البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الفلسفة الوسيطية في الإسلام أصالتها وصحة تسميتها

الباحث :  د حسين صفي الدين
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  64
السنة :  السنة السادسة عشر شتاء 1433 هجـ 2012 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  1037

الفلسفة الوسيطية في الإسلام
أصالتها وصحة تسميتها

الدكتور حسين صفي الدين (*)

ما يزال الجدل قائماً عند مؤرِّخي الفكر الفلسفيّ حول عنونة الفلسفة التي نشأت في ظلِّ الحضارة الإسلاميّة وفي تقييم أصالتها وإظهار مزاياها وتقدير عناصر الإبداع فيها, فكثيراً ما نطالع هذه العبارات والصيغ التي تتردَّد في كتاباتهم من قبيل: «إنّ الروح اليونانيّة تمتاز بالذّاتيّة»، «إنّ الروح الإسلاميَّة تنكر الذاتيّة وتفني الذات في كائن يعلو على جميع الذوات»، «إنّ العقليَّة العربيَّة عقليَّة مفرَّقة تقتنص الطرائف, ومجال إبداعها الأفكار القصيرة والملاحظات العابرة, على حين أنّ العقليّة الأوروبيّة هي عقليّة ربط وتنسيق وتفكير منهجيّ وبحث منظَّم»، «إنّ الشرق يسوده الشعور المباشر, بينما يسود اليونان حريّة الفرد, والرومان العموم المجرّد أو الدولة, والجرمان وحدة الفردي والكلي»، «إنّ الشرق تهيمن عليه فكرة اللامتناهي, وأمَّا الحضارة اليونانيّة الرومانيّة فتسود فيها فكرة المتناهي».
وبقيت الأسئلة تطرح حول تسمية ووصف هذه الفلسفة, هل هي فلسفة عربيَّة أم إسلاميَّة؟ هل التسمية مجرَّد إطلاقٍ لفظيٍّ لا يترتب عليه أيُّ أثرٍ معرفيٍّ أم أنَّ هناك إشكاليَّة معرفيَّة تقف خلف التسميات؟ أو لا هذا ولا ذاك إنَّما هل هي فلسفة وسيطيّة بكلِّ ما للكلمة من معنى, وبين هؤلاء وجد من يعرِّي العرب والمسلمين من مزايا التفكير الفلسفيِّ. وسوف نتعرَّض لآراء هؤلاء مع قليلٍ من البسط والنقد لنستخلص
________________________________________
(*) أستاذ جامعي وباحث، من لبنان.

[الصفحة - 65]


