البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نظرية المعرفة عند الإماميّة مرويات الكافي مستَنداً

الباحث :  د عبد الأمير كاظم زاهد
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  64
السنة :  السنة السادسة عشر شتاء 1433 هجـ 2012 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  461
نظرية المعرفة عند الإماميّة
مرويات الكافي مستَنداً

الدكتور عبد الأمير كاظم زاهد (*)

لا يختلف اثنان أنَّ الإنسان خلق كائناً مفكِّراً عاقلاً يتطلّع إلى اكتشاف المجهول النوعيّ والمجهول الشخصيّ بدوافع غريزيَّة فطريَّة، حتّى تحوَّل توصيف جهده الاكتشافيّ إلى واجبٍ دينيّ عند أهل الأديان.
ونشأت من جرّاء هذا التوافر الفطريّ والفكريّ والقانونيّ، نظريَّة فكريّة تُعنى بالمعرفة من حيث ضرورتها، وغائيّاتها، ومدّعياتها، ومسالكها وقضاياها. وتُعدّ نظريّة المعرفة من بين القضايا الحيويّة في الفكر الإسلاميّ. ولا نبالغ إذا قلنا إنّها قسيم العلوم الأساس كالكلام والفلسفة، وأيُّ نقاش فكريّ لن يكون ذا قيمة ما لم تحسم فيه نظريّة المعرفة فلسفتها منحاها واتجاهاتها وقيمتها وهي أركان نظريّة المعرفة. ورغم أهميَّةٍ مثل هذه، لم تجد نظريّة المعرفة عنايةً فائقةً ومستقلةً في أبحاثنا عامّة، وفي الأبحاث الحديثيّة خاصّة لاعتبار أنّ علم الرواية ينأى بنفسه عن العلوم العقليّة.
والحقُّ أنَّ المعين الذي تستقي منه الإلهيَّات والفلسفة والحكمة وعلم الكلام الإسلاميّ قديمه وجديده يتمثّل في إشراقات النصِّ المعجز (القرآن الكريم) وتجليّات الحديث النبوي والرواية عن الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، لذلك صار من الضروريِّ طرح نظريّة المعرفة في الفكر الإسلاميِّ من منابعه الرئيسة وهي مرويّات الأئمّة (عليهم السلام) التي
________________________________________
(*) عميد كلية الآداب، جامعة الكوفة، من العراق.

[الصفحة - 103]


يُعدّ ثقة الإسلام الكلينيّ من أوائل من جمعها وبوَّبها وصنَّفها طبقاً لمعيار موضوعيّ.
ولأنّ فكر الشيعة الإماميّة مستندٌ إلى ما صدر عن الأئمّة من آل البيت (عليهم السلام) فإنّه يعبّر عن مقاربة أكثر يقينيّة عن رؤية الإسلام كمنظومةٍ فكريّةٍ كبرى. لذلك فإنّ إمكان التعرّف إلى نظريّة المعرفة من خلال مرويّات الكلينيّ هي هدف البحث وفرضيّته العامّة.
من الواضح أنَّ العلاقة بين الدّين والمعرفة علاقة جدليّة؛ فالدِّين الصحيح هو الذي ترجّحه أدوات المعرفة من بين الأديان المبشَّر بها في العالم؛ فالتقليد في الأصول الاعتقاديّة واحد من عيوب التديّن، هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى أنّه حينما يُراد من الدّين أن يحقّق للناس تنميةً حضاريّةً، فسيتحوّل الدّين إلى دافع لا متناهٍ من المعرفة... فهو يترجّح من خلال المعرفة، ويؤسِّس لمعرفةٍ إلى جانب أنَّ لكلِّ دينٍ رؤية كونيّة، ومعينٍ للإجابة عن الأسئلة الأزليّة، فلا بدّ للدين من أن يُجيب وينقل العقل الإنسانيّ من المجهول إلى المعلوم لا سيما في قضايا أو مضامين تلك الأسئلة الأساس عن الوجود والموجد، والغاية من الوجود، ودور الإنسان ومدى حريّته في الفعل الكونيّ، وحجم مسؤوليّته إزاء أفعاله، وصلته بالطبيعة، والدور التاريخيّ، ومعنى الزمن الذي يمارسه.
لقد عرّف الدّارسون على كثرتهم المعرفة تعريفات كثيرة أبرزها أنّ المعرفة ثمرة التقابل بين ذات مدركةٍ وموضوعٍ مدرَكٍ. وتطلق نظريّة المعرفة theory of knowledgeعلى البحث في إمكان تحصيل المعرفة البشريّة، ومصادر المعرفة، والطريق الموصلة إليها، والغاية منها.
ويعدّ موضوع المعرفة قديماً قِدَم الفكر البشريّ، فقد نُقل عن أفلاطون أنّ المعرفة (هي اعتقاد صادق مسوّغ) أي (له ما يسوّغه أو يقوم عليه برهان).
وقد ظهر موضوع المعرفة عند الفلاسفة المسلمين ومتكلِّميهم، وانتقل إلى مفكّري الغرب فكان جون لوك يعالجه في مبحث الفهم الإنساني في كتابه مقالة
________________________________________

