّةٍ رائيةٍ للكمال.
الانهمام بالذّات وبالغير:
البُعد الإنهمامي، عند الشيخ المطهريّ، هو ذاك الهاجس التكامليّ الذي يسعى إليه الفرد، وقد اهتمّ شيخنا كثيراً بهذا الجانب حتّى لقد شكل هذا الجانب تقريباً ثلاثة أرباع ما سطره.
فماذا يعني التكامل عند شيخنا؟ وكيف يرى سبل تحقّقه؟ ونحن سوف نهتمّ بهذين السؤالين فحسب لما لهما من أثر أنطولوجي معياريّ نرتئي اعتماده في البحث الذي بين يدي القارئ الكريم.
التكامل عند الشيخ المطهري مفهوم يكمن في العلو «أي أنّ التكامل حركةٌ ولكنّها حركةٌ نحو الأعلى، فالتكامل حركةٌ من سطح إلى سطح أعلى»(2)، فالتكامل، كما يفهمه، هو نقلة من الأدنى إلى الأعلى؛ لذلك «عندما نقول التكامل الاجتماعيّ، فإنّ في ذلك مفهوم تعالي الإنسان من الناحية الاجتماعيّة وليس مجرّد التقدّم»(3)،
________________________________________
(2) - الشيخ مرتضى المطهري: التكامل الاجتماعي للإنسان، ص 100، منشورات دار الهادي الطبعة الثانية، 1997.
(3) - م. ن، ص 100.

[الصفحة - 32]


فيكون السؤال الانهماميّ متحقِّقاً في بُعد التعالي، لكنَّه عندما يتشخَّص في المجال الاجتماعيّ يُضحي تعالياً اجتماعياً أي مرتكزاً عليه وله.
إلا أنّ هذا التكامل يحتاج إلى مقدّمات، منها أصالة الروح، والإيمان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أصالة الروح:
بهذا الخصوص، يرى الشيخ المطهري أنّ «الحياة حقيقة تتّحد بالمادّة تحت ظروفٍ معيّنة، من غير أن يحدث بين المادّة والحياة نوعٌ من الثنائيّة والازدواج بين حقيقتين تتعاونان في ما بينهما، وأن تَعتبر المادّة والحياة مرحلتين من وجودٍ واحدٍ، ولكلِّ مرحلةٍ خصائصها المميّزة؛ فالمادّة في مراحل تطوّرها وتكاملها، تتحوّل إلى حياة، كالتحوّل الذي يطرأ على ناقصٍ فيتقدّم نحو تكاملٍ أكبر، فوجود المادّة الناقص الذي لا حياة فيه يتحوّل إلى وجودٍ كاملٍ ذي حياة. إنّ الحياة، ليست من مخلوقات المادّة التي لا حياة فيها، بل هي كمالٌ وفعليّةٌ تُضاف إلى المادّة»(4).
فالروح هي الأصيلة ما دامت هي المستمرّة في طول المادّة وفي طول الزمن نفسه، إلا أنّه يطيب لنا أن ننوِّه بمسألةٍ مهمّة، وهي أنّ الشيخ المطهري تراجع عن مستوى التفصيل الذي سبق له أن أبداه بخصوص التكامل والتطوّر والتقدّم، فبعد أن عمد إلى التفريق بينها، عاد فجعلها شيئاً واحداً، في هذا المبحث.
الإيـمــان:
يرى الشيخ المطهريّ بأنّ الإيمان من آثاره إيجاد التعادل والانسجام بين الفرد والمجتمع، بحيث إنّ الإنسان يتكيَّف مع الوسط الذي يوجد فيه، وهذا التكيّف له عُلقة بالمحيط الطبيعيّ، إلا أنّ نفس المسألة تتحقّق على مستوى المحيط الاجتماعي «العوامل الاجتماعيّة تتألّف من الأفراد وما يتّسِمون به من الصفات والحالات ومن الأعمال التي يقومون بها، ومن القوانين والعادات التي تحكم ذلك
________________________________________
(4) - الشيخ مرتضى المطهري: محاضرات في الدين والاجتماع، ضمن بحث التوحيد والتكامل، ص 45، منشورات الدار الإسلامية 2000.

[الصفحة - 33]


المجتمع. وظروف حياة الإنسان الخاصّة في المحيط الاجتماعيّ تتكوّن من الميول والرغبات والحاجات الخاصّة، ولا بدّ من التوافق والانسجام بين العوامل الاجتماعيّة وهذه الميول والحاجات، وهذا يستلزم بعض التعاطف من المجتمع ومن الفرد كليهما، والانعطاف المطلوب من المجتمع هو أن يُحافظ المجتمع على منافع أفراده بصورةٍ عادلةٍ، وأن يدور على محور الصالح العامّ، لا على محور مصالح الفرد»(5)، وهكذا انسجام يتأسّس على أساس الرضا والتسليم بكونهما بُعدين إيجابيّين في هذا الواقع.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
هذه من الأدوات المفاهيميّة والسلوكيّة المحوريّة التي يراها العلامة المطهري مسلكاً لتحقّق التكامل الإنسانيّ في المجتمع فأولى درجاته «أن يحسّ المسلم في قلبه بالنفور من المخالفات وترك الواجبات الإلهيّة وارتكاب ما نُهي عن ارتكابه، وأن يكون أقلّ ردِّ فعلٍ لهذا النفور انعكاساً سلبياً، بالإعراض وتجنّب المعاشرة، وكذلك إظهار الأسف والتكدّر على ملامح الوجه. وفي مرحلة اللسان، ينبغي أولا اللجوء إلى أسلوب إسداء النصح باللين، فإن لم ينفع، فينبغي اللجوء إلى الكلام الخشن. أمّا مرتبة اليد والعمل فقد ذُكِرَت لها درجات ومراحل»(6).
فدور الفرد داخل المجتمع يتجلّى في إعادة تأسيس التصوّر الأخلاقيِّ للمجتمع من خلاله، وهذا وجهٌ من أوجه الفاعليّة للفرد داخل المجتمع إنّه لا يغدو مجرَّد منفعلٍ بآثار دواليب المجتمع وحركيّته الداخليّة، بل نجده بدوره يقوم بدور المؤثِّر، وهذه من مصاديق التكامل الاجتماعيّ للإنسان. وخصوصاً أنّ العلامة يرى بأنَّ المجتمع هو «عبارة عن جماعةٍ من الناس يعيشون في جبرٍ اجتماعيٍّ واحدٍ من حيث الحوائج، وتحت تأثير عاملٍ مشترَكٍ من حيث العقائد والأهداف، وبذلك يتلاحمون ويترابطون في ضمن حياة اجتماعيّة واحدةٍ»(7). وطبعاً التصوّرات الفرديّة المؤدّية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ترجع إلى الأفكار والعقائد
________________________________________
(5) - الشيخ مرتضى المطهري: محاضرات في الدين والاجتماع، ضمن بحث آثار الإيمان وفوائده، ص 277 ـ 278، منشورات الدار الإسلامية،2000.
(6) - الشيخ مرتضى المطهري: محاضرات في الدين والاجتماع ضمن بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص 228، منشورات الدار الإسلامية.
(7) - الشيخ مرتضى المطهري: المجتمع والتاريخ، ص 20.

[الصفحة - 34]


والأخلاق التي تدبِّر الشأن الاجتماعيّ، فلا يمكن للفرد أن يأمر بشيء غير مجمعٍ عليه داخل المجتمع الذي يتحرَّك فيه. وعليه فإنّ التصوّرات الفرديّة المحرِّكة للأمر والنهي هي ثمرة الثقافة الأخلاقيّة والدينيّة للمجتمع، ممّا يجعل من الفرد ضميراً حياً للمجتمع، وبقاء صحو ضميره هو من مقدِّمات تكامله.
كانت هذه، باختصار، مقدّمات التكامل الاجتماعيّ للإنسان، وفق المنظور الإسلاميّ الذي تبنّاه الشيخ المطهري.
والآن لنعكف على إيضاح مسلكيّة الفناء في الخلق بالحقّ وفق المنظور التكامليّ؛ الواضح أنّ الديناميّة التكامليّة للذّات لا تتحقَّق إلا وفق مسلكيّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث تتجلَّى معالم الكمال الذاتيّ، ذلك أنّ هذه الحركة الإصلاحيّة الخارجيّة هي المصداق اللازم لعمليّة الفناء في الخلق بالحقّ. فالإنسان المؤمن لا يمكن أن يتسنّى له العيش في مجتمعٍ لا يحترم قواعده الكبرى ولا يمتثل لها، لذلك لا يمكن للفرد المؤمن إلا أن يتحرّك عضوياً في قلب المجتمع لكي يساعد في تجاوز مزالقه وتقويم مساره العام، على أساس أنّ الحياة الأمميّة تماثل الحياة الفرديّة من حيث الأهميّة، ومن حيث الأثر الإنعكاسي على الذوات الفرديّة المشكِّلة لها، فتكون حركة الفرد، داخل المجتمع، لازمة الأثر في المجتمع كما أنّ حركة المجتمع، بما هو هو، مؤثِّرة في الفرد.
صحيحٌ أنّ هذا الأثر الانعكاسي ليس مطلقاً، إذ إنّ الجبر من المردودات الكبرى عند الشيخ المطهريّ الذي يعتقد بأنّ الأمر بين أمرين، ليس تأثيراً مطلقاً في المجتمع إلا بتكاتف الجهود بين مجموعةٍ من الأفراد، وليس تأثّراً مطلقاً يجعل الفرد صامولة في جهاز المجتمع يحرِّكه كيفما يشاء «وأمّا إذا التزمنا بالنظريّة الثالثة، وقلنا بأصالة الفرد والمجتمع معاً فالمجتمع وإن كان له قدرة غالبة على قدرة الفرد، إلا أنّ ذلك لا يستلزم جبر الفرد في الأمور الاجتماعيّة الإنسانيّة. فالجبر الذي يقول به دوركهايم إنّما يقول به غفلةً عن أصالة الفطرة، في الإنسان،
________________________________________