الرأي المختار في محاولة للإجابة عن الأسئلة التي تقدَّمت.
الفلسفة عربيَّة، المباني والأدلّة
يسعى المتبنَّون لإطلاق وصف العربيَّة على الفلسفة لصياغة بعض المباني للاستدلال على مدّعاهم وتتمثَّل بالتالي:
1ـ هي فلسفة عربيَّة لأنَّها كُتبت باللغة العربيّة, وهذا مبنيّ في الأساس على أنَّ اللغة هي التي تُعطي النتاج الفلسفيّ والفكريّ, يقول (آلفرد آير) الفيلسوف المنطقيّ الوضعيّ: «اللغة هي الفكر وهي التي تمنحه هويّته» (1). فكما أنَّ الأدب ابن بيئته وثقافته فإنَّ أيَّ لغةٍ أيضاً ومن خلال نسيجها الخاص بها تُنتج منظومةً فكريّةً معيّنةً. وقد تبنّى هذا الرأي أغلب الذين عملوا في فلسفة اللغة.
2ـ هي فلسفة عربيَّة لأنَّها نشأت بصورةٍ عامّة في أحضان الثقافة العربيّة, فالعرب هم مادّة الإسلام الأولى؛ فهم الدعامة الحقيقيّة للثقافة العربيّة بما فيها من نشاطات ماديّة ومعنويّة, وعليه فالتراث العقليّ الفلسفيّ العربيّ هو نتاجٌ عربيّ مَدينٌ للعرب من حيث إنّهم حملوا لواء الدفعة الأولى للدّين الإسلاميّ وللثقافة الإسلاميّة.
3ـ هي فلسفة عربيّة لأنَّ أغلب الذين أسهموا في تشكيلها كانوا من العرب بالمعنى الإثني للكلمة، ولذا حقٌّ علينا تسميتها بالفلسفة العربيّة. يقول في ذلك المستشرق الهولندي أرنست رينان: «إنّ من الخطأ وسوء الدلالة بالألفاظ على المعاني أن نُطلق على فلسفة اليونان المنقولة إلى العربيّة لفظ فلسفة عربيّة, مع أنَّه لم يظهر لهذه الفلسفة في شبه جزيرة العرب مبادئ ولا مقدِّمات, فكلُّ ما في الأمر أنّها مكتوبة باللغة العربيّة» (2). ويظهر في هذا القول مسبقاً عند (رينان) أنَّ دور العرب في البناء الفلسفيِّ اقتصر على الترجمة فقط. وقد تبنَّى هذا الرأي جميع الذين يذهبون إلى أنَّ معظم قضايا الفلسفة العربيّة قد نُقلت من الفلسفة اليونانية, وإن وجِدَ من الفلاسفة العرب من حاول التوفيق بين المنقول والمترجم وبين تعاليم الدين الإسلاميّ.
________________________________________
(1)- ألفرد آير (ALFERD AYER): فيلسوف منطقي وضعي(1910م.), لم يكن وفياً للوضعية المنطقية إذ انحرف عن النهج الاختزالي للتخلص من القضايا الميتافيزيقية إلى منهج يعتمد التحليل اللغوي في فهم الفلسفة وحلّ المشكلات الفلسفية, حيث يعتبر أن تحليل المفاهيم الملائمة وترجمتها إلى اصطلاحات واضحة وضوحاً منطقياً يعتبر التحليل الحيادي الوحيد في فهم الفلسفة. راجع: معجم الفلاسفة. جورج طرابيشي ([بيروت], دار الطليعة, ط 1, 1987م.) ص11. أيضا: الموسوعة الفلسفية, ترجمة: سمير كرم, ([بيروت], دار الطليعة, ط1, 1974م.) ص 64.
(2)- آرنست رينان, تاريخ اللغات السامية, ص 15.

[الصفحة - 66]


فلسفة إسلاميّة، النشأة والبيئة
إنَّ الذي جمع هؤلاء الفلاسفة هو الإسلام وليس الجغرافيا أو العرق, لذا صحّ تسميتها بالفلسفة الإسلاميّة، فأصحابها عاشوا في دار الإسلام, ولو أنَّ بعضهم لم يعتنق الدين الإسلاميّ. وبعبارةٍ أُخرى إنّ هذه الفلسفة نشأت في إطارٍ تاريخيٍّ ـ حضاريّ وسياسيّ ـ إسلاميّ, ضمن حاضنة الحضارة الإسلاميّة والتي كان يسودها النظام الإسلاميّ بحيث أثّرَت وأثْرَت الروح الإسلاميّة أفكار الفلاسفة المسلمين. يقول الأستاذ مصطفى عبد الرزاق: «نرى أن نسمّي الفلسفة التي نحن بصددها كما سمّاها أهلها (فلسفة إسلاميّة) بمعنى أنَّها نشأت في بلاد الإسلام وفي ظلِّ دولته, من غير نظرٍ لدين أصحابها ولا لغتهم, ولا نرى في هذه التسمية موضع نقد يدعو للتفكير في تبديلها»(3).
ويقول الدكتور إبراهيم مدكور: «أنا أميل لتسمية هذه الدِّراسات (فلسفة إسلاميّة) لاعتبارٍ واحد وهو أنَّ الإسلام ليس ديناً فقط, بل هو دين وحضارة. وهذه الدِّراسات على تعدّد مصادرها وتباين المشتغلين بها قد أثّرت ولا شك بالحضارة الإسلاميّة, فهي إسلاميّة في مشاكلها والظروف التي مهَّدت لها, وإسلاميّة أيضاً في غاياتها وأهدافها, وإسلاميّة أخيراً بما جمعه الإسلام في باقتها في شتّى الحضارات ومختلف التعاليم» (4).
ويرفض المستشرق الفرنسيّ هنري كوربن تسمية الفلسفة بالعربيّة بالرغم من أنّ نبيَّ الإسلام كان عربياً، واللغة الفصحى هي لغة الوحي القرآنيّ ولغة الصلاة والأداة الفكريّة التي استعملها العرب في بناء أدبٍ غزيرٍ. ويُرجِع سبب هذا الرفض إلى أنّ «معنى الدلالات القوميّة يتطوّر مع الزمن, ففي أيّامنا يُسند مصطلح عربيٍّ في العرف الجاري كما في العرف الرسميّ, إلى مفهومٍ قوميٍّ, وطنيٍّ وسياسيٍّ دقيق لا يطابق حدود عالمه, ولا المفهوم الدينيّ لكلمة إسلام؛ فالشعوب العربيّة أو المستعربة ليست سوى قلّة قليلة من مجموع العالم الإسلاميّ؛ والمفهوم الدينيّ
________________________________________
(3)- مصطفى عبد الرزاق, تمهيد لتأريخ الفلسفة الإسلامية, ([القاهرة], 1959م) ص 20.
(4)- ابراهيم بيومي مدكور, في الفلسفة الإسلامية: منهج وتطبيق, ([دار المعارف], ط 3, 1968 م) ص 15.