[الصفحة - 104]


في التفكير الإنسانيّ 1690م وربطه كانط (1724ـ 1804) بالوجود بعبارته المشهورة (أنا أفكر إذن أنا موجود). وإزاء البحث في إمكان الحصول على المعرفة نواجه مشكلة الشكّ وضرورة التعرّف بين المعرفة الأوّلية (قبل التجربة) والمعرفة المكتسَبة أي المعرفة البعديّة. وتدرس نظريّة المعرفة الشروط التي تجعل الأحكام على الأشياء والأفكار ممكنةً وتسوِّغ وصفها بالصدق، كما تبحث في الأدوات التي تمكِّن من العلم وتحدّد مسالك المعرفة ومنابعها. وقد ظهر متأخِّراً مصطلح الأبستمولوجيا epistemlogiaوتُرجم حرفياً إلى نظريّة العلم النقديّة لمبادئ العلوم وفروضها ونتائجها.
ومنذ القدم انقسم المفكرون إلى:
أصحاب النزعة التوكيديّة الذاهبين إلى أنّ العقل يمكن أن يوصِلَ إلى اليقين، وأصحاب النزعة الشكليّة الذين يشكّون في إمكان تحصيل الحقيقة العلميّة. وقد حوَّل المتأخرون الشك إلى منهج، وكان (خطوة على طريق البحث عن المعرفة الصحيحة) وانقسموا من حيثيّةٍ ثانيةٍ إلى أربع شرائح:
أ ـ العقليّون الذاهبون إلى أنَّ العقل يستقلّ بالأدوات دون مقدِّمات تجريبيّة.
ب ـ التجريبيّون الذاهبون إلى أنَّ الخبرة الحسيَّة هي مصدر المعرفة.
ج ـ الحدسيّون القائلون بوجود ملكةٍ أُخرى للمعرفة (التجربة الوجدانيّة) سمّوها الحدس lntyition .
دـ براجماتيّون: progmatism الذين يذهبون إلى أنَّ صحَّة الفكر تعتمد على ما يؤدِّي إليه من نتائج عمليّة ناجحة.
ممّا تقدّم يتبيَّن أنَّنا نريد أن نحدِّد ملامح نظريّة المعرفة بالاستفادة من مرجعيَّة معياريّةٍ مخزونةٍ في كتاب الكافي لثقة الإسلام الكليني التي تنقل الراوية عن آل البيت(عليهم السلام) ليصح القول إنّها النظريَّة المسوغة عند الإماميّة.
________________________________________

[الصفحة - 105]