[الصفحة - 35]


الناشئة من تكامل الإنسان بجوهره في الطبيعة. وهذه الفطرة تمنح الإنسان نوعاً من الحريّة والتمكّن على العصيان أمام مقتضيات المجتمع. ومن هنا نقول إنّ علاقة الفرد بالمجتمع يتحكّم فيها نوع من الأمر بين الأمرين»(8)، والشاهد في المقـام الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (المائدة، 105)، فمناط الخِيَرة متحقِّقٌ بمدخليّة الفطرة الإلهيّة المقذوفة في كيان الفرد، ممّا يجعل نوعاً من التحرّر موجوداً كسراً لقاعدة الجبريّة المتقعِّدة عند البعض.
وهذه الحركيّة الإصلاحيّة هي جدليّة إلى أقصى الحدود؛ لأنّ حركة الفرد داخل المجتمع من أجل إصلاحه تؤدّي بالضرورة إلى تكامل الذات أكثر فأكثر، وهي حركة ارتداديّة تتميّز بالإندكاك الكليّ، فليس من باب المصادفة أن يضحي الرسول الكريم إبراهيم(ع)(أمّةً وحده)، فحركة هذا النبي الإندكاكيّة بين الذات التوّاقة إلى التوحيد وبين الوسط الشركيّ، وصلت إلى حدّ التوحّد ممّا جعل من إبراهيم(ع)أمّةً بالكامل؛ ذلك أنّ عمليّة الذهاب والإياب بين المنتوج المعرفيّ الدينيّ الوسطيّ الخارج نفسيّ، وبين توهّج الفطرة في شخص إبراهيم (ع)الداخل نفسي، جعلت السفرة تتقارب إلى درجة الإندكاك بتوحّد المسار في نقطةٍ وجوديّةٍ واحدةٍ وهي إبراهيم (ع)، فهذه الحركة هي المرجوة، بدون أن يخفى أنّ الرسول (ص) هو نفسه أمّة وحده لتحقّق المصداق الإبراهيمي في شخصه الكريم.
والحركة الفرديّة يجب أن تتّخذ من المسار النبويّ فناراً تهتدي به، لذلك لم يكن غريباً أن نقف على مجموعة طروحات للشيخ المطهري والمتعلّقة بحركة الأنبياء في التاريخ والمجتمع، لما لحركتهم من أهميّة قصوى في إصلاح الفرد والمجتمع على حدٍ سواء. يقول الشيخ المطهري بهذا الخصوص: «هل إنّ إنسان اليوم ابتعد أكثر عن حيوانيّته وتحقّقت فيه القِيَم والمعايير الإنسانيّة، أم الإنسان القديم؟ وبعبارةٍ أخرى، كيف يكون تكامل الإنسان بماهيّته الإنسانيّة؟ إنّ دور
________________________________________
(8) - م. ن، ص 38 ـ 39.

[الصفحة - 36]


الأنبياء في تكامل التاريخ يوضح هذا النوع من التساؤل...»(9). فتعقّب المسار النبويّ في التاريخ الإنسانيّ كفيلٌ بإبانة الكيفيّة السليمة لتحقيق التكامل الإنساني بوصفها أكمل الصور الممكن تحققها على أرض الواقع، لكنّ ثمّةَ إشكاليّةً صغيرةً تقف أمام هكذا مسلكيّة، وهي الراجعة إلى خلفيّة قراءة حركة الأنبياء(عليهم ‏السلام)، فالقَصص النبويّ كثيراً ما تم التعامل معه على أساس خلفيّات فكريّة وثقافيّة قد تكون منحرفة، فتضحي السيرة النبويّة غير كاشفة بقدر ما هي حجاب أمام هذا التكامل، صحيحٌ أنّ الصورة العامّة لا خلاف حولها، وأنّ الحركة النبويّة حركة خير، لكن المعضلة تهمّ التفاصيل والخصوصيّات النبويّة، والتي ربما ستجعل عمليّة التكامل الفرديّ، من خلال استنباط المعاني والمعارف واستقراء النتائج، معتورة ومزبورة.
موضوعة المجتمع عند الشهيد المطهريّ
لقد انتهينا لتوِّنا من الجانب الفرديّ داخل المجتمع، وأضحى لزاماً علينا حالياً الانتقال إلى بحث موضوعة المجتمع كما يراها الشيخ المطهريّ حتّى يستقيم لنا التصوّر الكليّ لهذه الموضوعة؛ لأنّها سوف تُفيدنا في بحثنا المنتظر في العنوان الثاني.
في البداية، عمد الشيخ المطهريّ إلى بحث إشكاليّة المجتمع، هل هو موجود أصيل أم موجود اعتباريّ لا حقيقة خارجيّة له؟ فأبان بأنَّ مجمل النظريّات التي اهتمّت بهذا التساؤل لم تخرج عن أربعة احتمالات. فالمجتمع ليس إلا مجموعة من الأفراد. فلولا الأفراد لم يتحقّق المجتمع. ولا بدّ من التحقيق في كيفيّة هذا التركيب، والعلاقة بين الفرد والمجتمع للإجابة عن السؤال. وبهذا الصدد يمكن إبراز عدّة نظريّات:
أـ إنّ تركيب المجتمع من الأفراد تركيب اعتباريّ وليس واقعياً. فالمركَّب الواقعيُّ إنَّما يتحقّق إذا كانت هناك مجموعة من الأمور يؤثِّر كلٌّ منها في الآخر
________________________________________
(9) - الشيح مرتضى مطهري: التكامل الاجتماعي للإنسان، ص 111.

[الصفحة - 37]


ويتأثّر كلٌّ منها بالآخر، ويتولَّد من هذا التأثير والتأثّر والتفاعل حادث جديد له مميّزاته وخصائصه، كما نجد ذلك في التركيبات الكيماويّة.
وهذه الميزة ليست في تركيب المجتمع من الأفراد، فأفراد الإنسان لا يندمجون مع بعض في كلٍّ هو المجتمع، إذاً فالمجتمع ليس له وجود أصيل عينيّ حقيقيّ، بل وجوده اعتباريّ وانتزاعيّ، فالأصيل هنا هو الفرد. وحياةُ الإنسان في المجتمع وإن كانت حياةً اجتماعيّةً، إلا أنّ الأفراد لا يشكِّلون مع بعض مركباً حقيقيّاً بعنوان المجتمع.
ب ـ إنّ المجتمع وإن لم يكن مركباً حقيقيّاً على غرار المركَّبات الطبيعيّة إلا أنَّه مركَّبٌ صناعيٌّ وهو أيضاً من قبيل المركَّبات الحقيقيّة... فالأجزاء لا تفقد هويّتها، ولكن لا تستقلّ في التأثير، فهي مترابطة بوجهٍ خاص، وآثارها أيضاً مترابطة، إلا أنّ ما يبرز من أثر المجموع ليس هو بعينه مجموع آثار الأجزاء كلٍّ على حِدَة.
ج ـ إنّ المجتمع مركّبٌ حقيقيٌّ من نوع المركَّبات الطبيعيّة، إلا أنَّه يتركَّب من النفسيّات والأفكار والعواطف والميول والإرادات، دون الأجسام والظواهر، فهو تركيبٌ من الثقافات كما أنّ العناصر، والأجزاء تستمرّ في وجودها ولكن بصورةٍ جديدةٍ وماهيّةٍ حادثةٍ، كذلك أفراد الإنسان يدخلون في نطاق المجتمع وكلٌّ منهم يحمل مواهبه الفطرية وثروته المكتسبة من الطبيعة، ثمّ يندمجون مع بعض بنفوسهم ونفسيّاتهم وتتحقّق نفس جديدة يعبّر عنها بالروح الجماعيّة، فهذا التركيب تركيبٌ طبيعيٌّ أيضاً، ولكنّه لا يشبه شيئاً من التركيبات الطبيعيّة الأخرى الماديّة التي، بالتفاعل مع بعض، تمهّد الطريق لحدوث ظاهرة جديدة. وبالعبارة الفلسفيّة، أجزاء المادة بالفعل والإنفعال والكسر والانكسار، في ما بينها تستعدُّ لقبول صورةٍ جديدةٍ، ويحدث المركّب الجديد.
دـ إنّ تركيب المجتمع تركيبٌ حقيقيٌّ فوق التركيبات الطبيعيّة، فالأجزاء في المركَّب الطبيعي لها ذوات وآثار حقيقيّة قبل التركيب، وإنَّما تمهِّد الطريق لتحقّق
________________________________________

[الصفحة - 38]