[الصفحة - 67]


لكلمة إسلام لا يمكن تحويله ولا التضييق عليه بحدود مفهوم قوميّ أو وطنيّ دنيويّ» (5).
وقد مال الدكتور عبد الرحمن بدويّ إلى وصفها بالفلسفة العربيّة الإسلاميّة, وأكّد على أنّ وصفها بالإسلاميّة لأن أصحابها عاشوا في دار الإسلام. وقد أطلق دي بور, ومتز, وغيرهما اسم الفلسفة الإسلاميّة للأسباب التي ذكرناها.
الإنصاف في الرأي
لا يمكن وصف أيِّ فكرٍ بوصف اللغة التي كُتبت به, فلا يوصف الفكر الغربيُّ اليوم بأنّه فكر إنجليزيّ لأنّه كتب بهذه اللغة فحسب, فاللغة تفرض هيمنتها على مختلف مناحي الحياة, إذا كان أصحابها أو الناطقون بها سبّاقين في عالم الفكر والعلم, وهذا ما حصل في حقبةٍ مديدةٍ من تاريخ الزمن, فقد كُتبت الفلسفة باللغة العربيّة كما سائر الكتب العلميّة والأدبيّة وغيرها؛ لأنّها لغة القرآن والسنة؛ ولأنَّها أيضاً كانت اللغة العلميّة والأدبيّة والثقافيّة, تماماً كما هو شأن اللغات الحيّة اليوم. ومن جهةٍ أُخرى, فإنَّ اللغة هي تعبير عن الفكر تترك تأثيرها فيه ولا تُنتجه البتة. نعم هي تساعد في بيان مقاصده بفعاليّة أكبر إذا كانت اللغة غنيّة بمفرداتها وبفصاحتها وبلاغتها.
ثم إنَّ فلاسفة الإسلام لم يكن معظمهم من العرب بمعنى أنّ العنصر العربيّ لم يكن راجحاً على غيره من الترك والفرس والبربر؛ فنحن نجد أنَّ أعلام أهمِّ مدرستين فلسفيتين ـ أعني المشائيّة والإشراقيّة ـ لم يكونوا عرباً كالفارابيّ وأبي علي ابن سينا والشيخ شهاب الدين السهرورديّ, أضف إليه أنَّ بعض فلاسفة الإسلام لم يعتنقوا الدين الجديد. وينبغي أن نُشير إلى أنَّ الفلسفة ـ وكما سنرى فيما بعد عند الحديث عن تمايز العلوم ـ علمٌ عقليٌّ خالصٌ ومن كان شأنه كذلك فلا يوصف بوصف دينيٍّ أو لغويٍّ أو عرقيٍّ حتّى يُقال فلسفة عربيّة أو إسلاميّة,
________________________________________
(5)- هنري كوربن, تاريخ الفلسفة الإسلامية, , ([بيروت], دار عويدات, ط 2004) ص 41 .