1 ـ مرويّات الكافي: قيمة العقل
إذا كان البخاري قد افتتح جامعه بحديث (إنَّما الأعمال بالنيّات)، فإنّ الكليني ابتدأ كتابه بحديث خلق العقل، فقد روى عن الباقر (ع) أنّ العقل هو المخاطب بالتكاليف وعليه المدار في الجزاء، وجاء فيه: «أما إنّي إيّاك آمر وإيّاك أنهى وإيّاك أعاقب وإيّاك أثيب» (1).
وعن محمّد بن سنان عن أبي الجارود عن الإمام الباقر (ع) قال: «إنّما يداقّ الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا» (2).
وطبقاً لنصّ حديث الأصبغ بن نباته أنّ الحياء والدين أُمِرَا أن يكونا مع العقل (3)بما يؤسّس إلى أنَّ النُظم المعرفيّة (الأخلاقيّة الكشفيّة والمعرفة عن طريق الوحي) لا يتضادّان مع العقل المجرّد وتصحّ مرويّات الكافي أنّ الله لم يبعث نبياً ولا رسولاً حتّى يستكمل رجحان العقل، ويكون عقله أفضل من جميع عقول أمته (4).
ومنه نعلم أنّ أنموذج (المعلّم) أو (الملهم) أو العقل المدبّر مقدِّمات تأسيسيّة لمصطلح العصمة في الفكر الدينيّ للأنبياء، وربما ذلك هو الأساس الفلسفيّ لمفهوم العصمة عند الشيعة الإماميّة، أي إنّها استكمال المقدرة دائماً على فعل الأصلح.
من هنا يمكن استخلاص هذا الجزء من نظريّة المعرفة وأبرزها:
1ـ لا تقاطع فعليّ بين العقل والحدس، والوحي.
2ـ إنّ العقل هو المقدّمة للاعتقاد، وهو مناط التكليف (المسؤوليّة ـ الحريّة).
3ـ إنّ كمال العقل تفسيرٌ مقبولٌ لماهيّة العصمة، هو الهبة الربَّانيّة للقادة الإلهيّين بما يجعلهم قادرين على اكتشاف الأصلح دائماً وفعله.
ومن المهم جداً أن نشير إلى أنّ حديث الإمام الكاظم (ع) فيما يرويه هشام بن الحكم وحده يصلح إذا قمنا بتحليل مضمونه الفكريّ المسوّغ الروائيّ في تفضيل الرؤية الإسلاميّة للعقل، فهو من جهةٍ يقرِّر الحقائق ويستند إلى آيات الكتاب العزيز،
________________________________________
(1)الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، الأصول ج 1، ص 11، ح 1.
(2)م. ن، ج 1، ص 12، ح 7.
(3)م. ن، ج 1، ص 11، ح 2.
(4)م. ن، ج 1، ص13، ح 11.

[الصفحة - 106]


ويجعل البرهان، والبيان، والوجدان ثلاثة مسالك للوصول إلى الحقيقة؛ فهو (ع) يقول: «يا هشام إنّ الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول، ونصر النبيّين بالنيابة ودلّهم على ربوبيّته بالأدلّة» (5)، ثمّ ساق معها الإمام(ع) الآيتين (163ـ 164) من سورة البقرة، وقد جعل الإمام (ع) العقل بمصافّ الرسل فجعله الحجة الباطنة أي قسيم الحجة الظاهرة.
2 ـ إمكان المعرفة
بدءاً لا بدّ من التفريق بين الإمكان الكليّ والإمكان النسبيّ، فالإمكان الكليّ أي (تصوّر أنّ الإنسان بإمكانه أن يُحيط بالعلم وكيفيّة التوصّل إلى الحقيقة المطلقة).
والإمكان النسبيّ هو قدرة الإنسان على إدراك ما يمكن إدراكه بحسب القدرات ومستوى المتاح من المعرفة المقيّدة بالزمان والمكان. وبالعبور السريع على هذا الخلاف لعدم حاجة للبحث له، نقول إنّ الإمكان بالمعنى الأعم هو رأي العلماء جميعاً. فطالما أنّ المعرفة ممكنة، فهل الإنسان المسلم مخيّر بين اكتسابها أو عدم اكتساب المعرفة؟
موقف الإسلام بل موقف مذهب أهل البيت (عليهم السلام) أنّ العلم فرض، والفروض, إمّا فرض اجتماعيّ يأخذ صفةً كفائيّةً، أو فرض على الأفراد يتوزّع بين الوجوب والندب بحيث الكلّ مطالبون باكتساب المعرفة.
فالإمام الصادق (ع) يروي عن رسول الله (ص): «إنّ طلب العلم فريضة على كل مسلم» (6)،وعنه (ص): طلب العلم فريضة، ولكنهما حديثان ليس فيهما دلالة على الوجوب الكفائيّ؛ لأنّ الدلالة ناطقة بالأعم، إلا أنّنا نثبت ذلك بالاستعانة بما رواه يونس بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب الإمام الكاظم حينما سئل هل يسع الناس ترك المسألة عمّا يحتاجون إليه؟ قال (ع): لا .
إذاً، فعدم السعة (الحظر) يرد على (المعرفة) التي نحتاجها أفراداً، أو مجتمعات.
________________________________________
(5)م. ن، ج 1، ص 13، ح 12.
(6)م. ن، ج 1، ص 30، ح 1.