ظاهرة جديدة بالتفاعل والتأثير والتأثّر في ما بينها. ولكن الإنسان، قبل الإندراج في سلك المجتمع، ليست له هويّة إنسانيّة، بل هو استعداد محض له قابليّة التلبّس بالروح الجماعيّة(10).
وبعد عرضه لهذه النظريَّات الأربع نجد الشيخ يميل إلى تبنّي النظريّة الثالثة القائلة بأصالة الفرد وأصالة المجتمع على السواء، مصرحاً «والآيات القرآنيّة الكريمة تؤيِّد النظريّة الثالثة، ولقد سبق منا القول بأنّ القرآن لم يذكر هذه المسائل في إطار البحث العلميّ أو الفلسفيّ وإنّما يذكرها بوجهٍ آخر، والذي يُستنبط من الدِّراسة القرآنيّة للمسائل الاجتماعيّة هو تأييد النظريّة الثالثة. فالقرآن يرى للأمم (المجتمعات) مصيراً مشتركاً، وصحيفةَ أعمالٍ مشتركة، ويرى للأمّة إدراكاً وشعوراً وعملا وإطاعةً وعصياناً. ومن الواضح أنّ الأمّة لو لم تكن موجودة بوجودٍ عينيٍّ حقيقيٍّ لم يصح افتراض المصير والفهم والشعور والطـاعة والعصيان لها. وهذا يدلُّ على أنّ القرآن يؤيّد وجود نوعٍ من الحيـاة للمجتمع هي الحياة الاجتماعيّة، فالحياة الاجتماعية ليست مجرّد تمثيلٍ واستعارةٍ بل هي حقيقة واقعيّة، كما أنّ الموت الاجتماعيّ حقيقة بدوره أيضا»(11)، محتجاً بمجموعةٍ من الآيات القرآنيّة الكريمة كالآيـة 34 من سـورة الأعـراف: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَـلٌ فَإِذَا جَـاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} ، والآيـة الكريمة 28 من سورة الجـاثية: {كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ} ، والحقيقة أنّ تحديد ماهيّة المجتمع وأصالته من اعتباريّته عند الشيخ المطهري ما هو إلا دفاعٌ عن تصوّر أستاذه العلامة الطباطبائي الذي بسط نفس التصوّر في تفسيره الممتاز (الميزان في تفسير القرآن) في جزئه الرابع.
على أنّه يبقى لدينا بعض المؤاخذات على تعريف الشيخ المطهريّ وبالرجوع إلى تعريف العلامة الطباطبائي، ذلك أنّ القول باجتماع الأصالتين للفرد والمجتمع، على السواء، قول منقوضٌ عقلاً؛ لأنّ الأصالة المتحدّث عنها راجعة إلى
________________________________________
(10) - الشيخ مرتضى مطهري: المجتمع والتاريخ، ص 24 ـ 27 بتصرف.
(11) - الشيخ مرتضى مطهري: م.س، ص 29 ـ 30.

[الصفحة - 39]


أساس الحصول والتحقّق الخارجي، والحال أنّ المجتمع لا وجود خارجيًّا له، بل يظلُّ انتزاعياً إلى أقصى الحدود؛ لأنّ الأفراد المتواجدين حقيقةً يمكنهم أن يشكِّلوا قبيلةً أو أمةً أو أسرةً أو طائفةً، وهذه مكوِّنات لها تحقّق خارجيٌّ بدورها. أمّا المجتمع فهو قفز على هذه التشكيلات للقول بالتوحّد على أساس تشكيلة غير ما سبق الإشارة إليه. ويظل القول بالأصالة ممتنعاً على هذا المستوى، بدون أن نبحث في المبنى الفلسفي للأصالة والاعتبار؛ لأنّنا نجزم بأن الشيخ المطهري لم يكن قاصداً لها، بل الأولى هي الأقوى.
والحقيقة تُقال بأنّ من الصعب الفصل، في أصالة المجتمع من عدمه، إلا بعد تحديد هويّته، والتنقيب في ذلك إلى أبعد الحدود، وممارسة حفر أركيولوجي لهذا المكوِّن الجمعيِّ، وهو ما لم يقم به الشيخ المطهري، بل نجده ذهب إلى عرض بعض التصوُّرات حاصراً إيّاها في أربعة، والحال أنّ الحالات أكثر من ذلك.
وبالفعل، لو راجعنا الآراء العلميّة الباحثة في هويّة المجتمع لوجدنا كثيراً من التضارب بهذا الخصوص، ولوقفنا على تعريفات جدِّ حديثة ربما تنهي معضلة الأصالة والاعتبار من الأساس، لكن قبل ذلك، يظلُّ من المناسب إيضاح وجهة نظر الشيخ محمد تقي مصباح يزدي بخصوص منظور الشيخ المطهريّ في ما يتعلّق بتعريف المجتمع ووضعيّته الرؤيويّة.
وجهة نظر الشيخ مصباح يزدي:
يرى الشيخ يزدي أنّ الإستدلالات التي طُرحت لإثبات وجود المجتمع كانت ناقصةً، معتبراً أنّ الآثار والخواصّ التي أُسندت إلى المجتمع هي من جملة الخواصّ المرتبطة بأفعـال وسـلوك المـجـتمع(12).
الإشكال الأول:
يرى الشيخ يزدي بأنّ الإستدلال على وجود المجتمع، من خلال إثبات
________________________________________
(12) - نجف لك زائي : آفاق الفكر السياسي عند الأستاذ الشهيد المطهري،ص 49، ضمن بحث (ماهيّة المجتمع ووجوده من وجهة نظر الأستاذ المطهري) لحميد بارسانيا ترجمة وليد محسن، صادر عن مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي.

[الصفحة - 40]


تحقّق المقاومة والضغط الذي يسلِّطه المجتمع على الفرد، استدلالٌ ناقصٌ؛ لأنّه يُثبت المجتمع عن طريق أحد آثاره الخاصّة، فردَّ هذا الإستدلال قائلا: «لا شك أنّ الفرد يتعرَّض في حياته الاجتماعيّة بين الحين والآخر إلى مجموعةٍ من القوى والضغوط. ولهذا فإنّه يضطرُّ للقيام ببعض الأعمال بما لا يتلاءم مع ميله الباطنيّ. لكن الكلام يقع في السؤال التالي: من أين تنشأ هذه القوّة والضغط؟ إذاً فكل اهتمامنا ينصب على إثبات وجود هذه القوّة والضغط، والمبالغة في عددها وأسبابها، لا يحلّ شيئاً من المشكلة الأساسيّة. فالواقع أنّ هذه القدرة المذكورة لا تصدر من ذلك الموجود الهيولائي المسمّى باسم المجتمع»(13). بمعنى أنّ الضغط والإكراه هو ثمرة حراك أفراد وليس موجوداً مستقلًّا اسمه المجتمع، وبالتالي يظلُّ من غير المتيسّر إثبات وجود المجتمع من خلال هذا المقتضى، فهو دليل ناقص.
ولا نتّفق مع الأستاذ حميد بارسنيا عندما اعتبر أنّ هذا «الإشكال لا يمكنه إنكار وجود المجتمع. فعلى هذا إذا استطاع القائلون بوجود المجتمع إراءة أثر لا يمكن إسناده إلى أفراد المجتمع أو يتمكّنون عن طريق آخر إثبات وجود المجتمع. فسيكونون مصونين من هذا الإشكال»(14)، على اعتبار أنّ الهدم الجزئيّ للاستدلال يضعف من صلابة النظريّة، ناهيك عن أنّ الأمر لا يعني أن إنكار المجتمع سوف يؤدّي إلى العدمية، بل هناك موجودات قبليّة وأممية تتراوح بين السعة والضيق، ولا تقبل التوصيف بأنّها مجتمع، كما سوف يأتي بيانه.
الإشكال الثاني:
يطرح الشيخ يزدي إشكالاً آخر أيضاً مصرِّحاً بأنّ الحياة الاجتماعيّة لا يمكن أبداً أن تجعل الفرد مجبَراً بلا اختيار، فتجبره على القيام بأعمال لا تتلاءم مع إرادته الحرَّة: «وهذا الاحتجاج هادم لجنبة الغلبة والقهر المدَّعى ممارستُها من قِبَل المجتمع على الفرد».
________________________________________
(13) - نجف لك زائي:.م ، ن، ص 50.
(14) - نجف لك زائي: م ، ن، ص 51.

[الصفحة - 41]


الإشكال الثالث:
لا يمكن وجود روحين أو جسدين للإنسان أحدهما فرديٌّ والآخر اجتماعيّ: «إنّ مثل هذا الكلام إذا كان من مقولة الكلام الخطابيّ والشعريّ يعني يستند إلى المسامحة والتشبيه، فلا بحث في ذلك... لكن إذا كان الكلام من قبيل أن يعني إثبات نفسين واثنين من (الأنا) في كلِّ إنسان، فإنّه كلامٌ مرفوضٌ بشكل كامل. فنفس الإنسان موجودٌ واحدٌ بسيطٌ. وله، في عين بساطته، مراتب وشؤون وقوى وطاقات متعدِّدة: النفس في وحدتها كلُّ القوى. وعلى هذا فإنّ الاعتقاد بوجود روحين وهويتين لكلِّ إنسان يكون اعتقاداً سخيفاً وباطلاً بشكل كامل»(15).
هذا فيما يتعلَّق بإشكاليَّات إثبات وجود المجتمع. أمَّا في ما يخصُّ الأصالة من عدمها فالواضح أنَّها لم تُطرح عند الشيخ يزدي، وتبقى مؤاخذتنا على استحالة القول بالأصالتين قائمةً، لأنّه لا يمكن التسامح على هذا المستوى وتحت أيِّ عنوان.
لكن هناك تيّارات فكريّة كثيرة ظهرت مؤخَّراً بدأت تهتمُّ بالنظرة الكليّة للموجود البشريّ في منطقةٍ جغرافيّةٍ ما، مهمِلةً إلى حدٍّ كبيرٍ مفهوم (المجتمع) مستعيضةً عن ذلك بـ (الجمع) يعني النظر إلى المجتمع بكثيرٍ من التسامح على أنّه ساحةُ الحراك الفرديِّ، والقول الفصل هو للموحِّد الجمعيّ بين الأفراد، فهناك (ذاكرة جمعيّة) وهناك (لاشعور جمعيّ) وهناك (مسلكيّات اجتماعيّة جمعيّة) يسمِّيها عالم الاجتماع الفرنسي بـ (الهابيتوس) habitus ويمكن ترجمته بالبُنية السلوكيّة الخاصّة، والتي على أساسها توضع الضوابط والكوابح الجمعيّة حتّى يتمَّ التحكّم في الحِرَاك الفرديِّ داخل منظومة اجتماعيّة معيّنة، وبهذا الخصوص عُنيَ بورديو بتوضيح هذا الجهاز المفاهيميّ الجديد الذي ابتكره، نتيجة خلوصه إلى ملاحظةٍ أساس وهي أنَّ الفرد يتّخِذ الكثير من القرارات في حياته تفيده بدون أن يعي أنّ ما اتَّخذه من قرارات هو مهمٌّ جداً، بل ومثمرٌ في أغلب الحالات بخلاف
________________________________________
(15)- نجف لك زائي: م ، ن، ص 52.