[الصفحة - 68]


لذا وقبل إطلاق أيِّ تسميةٍ يجب أن نعمد إلى تقييم الفلسفة وبيان ماهيّتها حتّى تكون التسمية أقرب إلى المضمون.
أصالة الفلسفة الإسلاميّة
حول تقييم الفلسفة في الإسلام والحكم عليها بأنّها هل كانت فلسفةً أصيلةً أم لا، وهل اقتصر دور المسلمين على نقل وترجمة الفلسفة اليونانيّة أم أنَّهم شاركوا إلى حدٍ ما بصياغة فلسفة جديدة، نستطيع أن نستقصي الآراء التالية:
الرأي الأوّل: اقتصر دور المسلمين على نقل الفلسفة من اللغة اليونانيّة إلى اللغة العربيّة, وشكّلوا واسطةً مرّةً أخرى عندما نُقلت إلى أوروبا, جُلّ ما هناك أنَّهم كانوا مترجمين وقد أدّوا دورهم بشكل نزيه (6). وقد عبّر المستشرق الهولندي دي بور بقوله: «وظلَّت الفلسفة الإسلاميّة على الدوام فلسفة انتخابيّة عمادها الاقتباس ممّا تُرجِمَ من كتب الإغريق.... فلم تتميّز تميّزاً يُذكر عن الفلسفة التي سبقتها, لا بافتتاح مشكلات جديدة, ولا هي استقلّت بجديد فيما حاولته من معالجة المشاكل القديمة» (7).
الرأي الثاني:عندما ترجم العرب الفلسفة اليونانيّة في عهدٍ متأخِّر عن زمان نزول الوحي وانتشار تعاليم الإسلام, وجد فلاسفتهم أنَّ الكثير من الفلسفة اليونانيّة لا يتّفق وروح الإسلام, لذا انصبَّ جُلّ اهتمامهم على التوفيق بينها وبين الدين الإسلاميّ. وعلى هذا فإنّا نجد في الإسلام رجالاً كثيرين لم يستطيعوا أن يردّوا أنفسهم عن التفلسف على حد تعبير (دي بور) (8).
الرأي الثالث:ينبغي البحث عن الفلسفة الإسلاميّة أو العربيّة الأصيلة في الفِرَق الكلاميّة وفي حركات المتصوِّفة. يقول آرنست رينان: «إنَّ ما يُسمَّى فلسفة عربيّة ليس إلاّ قسماً من الحركة الفلسفيّة في الإسلام... إنّ الفلسفة الحقيقيّة ينبغي أن نبحث عنها في الفِرَق الكلاميّة... ولكنَّ المسلمين لم يُطلقوا على المناقشات
________________________________________
(6)- آرنست رينان, ابن رشد والرشدية, ص 11 .
(7)- دي بور, تاريخ الفلسفة في الإسلام, ص 34 .
(8)- م. ن.

[الصفحة - 69]


الكلاميّة اسم الفلسفة وإنَّما أطلقوه على مدرسةٍ خاصّةٍ, وهي الفلسفة اليونانيّة ومن يدرسونها» (9).
الرأي الرابع:ذهب بعض مؤرِّخي الفكر الفلسفيِّ قديماً وحديثاً إلى أنَّ العرب كأمّة وملّة لم يستطيعوا إنتاج فكرٍ فلسفيٍّ محكَم الإتقان تتوفَّر فيه عناصر الإبداع والنبوغ والابتكار. وهذا الرأي المنكر لمعاني التفلسف عند العرب اتّخذ قديماً وحديثاً على أيدي الشعوبية صوراً من الإنكار المحض لكلِّ سِمَات التحضّر والتقدّم, فكانوا يُرجِعون سبب ذلك إلى أنّه «لم يكن للعرب ملك يجمع سوادها ويضمُّ قواصيها, ويقمع ظالمها وينهي سفيهها, ولا كان لها قطّ نتيجة في صناعة ولا أثر في فلسفة» (10). ومنهم من المتأخِّرين من أرجع ذلك إلى أنَّ العنصر الساميّ عكس العنصر الآريّ لا طاقة له إلاّ على إدراك الجزئيات دون النظرة الشاملة لما يطوف حوله. وقد ذهب إلى ذلك كلٌّ من آرنست رينان, وكرستيان لاسن, وكوتيه من المستشرقين, وكذلك الشهرستاني وصاعد الأندلسيّ, وابن خلدون, وأحمد أمين, وعبد الرحمن بدوي, ونذكر بعض ما أورده هؤلاء حول هذا الموضوع:
يقول آرنست رينان: «ليس العرق السامي هو ما ينبغي لنا أن نطالبه بدروس في الفلسفة. ومن غرائب النصيب ألا يُنتج هذا العرق, الذي استطاع أن يطبع على بدائعه الدينيّة أسمى سِمَات القوّة, أقل ما يكون من بواكير خاصّة في حقل الفلسفة, ولم تكن الفلسفة لدى الساميين غير استعارة خارجيّة صرفة خالية من كبير خصب, وغير اقتداء بالفلسفة اليونانيّة» (11).
ويقول أحمد أمين: «العربيّ لم ينظر إلى العالم نظرةً عامّةً شاملةً كما فعل اليونانيّ مثلاً... أمَّا العربيّ فلم يتَّجه نظره هذا الاتِّجاه ولا بعد الإسلام, بل كان يطوف فيما حوله, فإذا رأى منظراً أعجبه تحرّك له وجاش صدره بالبيت أو الأبيات من الشعر, أو الحكمة, أو المثل, .... أمّا النظرة الشاملة والتحليل الدقيق
________________________________________
(9)- آرنست رينان, ابن رشد والرشدية, ص 11 .
(10)- ابن عبد ربه, العقد الفريد, ج 2, ص 86 . أيضا : البيان والتبيين, الجاحظ, ج 3-5, ص 124.
(11)- رينان, تاريخ اللغات السامية, ص 15.