[الصفحة - 107]


لذلك يمكن القول إنّ ما يحتاجه الفرد من أحكام فقهيّة، وأحكام المعاملات الخاصة بمهنته، وأحكام العلاقة بينه وبين الدولة، حقوقه وواجباته كلها في دائرة الفرض على أضيق نطاق وقد أُلحقت به قضيّة التفقّه بالدين لتضيّق النطاق (نطاق طلب المعرفة) من المعرفة عامّة إلى المعرفة الدينيّة بالمعنى الأخصّ.
والدليل على ذلك أنّ الرواية ربطت بين العلم وبين استخدام العلم بحيث يصبح جهله مضراً، وعلمه نافعاّ (7)، فيَرِد الحديث: أنَّ العلم آية محكمة، أو فريضة عادلة أو سنّة قائمة، وما خلاهن فهو فضل. ولعلّك تفهم من مصطلح آية محكمة، أنّ لفظ آية بمعنى البرهان والدليل ويراد به (القوانين التكوينيّة) ويفهم من فريضة عادلة مجموعة الأحكام القانونيّة المنظِّمة للحياة الاجتماعية، وسنّة قائمة أي المندوبات التحسينيّة التي تيسّر الحياة. ولأجل الوصول إلى المعرفة يرد حثٌُ الرواية على السؤال؛ فقد قال أبو عبد الله (ع) لحمران بن أعين: «إنّما يهلك الناس لأنّهم لا يسألون، ثم يقول: لا يسع الناس حتّى يسألوا» (8).
وتجد في خزانة الحكمة أخباراً أنّ الله تعالى أخذ على العلماء عهداً ببذل العلم (9). وهذا تكليف للعلماء لقوله (ع): «زكاة العلم أن تعلّمه عباد الله».
مما تقدَّم يتقرر:
1ـ أنّ المعرفة في الأصل متاحةٌ للإنسان.
2ـ أنّ المعرفة نسبيّة بالقدر الذي تحقّقه الاستطاعة.
3ـ أن العالم مكلّفٌ بنشر علمه.
4ـ أنّ الإنسان مكلَّف بأن يتعلّم الحدّ الأدنى من العلم ومعياره (الحاجة) ويتّسع باتِّساع الحاجة.
5ـ ربط العلم بالمصلحة (النفع/ الضرر). ولأنّ الحياة الإنسانية مرتبطة تمام الارتباط بالمصالح (النفع) والمفاسد (الضرر) فإنّ المعرفة ضروريّة ضرورة قصوى
________________________________________
(7)م. ن، ج 1، ص 32، ح 17.
(8)م. ن، ج1، ص 41، باب 9، ح 4.
(9)م. ن، باب 10، ص 42، ح 1.

[الصفحة - 108]