[الصفحة - 42]


غيره، نتيجة التموضع الاجتماعيِّ لكلِّ فئةٍ على حِدَة، بدون أن يعني هذا الأمر فقدان حريّة الإرادة لدى الفرد، بل كلُّ ما في الأمر أنَّ الهابيتوس هو موروث اجتماعيّ وفق التشريحات، تسعى من خلاله الجهات العليا (الدولة وذوو الرأسمال الرمزيّ)(16)إلى الحفاظ على الأوضاع قائمةً غير مهدّدةٍ بالزوال Statut quo، دون أن تعني هذه الحقيقة أنّ الهابيتوس يُشيِّئ الفرد ويجعله مجرَّد آلة يمكن استيعاب تحرّكاتها قبل أن تُقدِم عليها، بل هي تظلّ مبـدأ مولِّداً على الأعمّ المطلق(17)(تعمل كما الصندوق الأسود) على أساسها يُمكن أن نفهم سرّ تحرّك بعض المكوِّنات الاجتماعيّة.
هي نظريّة جيّدة جداً وصل إليها الباحث الاجتماعيّ الكبير بيير بورديو، ولسنا معنيّين بتعميق البحث بهذا الخصوص، فقط نودّ التنويه بمسألةٍ جدِّ مهمّةٍ وهي أنّ المجتمع بما هو مكوَّن كليّ (ونحن لسنا مسلِّمين بهذا الخصوص) عاجز عن تدبيرٍ كليّ للتحرّك الاجتماعيّ، بل إنّ بعض المراكز الاجتماعيّة والسياسيّة هي التي تشكِّله، وهذا التشكيل يظلُّ جزئياً يتقاطع مع الفئات الاجتماعيّة التي يتحرَّك على مستواها المقطعيّ بتفرِّدٍ شبه كامل، ومجموعة التحرّكات المقطعيّة هذه تتراكم لتشكِّل صورةً عامّةً تصل إلى حدّ الشغل الترقيعي patchwork.
فما يمكن التحدّث عنه هو تجمّعات بشريّة خاضعة لضوابط خاصّة نقشتها هي نفسها، وعلى مدى زمنيٍّ ليس بالقصير، ولا يمكن بتاتاً القول بوجود (المجتمع) على الأقلّ وفق التوصيف الدوركهايمي الغالب على المدرسة الاجتماعيّة، ولتأكيد هذا المقصد لا بأس في أن نتنبَّه إلى وضعيّة الأقليّات الإثنيّة أو الدينيّة داخل بعض الدول القائمة على الإثنيّة أو الدين، وكذا وضعيّة السود بالولايات المتحدة الأمريكية أو وضعيّة الفلسطينيين داخل الكيان الصهيونيّ، فلو سلَّمنا بمنظور الشيخ المطهريّ لتحدّثنا عن وجود روحٍ جماعيّة بهذا المعنى داخل المجتمع، صحيح أنّهم يشتغلون وفق أوراق رسميّة صهيونية، لكنّ هذا لا يعني
________________________________________
(16) - Pierre Bourdieu : raisons pratiques sur la théorie de laction, éditions du Seuil, 1994. pp 125.126.
(17) - Pierre Mounier : Pierre Bourdieu une introduction, Agora, 2001, p, 41.

[الصفحة - 43]


بالضرورة أنّهم يسعون إلى تقوية المجتمع الصهيونيّ والحفاظ على سلامته واستمراره.
بل المسألة تذهب أبعد من ذلك، فكثيرةٌ هي الفئات الاجتماعيّة التي نجدها تعيش في دولةٍ ما، وولاؤها الكليّ لدولةٍ أُخرى، مع استمرارها في العيش داخل الدولة الأم. والغريب في الأمر أنّ الشيخ المطهري نفسه سوف ينقلب على هذا المنظور في مقام تبيانه للمقام التشاركي، حيث كانت الكلمة الفصل للدين والرؤية الأمميّة والتي كانت ناضحة بشكل كبير. فقط تظلّ مسألة محوريّة جداً نرى أن نمهِّد بها لفلسفة الثورة الإسلاميّة، وهو البُعد السننيّ؛ لأنّ الإستقراء الفلسفيّ الذي قام به سماحة الشيخ المطهري يظل مفيداً لعمليّة السبر هذه.
قانون السننيّة ورؤية أخرى
يرى السيد محمد باقر الصدر(قدس‏ سره) أنّ الظواهر التي تدخل في نطاق سنن التاريخ ثلاثة، وهي: السبب (علة فاعلة) «ذلك أنّ الظواهر الكونيّة والطبيعيّة كلها تحمل علاقةً ظاهرةً بسبب، علاقة مسبّب بسبب»(18)و«هناك ظواهر على الساحة التاريخيّة تحمل علاقةً من نمطٍ آخر، وهي علاقة ظاهرة بهدف»(19)وهي (العلة الغائيّة) و«أن يتعدّى هذا العمل الفاعل نفسه ويتّخِذ من المجتمع الذي يكون الفاعل أحد أفراده، أرضيّةً له، ويخلق موجاً ذا درجةٍ معيّنة»(20)وهو (العلة الماديّة)، فالسيّد الصدر يبني السنن التاريخية على قاعدة العليّة المتحكِّمة في السبب والهدف وكذا الأرضيّة، ولا يمكن بتاتاً التفكير في السننيّة خارج هذا القانون.
والشيخ المطهريّ يؤكِّد المنظور نفسه مع تفصيل يرجع إلى أنّ القول بالعليَّة لا يُفيد حتماً إزالة الحريّة عن الإنسان الفرد «والصحيح أنّ حريّة الإنسان لا تُتصوّر إلا مع نظريّة الفطرة بأن يُقال: إنَّ الإنسان في مسير الحركة الجوهريّة
________________________________________
(18)- الشهيد السيد محمد باقر الصدر: المدرسة القرآنية، ص 68، عن دار الكتاب الإسلامي الطبعة الأولى، 2004.
(19)- الشهيد الصدر: م ، ن،.
(20)- الشهيد الصدر: م ، ن، ص 70.

[الصفحة - 44]


العامة للعالم يولد مع بُعدٍ زائدٍ، وهو أساس شخصيّته، ثمَّ يتكامل وينمو وفقاً لمقتضيَات البيئة والمجتمع، وهذا البُعد الوجوديّ هو الذي يمنح الإنسان شخصيّته الإنسانيّة، ويُحكمه على التاريخ، فيكون هو الذي يعيِّن مسيرة التاريخ»(21). أمّا في ما يخصُّ بعض الأحداث الصغرى التي تقع خارج العلَّة العامّة للتاريخ والتي يكون لها دور كبير، فهي ليست بالضرورة خارمة لقانون العليّة بقدر كونها لا تناقضه، وتقع في طوله، حيث نجد الشيخ المطهري يوضح ذلك «وهناك إشكال آخر في قانونيّة المسائل التاريخيّة وعموميّتها، وهو أنّ المستفاد من مراجعة الحوادث والوقائع التاريخيّة أنَّ هناك بعض الحوادث الجزئيّة الحادثة على سبيل الصدفة تغيِّر مسيرة التاريخ، والمراد من الصدفة ليس ـ كما يُتوهَّم ـ ما يحدث من دون علّةٍ، بل لا ينشأ من العلل العامّة، ولذلك لا تندرج تحت ضابطةٍ كليّة، فإن كان للحوادث التي ليست لها ضابطة عامّة دور أساسيّ في حركة التاريخ لزم أن يكون التاريخ فارغاً من أيّ قانون وقاعدة وسنّة جارية معيّنة»(22). فالمحصّل أنّ ما قد يفسَّر من وقائع ثانوية ذات أثر على التاريخ لا يمكن أن يكون خلواً من علّةٍ ترابطيّة.
والضميمة التي أضافها الشيخ المطهريّ بخصوص أنّ الحريّة لا تُناقض قانون العليّة والمبدأ السُننيَّ للتاريخ هي عين ما أوضحه السيّد محمد باقر الصدر في مقام تفصيل البحث في الأبعاد المحرِّكة، حيث جعل الفعل الإنسانيّ الفرد المؤسَّس على بُعدين وحسب (علّة فاعليّة وعلّة غائيّة) يظل عملاً فردياً، أمّا العمل الذي يتأسس على بُعد ثالث إضافيّ (علّة ماديّة) فهو العمل التاريخي السنني والذي على أساسه تتمّ مساءلة الأمة، يصرح السيِّد: «في القرآن الكريم نجد تمييزاً بين عمل الفرد وعمل المجتمع. والقرآن الكريم تحدّث، في استعراضه للكتب الغيبيّة الإحصائيّة، عن كتابٍ للفرد وكتابٍ للأمّة، عن كتابٍ يُحصي على الفرد عمله، وعن كتابٍ يُحصي على الأمّة عملها. وهذا تمييز دقيق بين العمل الفرديّ
________________________________________
(21)- الشيخ المطهري: المجتمع والتاريخ، ص 75.
(22)- الشيخ المطهري: م.ن، ص 76.