[الصفحة - 70]


لأُسسه وعوارضه , فذلك ما لا يتفق والعقل العربيّ» (12).
ويقول صاعد الأندلسيّ: «وأمّا علم الفلسفة فلم يمنحهم الله عزّ وجل شيئاً منه, ولا هيّأ طباعهم للعناية به, ولا أعلم أحداً من صميم العرب شهر به إلاّ أبا يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي, وأبا محمد الحسن الهمداني» (13).
ويرى الشهرستانيّ أنّ العرب لم يقدِّموا نظرةً شاملةً مجرّدةً وعقليّةً للكون والإنسان والعالم, وما قدّموه هو أقرب إلى فلتات الطبع وخطرات الفكر, يغلب عليه طابع الفطرة (14).
إنّ هذا الرأي يعتمد على ركنين أساسَيْن:
الأوّل: هو التمييز الدقيق للفلسفة عن غيرها من العلوم الأخرى كعلم الكلام بالتحديد, يقول عبد الرحمن بدوي في موسوعته الفلسفيّة: «إنّ علم الكلام الذي اعتبره رينان فلسفة الإسلام الحقيقيَّة لا وجه لإدراجه ضمن الفكر الفلسفيّ؛ لأنّه لا يجب أن نُطلق الفلسفة إلاّ على التفكير العقليِّ الخالص, وعلم الكلام يستند إلى النصوص الدينيّة» (15).
الثاني: هذا المبنى قائم على المطالعة العميقة لتأثير وتأثّر الحضارات الإنسانيّة فيما بينها. وملخّص هذا المبنى أنّ العرب لم يتأثّروا بالروح اليونانيّة, فهم لم يُنتجوا فلسفةً لأنّهم لم يستطيعوا فهم هذه الروح, فالروح اليونانيّة قائمة على الشعور المتأكِّد بتحيّز الذات الإنسانيّة مقابل الأشياء الخارجيّة (الطبيعة الداخليّة مقابل الطبيعة الخارجيّة), بينما الروح الإسلاميّة قائمة على الشعور بالفناء في غيرها, وهو يعلو ويقهر الذوات كلها والتي هي من آثاره ومن خلقه, وشرط إبداع الفلسفة هو تأكيد الذّات.
يقول (بدوي) في مقدِّمة كتابه (التراث اليونانيّ في الحضارة الإسلاميّة): «إنكار الذاتيّة يتنافى مع إيجاد المذاهب الفلسفية كلَّ المنافاة؛ لأنّ المذهب
________________________________________
(12)- أحمد أمين, فجر الإسلام, ط 6 , ص 41- 42. أيضا: الجانب الإلهي في التفكير الإسلامي, د. محمد البحصي, ص 15.
(13)- صاعد الأندلسي, طبقات الأمم, ([دار السعادة] مصر), ص 700.
(14)- الشهرستاني, الملل والنحل, ج 2, ص 157.
(15)- عبد الرحمن بدوي, الموسوعة الفلسفية, ج 1, مادة ابن رشد.