وذات صلة جوهرية بوجود الإنسان. فضلاً عمَّا يلحق بالوجود الإنساني من أفكار وسلوكيّات، وحاجيات وتحسينات.
3 ـ غاية المعرفة
تهدف المعرفة في التصوّر الإسلاميّ في خطِّ أهل البيت (عليهم السلام) إلى تحقيق الغايات الوسائليّة، والغاية النهائية.
فالغايات الوسائليّة:
1ـ إنّ المعرفة إحدى أهمّ الخصائص التي تُسهِم في تكامل الإنسان، وبذلك يتحقَّق أحد أهداف الشريعة (الوحي) الذي يرتفع بالإنسان من المستويات الأدنى إلى صورة التكامل، فعن الإمام الكاظم (ع): «يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله فأحسنهم استجابةً أحسنهم معرفةً وأكملهم عقلاً أرفعهم درجةً» (10).
2ـإنّ الإسلام وسَمَ العلاقة بين الإنسان المستخلَف في الأرض وبين الطبيعة على أنّها علاقة تضاعف وتكامل، فالله تعـالى سخَّر الطبيعة وأوجد ممكناتها لصالح الإنسان، وهو الذي زوَّد الإنسان بقوَّة العمل وبالمعرفة للتعامل من خلالها مع الطبيعة لخلق مستلزمات الحياة الكريمة التي تؤدَّى فيها عبادة الله أداءً ميسَّراً. فقد روى الصادق (ع) عن جده أمير المؤمنين (ع): «إنّ التفكر يدعو إلى البرّ والعمل به» (11).
3ـأمّا الغاية النهاية فمن غاية كمال الإنسان وسموّ المرتبة التي تصل إليه، وفق حياةٍ كريمةٍ يعيشها بتحقيق مفهوم عبادة الله... غاية كلّ الخلق ونهاية مقاصد الخليفة والتكوين لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِي} (الذاريات، 56).
بينما غاية المعرفة في التصوّر الفلسفيّ الغربيّ: تحقيق مفهوم القوّة والغلبة بمعزلٍ عن القيم الموجّهة لهذه القوّة وقهر الطبيعة وكأنَّ العلاقة الموسومة بين الإنسان والطبيعة علاقة صراع، وتتأسس غائيّات المعرفة في الفكر الغربيّ على تسيّد الإنسان على الكون، حيث تهدف إلى جعل مركزيّة الإنسان محوراً للفعاليّات الطبيعيّة
________________________________________
(10)م. ن، ج 2، ص 17.
(11)م. ن، ج 2، ص 55.

[الصفحة - 109]


والاجتماعيّة. وهذا النمط من التصوّر يسبِّب مأزقاً في الذّات الحضاريّة للتصوّر الغربيّ. في حين أنَّ التصوّر الإسلاميّ يقرّر أنَّ الله سيّد الكون والإنسان خليفة ذلك السيّد الأوحد الأحد المطلقة. فالإنسان ليس سيد الكون، إنّما السيادة في الكون والمنظومة التوحيدية تقوم على وضوح المركز لكلٍّ من الله والإنسان، فالله الموحي والمفيض للمعرفة، والإنسان يرشده الوحي، فقد روى الإمام الكاظم (ع) عن جدّه أمير المؤمنين (ع) قوله : «ما عُبد الله بشيء أفضل من العقل» (12).
4 ـ مصادر المعرفة
تقدَّم أنّ نزاعاً قديماً ثار حول مراجع المعرفة ومصادرها، فهل العقل، هو أو الحس (الملاحظة والتجربة) أو الحدس والكشف؟ وقد خضع هذا النزاع لمقتضى تقدّم المناهج العلميّة وتطوّر نظريَّات نقد المعرفة. فسلَّم جمع بأنَّ القدر المتيقن من المعقولات يعمل في مجال المعرفة الأوليّة التي تسبق التجربة، وسلّم العقليّون أنّ المعارف التي يتمّ اكتسابها عن طريق التجربة (معرفة بعديّة)، وهي الأخرى تحتاج للعقل لكي يطبّق عليها الاستقراء والقياس. لكنّ الموقف النقديّ الموجِّه لنظريّة حتميّة المرجعيّة الواحدة للمعرفة ـ كما هو اختيار مرحلة قرون النهضة الأوليّة (البيكونيّة) ـ حصر المعرفة بالتجربة وهي نظريّة العامل الواحد، وترفض ما ظهر في حضارة الهند وما بنت عليه المسيحيّة ما سمّي بمفهوم الاعتقاد ( faith)، وهو فعل أو عزم يعقد المرء النية على أن يقبله كشيء صادق.
أمّا منهج العترة من آل البيت (عليهم السلام) في مرجعيّة المعرفة، فيصرّ على أن أوّل المرجعيّات وأكثرها اتِّساعاً (وحي الله تعالى للبشر) ثمّ إنارة المعصومين، ثمّ الحجة الباطنة (العقل)، ولا مانع من أن تكون الملاحظة والتجربة رافداً من روافد المعرفة، ومن أنعم الله عليه بهبة العلم فإنّ لذلك معياراً هو ألا يصطدم مع حقيقة نقليّة، أو قاعدةٍ عقليّة.
________________________________________
(12)م. ن، ج2، ص 19.