[الصفحة - 45]


وعمل الأمّة، بين العمل الذي له ثلاثة أبعاد، والعمل الذي له بُعدان. العمل ذو البعدين لا يدخل إلا في كتاب الفرد، وأمّا العمل ذو الأبعاد الثلاثة فهو يدخل في الكتابين. يدخل في كتاب الأمّة، ويُعرَض على الأمّة، وتُحاسب الأمّة على أساسه» (23). فالسنن التاريخيّة ترتكز على ثلاث حقائق دافع عنها كلٌّ من السيد الصدر والشيخ المطهري، وهي:
الحقيقة الأولى:هي الاطِّراد والسير على خطٍّ معيّن، فهي ليست بالعشوائيّة ولا رهينة الصدفة، ومجرّد الاتِّفاق، يقول السيد الصدر بأنّها «علاقة ذات طابع موضوعيّ لا تتخلّف في الحالات الاعتياديّة التي تجري فيها الطبيعة والكون على السُنن العامّة، وكان التأكيد على طابع الاطّراد في السنة تأكيداً على الطابع العلميّ للقانون التاريخيّ»(24).
الحقيقة الثانية:ربّانيّة السنّة التاريخيّة، يوضح السيد الصدر قائلاًً «إنّ السنّة التاريخيّة ربّانية مرتبطة بالله سبحانه وتعالى، سنة الله، كلمات الله على اختلاف التعبير، بمعنى أنّ كلَّ قانون من قوانين التاريخ، فهو كلمة من الله سبحانه وتعالى، وهو قرار ربّانيّ، هذا التأكيد من القرآن الكريم على ربّانيّة السنّة التاريخيّة وعلى طابعها الغيبيّ، يستهدف شدّ الإنسان حتّى حينما يريد أن يستفيد من القوانين الموضوعيّة للكون بالله سبحانه وتعالى، وإشعار الإنسان بأنّ الاستعانة بالنّظام الكامل لمختلف الساحات الكونيّة والاستفادة من مختلف القوانين والسنن التي تتحكَّم في هذه الساحات، ليس ذلك انعزالا عن الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ الله يُمارس قدرته من خلال هذه السنن، ولأنّ هذه السنن والقوانين هي إرادة الله، وهي ممثِّلة لحكمة الله وتدبيره في الكون»(25).
الحقيقة الثالثة:وهي حقيقة اختيار الإنسان وإرادته، «والتأكيد على هذه الحقيقة في مجال استعراض سنن التاريخ مهمٌ جدًّا»(26).
________________________________________
(23)- الشهيد الصدر: م. ن، ص 71.
(24)- الشهيد الصدر: م. ن، ص 55.
(25)- الشهيد الصدر: م. ن، ص 57.
(26)- الشهيد الصدر: م. ن، ص 61.

[الصفحة - 46]


وحتّى لا نفقد طرف الخيط نعود إلى صلب الموضوع، وهو أنّ السننيّة تُبحث في العادة عند الشيخ المطهري ضمن الحِراك الاجتماعيّ الإسلاميّ ودوره في تحقيق هدف السنة الإلهيّة في الكون من عدمه، فمجمل ما سوف يسعى إليه الشيخ هو العمل على توضيح تحقّق حقائق السنن الإلهيّة في النهضة الإسلاميّة، لكن قبل ذلك لا بأس في أن ننعطف قليلاً على موضوعة التغيير الاجتماعيّ والتحوّل الاجتماعيّ عند الشيخ المطهري.
نظريّة الثورة والتغيير الاجتماعيّ عند الشيخ المطهريّ
يصرّح السيد نجف لك زائي بأنَّ «تعريف الأستاذ المطهري لـ (الثورة الاجتماعيّة) هو نفس التعريف الذي طرح قبل ذلك عن (التغيير الاجتماعيّ)، وقد لوحظ في تعريف الأستاذ المطهري عن الثورة الاجتماعيّة الخصائص التالية:
ـ الثورة هي تغيير أساس في المجتمع، وعلى هذا فإنَّ الثورة هي نوعٌ من التمرّد على الوضع الموجود.
ـ الثورة سعيٌ وجهادٌ لإقامة الوضع المطلوب.
ـ تتمتَّع الثورة بنظرة إيديولوجيّة ومجموعة من القِيَم، الإيديولوجيّة المتلائمة مع الثورة. وهي مذهب وفلسفة تتضمّن في أفكارها وتعليماتها عنصر إنكار ورفض وإزالة الوضع السلبيّ»(27).
وهذه الخلاصة التي تمكَّن من عرضها لا تختلف كثيراً عن التصوّرات الاجتماعيّة الماركسيّة والبنيويّة كما تمَّ عرضها قبلاً، وبالتأكيد أنّ تصوُّراً كهذا لا يمكن أن يشكِّل حركة سُننيّة بالمعنى الذي سبق أن تمّ إيضاحه. إلا أنّ الشيخ المطهريّ أضاف، إلى هذا التعريف، مكوّناً حيوياً لا بدّ من الوقوف عليه لأهميَّته، وهو «البحث المتعلّق بكـون الثورات تغييراً إراديًّا وتكاملياً»(28)، فالحـركة التكامليّة ذات الأساس الإراديّ هي التي تكفل لأية حركة اجتماعيّة تقدّماً على
________________________________________
(27)- نجف لك زائي: آفاق الفكر السياسي عند الأستاذ الشهيد المطهري، ترجمة وليد محسن، ضمن بحث الثورة والتحولات الإجتماعية من وجهة نظر الأستاذ المطهري. الصفحتان 262 و263.
(28)- نجف لك زائي: م. ن، الصفحة 263.

[الصفحة - 47]


صعيد الوجود والإنوجاد، بدلاً من أن تكون حركة عدميّة تخريبيّة. لذلك نجد الشيخ المطهري يعتبر الثورة البولشفية في روسيا سنة 1917 ميلاديّة نوعاً من التخلّف والرجعيّة(29).
كان هذا باختصار تصوّر الشيخ المطهريّ لنظريّة الثورة (والتي هي بالضرورة تكامليّة) عن الرجعيّة (الحركة التغييريّة العدميّة)، والآن نكمل البحث في آليّات إحداث التغيير، وعلى أي أساس يتم ذلك.
آليات أحداث التغيير
في مقام بحثه لموضوعة النهضة الإسلاميّة بإيران سعى الشيخ المطهري إلى إبداء أوجه أهميّة عرض موضوعة الثورة أثناء فورانها قائلاً «واشتراك الجماهير الإيرانيّة في الثورة وحضورها في الأحداث مباشرةً، لا يكفي دليلاً على عدم ضرورة معرفة حقيقة وماهيّة هذه الحركة والنهضة بالنسبة إليهم. إنّ دراسة وتحليل وفهم النهضة والحركة أيّام اشتعالها وفورانها بوساطة نفس الجماهير والقائمين عليها، أكثر ضرورةً من دراستها في مراحل لاحقة وبعد انتهائها أو انتصارها، وأكثر ضرورةً وأهميّةً لهم بالنسبة إلى غيرهم من الباحثين والدّارسين، أو بالنسبة إلى الجماهير التي لا تشارك وتقف على حافّة النهضة تُتابع الأمور»(30)،جاعلاً من ميزان حركة الثورة في ركيزتين أساسيتين هما جماهيريّة الثورة وإلهيّتها.
ففي ما يخص الركيزة الأولى يوضح الشيخ المطهري «إنَّ النهضة الإسلاميّة في إيران اليوم لا تنتمي إلى فئةٍ أو طبقةٍ خاصّةٍ من الشعب الإيرانيّ، لا للعمّال ولا للفلاحين ولا للجامعيين ولا للمثقَّفين ولا للبرجوازيّين. فقد اشترك في الثورة الغنيّ والفقير، الرجل والمرأة، الحضريّ والقرويّ، الطالب الجامعيّ وعالم الدين، العامل والفنيّ، الكاسب والفلاح، الأميّ والمتعلّم، كلهم اشتركوا بسواء»(31)، فالبُعد التشاركيّ الأوسع الجماهيريّ يظلُّ شيئاً محورياً في فكر الشيخ المطهريّ؛ لأنّه
________________________________________
(29)- الشيخ المطهري: حول الحكومة الإسلامية أخذاً عن بحث الشيخ زائي ضمن نفس المرجع ص 264.
(30)- الشيخ المطهري: الحركة الإسلامية، ص 102.
(31)- الشيخ المطهري: م. ن، ص 103.

[الصفحة - 48]


بهذه الطريقة يمكن التحدّث عن ثورة أمّة بمعنى الكلمة، وإلا سارت نهجاً ثورياً نخبوياً هادماً لحقوق مجموعة من الفئات الاجتماعيّة (نقول فئات وليس أفراداً)، وهذه هي الحركة الرجعيّة التي أبان عنها الشيخ المطهري بمناسبة إبداء رأيه في الثورة البولشفية في الاتِّحاد السوفياتي سابقاً.
وطبعاً التركيز على جماهيريّة الحركة الاجتماعيّة (الثورة) راجع إلى مقتضىً أساسيّ سبق للشيخ أن أرى الطريق إليه، وهو أنّ «الروح الجماعيّة هي بدورها أيضاً في خدمة الفطرة الإنسانيّة، والفطرة الإنسانيّة تستمرُّ في جهودها ما دام الإنسان باقياً. إذاً فالروح الجماعيّة تعتمد على الروح الفرديّة والفطرة الإنسانيّة»(32). إلا أنّ المعضلة التشاركيَّة تتجسّد في التعامل مع الموجود الثوريّ والموجود الإرتكاسيّ والذي بالضرورة ليس من ضمن المتحرَّك في مواجهتهم، بمعنى أنّ الطبقة الحاكمة (جناح الإستكبار) ليست وحدها من تشكِّل عائقاً أمام الحراك الاجتماعيّ التنمويّ والإنقاذيّ (الثورة) بل هناك عناصر اجتماعيّة كثيرة يمكن أن تقف في وجه هذا المدّ من روزخنيين ومعارضين للوجه الفكريّ للثورة، وطبعاً سِعَة لفظ الإسلام والتركيز على مداه الفكري لم يكونا ليسهِّلا عمليّةَ جماهيريّةِ الثورة والوصول بالتشاركيّة إلى أجدى حدٍّ مرغوب.
لذلك نجد الشيخ المطهريّ يعكف على تأسيس إيديولوجيَّة إسلاميَّة تتّفق في المطلق، مع فكر آية الله العظمى السيّد روح الله الموسوي الخميني (قدس‏ سره)، ووضع لبنات الإيديولوجيّة الإسلاميّة لم يكن بالأمر الهيّن والذي مرّ بدون تصدّعات من جهة العلماء، لكنّ الشيخ المطهريّ حرص على تفكيك بعض التخوم المعرفيّة حتّى يسهل تقبّل الفكرة واعتمادها كمرتكزٍ فلسفيٍّ معرفيٍّ دينيٍّ للثورة.
وعلى هذا المستوى سعى في محاضراته الكثيرة، في حسينيّة إرشاد وكتاباته الكثيرة، إلى بسط وجهة نظره الساعية لرفع موضوعة (ولاية الفقيه المطلقة) من
________________________________________
(32)- الشيخ المطهري: المجتمع والتاريخ، ص 49.