[الصفحة - 71]


الفلسفيِّ ليس إلاّ التعبير عن الذّات في موقفها بإزاء الطبيعة الخارجيّة أو الذوات الأخرى... ومن هنا كان اختلاف المذاهب الفلسفيّة اختلافاً من طبيعة الفلسفة نفسها» (16).
بناءًً على ما تقدّم فإنّ المسلمين لم ينتجوا فلسفةً أصلاً, وما أخذوه عن الفلسفة اليونانيّة إنّما هو العلوم العمليّة التي هي قدر مشتركٌ بين الناس جميعاً على اختلاف بيئاتهم الحضاريّة التي ينتمون إليها, وكذلك أخذوا العناصر الشرقيّة التي مُزجت بها الفلسفة اليونانيّة. ففي الحقيقة استعاد الشرقيّون ما أخذته منهم الروح اليونانيّة في السابق, لذلك نجد القبول الواضح الذي لقيته الأفلاطونيّة المحدثة في العالم الإسلاميّ.
الرأي المختار
إنّ أصحاب الآراء المتقدِّمة ينطلقون من أوّلية مسلَّمةٍ عندهم وهي إنكار قدرة العقل العربيّ الإسلاميّ وعجزه وعدم استقلاليّته في إنتاج المعرفة العقليّة. وهذا الرأي ضعيف للأسباب التالية:
أكّد الباحثون في فلسفة الحضارات إمكان قيام ونشوء أفكار متشابهة في بيئات فكريّة منفصلة ومستقلّة بعضها عن بعضها الآخر, وذلك تبعاً لنظريّة المعرفة بالنشوء والارتقاء المتشابه (The theory of converge evolution), فلِمَ لا نقول بأنّ الحياة العقليّة في الإسلام قد نشأت بغضِّ النظر عن التأثير الأجنبي والذي أتى في حقبةٍ متأخِّرةٍ؟.
إذا ما استثنينا نظريّة التأثير والتأثّر بين الحضارات, فإنّا سنجد عوامل ذاتيّة أدّت إلى نشوء الحياة العقليّة في الإسلام, استثارتها أولاً التعاليم الإسلاميّة التي جاءت على لسان الوحي, ثمّ غذّتها فيما بعد التطوّرات الاجتماعيّة والسياسيّة للمجتمع الإسلامي, فهذه الأصول الذاتيّة هي التي أثارت ظواهر الحياة العقليّة
________________________________________
(16)- عبد الرحمن بدوي, التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية, ([بيروت], دار القلم , ط 4, 1980م) المقدمة.

[الصفحة - 72]


والروحيّة في الإسلام, وهي التي شكّلت السبب الأساس في خلق الحركة الفكريّة العفويّة والجادّة.
إنّ تاريخ الفلسفة والفكر هو تاريخ تكامليّ في المعرفة (Epistemological Continuity) ولا يشكِّل قفزات تطوّرية تاريخيّة، فكلُّ أمةٍ تضع لبنةً في مسير تطوّر الفكر البشريّ ولها إسهاماتها قلّت أو كثرت في إعلاء هذا الصرح؛ فالفلسفة اليونانيّة وكذلك الفلسفة العربيّة الإسلاميّة هما مرحلتان من مراحل التطوّر الفكريّ. طبعاً هناك من يعتقد بالقطيعة المعرفيّة (Epistemological Rupture) في دراسة علم التاريخ بين العصور الفكريّة المختلفة. ومن جملة أنصار هذه النظريّة (فوكو), وطبقاً لهذه النظريّة فإنّ حركتنا الفكريَّة من عصرٍ تاريخيٍّ إلى آخر تمثِّل طفرة معرفيّة, فكأنّنا ننتقل بين خندقين.
لقد أخذ اليونانيّون عمَّن سبقهم من الأمم الشرقيّة بعض العلوم التي رفدت فلسفتهم وحضارتهم, واتَّصل الفكر اليوناني بالفكر السامي حتّى قبل الاسكندر, ووقف بعض فلاسفتهم كطاليس وفيثاغورس على آراء فلسفيّة وعلميّة ما كانت لتوجد لولا زيارتهم مصر وسوريا. ورغم هذه العوامل الدخيلة سُمّيت فلسفتهم باليونانيّة. وكذلك أخذ الغربيّون عن العرب الكثير من العلوم التي ساهمت في تشييد الحضارة الغربية الحديثة, ونُسب التقدّم القائم اليوم إلى الغرب, فَلِمَ لا يحق للعرب والمسلمين أن ينسبوا إليهم فلسفةً يسمّونها كيفما شاؤوا؟ وفي ذلك يقول الأستاذ مصطفى عبد الرزّاق: «إنّ للفلسفة الإسلاميّة كياناً خاصاً يميِّزها عن مذهب أرسطو ومفسّريه, فيها عناصر مستمدَّة من مذاهب يونانيّة غير مذهب أرسطو, وفيها عناصر ليست يونانيّة من الآراء الهنديّة والفارسيّة... ثمّ إنَّ فيها ثمرات من عبقريّات أهلها ظهرت في تأليف نسَقٍ فلسفيٍّ قائمٍ على أساس من مذهب أرسطو, مع تلافي ما في هذا المذهب من النقص, باختيار آراء من مذاهب أخرى بالتخريج والابتكار» (17).
________________________________________
(17)- مصطفى عبد الرزاق, تمهيد لتأريخ الفلسفة الإسلامية, ص 25.