[الصفحة - 110]


والوحي في التوصيف الإسلاميّ مرجعٌ معرفيٌّ يتميّز عن سائر مصادر المعرفة بأنّه يحتوى على إدراك الحقيقة المطلَقة أي أنّه يعلم الأشياء كلّها على حقيقتها، لقوله تعالى: {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت، 42)، وأنّه يقدِّم معارف متنوِّعة، فهو قادر على أن يقدِّم المعرفة منفرداً عن كلِّ المصادر، وأخيراً فإنّه يحوي الإخبار عن الغيب أو الشهود، وإدراك جوهر القوانين الكونيّة والسنن الحاكمة على الوجود برمّته، فعن ابن الطيّار عن الصادق (ع) قال: «إنّ الله احتجَّ على الناس بما آتاهم وعرَّفهم» (13)، وعن محمد بن حكيم قال: «قلت لأبي عبد الله (ع): المعرفة من صنع من هي؟ قال: من صنع الله ليس للعباد فيها».
وإذا كان القرآن الكريم هو الوحي الموحَى والنصّ المدوّن فإنّ المنهج العلويّ يقرّر أنّه لا يكون حجّة إلا بقيِّم، وكان رسول الله (ص) مبلّغه والقيّم على تأويله لأنّه سيد الراسخين في العلم، كما أنّ علياً (ع) كما روى الصادق (ع) (14)كان قسيم القرآن، وبذلك فإنّ (القدوة العالمة المجسّدة المعصومة المطاعة التي لا تتضارب مع نصٍّ موحىً أو قاعدة عقل قاطعة) هي المرجعيّة الثانية، وورد عن الصادق (ع): « إنّ الله تبارك وتعالى اتَّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتَّخذه نبياً وإنّ الله اتَّخذه نبياً قبل أن يتَّخذه رسولاً، وإنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، وإن الله اتّخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً، فلمَّا جمع له الأشياء قال: إنّي جاعلك للناس إماماً» (15).
وقد أوجز الإمام الباقر (ع) في خطابه لأبي حمزة: قال: «يا أبا حمزة يخرج أحدكم فراسخ فيطلب لنفسه دليلاً وأنت بطريق السماء أجهل منك بطريق الأرض فاطلب لنفسك دليلاً» (16)، وجاء عن الصادق (ع) أنّه «لا يسع الناس إلا معرفتنا ولا يعذر الناس بجهالتنا» (17)، وجاء عن الصادقين: نحن خزنة علم الله (18) و«نحن تراجمة وحيه» (19).
فإذا اتَّحدت المرجعيّة الأساس (كتاب الله ـ وكلام العصمة) بكونها ميزان العلم، ومعيار المعرفة، فإنّ العقل هو الوعاء الذي يتلقَّى عنهم، ولا يشقى بالشك، فإنّ
________________________________________
(13)م. ن، ج 1، ص 163.
(14)م. ن، ج 1، ص 98.
(15)م. ن، ج 1، ص 175.
(16)م. ن، ج 1، ص 185.
(17)م. ن، ج 1، ص 188.
(18)المجلسي، بحار الأنوار، ج 41، ص 13.
(19)م. ن، ج 41، ص 13.

[الصفحة - 111]