[الصفحة - 49]


عنق الفقه والكلام إلى مقام الفكر الإنسانيّ الإسلاميّ بوصفه خطًّا نبويّاً، موضِحاً أنّ الحركة التكامليّة لا يمكن أن تنطلق إلا في إطار (الصراط المستقيم) ففي معرض ردِّه على من يرى أنّ الفقهاء وأولياء الدين عقبة أمام النجاح، أوضح ما يلي:
أولا: الإسلام بذاته (حقيقة) و(هدف) وليس (مصلحة) و(وسيلة)، وإنَّ من يستطيع استثمار هذه الطاقة الاجتماعيّة في الإسلام هو الذي يَنظر إليه برؤية (الحقيقة والهدف) وليس برؤية (المصلحة والوسيلة). إنّ الإسلام ليس وسيلة وآلة يمكن استخدامها في ظروف القرن السادس عشر، والاستغناء عنه وتركه للمتحف في القرن العشرين، الإسلام صراط الإنسانيّة المستقيم، يحتاج الإنسان المتحضّر إلى الإسلام بقدر ما كان يحتاج إليه الإنسان البدائيّ والبدويّ، الإسلام يعطي النجاة والسعادة للإنسان المتحضّر بقدر ما يُعطي للإنسان البدائيّ، ومن ينظر إلى الإسلام من زاوية المصلحة والوسيلة والفكر المؤقّت النسبيّ الذي يصلح في شروط اجتماعيّة خاصّة فإنَّه لا يعرف حقيقة الإسلام، ولم يدركه وغريب عنه، ومن هنا فالأفضل ترك الإسلام بيد أوليائه الذين يرون الإسلام برؤية الحقيقة والهدف، برؤية الدين المطلق وليس النسبي»(33)، وبعد أن أوضح أهليّة المتخصّص في الدين عن غيره في ضبط مرامي الإسلام، انتقل، في النقطة الثالثة ليبيّن أنّ أولياء الدّين هم الأجدر بالقيادة لوقوع تخصّصهم المعرفيّ: «أقول ـ ومع الأسف ـ بأنّ هؤلاء السادة المثقّفين استيقظوا متأخِّراً؛ لأنّ أولياء الدين التقليديّين ـ حسب تعبيرهم ـ يعرفون كيف يستثمرون الإسلام، هذا المصدر العظيم للحركة، ولم يعطوا الفرصة للآخرين لكي يعزلوهم عن ولاية الأمر. على هؤلاء عندما يستيقظون أن لا يعيشوا في أحلام عزل قيادات الأمّة، وإنَّما عليهم أن يفكِّروا كيف يخدمون المجتمع والإنسانيّة عبر طرقٍ أُخرى، عليهم أن يشركوا الإسلام والثقافة الإسلاميّة ومصادر القوّة الاجتماعيّة لأصحابها وولاتها الذين نموا وترعرعوا في
________________________________________
(33)- الشيخ المطهري: الحركات الإسلامية في القرن الرابع عشر الهجري، ص 122 ـ 123، ترجمة صادق العبادي، دار الهادي ضمن سلسلة قضايا إسلامية معاصرة.

[الصفحة - 50]


أحضانها وفضائها، يعرفون لون الإسلام وطعمه ورائحته، والناس أيضاً يعرفون طبيعة قادتهم ويفهمون لغتهم ورسالتهم أكثر من غيرهم»(34)، فما يمكن قوله أمام هذا الكلام هو أنّ الشيخ المطهريّ أوضح بأنّ الإسلام هو الطاقة الحيّة لإصلاح المجتمع. وما دام الأمر كذلك فإنَّ الأجدر بالقيام بتفعيل هذه الطاقة هو من يعرف الإسلام حقيقةً وهدفاً لا آلةً ووسيلةً، وبالتالي تكون الكلمة لرجال الدين. إلا أنَّه أضاف شيئاً مهمًّا جداً وهو أنَّ الناس لا يفهمون كلام غير العلماء وولاة الدّين ولذلك يظلّ من المتيسّر تحقيق الجماهيريّة المبحوث عنها في الثورة الخلاقة، ولعلَّ أهمَّ أزمات الخطِّ الثقافيّ الديني هو نخبويّته أكثر من اللازم ممَّا يجعل من ثوراته معرفيّةً صرفاً وتكاد لا تعرف طريقها للتطبيق واقعاً، إلا في الحيز اليسير جدًّا وبتفاصيل معيّنة.
بالإضافة إلى أنّ الإنسان السعيد والحرّ هو الإنسان الخالص لله، ذلك «أنَّ القرآن يقبل أصل العدالة، بل إنّه يهتمّ بها فوق العادة، ولكنّها لا ترقى بالمفهوم القرآني إلى مستوى الهدف النهائيّ، أو أنّ العدالة مقدِّمة لكي يعيش الإنسان في هذه الدنيا بسعادة»، لا السعادة التي ندركها نحن بل إنّ الحياة السعيدة في هذه الدنيا تحصل تحت ظلّ التوحيد «بمعنى أن يكون الإنسان خالصاً لله»(35).
فتكون العدالة الاجتماعية المبحوث عنها في المجتمعات الإسلاميَّة هي الواقعة تحت مظلّة القرآن الكريم، وهذا سببٌ إضافيّ يجعل العلماء وولاة الدِّين الأقدر على تحقيق هكذا عدالة ليس من جهة التخصّص وحسب، بل ومن جهة أنّهم الأقدر على تشخيص معنى العدالة الاجتماعيّة قرآنياً، وهم ورثة خطِّ الأنبياء بما فيها من قيادةٍ راميةٍ إلى إصلاح حياة الإنسان وتنظيمها وهدايته في مسير صحيح»(36).
طبعاً هذه المقدِّمات المعرفيّة الكبيرة شكَّلت داعماً عقلياً لتسليم القيادة الاجتماعيّة للعلماء وولاة الدين، وهي ذات تأسيس عقليٍّ عام يظلُّ مقبولاً لمن
________________________________________
(34)- الشيخ المطهري: م. ن، ص 124.* أجزم بأنه لولا السيد روح الله الموسوي الخميني ما كان للثورة الإسلامية في إيران من أن تتحقق، والدكتور علي شريعتي حتى لو بقي قروناً وقروناً ما كان لينجح في تحقيق الثورة الإسلامية رغم سعة القاعدة الطلابية والأنتلجينسيا الإيرانية المحبة له، ورغم سلامة ما يدعو إليه في الكبرى.
(35)- الشيخ المطهري: التكامل الإجتماعي للإنسان الصفحة 24.
(36)- الشيخ المطهري: الوحي والنبوة ترجمة الأستاذ عباس الترجمان، ص12، منشور عند دار المحجة البيضاء ودار الرسول الأكرم، 2000.

[الصفحة - 51]


يتحوز ذرةً من الإيمان، ويكاد لا يجادل فيها أحد.
إذاً، ما سعى إليه العلامة هو تجاوز الانسدادات الفقهيّة والكلاميّة العالية أمام العقل الاجتماعيّ المائل نحو البساطة، فعمد إلى طرح المسألة عقلائياً حتّى نالت القبول عند الأكثرية، فكان دوره تكميلياً لمجهود آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني أستاذه المبجّل والمحترم عنده كثيراً.
كما أنَّ العلامة أيقن بأنّ عرض الفكرة، مهما تبسّطت ونزلت إلى القاعدة المعرفيّة المشتركة، قد تظلُّ حاملةً للغبش في الذهنيّة الإسلاميّة، لذلك نجده مال إلى توضيح ثورة الحسين (ع)، بشكل محايثٍ للواقع المعاش، فرفع من مستوى المقاربة حتَّى صارت حركةً ثوريّةً أنطولوجيّة تجاوزت المكان والزمان لتقبع في العقل الإسلاميِّ المعاصر، طبعاً وفق نفس المخطَّط المعرفيّ الذي ارتضاه العلامة أي التبسيط والتركيز على المستوى العقلائيّ للمسألة، مع الاستشهاد بالآيات القرآنيّة والروائيّة ذات السِمَة الكونيّة المعياريّة.
ويمكن أن نجازف بالقول بأنّ العلامة المطهريّ تعامل مع حدث الثورة الحسينيّة وفـق مدماك التـاريخ القدسيّ، حيث تحـرَّك بالحـدث من البُعد التأريخيّ الصرف إلى بُعدٍ أنطولوجيّ غير خافٍ، فقد اتّخذ مسلكاً مغايراً نجده مخاتلاً في مسامّ النصوص التي خصّصها لهذا الحدث العظيم في خسارته، والعظيم في أثره.
فما يمكن الخروج به أنّ الأدبيّات الثوريَّة تحرَّكت أنطولوجياً مع كلِّ التمثّلات التأريخيّة الإسلاميّة، وشربت روح المعاني القرآنيّة بهدف تحقيق العدالة وضمان الكرامة، بوصف هذه البنى المعرفيّة توطئةً للظهور الأكمل وختماً للدورة التأريخيّة الإنسانيّة التي لم تعرف إلا الصراعات واحتدام الجدل وتداخل التسلطن
سواء بحق أو بدون حق، غير أنّه يظلُّ من المناسب بحث ملمحٍ فكريٍّ آخر توافق أن سمّاه ميشال فوكو بالروحيّة السياسيّة، لتتمّ الفائدة.
________________________________________