[الصفحة - 73]


ويقول ولف: «إنّه من الخطأ أن يُظنّ أنّ الفلسفة العربيّة هي نسخة منقولة عن مذاهب المشائيّة... انتهى العرب إلى نسقٍ فلسفيٍّ فريدٍ في بابه يُوفِّق بين مقالات مختلفة» (18).
إنّ سنّة التأثير والتأثّر بين الأفكار والثقافات لا يمكن إنكارها؛ فقد أضاف المسلمون إلى فلسفة اليونان الكثير من الابتكارات الجديدة, وفتحوا أبواباً للمعرفة كانت موصدةً من قبل, وخير شاهد:
ـ الكتب القيمة التي ألَّفوها والتي تشهد على ذلك.
ـ الآراء الجديدة التي طرحها أمامهم الدّين الجديد وولجوا فيها.
ـ حجم الأبواب الفلسفيّة الجديدة التي افتتحوها, حيث أضاف العقل الإسلاميّ طائفةً من النظريّات والمسائل التي احتلّت موقع الصدارة في الدِّراسات الفلسفيّة المتأخِّرة (19).
وحين نُمعن النظر في كامل تراث الفلسفة الإسلاميّة (الحكمة المتعالية) نجد أنّ عناوين المسائل الفلسفيّة لا يقل عن 700 عنوان, بينما لم يرث المسلمون من الفلسفة اليونانية أكثر من 200 مسألة.
أضف إلى ذلك أنّ هذه السنَّة (سُنّة الأخذ والعطاء والتأثير والتأثّر) حاكمة، وذلك عندما أخذ الأوروبيّون عنّا العلوم والفلسفة ونقلوها إلى لغتهم عن طريق إسبانيا وإيطاليا، ومن الشواهد على ذلك:
ـ نجد أنّ ديكارت قد سلك نفس طريق ابن سينا والغزاليّ في رحلته من الشكّ إلى اليقين. سلك طريق ابن سينا في إثباته للوجود عن طريق وعي الوجود, وسلك طريق الغزاليّ في شكِّه في كلِّ أنواع المعارف الإنسانيّة ثمّ تثبيت هذه المعارف وتضمينها عن طريق وجود إلهٍ غير مخادع (20).
________________________________________
(18)- وولف, تاريخ الفلسفة الوسيطية, 1924 م, ص 208.
(19)- من هذه المسائل التي عنونت لأول مرة في الفلسفة الإسلامية: أصالة الوجود , الوجود الذهني, أحكام العدم, مسألة الجعل, مناط احتياج الشيء الى علة, المعقولات الثانية الفلسفية, الحركة الجوهرية, كون النفس جسمانية الحدوث روحانية البقاء, كون الزمان بعدا رابعا للمادة, العلم البسيط الإجمالي للباري في عين الكشف التفصيلي.... وغير ذلك . للمراجعة : مطهري, مرتضى, مقالات فلسفي, طهران: انتشارات حكمت, ط1, 1369 ش, ج3: صص 29-32 .
(20)- هناك من يرى اختلافاً كبيراً بين الشك الديكارتي وشك الغزالي, فالأول أدى إلى ظهور أسلوب وطريقة كان البنيان الذي أعاد الاعتبار للمدرسة العقلية في الفلسفة الغربية, أم شك الغزالي فقد كان بحسب الحال لا بحسب المقال كما عبر هو.