اليقين الإجماليّ حاصل لا محالة بذلك الوصف الربَّاني للحقيقة بالصدق المطلق المؤيد بالدليل الأزلي والبرهان التام.
لذلك يمكننا القول: إنَّ مرجعيّات المعرفة في التصوير الإسلاميّ يكمل بعضها بعضاً ولا تَنافر فيها ولا قطيعة بين أجزائها، فهناك تكامل بين الوجود والوحي وبين النظر والملاحظة الدقيقة التجريبيّة، وبين معرفة الشهود ومعرفة الغيب، كل ذلك نابع من تجليات مبدأ التوحيد وأثره في إدراك وحدة الحقيقة، في حين أنّ التجربة الحضاريّة الأوربيّة تفضّل بل تتعارض في مرجعيّاتها المعرفة الدنيويّة مع معرفة الغيب، والموجة العقليّة مع الحسيّة.
لقد استخدام بيكون أو ديكارت كلمة منهج method بمعناها الأوليّ أي (قواعد للسلوك تفضي بلا هوادة إلى المزيد من المعرفة) وبذلك يكمن تناقض بين نقد بيكون للفلسفة العقليّة وبين اعتقاده بقوّة المنهج (20).
إنّ مرجعيّات المعرفة في التصوّر الإسلاميّ فيها خصيصتان: الأولى أنّها مركَّبة ووظيفيّة من جهة، وأنّ لها تراتبيّة قهريّة من جهةٍ أخرى.
أمّا كونها مركَّبة فهي مركّبة من (الوحي) و(التأمّل والنظر والعقل) ومركّبة من عدم استبعاد الإلهام والحدس والكشف مع عدم التقليل من قيمة الملاحظة والتجربة في اكتشاف المجهول, ومع فصل مصدر المعرفة عن حجيّتها فالحدس والإلهام والكشف من مصادر المعرفة، وقد عرف الصوفيّة مسلك الحدس في اكتشاف الحقائق فهم يرون أنَّ المعرفة العقليَّة وإن كانت أكثر رسوخاً إذا ما قورنت بالمعرفة الحسيّة, إلا أنّ العقل له مجال محدود لا يتجاوزه، ودور الحدس في اختراقه ما وراء العقل.
وأما أنها مرتبة فهي مرتبة تنازلياً، حيث إنّ الوحي هو الأساس والرؤية ومنه تُنتزع مشروعية المصادر المعرفيّة الأخرى. ونَلحظ أنّ الإيمان بالوحي لا يتمّ إلا بمقدِّمات
________________________________________
(20)فلسفة الكوانتم (فهم العلم المعاصر وتأويله) تأليف رولان أومينس ترجمة أحمد فؤاد باشا، سلسلة عالم المعرفة العدد 350 ص 527.

[الصفحة - 112]


عقليّة ومبرهنات نظريّة، أي دليل عقليّ قطعيّ ـ المعجزة ـ الذي يؤدّي إلى الإيمان بالتوحيد وأصول الرسالة ثمَّ آليّات عقليّة للتعامل مع النصّ، ثمَّ آليّات عقليّة لاكتشاف حكم ما سكت عنه النصّ، ثمّ الإقرار بنتائج التجربة الحدسيّة وعدم استبعاد (الكشف) لما له من مؤيّدات؛ فعن المعلّى بن خنيس قال، قال أبو عبد الله (ع): «ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب الله عزّ وجل ولكن لا تبلغه عقول الرجال» (21)، وفي رواية الصادق (ع) عن جدّه أمير المؤمنين(ع) أنّه قال: «ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكم، إنّ فيه علم ما مضى، وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة وحكم ما بينهم وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون» (22). ويلاحظ أنّ عشرات الأحاديث عن المعصومين (عليهم السلام) أكّدت على أنّ خاصيّة الموافقة مع كتاب الله سِمَةٌ من سِمَات الصحة(23).
إنّ قضيّة المرجعيّات المركَّبة من جهةٍ والمترتّبة تراتبيّةً خاصةً من جهةٍ أخرى تفكِّك إشكاليّة (يقينيّة المعرفة) التي لا تزال دون حلّ في الغرب، فهناك اختلاف في مدى المعرفة، فمنهم من يقول إنَّ العقل يدرك المعرفة ويصل إلى اليقين، ومنهم من يصر على أنّ المعرفة كلها إجماليّة إلى جانب من يرى أنّ معرفة العالم مستحيلة.
وعليه ووفق التراتبيّة لا داعي لاعتماد مرجعيّة محدّدة ومحدودة للمعرفة في التصوّر الإسلاميّ.
5 ـ مسالك المعرفة
زخرت أحاديث الكافي بما يشكّل كتلةً معرفيّة تكوِّن مسالك المعرفة، ومن تلك المسالك:
أـ إشاعة ثقافة السؤال والتساؤل، فبين النص والتساؤل مسلك للبيان، فقد ورد عن أصحاب الصادق عنه (ع) أنّه قال لحمران: «إنّما يهلك الناس لأنَّهم لا يسألون» (24)، وورد عنه: «إنّ هذا العلم عليه قفل ومفتاحه المسألة» (25)، وعنه (ع) قال: «لا يسع الناس حتّى يسألوا» (26).
________________________________________
(21)- الكليني، الكافي، الأصول، ج 1، ص 60 ، ح 6.
(22)م. ن، ج 1، ص61 ، ح7.
(23)م. ن، ج 1، ص 41.
(24)م. ن، ج 1، ص40، ح 2.
(25)م. ن، ج 1، ص40 ، ح 3.
(26)م. ن، ج1، ص 41 ، ح 4.