[الصفحة - 52]


الروحيّة السياسيّة في المنظومة الفوكالديّة
أضحى معروفاً لدى الجميع أنّ الفيلسوف الفرنسيّ ميشال فوكو دعم، بشكل كبيرٍ، الثورة الإسلاميّة في إيران، ليس فقط انهماماً منه بالجانب الوقائعيّ في الثورة، بل محاولةً منه لاستبسار المبنائيّة الفكريّة للثورة، وإصدار أحكامه عليها.
وأيضاً أضحى معلوماً لدى المتخصّصين أنّ التصوّر الفوكالديّ في مفروض البحث، شكَّل أزمةً أمام العقل الغربيّ، الذي لم يستطع تقبّل عمليّة الدعم هاته، ولا حتَّى استطاع أن يفكِّك أبنيتها في حمأة النقد التخصّصي وغير التخصّصي لتصور فوكو، ولا يعتقدنَّ أحدٌ بأنّ المسألة قد توقَّفت أو تمّ تجاوزها لتتحيَّز في مقالاتٍ هنا أو هناك، بل الملاحظ أنّ المشهد الثقافي والفلسفي الأنجلو الأمريكي قد أعدّ كُتباً بالكامل لنقد هذا الدعم. حيث حاول جميع اللوغوس الغربيّ توصيف المنظور الفوكالديّ بخصوص الثورة الإسلاميّة في إيران على أنّه كبوة ليس إلا.
وعليه فإنَّ غرضنا من هذا البحث هو التعاطي توصيفياً مع المنظور الفوكالدي بخصوص الثورة الإسلاميّة، ثمَّ بعدها نتعقَّب هذا التصوّر لنعاين: هل إنَّه كان مجرّد تأثّرٍ عاطفيّ؟ أم أنَّه جاء مؤسَّساً على مجمل الأسس الفلسفيّة السياسيّة التي دافع عنها الفيلسوف، ليس فقط في كتاباته، بل أيضاً في محاضراته في الكوليج دو فرانس، خلال السنوات الأخيرة من حياته؟ ومن ثمّ فإنّ تعاطينا مع المنظور الفوكالدي سوف يتجاوز سقف الدعم النفسيّ والصحفي الذي أبداه هذا الفيلسوف، لنحاول استفهام النصّ الفوكالديّ حول مبنى الثورة الإسلاميّة، تاركين للقارئ الكريم فرصة التعمّق أكثر.
ينطلق فوكو من دوكسا (الأساس العقائديّ للفكرة) أساس، وهي أنّ السلطة ليست متحيِّزة في مكانً ما وفي سقفٍ ما، بقدر ما هي مشذّرة في مسامّ المجتمع بما هو هو.
________________________________________

[الصفحة - 53]


وسعياً منه من أجل إثبات هذه الدوكسا عمد إلى بحث المشافي والجنون والسجون والشجون والشذوذ، مركِّزاً على تحقيبات تأريخيّة للمفاهيم والأجهزة المعرفيّة التي تحكّمت في العلوم الإنسانيّة.
وبهذا الخصوص اعتمد مجموعة أدوات معرفيّة ارتأى أنّها تخدم غرضه الفلسفيّ بشكل استراتيجيّ، فانطلق من الجينالوجيا بوصفها أداة تحقيب أساساً ومركزيّة للأجهزة المعرفيّة، إلا أنَّ التعقّب التأريخيّ للمعارف الإنسانيّة ليس بالأمر الهيِّن، خصوصاً أنّ ثمّة تداخلات في التصوّرات تحدث في لحظات زمنيّة معيّنة، فآثر اعتماد الإرث الإيديولوجيّ للبنيويّة بدون أن يرضى بالانتساب إليها، بوصفها تسمح بعمليّة البتر واللصق بين الجغرافيّات الفكريّة بدون انشغال بالبدايات أو التخوم التداخليّة بين الشرائح المعرفيّة التأريخيّة، إلى أن ختم دورته الأدواتيّة بالأنطولوجيا التأريخيّة، وباختصار شديد هذه الآليّات المعرفية تقوم بأربعة أدوار تنظيريّة أساس.
فالجينيالوجيا النتشويّة تريد لنفسها تعقّب الجذور المعرفيّة والإيديولوجيّة للفكرة بوصفها عطاء إنسانيًّا مدخولاً بهاجس اللذّة، وعند فوكو لذّة السلطة، وهي عمليّة تحقيبيّة ذات أهميَّة لا تخفى لأنّها تسمح بتعقّب الجهاز المعرفيّ وتفكيكيه إلى مراحل زمنيّة ومعاينة المتغيّرات، أكثر من الثوابت ـ لأنّ هذه الأخيرة من شأن البنيويّة ـ ومحاولة القبض على السلطة في مسامّ ما نعتقد بأنّها مختبئة وراءه، بعدها ولكي يتمّ تفصيل النظر في الثوابت المعرفيّة، ولأنَّ فوكو يريد لنفسه أن يكون أمير هذا التعقّب انكفأ إلى البنيويّة بخصوصيات فوكالدية تجعل من الصعب وضعه داخلها، وعلى هذا المستوى اهتمّ بالحيثيّة السلطويّة في الأجهزة المعرفيّة
بوصفها الثابت الوحيد، بدون أن يحيّزها في جهاز فيزيقيٍّ واحدٍ بقدر ما اعترف بأنّها مشذّرة في المؤسّسات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، ليخلص إلى المذهب الأدواتيّ الثالث والأخير، وهو الأنطولوجيا التأريخيّة، بوصفها الفلسفة
________________________________________

[الصفحة - 54]


الأكمل لتحقيق التصوّر، ما دام ثمّة غائيّة تحكم المبحث الفلسفي، ولو في تجليّاته الأكثر فيزيقيّة والأكثر انضباطاً للخارج السياسيّ والاجتماعيّ.
وعليه، فإنّ المجهود الفلسفيّ الفوكالديّ يهدف إلى أربعة أمور: تشخيص المتغيّرات، وتثبيت الثوابت، ونسف الآليّات، والقفز الشقيّ على المستحكمات الإنسانيّة، وكان دائماً مهجوساً بشيءٍ لا يتوقّف عن تسميته بميكروفيزياء السلطة وهو تلك القوى الصغيرة جداً والتي لا يُنتبه إليها مع أنّها هي الفاعل الأساس والحاسم، محاولاً استخراجها في مقام الذوق واللذّة في اللحظة النيتشويّة واللاوعي الكبرويّ في اللحظة الفرويديّة، والنقد المبنائيّ في اللحظة الكانطيّة. إلا أنّه اكتشف شيئاً خطيراً قد لا يتّفق الجميع معه فيه، هو الروحيّة السياسيّة. وهو كان يعلم ذلك جيداً، وقد قالها صراحة «أعلم بأنّ الفرنسيين سوف يضحكون من هذا الكلام لكنّني أعلم أيضاً بأنَّهم مخطئون»(37)، فالروحيّة السياسيّة لم تشكِّل، ولا مرّةً واحدةً في اللحظة الأنواريّة، آليةً لتعقّب وتحليل الشيء السياسيّ ومحاولة فهمه، بل المستحكم كان دائماً ذلك الشأن الفيزيقيّ الذي يتحكّم ليس في ظهورات هذا الشيء بل أيضاً في محاولات فهمه، مؤكِّداً بأنّ الشيء المغيّب منذ عصور النهضة والأزمات الكبرى للمسيحيّة، كان هو الروحيّة السياسيّة(38) .
فالمنظور الفوكالديّ لم يكن ثمرة تأثّرٍ عاطفيٍّ، بقدر ما كان اكتشافاً معرفياً يلقاه، وخصوصاً أنّه كان في حرجٍ من الدِّفاع عن الحكومة الإسلاميّة كفكرة معلّقة في السماء على الطريقة السينويّة، ومع ذلك ببحثه في مبانيها وأهدافها لم يجد بداً
من دعمها. هذا الاكتشاف الذي كان مغيَّباً في المباحث الفلسفيّة السياسيّة النهضويّة منها والإكليروسيّة المسيحية، هو بُعد الروح في رحم السياسة.
ففي ما يخصّ تحرُّجه من دعم الحكومة الإسلاميّة كفكرة مطلقة، يقول ضمن نفس النصّ: «أتحرّج من الحديث عن الحكومة الإسلاميّة كفكرة أو مثال،
________________________________________
(37) - Michel Foucault : a quoi rêvent les iraniens pp 688 694 in DITS ET ECRITS tome 2 QUARTO GALLIMARD éditions 2001.
(38) - Michel Foucault : a quoi rêvent les iraniens P 294. (Rechercher au prix même de leur vies cette chose dont nous avons, nous autres, oublié la possibilité depuis la renaissance et les .grandes crises du christianisme : une spiritualité politique)

[الصفحة - 55]