[الصفحة - 74]


ـ أسّس اسبينوزا فلسفته على وحدة الوجود, وأنّ العالم هو الله وله جانبان أحدهما المادّة والآخر الروح, وهذا المبدأ نجده بتمامه عند محيي الدين ابن عربي في فصوص الحكم.
ـ حاول الفيلسوف الإلماني إيمانويل كانت هدم الميتافيزيقيا عندما أعلن عقم العقل النظريّ في إثبات الأشياء غير الحسيّة تماماً كما فعل الغزاليّ عندما أعلن عجز العقل أمام الشرع في إثبات الأمور الميتافيزيقيّة (21).
إنّ تسمية الفلسفة العربيّة الإسلاميّة بالفلسفة الوسيطيّة في الشرق إذا كانت تشير إلى العصور الوسطى هي تسمية غير موضوعيّة ومرفوضة؛ لأنّ العصور الوسطى في الغرب والتي دامت واستمرّت ما يقارب الألف سنة كانت عصور ظلام وانحطاط للغرب المسيحيّ, بينما هي فترة ازدهار للشرق العربيّ المسلم, وهو الذي شكَّل حلقة الربط بين القديم والحديث. أضف إلى ذلك أنّه لا يمكننا تقسيم تاريخ الفلسفة الإسلاميّة قياساً على الغرب (الأقدمون ـ القرون الوسطى ـ العصور الحديثة ـ ما بعد الحداثة)؛ لأنّ القرون الوسطى لم تستمر إلى أيّامنا هذه, ذلك أنَّ مفهوم القرون الوسطى ذاته إنّما يفترض نظرةً إلى التاريخ وتقسيماً له على أساسٍ معيّن, أمّـا في الإسلام فإنّ نماذج من الفـكر المتميِّز ما تزال منذ مطلع الدعوة مستمرة إلى يومنا هذا, وفي ذلك يقول هنري كوربن : «مع أنّه من المعتبر عموماً أنً الأبحاث الفلسفيّة, منذ ابن رشد, قد آلت إلى السكون في الإسلام, إلاّ أنّنا سنرى القرن السادس عشر يسجّل, مع تقدّم النهضة الصفويّة, تقدّماً مدهشاً للفكر والمفكّرين في إيران, تستمر آثاره خلال حقبة القاجار حتّى أيامنا هذه» (22).
أخيراّ، إذا كانت التسمية بأنّها فلسفة عربية فهو لأنّها كُتبت باللغة العربية ليس إلاّ, وإذا كانت التسمية بالفلسفة الإسلاميّة فهو لأنّها نشأت في أحضان الحضارة الإسلاميّة, وإذا أطلقنا عليها الفلسفة الوسيطيّة فهو باعتبار أنّها شكّلت حلقة الوصل
________________________________________
(21)- طبعاً يختلف الغزالي عن كانت في أن الأخير ينكر قدرة العقل في إثبات ما وراء الطبيعة ويعتبر أن العقل العملي والاخلاق يفرضان ذلك, بينما يؤمن الغزالي بما وراء الطبيعة ولم يخرج عن منهج المساجلات الكلامية في إثبات ما يدعيه .
(22)- هنري كوربن, تاريخ الفلسفة الإسلامية, ص 46.

[الصفحة - 75]


بين الفلسفة اليونانيّة والفلسفة الحديثة أو أنّها شكّلت فلسفة ميتافيزيقيّة تشبه فلسفة العصور الوسطى من حيث الموضوع والمنهج، فلا مشاحة في الألفاظ والتسميات, فهي فلسفة عربيّة إسلاميّة وسيطية بهذه المعاني التي أوردناها.
* * *
________________________________________

[الصفحة - 76]