[الصفحة - 113]


ب ـ التعايش الدائم مع المعرفة، وهو مسلك اعتبار هاجس المعرفة (قلقاً) دائماً يسعى إليه الناس للاستزادة الدائمة، فعن الإمام الباقر(ع): «رحم الله عبداً أحيا العلم. قلت: وما إحياؤه؟ قال: أن يُذاكر به» (27).
ج ـتدرّج الإدراك: وهو المسلك الذي يبدأ من السماع، فالإسماع، فالتفهّم فالتدبّر، فعن الصادق (ع) قال: «ألا لا خير في علم ليس فيه تفهّم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر» وعنه أيضاً قال : جاء رجل إلى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله ما العلم؟ قال: الإنصات؟ قال: ثمَّ م؟ قال: الاستماع، قال: ثمَّ م؟ قال الحفظ، قال: ثمَّ م؟ قال: العمل به، قال: ثمَّ م؟ قال: نشره (28).
د ـالوقوف عند الشبهة خيرٌ من اقتحام الهلكة، فقد روى الزهري عن الإمام الباقر (ع) في هذا المسلك قوله: «وتركك حديثاً لم تروه خير من روايتك حديثاً لم تحصه» (29)، وعن الصادق (ع) قوله: «لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه والتثبت».
هـ ـ من مسالكه التدوين: قال الصادق (ع): «اكتبوا فإنّكم لا تحفظون حتَّى تكتبوا» (30).
و ـ التدقيق في أنّ القياس على إطلاقه لا يُنتج علماً، عن الصادق (ع): «إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحق إلا بعداً»، وعنه(ع) قال: «إنّ السنّة لا تقاس... يا أبان إنّ السنّة إذا قيست محق الدين» (31).
زـ قانون الترجيح الممنهج: لا بدّ من حلٍّ حاسم لما يتشابه من الموارد؛ فالنظريّة المعرفية الأكثر رصانةً تبني عنواناتها الأوليّة ثمَّ تعالج الطارئ (بعنوان معرفيّ منهجيّ يسمى العنوان الثانوي نطلق عليه قانون الترجيح)، فعن عمر بن حنظلة في روايته التي تسمّى مقبولة والتي وضعت قانون الأرجحيّة المكوَّن نجد:
1ـ الأخذ بما حكم به الأعدل، بين الفقيهين.
________________________________________
(27)م. ن، ج1، ص 41، ح1.
(28)م. ن، ج 1ص 49، ح 4.
(29)م. ن، ج 1، ص 50، ح 9.
(30)م. ن، ج 1، ص 52، ح9
(31)م. ن، ج 1 ص 58، ح 15.

[الصفحة - 114]


2ـ الأخذ بما حكم به الأفقه.
3ـ الأخذ بما حكم به الأصدق الأروع.
4ـ الأخذ بما حفظ بإجماع الأصحاب ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور.
5ـ فإذا كانا مشهورين رواهما الثقات فيُلاحظ ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامّة(32) .
6 ـ قضايا المعرفة
من خلال الرواية التي في سندها علي بن إبراهيم وسماع سفيان بن عيينة عن الصادق (ع) قال: «وجدت علم الناس كله في أربع:
أولها: أن تعرف ربك
الثاني: أن تعرف ما صنع بك
الثالث: أن تعرف ما أراد منك
الرابع: أن تعرف ما يخرجك من دينك» (33).
* * *
________________________________________
(32)م. ن، ج 1، ص 68، ح 10.
(33)م. ن، ج 1، ص 50، ح 11.

[الصفحة - 115]