لكن بوصفها إرادة سياسيّة فقد بهرتني، بهرتني في مجهودها ـ في مقام الجواب عن المشاكل القائمة ـ لتسييس بُنى متداخلة اجتماعيّاً ودينيّاً، لقد بهرتني في محاولتها أيضا أن تفتح في السياسة بُعداً روحياً»(39).
وهو سعيٌ فلسفيٌ أراده ميشال فوكو أن يدخل أعمال الفلسفة السياسيّة الغربيّة، والغريب في الأمر أنّ المنتوج الفلسفيّ السياسيّ الأنجلو أمريكيّ مهجوس نفسه بهذا البُعد كالمجهود الفلسفي عند ليو شتراوس وبلوم وغيرهما كثير، ولم يعمد اللوغوس إلى شجبه، ممّا يتبيّن معه أنّ الموازين العقلية عند الغرب مختلّة وبشكل لا رجعة فيه، إلا إذا تخلّص من النظرة الإستعلائيّة وتواضع لينتقد ذاته. لذلك فإنّ فوكو يكون قد أحدث ثورة كوبرنيكيّة في البناء الفلسفيّ الغربيّ بإدخال هذا الشيء غير المرغوب فيه أبداً وهو (الروحيّة) وطبعاً كان مصيره فكرياً كمصير كوبرنيك على محرقة العقل الغربيّ. صحيح أنّهم لا يستطيعون تجاوزه لأنّه شكَّل لوحده مدرسة تأريخيّة عصيّة على التجاوز، لكن لا بأس من إذلاله في هذه الحيثيّة بالذَّات، وهو ما سوف نراه في القراءات النقديّة حيث وصل بها إلى حدّ جعله في مصافِّ الصبية الأغرار الذين لا يستوعبون ما يحدث حولهم.
فالروحيّة السياسيّة التي أبان عنها فوكو هي تلك الشأنيّة الماورائية المستحكمة في الخروج الفيزيقيّ لها، بمعنى أنّها المحرِّك المعرفي الماورائيّ المتحكّم في الظهورات الفيزيقيّة. وهذا عين ما يحاول العقل الغربي تجاوزه ومحاربته، فالماورائيّات ما هي إلا أساطير مدخولة بالهوى والرعب الأزليّين، وبالتالي لا يُسمح لها بالتصرّف في الفضاء العام، بل هي من تدبيرات هذا الفضاء
حيث لا يُسمح لها إلا بالتواجد الشخصيّ وبضمان أمكنة العبادة. لكن لا حقّ لها في تدبير الفضاء العام. لذا لم يكن مستغرباً أن تكون مجمل المؤاخذات على النظام السياسيّ الإيراني أنّه نظام ملالي وآيات الله، وبالتالي لا يمكن الحديث عن نظامٍ سياسيٍّ يتحرّك وفق معارف يصنِّفونها تيوقراطيّة.
________________________________________
(39) - Michel Foucault : a quoi rêvent les iraniens p 294.

[الصفحة - 56]


إذاً الأزمة الفوكالدية ليست في سلامة البناء الفلسفيّ لميشال فوكو، بقدر ما هي دعم لتوجه تيوقراطيّ حرص اللوغوس الغربيّ على دفنه إلى غير رجعة.
سؤال الروحيّة السياسيّة، كما تتمثّل في طروحات ميشال فوكو هو عمليّة دمج بين الزمنيِّ والقدسي في الشأنيّة السياسيّة، لكن بتراتبيَّات معرفيَّة خاصّة، تأتّت له من خلال استقلال القراءة للمباني الدينيّة وللإكراهات الماديّة السياسيّة، بمعنى أنَّ المبنى الدينيّ ليس معطىً معياريًّا صِرْفاً بقدر ما هو فكر يتحرّك احتكاكاً بالواقع، وأنّ هذه الروحيّة السياسيّة ما هي إلى تشخّص الفكر الديني في الفضاء العام بإكراهاته الواقعيّة.
لكن الكثيرين لا يحاولون حتَّى استيعاب المراد الفوكالديّ بعيداً عن أحكام القيمة، بل طفقوا يردّون على ميشال فوكو متّترسين بأحكام مسبقة تنمّ عن أزمة في التشخيص وأزمة في الفهم، من قِبَل أنّ نظام الملالي ما هو إلا ديكتاتوريّة، وبالتالي فإنّ فوكو كان مخطئاً عندما دعمه بقلمه، والذين يريدون الدّفاع عن فوكو نجدهم يسرعون ليجدوا له الأعذار، بمعنى أنّ النظام السياسي الإيراني الإسلاميّ نظامٌ مُدان ونقطة على السطر، وأنّ فوكو كان ساذجاً عندما دعمه، ونقطة على السطر، فلم يُرَ في الفلسفة الفوكالديّة إلا جنون متأثِّر بجنون، وهذا سقطُ المتاع المعرفيّ نجده عند أمثال (حميد زناز)(40)ـ والمتكثّر في أوساط المنشدّين غرباً بدون معيارٍ علميٍّ معتبر ـ حيث صرّح في مقالته «ما هي الأسباب التي جعلت عالم النفس المبجّل في فرنسا وخبير الجنون يرى في جنون الخميني ( كذا ) ومناصريه، روحانيّة تفتقدها السياسة في الغرب؟»(41).
فالأزمة المفاهيميّة تتجلّى في أنّ البحث عند زناز ينطلق من الدوكسا المعرفيّة الغربيّة بدون استدلال، معتبر وبقليل دربة يتطاول على المنظومة الفكريّة للثورة الإسلامية، والأكيد أنّه لا يعلم عنها شيئاً كما هو متبدٍّ من هذه المقالة ذات البُعد الصحفيّ. فليس ثمّة قراءة شبه معمّقة حول الفكر السياسيّ الإسلاميّ
________________________________________
(40) ـ جزائري، مقيم بفرنسا منذ 1993 . دَرس ودرّس الفلسفة في جامعة الجزائر.
(41)ـ حميد زناز: "الروحانية السياسية": هل هي هفوة ميشال فوكو الكبرى؟

[الصفحة - 57]


وخصوصاً الإيرانيّ منه، وانتقاده جاء عن استلاب في أقوى صوره وبأقلّ مصاديقه. فكلُّ ما يُقرأ في هذه المقالة هو انكفاء لأفكار الصالونات الغربيّة متبنياً لها كأنَّها مسلَّمات.
وطبعاً هذا التعاطي وما على شاكلته، لا يُمكن أن يُثمِرَ تصوّراً معرفيّاً صلباً. لذا نجد، للأسف، أنَّ القراءات الغربيَّة النقديّة للمنظور الفوكالديّ أكثر قوةً واستدلالاً، وهذا شيء طبيعيٌ لاختلافٍ في الدرجة المعرفيّة، بين المفكِّرين والفلاسفة وسِقْط المتاع المعرفي. لذا فسوف نردُّ باختصار على مجموعةٍ من الدّراسات الغربيّة، حتَّى لا نتوسّع في مقام الإراءة.
فمثلاً، نجد أوليفيي روا في مقالته (سرّ القومة: فوكو وإيران)(42)يتحدَّث في هذا المقام موضحاً بأنّ فوكو قد خلط بين فكرة الثورة وبين مصداقها في إيران، ممّا جعله ينجرّ في أحكامه في المعيار بدون أن يبحث موضوع المصداق، وهو عين ما أوضحه الباحث شوفالييه بخصوص مقالته حول الروحيّة السياسيّة(43).
لكنّ الغريب في الأمر أنّ هذا اليسوعيّ رجل الدّين، لم يتوقّف للحظةٍ واحدةٍ عن أن يجعل الدين شأناً خاصاً ولا مدخل له في الشأن العام، كما لو أنّ الدين بما هو دين يظلُّ شأناً شخصياً، بدون أن ينتبه إلى أنّ المباني الفكريّة الدينيّة للعديد من الأديان هي مرتكزة على الشأنيّة العامة كالإسلام واليهوديّة، وليس ليسوعيٍّ أن يحدّد الأدوار في هذا المقام لاستغراق الصلاحيّات.
فما هو الفارق بين الفكرة والمصداق، فلا أوليفيي روا ولا شوفالييه ولا غيرهما أوضحوا لغيرهم، مواطن الفرق بين الفكرة والمصداق، حيث إنّهم دائماً ينطلقون من هذه المقدِّمة ليحاكموا الأفكار، كما لو أنّ ميشال فوكو لم يكن على علمٍ بها، بل وصل بهم الحدّ إلى القول بأنّ ميشال فوكو لو كان حياً لتراجع عن آرائه، كما لو أنّه لم يعش سنوات خمساً بعد الثورة ولم يتراجع أبداً.
________________________________________
(42)ـ Olivier Roy: « lénigme du soulèvement » Foucault et lIran.
(43)- Philippe Chevallier : La spiritualité politique Michel Foucault et lIran

[الصفحة - 58]


طبعاً هو الوعي الشقيّ الذي يسكن العقل الكسبيَّ لدى الغرب، ومن فرط الصدمة لم يجد حولاً لهدم المباني المعتمَدة عند فوكو، فطفقوا يتحدَّثون عن الغيب، كما السحرة في الأدغال.
فالملاحظ أنّ هذا النقد، وغيره كثيرٌ من نفس الشاكلة، إنبنى على محاكمة فكر الثورة الإسلاميّة في إيران من خلال مبانٍ معرفيّة غربيّة، وهي تنمّ عن عقدة استعلاء لا تَخفى ولم تتواضع للحظة لفهم الظاهرة الإسلاميّة الإيرانيّة ومحاسبتها ولو على أقلّ التقادير، وفق الطرح الكوربيني، الذي تفلسف في تعاطيه مع الإرث الفكريّ الإيرانيّ وهو محترِمٌ في نفس الآن هذا الإرث دون أن ينخر منهاجه بعقدة الإستعلاء هاته.
لذا نقول، إلى جانب ميشال فوكو: صحيح أنّ الفرنسيّين (والغربيين) ضحكوا من كلامك وسيستمرون في الضحك، لكن هذا راجع إلى الجهل الذي يعيشون فيه(44).
كان هذا عملاً مختصَراً لسبر أغوار فلسفيّة لخطّ الإمام، بوصفه البنية الفكريّة الكبرى للثورة الإسلامية في إيران. والحري بنا أن نستوعب خطَّ الإمام بهذا المعنى، على الأقل فلسفيّاً، ولا ننجرّ للتبسيط المخلّ بالروح العالية للفكرة.
________________________________________
(44)- Michel Foucault : a quoi rêvent les iraniens p 294.

[الصفحة - 59]